المذهب الشافعي في الصومال .. معالم وملامح من وحي التفاعل البيئي

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة، والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد فإن دخول الإسلام إلى أرض الحبشة ـ التي كانت تشمل ما يعرف اليوم بـ”القرن الإفريقي ـ في صدر البعثة النبوية أمر مقرر مشهور عند أهل السير ومؤرخي الإسلام، وإن الشعب الصومالي من الشعوب العريقة في منطقة القرن الإفريقي، وهو شعب مسلم كله، اعتنق الإسلام في وقت مبكر من بزوغ فجر الإسلام، عن طريق هجرة بعض المسلمين إلى سواحل شرقي إفريقيا في فترات مختلفة من صدر الإسلام، سلماً لا فتحاً، كما هو شأن معظم الشعوب الإفريقية، التي اعتنقت الإسلام واحتضنته دون إراقة دماء؛ وذلك لسلامة فطرة هذه الشعوب التي تنسجم مع تعاليم الإسلام الذي هو دين الفطرة،كما قال تعلى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }(الروم30).

ويتميز المجتمع الصومالي بخصائص عدة، يصعب توافرها في كثير من مجتمعات العالم، حيث تتوافر فيه كل عناصر الأمة ومقوماتها، من وحدة: العرق، واللغة، والثقافة، والدين، وحتى المذهب الفقهي المعمول به عندهم، وهو المذهب الشافعي.

والفقه الشافعي هو أحد المذاهب الفقهية التي ظهرت في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية، وقد لقيَ قبولاً كبيراً وانتشاراً واسعاً في العديد من أقطار العالم الإسلامي، ولاسيما في شرقي آسيا وإفريقيا، ومنها الصومال الذي لم يعد ينافسه فيه مذهب فقهي آخر.

وفي عصور الانحطاط والجمود الإسلامي انتشر التقليد، وحل محل الاجتهاد، وصار التمسك والتقيد بواحد من المذاهب الفقهية الأربعة المتبوعة أمراً مقرراً، بل مفروضاً لدى عامة المسلمين السنة، وكان المذهب الشافعي من نصيب المجتمعات المسلمة في شرقي إفريقيا عموماً، وفي القرن الإفريقي خصوصاً، ومن بينها الشعب الصومالي.

وهذه البحث يتناول تفاعل العقل الصومالي بطبيعته التي تغلب عليها البداوة بكل خصائصها الإيجابية والسلبية، مع المذهب الشافعي الذي نشأ نشأة حضرية، وتنقل في مراحل تأسيسه بين مجتمعات متمدنة وذات حضارات عريقة، مثل المجتمع العراقي والمصري[1]؛ وذلك بغرض ملاحظة أثر هذا التفاعل في الجوانب المختلفة لحياة المجتمع، محاولة لإبراز بعض معالم وملامح هذا التفاعل، وما نتج عنه من جوانب إبداعية، أو صعوبات وإشكالات عملية، سواء أكان ذلك نتيجة خلل في استيعاب المذهب لقضا البيئة والمجتمع، مع توقف الاجتهاد الذي جعل الإمام الشافعي نفسه يراجع مذهبه، ويرجع عن بعض آرائه عند انتقاله من العراق إلى مصر، مع تقارب الزمن، وتشابه أنماط الحياة في البلدين، لخضوعهما لسيادة دولة إسلامية واحدة في عصر واحد، أم كان نتيجة خلل في الفهم والتطبيق، مع استعراض نماذج لذلك التفاعل في مجالين متصلين بالقضايا الاجتماعية، وهما: العبادات، وخاصة الطهارات، والأحوال الشخصية، لكون الفقه في هذين المجالين أكثر تطبيقاً وممارسة من غيرهما في الحياة العامة.

وقد قسمت البحث إلى خمسة مباحث:

يتناول المبحث الأول: نبذة تعريفية عن الصومال، ودخول الإسلام وانتشاره فيها، وواقعه الحالي.

