الفصائل اللّغوية وموقع الصومالية منها

يمكنك تنزيل هذه الدراسة على هيئة تنسيق PDF أو ميكروسوفت وورد

[accordion auto_height=”false” ui_theme=”ui-smoothness” collapsible=”0″ active=”false”][accordion_panel title=”مقدمة”] تخلّل النقاش الثقافي حول مسألة “تدوين اللغة الصومالية” الذي تناولنا طرفا منه في مقالنا(اللغة الصومالية بين الحرف العربي والحرف اللاتيني – قراءة وتعليق) مسألة مهمة وثرية ترتبط بتصنيف اللغات إلى فصائل وأسر وموضع الصومالية منها. والحق أن مسألة تصنيف اللغات وهل الصومالية عربية؟ أم إنها لغة مستقلة؟ لا تدرس في إطار الألفبائيات الذي كنا نتجاذب أطراف الحديث حوله، وإنما تدرس في موضوع منفصل تماما هو موضوع (تصنيف اللغات إلى فصائل وأسر) الذي شهد تطورا في القرنين الأخيرين.

غير أن إشارة أخينا واستاذنا محمود محمد حسن إلى هذه المسألة التي جعلها رهانا في التدليل على العاطفية التي أسندها إلى دعاة الحرف العربي في آخر مقاله الموسوم بـ (تعقيبا على مقال: اللغة العربية بين الحرف العربي والحرف اللاتيني)، وتساؤله عن ضربنا المثل لتجربة اليهود والصينيين واليابان في الحفاظ على الخصوصية التراثية عبر أنظمة كتابتهم – عززتا في النفس إضاءة جوانب هذا الموضوع الثريّ من وجهة نظر البحث اللغوي، إذ لا مجال هنا لثنائية “أنا” و”الضد” التي أشار إليها الكاتب في مقاله، وحمّل كاهله شق طريق ثالث معتدل.

وقد نال موضوع اللغة الصومالية، وهل هي لغة مكتملة؟ أم طفل غير مكتمل النمو للعربية – كما وصفه الكاتب- غير قليل من النقاش والتجاذب الذي يخلو في الغالب من العلمية، إذ ظل يتناوله العامي والمتخصص وغير المتخصص على حدّ سواء، ما أضفى على الموضوع لونا من السُّوقية، وضربا من التعصّب والحماس، كما يستشف من تساؤل أخينا محمود الذي بدا فيه غير قليل من التضايق من تلك المشاجرات السّوقية التي جرّدت الموضوع من منظومته العلمية والبحثية.

وفي هذا الصدد تتجاذب غالبا ثلاث اتجاهات متوازية، يدعو أحدها إلى أن الصومالية لهجة عربية بائدة تغيرت بفعل الاختلاط والتجاور مع اللغات الإفريقية التي سبقتها إلى المنطقة،[1] بينما يقف آخرون في الطرف الآخر، في تمسّك حادّ بأنّ الصومالية لغة إفريقية، كما أن الشعب الصومالي إفريقي لا دخل له بالعرب ولا العربية ((أصحاب هذا الاتجاه  أغلبهم من  شريحة المزعومين للوطنية الصومالية، وأصحاب الخلفية الثقافية الغربية.))، وظهر في الآونة الأخيرة بعض البلغاء الصوماليين الذين شقّوا طريقا ثالثا يذهب إلى أن الصّومالية أقدم من العربية، وأن العربية انبثقت منها، مستشهدين لذلك عدّة أمثلة طريفة من الجانب المعجمي خصوصا.[2]

ولنعطي عن هذا الموضوع العلمي الواسع فكرة موجزة نجد أنفسنا مضطرّين إلى العروج على عدّة مسائل ذات أهمية بالغة في استيعاب الأسر والفصائل اللغوية، وإن كان تناولها في ورقة واحدة، وفي إطار قراءة صحفية موجزة يحرج البحث اللغوي.

وأيا كان الأمر، فلا بدّ لي أن أعتذر للقراء الكرام مسبقا عمّا يعتريهم أثناء تصفح هذه الورقة من جفاف اللغة العلمية التي تتطلب الدقة المحسوبة، إذ لا سبيل إلى جماليات أسلوب السرد الأدبي فيها، كما ينبغي لي الاعتذار أيضا من “المصطلحات اللغوية” البحتة الواردة في هذه الكتابة، والتي قد لا تحضر غير المتخصصين، هذا مع عزمنا على تلطيف الجو، وتوشيح المصطلحات الغامضة بشيء من التفصيل لتقريبها إلى الأفهام.[/accordion_panel][accordion_panel title=”أولا: بين الوصفية والمقارنة في الدرس اللغوي”][/accordion_panel][accordion_panel title=”1-1 عصور الوصفية في دارسة اللغات”]ظل النحاة في الشعوب الحضارية عاكفين على وصف واستنباط المسائل والقوانين المختلفة للغاتهم من نواحي البحث اللغوي (الصوت، الصرف، النحو، المعجم) على تفاوت في ذلك، دون أن يعيروا أدنى اهتمام لمقارنة تلك القواعد التي توصّلوا إليها بقواعد اللغات المجاورة لهم- على الأقل- والبحث عن أسرار ذلك التشابه. وتوصف تلك المرحلة بعصور “الوصفية في دراسة اللغات“. وقد سار على هذا النهج نحاة الإغريق القدماء والهنود والفارسيين، كما هو الحال عند النحاة العرب بمختلف عصورهم ومدارسهم، الذين ظلوا روّاد البحث اللغوي الوصفي إلى يومنا هذا، إذ لم يبلغ النحاة لدي أمة من الأمم قدر ما وصل إليه النحاة العرب من التفنن في وصف لغتهم بجميع جوانبها، كما يشهد عليه التراث اللغوي الذي تزخر به المكتبة العربية في المشرق والمغرب، بينما تنبهت أوروبا إلى الدرس اللغوي المقارن أولا في القرن الثامن عشر، ومن ثم الوصفي في القرنين التاسع عشر والعشرين، ولا يعرف لهم قبل ذلك دراسات مستفيضة في لغاتهم عدا بعض الدراسات المتمحورة حول الفونولوجيا (علم الأصوات) والمورفولوجيا (علم بنية الكلمة) والأيتمولوجيا (علم أصول الكلمات) التي أجريت للغات الإغريقية واللاتينية دون غيرهما.

وهذا لا يعني أن شعور المقارنة بين اللغات لم تحضر أذهان السابقين على الإطلاق، بل لا نبالغ إذا قلنا أن المقارنة بين الصيغ اللغوية طبيعة لدى الإنسان، وعادة يقبل البدوي في مقارنة لغته بلغة صاحب المدينة أوالقرية، ويتنبّه إلى اختلافات ربما تثير لديه الدهشة أو السخرية، كما أن الفلاّحين في القري يقارنون بين لغتهم ولغات فلّاحين مجاورين لهم، وحتى على مستوى النحاة كان هناك شعور بذلك التشابه، كما يسند إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي إحساسه بأن الكنعانيين كانوا يتحدثون بلغة تضارع العربية[3] كذلك شعر نحاة الإغريق بتشابه لغتهم مع لغات مجاورة،[4] ولكن كل ذلك لم يوصّل إلى استخلاص نتائج لغوية مقارنة، أو التفكير في مقارنة اللغات، والبحث عن أسباب التشابه فيما بينها.[/accordion_panel][accordion_panel title=”1-2 اكتشاف السنسكريتية مدخل للغويات المقارنة “] يكاد المؤرخون للغويات المقارنة يتواطؤون على أن اكتشاف العلاقة بين السنسكريتية (وهي لغة الطقوس الهندوسية) والإنجليزية عام 1786م على يد القاضي الإنجليزي في الهند (ويليام جونز[5] كانت المدخل إلى التفكير في إجراء دراسات مقارنة بين اللغات؛ هدفها البحث عن الصيغ التاريخية التي تفرّعت منها اللغات، ومن ثم محاولة تصنيف اللغات إلى أسر وفصائل، بالتركيز على زوايا التشابه بين لغتين أو مجموعة من اللغات.

وبالتركيز على زوايا الاتفاق والاختلاف تم التوصّل إلى تشابه قائم بين لغات العالم بأسرها، وإن كانت دائرة التشابه تتّسع أحيانا، وتضيق أحيانا أخرى، وهو ما ألقى ظلالا على افتراض أصل عام انبثقت عنه جميع اللغات في العالم أطلق عليه اللسانيون (اللغة الأم)،[6] بافتراض أن أوّل مجموعة من البشر تكلّموا بلغة واحدة في بداية أمر البشرية، وأنّ تلك اللغة كانت تتخذ لهجات مختلفة طبقا لتوسّع رقعة المتحدثين بها، وقد انتهى الأمر في النهاية إلى القطيعة بين لهجات “اللغة الأم” ونسيان بعضها بعضا، وتحوّلها إلى لغات متغايرة، وإن كان التشابه العائد إلى الأصل المشترك لم يزاولها بالكلية.[/accordion_panel] [accordion_panel title=”1-3 القرن التاسع عشر وانطلاقة اللغويات المقارنة”] يعتبر القرن التاسع عشر قرن اللغويات المقارنة comparative linguistics،[7] مع أن ظهور الإحساس بإمكانية البحث في مجال المقارنات اللغوية على يد (وليام جونز ت 1794م) قد كان في نهاية القرن الثامن عشر. ففي هذا العصر ظهرت محاولات جادّة في مقارنة اللغات منذ العقد الثاني ثم الثالث والرابع وحتى السادس منه، على يد كوكبة من علماء اللغويات في الغرب على رأسهم لغويون ألمانيون من أهمهم: فرانز بوب في كتابهـ (النظام الصرفي للسنسكريتية) ثم جاكوب كرايم Jacob Grimm صاحب كتاب (النحو الألماني 1822م)، وأوجست فردريك بوت في كتابه (النحو الهندوأوروبي المقارن)، وماكس مولر في كتابه (دروس في اللسانيات1861م) وغيرهم من اللغويين الأوروببين. وقد كان اهتمامهم في تلك المرحلة منصبّا على اللغة السنسكريتية، والمقارنة بين لغات الفصيلة التي أطلقوا عليها (فصيلة اللغات الهندية الأوروبية) التي تشمل لغات كثيرة في آسيا ولغات أورووبا بمختلف أقسامها[8]

وقد انتقل البحث من هذه الدائرة المقصورة على اللغات الهندية الأوروبية، إلى دائرة عامة ترمي إلى كشف أسر لغوية أخرى، خصوصا بعد احتكاك الأوروبيين بالأمم الشرقية عبر دراسات المستشرقين، إثر احتلالهم للشرق منذ منتصف القرن التاسع عشر، فجاءت جهود عالم اللغويات الألماني ماكس مولر الذي حاول الاستفادة من الدراسات السابقة ووضع تصنيف عام تدخل فيه أغلب لغات العالم.[9]