والمبحث الثاني: تعريف بالمذهب الشافعي: إمامه، وأصوله، وأهم مصنفاته المرجعية، بالإضافة إلى انتشاره في الصومال، وكتب المذهب المعتمدة هناك.

أما المبحث الثالث فيتناول: معالم وملامح التفاعل الإبداعي مع المذهب الشافعي في الصومال، باستعراض المؤلفات والمخطوطات الفقهية والأصولية، باعتبارها نماذج لهذه المعالم.

والمبحث الرابع: عن صعوبات عملية ناشئة عن مدى ملاءمة المذهب مع البيئة، ويستعرض مثالين في باب الطهارات وأحكام النجاسات.

ويتناول المبحث الأخير: دراسة لما يعرف عند الصوماليين بـ”زواج المسافة”، تشخيصاً لمفهومه وصوره وأسباب انتشاره، وآثاره الدينية والاجتماعية، ومشروعيته وعلاقته بالمذهب الشافعي، باعتباره نموذجاً للإشكالات الناتجة عن سوء الفهم والممارسة.

وفي خاتمة البحث: إبراز لأهم ما توصل إليه من نتائج وتوصيات.

المبحث الأول

الإسلام في الصومال: الدخول والانتشار والواقع

المطلب الأول: نبذة تعريفية عن الصومال:

الموقع: الصومال بلد إسلامي إفريقي عربي يقع في شرقي إفريقيا في المنطقة المعروفة بـ”القرن الإفريقي”، يحده من الشمال خليج عدن وجيبوتي، ومن الجنوب كينيا، ومن الشرق المحيط الهندي، ومن الغرب إثيوبيا.

المساحة: تبلغ مساحة الصومال 637.657 كيلو متر مربع.

عدد السكان: يقارب العشرة ملايين (9,3) نسمة (إحصائية 1987م.

الديانة: مسلمون 100% سنة، ويتبع غالبيتهم المذهب الشافعي فقهياً.

اللغة: اللغة الرسمية هي الصومالية والعربية.

العاصمة: مقديشو وتقع على ساحل المحيط الهندي.

هذا هو التعريف السياسي لما يعرف بجمهورية الصومال، ونظراً لأن طبيعة هذا البحث ثقافية وليست سياسية، فإن حدوده المكانية تتعدى الصومال “السياسي” إلى الصومال “الثقافي” الشعب، على امتداد منطقة القرن الإفريقي، في مساحة تقدر بنحو 1500,000 كيلو متر مربع، فيما يُطلق عليه الصوماليون “الصومال الكبير”[2]، ويشمل ذلك بالإضافة إلى جمهورية الصومال: جيبوتي، و”الإقليم الصومالي” في إثيوبيا، وإقليم شمال شرقي كينيا. فالشعب الصومالي في هذه المنطقة بالرغم من أنه مُقسَّم سياسياً، وقابل لمزيد من التقسيم، إلا أنه مازال موحداً وجدانياً، تربط فيما بينه وحدة المقومات الثقافية ومصادرها الأساسية: العرق، واللغة، والدين، وحتى المذهب الفقهي موضع البحث.

المطلب الثاني: دخول الإسلام في الصومال

لقد تعددت أقوال الباحثين والمؤرخين في تحديد الزمن الذي وصل فيه الإسلام إلي الصومال إلى ثلاثة آراء[3]:

[1] أن الصومال عرفت الإسلام منذ حياة الرسول ، حينما هاجر الصحابة إلى أرض الحبشة بقيادة جعفر بن أبى طالب رضي الله عنه، بناء على أن الهجرة كانت عن طريق باب المندب[4].

[2] أن ذلك كان في القرن الأول الهجري[5]، وخاصة أيام الخليفة عبد الملك ابن مروان (65-86 هـ)، حيث توجهت جيوشه إلي هذه المنطقة من الشاطئ الإفريقي بقيادة الأمير موسى من بني جعشم، حيث دعا إلى الإسلام وعلمهم قراءة القرآن، فدخل الصوماليون في دين الله أفواجاً دون ما حرب أو قتال.