ولا بد أن نشير هنا إلى أن نظرية “روبرت داروين” في اصل الأنواع، وفصائل الكائنات الحية التي كتب لها الرواج في القرن التاسع عشر، أسهمت بشكل كبير في تفكير اللسانيين وانشغالهم بالبحث عن أسر وفصائل يمكن أن تقسّم إليها لغات العالم، اقتداء بعلماء البيلوجيا، وعلماء النبات في تصنيفهم الحيوانات والنباتات إلى أسر وفصائل[10] [/accordion_panel] [accordion_panel title=”ثانيا- تصنيف لغات العالم إلى فصائل وأسر”] على الرغم من إن الخلاف ما يزال محتدما -حتى اليوم- حول الاصطلاحات التي أطلقها الرعيل الأول من اللغويين الغربيين، وكتب لها الرواج والاتّباع الذي وصل أحيانا إلى حدّ التواكل- فلا يزال تصنيف اللغوي الألماني (ماكس مولر) أغلب لغات العالم تحت ثلاثة فصائل (فصيلة اللغات الهندية الأوروبية، وفصيلة اللغات السامية الحامية، وفصيلة اللغات الطورانية ((علي عبد الواحد وافي: علم اللغة ص 196)) هو أشهر تلك التصنيفات. [/accordion_panel] [accordion_panel title=”2-1 فصيلة اللغات الهندية الأوروبية “] تطلق فصيلة اللغات “الهندية الأوروبية” على مجموعة اللغات المنتشرة في أوروبا، والأمريكتين، وأستراليا، وشبه القارة الهندية، وتضم ثماني مجموعات لغوية أولاها: مجموعة اللغات (الآرية/الهندية الإيرانية) وتشمل لغات حية، وأخرى تراثية في فارس وشبه القارة الهندية وحتى غوغاز الأوسط، وثانيها: مجموعة اللغات الأرمنية، وثالثها: مجموعة اللغات الإغريقية وتشمل اللغات اليونانية الحديثة، ورابعها: مجموعة اللغات الألبانية، وخامسها مجموعة اللغات الرومانية وتشمل الإيطالية، والفرنسية، والبرتغالية، والأسبانية، ولغة رومانيا، وسادسها: مجموعة اللغات الكلتية أو السلتية وأغلبها لغات ميتة ويتحدث بها بشكل ضيق في أيرلاندا حاليا، وسابعها: مجموعة اللغات الجرمانية وأشهرها اللغة الإنجليزية والهولندية والدنماركية والسويدية والألمانية، وثامنها: مجموعة اللغات السلافية وأشهرها اللغة الروسية والصربية والبلغارية والتشيكية.[11]

وتتميز هذا الفصيلة بكونها أوسع فصيلة لغوية، على الرغم مما بين مجموعاتها من الاختلاف الواسع الذي لا يتوصل إلى أوجه الشبه معه بسهولة، كما أن إعادة بناء اللغة الأم التي تفرّعت منها، وأصل الشعوب التي تكلمت بها لا يزال موضع خلاف بين اللغويين الغرببين الذين اشتهروا بالحدس والتخمين في عالم اللغويات وعلوم الإناسة (الأنثروبيلوجيا). [/accordion_panel] [accordion_panel title=”2-2 فصيلة اللغات الطورانية”] (هذه الفصيلة هي الفصيلة الثالثة في تقسيم (ماكس مولر) ولكننا قدمناها  لعزمنا على تطويل الكلام في الفصيلة الثانية وهي فصيلة اللغات السامية الحامية.) تضم فصيلة اللغات الطورانية مجموعة غير متجانسة من اللغات أطلق عليها (ماكس مولر) هذا الاسم وتوارثه اللغويون من بعده مع انعدام أوجه التشابه بينها، واغلبها لغات آسيوية أوروبية كالتركية والتركمانية والمغولية ونحوها، وقد عدلت بعض الدراسات اللغوية من هذه التسمية إلى تقسيم لغات العالم التي لا تدخل في فصيلتي الهندية الأوروبية والسامية الحامية(سيأتي الكلام عليها في الفقرة 2-3) إلى تسع عشرة مجموعة منها: مجموعة اللغات اليابانية، ومجموعة اللغات الصينية ومجموعة اللغات الكورية ومجموعة اللغات الغوغازية، ومجموعة اللغات الملاوية، ولغات البانتو، ولغات السودان، وأسرة لغات النيلية الصحراوية، وأسرة لغات النيجر كردفانية، وأغلب ما يتوافر لدى الباحثين من ذلك الجمع الكبير من اللغات وعلاقات بعضه ببعض ليس إلا نزرا قليلا، فد لا يتجاوز غالبا الإحاطة باسمائها والمناطق التي تستخدم فيها، والشعوب التي تتحدث بها.[12]

إن عدم الوصول إلى نتائج حاسمة بالنسبة لهذه المجموعات الكبيرة من لغات العالم حتى اليوم يلقى ظلالا على أن دراسة اللغات وتصنيفها لا يزال مجالا بكرا، يحتاج إلى دراسات أعمق للغات البشرية، مع إعادة النظر في المقترحات المطروحة سابقا، والانطلاق منها لتقريب الحقيقة في شأن اللغات وصلاتها، وهو ما لم يحدث حتى اليوم. [/accordion_panel] [accordion_panel title=”2-3 فصيلة اللغات السامية الحامية Semitic-Hamitic languages”] يتمحور إطلاق مصطلح (اللغات السامية الحامية) أو بالأحرى (الساميون والحاميون) حول جدول تقسيم الشعوب في الإصحاح العاشر من سفر التكوين الذي قسم شعوب العالم إلى ثلاث مجموعات كبرى راجعة إلى أبناء نوح:سام، حام، يافث[13] . وجدير بالملاحظة- قبل أن نتطرق للغات التي صنفها (مولر) في هذه الفصيلة- أن هناك اضطرابا شديدا في ضبط الشعوب التي تنتمي إلى (الساميين)[14] خصوصا وأن هذا الخلاف بات محيّرا بالنسبة للغوييين الأوروبيين بعد أن ألحق تقسيم سفر التكوين المذكور الشعب الكنعاني بالشعوب الحامية ((علي عبد الواحد وافي: فقه اللغة 6 دار نهضة مصر القاهرة 2004م.)) إذ جاء فيه (وبنو حام كوش ومصرايم وفوط وكنعان)[15] ، مع العلم بأن اللغة الكنعانية صنفت عند اللغويين ضمن اللغات السامية، وعدّت العبرية والفينيقية واللغات الآرامية من لهجاتها.

وتستشف هذه الحيرة في تحديد وضبط الشعوب السامية من قول المستشرق الألماني كارل بروكلمان إذ يقول “لا يزال من غير المؤكد في الوقت الحاضر ما إذا كانت الشعوب السامية التي سبق ذكرها هي كل الشعوب التي يمكن أن يطلق عليها هذا الاسم، أم إنه لا تزال هناك شعوب سامية مجهولة[16]  ولا تزال كذلك اللغة المصرية القديمة مثار جدل بين الباحثين ما إذا كانت لغة سامية أم حامية، وقد صنفها لغويون أوروبيون ضمن اللغات السامية[17] مع العلم بأنها صنفت في اللغات الحامية في تقسيم (مولر).

وتشمل فصيلة اللغات السامية الحامية التي أطلقها (ماكس مولر) مجموعتين: أولاهما أسرة اللغات السامية وتشمل مجموعة من اللغات الميتة كالأكادية والبابلية والآشورية والعربية الجنوبية (اللغات اليمنية القديمة) وبعض اللغات الحية كالعربية والعبرية والآرامية والحبشية والتجرينية والهررية ونحوها.

وأما ثاني مجموعتي (الفصيلة السامية الحامية) في تقسيم (مولر) فهي (الاسرة الحامية) التي تشمل ثلاثة أفرع هي: الفرع المصري ويضم اللغات المصرية القديمة كالقبطية والهيروغليفية، والفرع البربري ويشمل لغات السكان الأصليين في شمال القارة الإفريقية كالتماشيكية والأمازيغية ولغة زناجة والشاوية وغيرها، والفرع الكوشي ويشمل الصومالية والعفرية والأورومو والساهو والسيدامو ولغات أخرى في الحبشة.[18]

ومما يميّز الفصيلة (السامية الحامية) أنها تتمركز في رقعة جغرافية متماسكة، كما أنها تتضمن لغات شعوب تجمعها أواصر التصاهر والتعايش والجوار منذ زمن موغل في القدم، وقد لوحظ أن أوجه التشابه بينها أقوى بكثير من أوجه التشابه بين اللغات التي جمعت تحت الفصيلة (الهندية الأوروبية) التي أشرنا إليها آنفا[19] [/accordion_panel] [accordion_panel title=” 2-3-1 جدل حول اللغات الحامية”] وجه إلى مصطلح (السامية الحامية) انتقادات لاذعة بعد مرور قرن تقريبا من إطلاق هذا المصطلح، فقد تبين بعد البحث والتأمّل أن المجموعة الثانية من هذه الفصيلة وهي مجموعة اللغات الحامية (الكوشية، المصرية، البربرية) لا يوجد بين طوائفها الثلاث من وجوه الشبه والقرابة اللغوية أكثر مما يوجد بين كل طائفة منها ومجموعة اللغات السامية، فاعتبارها مجموعة متميزة هو مجرد اصطلاح لا يتفق في شيء مع حقائق الأمور[20]

ولعل عدم توافر كتابات أدبية تمثل عهودا مبكرة للغات التي وصفت بالحامية كان من أهمّ العوامل التي أدت إلى حيرة الباحثين في الوصول إلى نتائج حاسمة في هذا الصدد، ومن ثم أطلقوا تلك التسمية اتّباعا لما جاء ذكره في سفر التكوين دون العثور على دعم من الواقع اللغوي. وهذا شعور أحس به بعض رواد الدرس المقارن في أوروبا من أمثال كارل بروكلمان الذي يرى أن بحث اللغات الحامية لم ينته بعد إلى نتائج حاسمة بسبب عدم توافر صيغ أدبية مدونة للغات تلك المجموعة في القديم مما يجعل نتائج الدرس المقارن في هذا الصدد مضللة.[21] [/accordion_panel] [accordion_panel title=”2-3-2 ظهور مصطلح (اللغات الأفروآسيوية) كبديل لـ (السامية الحامية) على يد جرينبرج”] ظهر مصطلح اللغات الأفروآسيوية (الإفريقية الآسيوية) في خمسينات القرن الماضي على يد اللغوي الأمريكي جرينبرج في دراسته الشهيرة حول اللغات الإفريقية[22] ، بعد أن ظهر قصور مصطلح (السامية الحامية) الذي أوردنا بعض الانتقادات التي وجهت إليه، وعدم وجود روابط تقتضي الجمع بين فروع المجموعة الثانية منه تحت أسرة واحدة، فضلا عمّا ينطوي عليه هذا المصطلح من العنصرية العائدة إلى ورود حام في نص سفر التكوين ضمن أسطورة مشينة للعرق الأسمر.

وأيا كان الأمر، فقد طرح جرينبرج تقسيما خماسيا للفصيلة الإفريقية الآسيوية، تضم المجموعة الأولى منها اللغات السامية (وقد سبقت الإشارة إليها)، والمجموعة الثانية الفرع المصري (ويضم لغات ميتة ولغة القبطيين اليوم)، والثالثة اللغات البربرية (وتتفرّع إلى حوالي ثلاثين لغة في شمال أفريقيا)، والرابعة اللغات الكوشية (وأهمها الصومالية والأورومية والعفرية) والخامسة الفرع التشادي وهو فرع جديد أضافه جرينبرج إلى اللغات الحامية ويشمل قرابة 150 لغة في تشاد وكامرون وشمال نيجيريا[23]

وقد وصف هذا التقسيم هو الآخر بالتعسّف في ضم الفرع التشادي إلى الفصيلة الحامية مع ضآلة أوجه التشابه بينه وبين بقية لغات المجموعة، وهذا ما جعل بعض اللغويين يطلقون مصطلح اللغات الأفروآسيوية على الأقسام الأربعة الأولى مع استبعاد القسم التشادي من هذه الفصيلة[24]