[3] دخل الإسلام في الصومال في النصف الأول من القرن الثاني الهجري (122هـ ــ 739م)، عندما هاجر ت مجموعات من الطوائف الإسلامية، التي ضاقت ذرعاً بالاستبداد السياسي والمذهبي الذي كانت تمارسه الخلافة الأموية ضدهم، مثل هجرة جماعة زيدية من اليمن إلي ساحل بنادر بالقرب من مقديشو، بعد مقتل الإمام زيد بن علي، كما لجأت جماعات أخرى إلى مدينة زيلع واستقروا هناك، ثم توالت الهجرات الجماعية والفردية بعد ذلك، التي مهدت فيما بعد لقيام الممالك والمراكز الإسلامية في المنطقة[6].

المطلب الثالث: انتشار الإسلام في الصومال

وأياً ما كانت تاريخ دخول الإسلام في الصومال فقد انتشر فيها بصورة تدريجية وسريعة أيضا، حيث بدأ أولاً في المدن الساحلية التي كانت موطئ أقدام الدعاة الأوائل، ثم انتشر بعد ذلك في المدن والمناطق الداخلية، حتى عم أنحاء البلاد كلها، وترجع أسباب هذا الانتشار بالإضافة إلى الهجرات الجماعية آنفة الذكر إلى:

[1] العلاقات التجارية القائمة بين الجزيرة العربية وأرض الصومال، فقد نشطت في العصر الإسلامي، ولم تنقطع صلات المنطقة بالعالم الإسلامي في أي عصر من العصور، وقد أسهم ذلك كثيراً في نشر الإسلام في المنطقة.

[2] جهود العلماء الصوماليين، الذين تخرجوا على أيدي الدعاة الوافدين، فحملوا لواء الإسلام، وتقلدوا عبء نشر الدعوة والعلوم الإسلامية، فمنهم من كرَّس وقته لتعليم الناس القرآن والحديث والفقه، متبعين أسلوب الترجمة الشفوية في تبليغ الدعوة وتدريس العلوم الشرعية والعربية، لترسيخ العقيدة في قلوب الناس، ومنهم من قاد الفتوحات الإسلامية، فكان لهم دور بارز في جهاد القوي الصليبية، وحماية البلاد والعباد من هجمات البرتغاليين والصليبيين عموماً، وكذلك حماية الثغور الجنوبية للعالم الإسلامي.

المطلب الرابع: واقع الإسلام في الصومال

المجتمع الصومالي مجتمع مسلم ومتدين، وهو في الوقت نفسه مجتمع قبلي محافظ، وعلى عكس ما هو الحال في عدد من البلدان العربية فإن العودة إلى ممارسة الشعائر الإسلامية وتعلم مبادئها أصبحت ظاهرة لدى الفئات الشبابية من الطبقات الميسورة والمتوسطة، وهذه الظاهرة تنامت في فترة غياب السلطة المركزية؛ فالموظفون والتجار من الشباب مهتمون بتعلم العلوم الإسلامية ويرتادون المساجد أكثر من غيرهم، ورغم الظروف الصعبة إلا أن الصوماليين حريصون على أداء فريضة الحج سنويا.

ويشارك الصوماليون إخوانهم المسلمين في أنحاء العالم مشاعرهم وآلامهم، في مناصرة القضايا الإسلامية البارزة، مثل: قضية فلسطين، وأفغانستان، والعراق وغيرها، فقد شهدت العاصمة مقديشو عدداً من المظاهرات الشعبية، لأيام متتالية.. وفي وكبريات المدن الصومالية الأخرى، ضد الحرب الأمريكية على العراق، كما شهدت المساجد أدعية وخطبا بهذه المناسبة.