ومجمل القول في لغات الفصيلة السامية الحامية أو الأفروآسيوية، أن اللغويين تنبهوا إلى وجود روابط بين لغات تمّ التحدث بها، وتستخدم بعضها حاليا في الشرق الأوسط والشرق الإفريقي وشماله، لكن لم ينجح أحد منهم في وصف ذلك التشابه وصفا علميا يضع حدّا للاضطراب في تقسيم تلك الفصيلة إلى مجموعات،  ومرجع ذلك أن أغلب لغات هذه الفصيلة لم تحظ بوصف علمي دقيق، فضلا عن اعتماد الباحثين الغربيين في دراساتهم على الوصف السطحي الذي يتم التوصّل إلى نتائجه ضمن رحلة أو رحلتين، وبالاعتماد على قوائم ومحاور قد لا تكون كافية في تقديم تفسير كامل عن نظام اللغة وصلاتها باللغات المجاورة لها. أما الباحثون العرب والمسلمون، فلم يكن دورهم سوى تقديم التراجم والتلخيصات لما توصّل إليه الباحثون الأوروبيون، دون أن يكون لهم عناية بتطوير البحث في هذا المجال، على الرغم مما لديهم من الإمكانية البحثية خصوصا بعد تخرج آلاف من حملة الشهادات العليا من الجامعات العربية والغربية على حدّ سواء. [/accordion_panel] [accordion_panel title=”2-3-3 موقع الصومالية من هذا التصنيف “] صنفت الصومالية ضمن مجموعة اللغات الكوشية[25] التي صنفت تارة في السامية الحامية ثم عُدل عنها إلى الأفروآسيوية، ومن خلال دراسات تمهيدية للغة الصومالية والعفرية والأرومية تبين أن هناك تشابها إلى حد كبير بين تلك اللغات، وهو ما لا يخفى على رجل الشارع فضلا عن الباحث. ولوحظ كذلك أن لها وشائج قربى مع اللغة العربية، متمثلة بالجانب الصوتي حيث تمتلك هذه المجموعة أصوات الحلق التي هي من خصائص اللغة العربية[26] ، وكذلك تشابها في الجانب الصرفي[27] ، وفي نظام التراكيب النحوية بشكل أقل.

وقد لوحظ بشكل أكثر أن لغات هذه المجموعة تمتلك معجما مشتركا مع اللغة العربية، ليس في الألفاظ الحضارية والدينية فحسب، بل في الألفاظ البدوية والريفية المتوغلة كذلك، حيث احتفظت تلك اللغات بمفردات هجرها الاستعمال المعاصر للفصحى وتوجد بكثرة في تلك اللغات حيث توافق قراءة قرآنية أو لهجة عربية قديمة[28] .

وعلى الرغم من أن الجوانب الصرفية والنحوية في تلك اللغات لم تأخذ قسطا وافرا من البحث، فإن هناك من الأدلة ما يكفي للتأكيد على أن هناك أصلا مشتركا انبثقت منه اللغة العربية واللغات الصومالية والعفرية والأورومية، مع العلم بأنّ أغلب حلقات تلك العلاقة لا تزال مطمورة، وهو ما يتطلب البحث والتأمل من قبل الباحثين من أهل تلك اللغات، لكونهم أقرب إلى فهم طبائع لغاتهم وخفاياها، ولكن إذا انتظرنا كل معلوماتنا من باحث مسافر يأتي من وراء البحار بحثا عن قوائم أساسية يبني عليها فرضيات الحدس والتخمين، فمن المؤكد أننا لن نصل إلى نتائج في هذا الميدان، وسنظلّ نتجاذب أطراف الجعبة الفارغة، ونتقوقع على ثنائية: هل الصومالية عربية؟ أم إنها لغة مستقلة؟! [/accordion_panel] [accordion_panel title=”نتائج البحث”] وفي نهاية هذه الورقة يمكن أن نجمل نتائحها فيما يأتي:

  1. تاريخ المقارنة بين اللغات متأخرة وتعود إلى نهاية القرن الثامن عشر، ويعتبر النحاة الأوروبيون روّاد هذا المجال.
  2. لم يصل البحث اللغوي إلى نتائج حاسمة في تصنيف شامل لجميع لغات البشرية التي تعدّ بالآلاف، وتتركز عملية التصيف حتى اليوم حول تقسيم اللغوي الألماني (ماكس مولر) على الرغم مما وجه إليه من النقد، وما ظهر فيه من ثغرات، وهو ما يلقي ظلالا على بدائية البحث في مجال تصنيف اللغات، وحاجته إلى مزيد من الدراسة.
  3. تعود التسميات والمصطلحات التي تعرف بها المجموعات اللغوية حاليا إلى جدول تقسيم الشعوب في سفر التكوين، الذي ورد فيه سام وحام ويافث، وليس هناك أي حقائق تثبت أن الأقوام التي وصفت بالساميين أو الحاميين أو الكوشيين ينتمون إلى أصل عرقي واحد، كما أن الخلاف لا يزال محتدما بين اللغويين في توزيع لغات الشرق الأوسط وشرق وشمال إفريقيا إلى مجموعات.
  4. أطلق الباحثون الغربيون مصطلح (اللغات الكوشية) على الصومالية والعفرية والأورومية ولغات أخرى في إيثوبيا نسبة إلى كوش الذي ورد ذكره في سفر التكوين، وثمة تشابه ملحوظ في الأصوات والقواعد والمعجم بشكل كبير بين تلك اللغات واللغة العربية، وهو موضوع يحتاج إلى البحث والتطوير لما ينطوي عليه من الأهمية للبحوث اللغوية والإناسية على حدّ سواء. [/accordion_panel] [/accordion]
---------------- هوامش -----------------------
  1. انظر على سبيل المثال: ممدوح حقي, المسح الشامل لجمهورية الصومال الديمقراطية (الصومال واللغة الصومالية) 43-44 ، و أوجامع عمر عيسي :hilimadii suugaantii Soomaalidii hire, Bog:13, xarunta cilmi barista  Jabuuti 2005 []
  2. منهم المرحوم الشاعر أحمد عمر الأزهري، والأديب حكن وآخرون. []
  3. الخليل بن أحمد الفراهيدي: العين:  مادة كنع 1/232 []
  4. فرديناند دي سوسير: علم اللغة العام 214  ترجمة بوثيل يوسف عزيز 1985م،  وانظر كذلك: علم اللغة، علي عبد الواحد وافي  53 ، دار نهضة مصر القاهرة ، 2004م  []
  5. محمود السعران،  علم اللغة|( مقدمة للقارئ العربي) : 323  دار النهضة العربية بيروت(د.ت)  []
  6. جدير بالإشارة أن اللغويين اليهود  بذلوا جهودا في  استباط أصل اللغات في محاولة جادة للتدليل على أن (اللغة الأم) هي العبرية وأنها اللغة التي تكلم بها آدم بوصفها منحة من الرب لكن ذلك قوبل بالرفض من قبل البحث اللغوي. []
  7. انظر المزيد: موجز تاريخ علم اللغة في الغرب  تأليف هـ روبنز ترجمة أحمد عوض ص237  منشورات عالم المعرفة  العدد 227 []
  8. محمود السعران: علم اللغة   335 ، وعلي عبد الواحد وافي : علم اللغة  53 []
  9. انظر بالتفصيل: علم اللغة: علي عبد الواحد وافي 54-55 []
  10. محمود السعران: علم اللغة 335 []
  11. نفس المصدر :  198، 199 []
  12. علي عبد الواحد وافي : علم اللغة 216 []
  13. كارل بروكلمان: فقه اللغات السامية 9, ترجمة:رمضان عبد التواب، منشورات جامعة الرياض 1977م  . ويعتبر اللغوي الألماني (شلوتسر) أول من طرح هذه التسمية في ساحة الدراسات الحديثة. []
  14. انظر نفس المصدر الصفحات، 9، 10، 11، 12 []
  15. راجع  النسخة العربية من :سفر التكوين  الإصحاح العاشر. []
  16. كارل بروكلمان: فقه اللغات السامية 13 []
  17. كمال محمد جاه الله، الأصل السلالي المشترك لمتحدثي اللغات الإفريقية الآسيوية، مجلة دراسات إفريقية 139 []
  18. كارل بروكلمان 9، وعلي عبد الواحد وافي: علم اللغة 204 []
  19. اقرأ  أوجه الشبة بين اللغات  السامية الحامية: مدخل إلى علم اللغة، محمود حجازي   154 وما بعدها، دار قباء القاهرة  (د.ت)  []
  20. علي عبد الواحد وافي: علم اللغة  203-204 []
  21. كارل بروكلمان: فقه اللغات السامية  13- 14 []
  22. جوزيف غرينبيرج: إفريقيا كمنطقة لغوية، ترجمة عبدالملك  الناشف ، صيدا ، المكتبة العصرية 1966م []
  23. محمد جاه الله، الأصل السلالي لمتحدثي اللغات الإفريقية الآسيوية، مجلة دراسات إفريقية   142 []
  24. اقترح هذا التقسيم اللغوي مارسيل كوهين Marcel Cohen  انظرعلي عبد الواحد وافي: علم اللغة  204 []
  25. يزعمون أن الكوشيين  منسوبون إلى كوش بن حام  بن نوح انظر سفر التكوين الإصحاح العاشر []
  26. أصوات الحلق من خصائص اللغات التي اصطلح على تسميتها باللغات السامية، إلا أن أغلبها لم تحتفظ بها مثل احتفاظ العربية بتلك الأصوات. []
  27. عمر محمد ورسمة: الأدوات في اللغتين العربية والصومالية دراسة تقابلية (رسالة ماجستير جامعة تعز اليمن 2010م)  []
  28. انظر على سبيل المثال: العربية الفصحى  في اللغة الصومالية: عبد الرحيم حاج يحيى الرياض 2006م، والألفاظ العربية في اللغة الصومالية، دعالة ميخا(رسالة ماجستير في اللغة العربية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الرياض 1994م)، والمعجم الكشاف عن جذور اللغة الصومالية  في العربية: صالح محمد علي، القاهرة 1998م).  []

7 تعليقات

  1. عبده مهد أحمد شرحبيل

    إنه أكثر من مقال بل هو بحث علمي وجهد مبذول في تنوير الطريق لمن أراد أن يبحث بهذا الموضوع وحقيقة ما قدمه الأستاذ عمر ورسمة منطلقة من هوية وإنتماءات الشعب الصومالي ودفاع الهوية شيء واجب كما أن الحديث عن العربية والحرف العربي وعروبة الشعب الصومالي مواضيع كلها ذات صلة ، ففي ماكتبه الأستاذ فيه الكفاية والأحرف ليست إلا رموزار للتعبير عن الكلام حتى يتم عرضه بصورة كتابية واحسن الحروف حروف العربية.
    وإن تراث الأمة قبل بضعة عقود كان بالحرف العربي واللغة العربية فيصور البعض أنها اياما خلت وأن الحرف اللاتيني فرض الواقع لعمره .. هذا ليس بحججة بدليل أن كتابة قرون باللغة العربية انهارت في الثورة الإشتراكية ببضع سنوات فلاصحاب الحرف العربي المحاولة وإن أمامهم فرصة طويلة لتصحيح بعض الأخطاء وتصويب السهم .
    وشكرا لك أستاذنا مرة أخرى