وينتشر التعليم الإسلامي في المجتمع الصومالي من خلال التعليم التقليدي، والذي يقام في حلقات المساجد والزوايا، ومدارس تحفيظ القرآن الكريم، أو ما يعرف بالكتاتيب؛ المعروفة عند الصوماليين بـ”الدكسي”[7]التي يدرس فيها القرآن الكريم للأطفال، ومن خلال مؤسسات التعليم النظامي الأهلي: المدارس والمعاهد والجامعات الإسلامية المنتشرة في طول البلاد وعرضها، كما تنتظم فيها الصحوة الإسلامية التي تقودها الجماعات الإسلامية بمختلف مسمياتها واتجاهاتها.

ومن رحم التزاوج بين المكونين الأساسيين للمجتمع الصومالي، وهما: الإسلام والقبيلة، تولَّدت ظاهرة “المحاكم الشرعية” منذ بداية التسعينات، بغرض تثبيت الأمن والاستقرار، بعد انهيار السلطة المركزية، وبعد فترات مد وجزر طويلة مع القوى المتنفذة في الساحة السياسية الصومالية، صعد نجمها مؤخراً في منتصف العام الجاري، ودخلت المسرح السياسي الصومالي بقوة عسكرية وشعبية وسياسية فاجأت الأطراف المحلية والإقليمية والدولية علي السواء وبتأييد شعبي واسع تجاوز الانتماءات العشائرية والمصالح القبلية الضيقة، وبدأت الصيحات الشعبية المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية تتعالي في كل أرجاء الصومال.

“وهناك جهود حثيثة لتنصير اللاجئين الصوماليين في دول مختلفة تحت غطاء المساعدات الإنسانية، بل هناك العديد من المنظمات العاملة في الصومال هدفها تنصير المسلمين تحت غطاء العمل الإنساني”[8].

المبحث الثاني: المذهب الشافعي وانتشاره في الصومال

المطلب الأول: تعريف بالمذهب الشافعي:

[1] ترجمة إمام المذهب:

نُسب هذا المذهب إلى الإمام الشافعي، وهو: محمد بن إدريس الشافعي، يلتقي نسبه مع الرسول e في عبد مناف، وُلِدَ بغزة سنة 150هـ، وتوفي بمصر سنة 204هـ.

نشأ في مكة بعد أن رحلت به أمه يتيماً إليها وهو ابن سنتين، فحفظ القرآن، وكثيراً من الأحاديث، وشعر البادية، وقد درس فيها الفقه والحديث على مسلم بن خالد الزنجي، وسفيان بن عيينة، ثم رحل إلى المدينة فلقيَ مالكاً، ودرس عليه كتابه الموطأ، ثم انتقل إلى اليمن في سن الثلاثين للعمل بها، ثم إلى العراق حيث التقى بمحمد بن الحسن الفقيه الحنفي، أحد فقهاء مدرسة الرأي فدرس عليه وناظره، وكان يؤثر الحديث، ويناضل دونه مع أصحاب الرأي، حتى سُمِّيَ (ناصر الحديث).

وقد وضع الإمام الشافعي وهو بالعراق الأحكام على وفق مذهبه الذي وُصِفَ (بالقديم)؛ لأنَّه رحل بعد ذلك إلى مصر، واستقر فيها فعدل كثيراً من أحكامه، بسبب النضج الفكري الذي ينشأ من طول النظر ومزاولة البحث، يُضاف إلى هذا ما شاهده في رحلاته، وما لمسه في شئون مقره الجديد بمصر، حتى سُمِّيَ هذا بـ(المذهب الجديد).

ويعتبر فقه الشافعي وسطاً بين أهل لرأي وأهل الحديث؛ لأنَّه أفاد كثيراً من المدرستين، لأخذه الفقه عن أئمة كل منهما، على أنَّه كان يؤثر الحديث إيثاراً بيِّناً فعد من أهله([9]).