  2. علي عزي الوصابي

    عندما قرأت ما كتبه أستاذنا واخونا عمر محمد ورسمة علمي شعرت فعلا بأني مع صديقي العزيز والمربي القديرصاحب القلم الذهبي والذهن المتقد والهمة الوثابة وقد طرق موضوعا شائكا وازاح وعورة الطريق وأجلى كثير من الغموض وآآآآآآمل أن يكون هذا المقال أو البحيث مشروعا لبحث علمي ودمت يا سوسير القادم فأنت الحفيد علميا لهؤلاء

  3. أخي الكريم محمود شكرا لتعليقكم
    ما أريد أن أؤكد عليه مرة أخرى أن الحرف واللغة بينهما فرق ، فالحرف رمز واللغة شيء آخر
    أما عن ضربنا المثال للصينين والهنود فقد ورد في سياق إثبات جدارة الحرف العربية بالنسبة لكتابة الصومالية وفيما سقته في مقالي الأول ( اللغة الصومالية بين الحرف العربي واللاتيني) ما يغني عن العودة إلى ذلك. أما المقال الأخير فلم يكن عن الألفبائيات وإنما كان جوابا على ما إذا كانت الصومالية عربية أم لا، وإشارتكم إلى أن هناك من تحملهم العاطفية على زعم أن الصومالية عربية. وعلى كل فإن دعوتنا لجدارة الحرف العربي للصوماليين وللصومالية، ينطلق من أن الحرف العربي واللغة العربية من مقتنيات الشعب الصومالي، بحكم أن اللغة العربية والحرف العربي لم يصبحا شيئا خاصا بالعرب فقط ، بل هي لغة كل المسلمين، ودفاعنا عنها هو دفاع عن الصومال والصوماليين .

    مع خالص الشكر

    • والله لستُ أنا من يخلط يا سيدي، وتعليقك هذا هو دليل على كلامي، حين نقول بأنه يجب علينا أن نوفّر طاقتنا وأنفاسنا، ونترك الجدل الذي يُثار من قِبَل البعض كلما تحدّثنا عن تطوير الأبجدية الصومالية، و زعمهم بأن الحرف العربي أفضل لها.
      فأي مسعىً بذلك الاتجاه ـ رغم أننا ندعو له بالتوفيق إن صدق دعاته ـ، سيكون عملًا تخريبيًا لا أكثر.

      ولو عدنا لمسألة الخلط التي أشرت إليها، وحديثكم أولًا عن “الفرق” بين اللغة والأبجدية، ولنحاول أن نبسّط الأمر للمتابع، أي أنه لدينا لغتين “الصومالية” و “العربية” شقيقتان ومن منبع واحد نعم، ولدينا الأبجدية التي هي عبارة عن رموز، وهما الحرف اللاتيني /للغة الصومالية، والحرف العربي/ للغة العربية، فلا أدري من أين يتم استقاء أن هناك ما يحتاج أن يتمّ الدفاع عنه، ونحن ندعو في كل حين إلى الاهتمام باللغة الصومالية بالتوازي مع اللغة العربية، حفاظًا وتعلّمًا وتعليمًا، ولي جهد في ذلك الشأن لا أظنه يخفى عليك، وفي ذات الوقت الذي ندعو فيه إلى “الحفاظ” على ما تم تحقيقه من تراكم معرفي للغة الصومالية أدبًا وعلومًا كلها مدوّنة بالحرف اللاتني، وكذلك دعوتنا لتطوير الأبجدية المستعملة، أي “اللاتينية” (وليس) غيرها، لمواجهة ما ظهر من قصورٍ في الصياغة لدى إقرارها قبل جيل من الآن.

      وعلى ما سبق فإن “الاستمرار” في استعمال الحرف اللاتيني، بل وتطويره، لا يشكّل أية خطورة على اللغة العربية وثقافتها، لأنها نجت من محاولات حصلت في فترات سابقة، بل وحققت نهضة وازدهارًا، ليس أدل عليها من شيء بقدر حوارنا هذا الحاصل بلغة عربية سليمة و ذات رونق ومستوىً.

      ولا يمكن أن يكون معقولًا والحال كما أشرنا، أن نعتبر تطوير ما قد أصبح بحكم “المسلّم به”، هجومًا على اللغة العربية، يحتاج أن نقيم له بيننا تحصينات ودفاعات، وندافع وما إلى ذلك من أمور …

      وبين ما ندعو إليه من محافظة على ما سبق تدوينه باللغة الصومالية وحرفها اللاتيني، والتطوير، هو ما يجب الدفاع عنه من دعاوى “غير حكيمة” محصلّتها الشطب والنسف والتدمير…

      فاللغة الصومالية هي اللغة الصومالية، ولن تصبح أكثر عروبة أو إسلامًا باعتماد الحرف العربي، كما أنها لن تصبح أكثر أوروبية أو علمانية بما جرى عليه الأمر منذ سنة 1972

      ويمكنني ان أقترح التحرك السريع والمباشر لدعم تعليم اللغة العربية وآدابها، دون أن نرتكب الخطأ المعتاد، بأن من مع الثقافة الوطنية هو ضد الثقافة العربية، أو أن مع الوطن هو ضد الدين، وامور أظن أنها أصبحت مثار تندّر و فكاهة.،

  4. محمود محمد حسن

    حيا الله أستاذنا الكريم على هذا التقديم للمسألة ، ولأنني وجدتني تأخرت في الرد لظروف خارجة عن إرادتي ..
    للحق فإنني أجدني ممتنًا للجهد الطيب الذي قدّمه للقرّاء الصوماليين، وخاصة ذلك القسم الكبير منهم والذين يعشقون الحصول على المعلومة مجملة، بل مختصرة فوق إجمالها.
    لكنني كنت أتصوّر أن حسن الظن يسبق دائمًا في التعامل مع من يدخل بحرًا من ذلك النوع، خاصة أنني تجنّبت الإسهاب قدر الاستطاعة في محاولة للوصول لطرح تصوّر لمشروع تطوير لكتابة اللغة الصومالية بالحرف اللاتيني المعتمد، لكن شاء الله أن نبحر يمنة ويسرة قبل مداخلتكم ببرهة وعلى إثرها، ولا شكّ لأن موضوعًا كهذا لم تتم إثارته منذ مدّة ليست بالقصيرة، خاصة أن آخر إضافة في هذا المجال كانت في ثمانيات القرن الماضي، حين تم اعتماد “أبجدية خاصة” لفرع “ماي” من اللغة الصومالية، لتصبح على ما لها حق من التدوين لغة منفصلة من حيث التدوين، رغم التلاقح المكثّف الذي حدث منذ الاستقلال، وعلى كلٍّ ليس ذلك موضوعنا هنا…
    لكنني سأتوجّه بسؤالي التمهيدي للأستاذ ، عمر محمد ورسمة، وسأرجو أن يتقبّل السؤال والسائل بصدر رحب ..
    فيا سيدي العزيز حين طرحت مسألة اليهود و الصينيين واليابانيين، كنت تتكلم بصفة “الواثق” من أن كلًا منهم استخدم “أبجديته الخاصة” المرتبطة بـ”لغته الخاصة”، وهو ما دفعني لأطرح سؤالي الذي تصوّرت أنه سيكون واضحًا وهو:
    (هل اللغة الصومالية هي اللغة العربية، ليكون حال الصومالية حين تُكتب بالحرف العربي، كحال كلٍّ من العبرية والصينية واليابانية حين كل منها يُكتبُ بأجديته الخاصة التي أخذت منحاها الخاص من التطوّر؟)
    لا شكّ أن كل ما سقته مفيد في جملته، لكنه لم يملأ الفراغ الحاصل في مستند من يريد إلغاء ما قد تم و حصل، واعتماد الحرف العربي بدل اللاتيني بعد أربعين سنة!.
    فما الذي سنستفيده من “عدم “يقينكم” من (عروبة) اللغة الصومالية، وجلّ ما سقته كان التشكيك ولا أكثر، من تشكيك بوطنية أناس لا أدري ما محلّهم من الإعراب في الشأن الذي بدأنا الحديث به قبل إبحارنا، ثم التشكيك بالعهد القديم ـ وأنا لا أختلف معك في جوانب متعلقة بذلك ـ، وثم التشكيك بجهود البحّاثة الغربيين، والتقليل من جهود الباحثين “المسلمين” كما وصفتهم، وأخذك للقارئ لحديث عن اللغات إندورأوروبية والطورانية ولا ناقة لنا بهم ولا جمل، سوى ما وصلنا منه بالتجارة والصراع أولغات تشادية لأقوام لا نلاقيهم سوى في الحج نسّاكًا ومطوّفين من أحبتنا الهوسا وأضرابهم.
    فحين طرح حضرتكم مسألة اليهود و الصينيين واليابانيين، كنت تتكلم بصفة “الواثق” من أن كلًا منهم استخدم “أبجديته الخاصة” المرتبطة بلغته الخاصة، وهو ما دفعني لأطرح سؤالي الذي تصوّرت أنه سيكون واضحًا وهو:
    (هل اللغة الصومالية هي اللغة العربية، ليكون حال الصومالية حين تُكتب بالحرف العربي، حال كلٍّ من العبرية والصينية واليابانية وكل منها يُكتبُ بأجديته الخاصة التي أخذت منحاها الخاص من التطوّر؟)
    للأسف لم تجب على السؤال البسيط جدًان والذي يبدو من “المقدمة” أنه دافعكم لكتابة البحثن ولا أدري سبب ذلك ولا أرغب أن أتكهّن بأحد الاحتمالين الذين جعلا الأمر يأخذ هذا المنحى من الشطط والبعد عن صلب الموضوع الذي أشرتم لكونه سبب تجشّمكم عناء الكتابة في مبحث، أتصوّر أنه سيكون لنا فيه من الأجر نصيب، أن كان مكنونًا لديكم وكنّا سببًا في خروجه للنور بهذا الشكل الجميل.
    وإن كان الحال كلك فإنني لا أخفي عليك خيبة أملٍ كبيرة مررت بها، بدأت بالمقدّمة واتّسعت مع كل بد من بنود مبحثكم، وأرجو أن تعتبر ردي هذا تعليقًا وفاتحة لنقد سيكون من الدقة والعلمية بما يفيد القارئ الذي لم يلاحظ بعض ما مرّ فيه من التباسات و انزياح عن بعض الحقائق، أولها وأهمها حقيقة جلية جلاء الشمس و هي أن الصومالية تُكتَبُ بالحرف اللاتيني، ولم نجد في ما سُقتَ دليلًا على أولوية الحرف العربي، بحيث يكون منطقيًا شطب ما تمت كتابه باللغة الصومالية طوال أربعين سنة مرّت آخرها دساتير البلاد وقوانينها.
    فلا شكّ ـ وليس لك عليَّ حلفان ـ أن كل ما سقته مفيد في جملته، لكنه لم يملأ الفراغ الحاصل في ما “يستند” إليه من يريد إلغاء ما قد تم و حصل، واعتماد الحرف العربي بدل اللاتيني لهوىً خامر فؤادًا ما !.

  5. بحث رائع يا أستاذ عمر ، بارك الله فيك .

  6. شكرا أستادنا العزيز لقد سبرت في موضوع شائك لا يمكن لمن لا يجيد سباحة البحث العلمي وأساسيات علم اللغة المقارن الخوض فيه واستفدت كثيرا من هده الورقة التي تدل على أنك من أفضل من يستطيع الحديث عن هدا الموضوع بعيدا عن العاطفة والشفونية القاتلة وأعتقد بأن مثل هدا الكلام لازم يترك لأصحابه ممن درس علم اللغات وإلا فنحن سنصبح ضد التيار