[2] أصول المذهب:

يُعتبر الإمام الشافعي أول من صنَّف في أصول الفقه، ورسالته التي ألَّفها في هذا العلم تعتبر أول مصنَّف فيه وصل إلينا؛ وبهذا يكون الشافعي قد انفرد بتدوين أصول مذهبه، فكفى أتباعه العبء الذي تحمَّله أتباع المذاهب الأخرى، باستنباط أصول مذاهبهم في فروعهم المختلفة، وقد رتَّب الشافعي أصول استنباطه، وتحدَّث عنها بالتفصيل وأجملها في أكثر من موقع من كتابيه (الرسالة) و(الأم).

من ذلك ما نصه في كتاب الأم: “العلم طبقات شتى: الأولى الكتاب والسنة إذا ثبتت، ثم الثانية الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، والثالثة أن يقول بعض أصحاب رسول الله e قولاً ولا نعلم له مخالفاً منهم، والرابعة اختلاف أصحاب النبي e في ذلك، والخامسة القياس، ولا يُصار إلى شيء غير الكتاب والسنة وهما موجودان، وإنَّما يؤخذ العلم من أعلى”([10]).

ويتبيَّن من ذلك أنَّه يعتمد على الكتاب والسُّنَّة، ويجعل السُّنَّة مبيِّنة للكتاب، وشارحةً لنصوصه، ومفصِّلةً لمجمله، ومقيِّدة لمطلقه، ومخصِّصةً لعامِّه، ولو كانت أخبار آحادية؛ فهو يحتج بخبر الواحد مادام راويه ثقةً عدلاً، ولا يشترط في الخبر الشهرة فيما تعم به البلوى، خلافاً للحنفية، ولا موافقة عمل أهل المدينة، خلافاً للمالكية، فهو يشترط صحة السند فقط .

وخالفهم كذلك في الاحتجاج بالحديث المرسل، فما كان يحتج به إلا إذا كان من مراسيل كبار التابعين: أمثال سعيد بن المسيّب، وبشرط توافر شروط خاصة، وهذا خلاف مذهب أبي حنيفة، وأبي سفيان الثوري، ومالك؛ حيث كانوا يحتجون بالحديث المرسل، و يجعلونه بمنزلة الحديث المتصل.

وبعد الكتاب والسُّنة يحتج بالإجماع، ثم بأقوال الصحابة يتخير منها ما هو الأقرب إلى الكتاب والسنة، فإن لم يتبين القرب أخذ بأقوال الخلفاء الراشدين، ورجَّحها على أقوال غيرهم.

ثم يعتمد على القياس، ولكنَّه لم يتوسع فيه، كما توسَّع فيه غيره ممن أخذوا به؛ هذه هي أصول الشافعي، ولهذا أنكر على الأحناف الاستدلال بالاستحسان، وعده تشريعاً بالهوى، وأنكر على مالك الاستدلال بالمصالح المرسلة، وبعمل أهل المدينة([11]).

[3] تدوين المذهب وانتشار ه و تلاميذ الإمام:

تم نقل فقه الشافعي وتدوينه بطريقتين:

الأولى: الكتب التي كتبها الشافعي نفسه، وأملاها إملاءً على تلاميذه، وأشهرها اثنان، هما:

[1] الرسالة، التي صنَّفها في العراق ثم أعاد تصنيفها في مصر بعد تهذيبها، وهي أبحاث في أصول الفقه، فقد تكلم فيها عن بيان القرآن، و بيان السنة للقرآن، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ، والسنة، والاحتجاج بخبر الواحد، وغير ذلك من الأبحاث الأصولية.

[2] الأم، وهو كتاب فقه عظيم، بليغ الأسلوب، فيه عرض لأقواله مع الأدلة، ومناقشة أقوال الفقهاء الآخرين، بأسلوب علمي رصين، وقد رواه عنه تلميذه الربيع بن سليمان المرادي.

الثانية: تلامذته، وهم كثيرون، منهم العراقيون، ومنهم المصريون، فالعراقيون: هم نَقَلَة مذهبه القديم، ومنهم:

[1] الحسن بن محمد المعروف بالزعفراني المتوفي سنة 260هـ.

[2] أبو علي الحسين بن علي المعروف بـ”الكرابيسي” المتوفي سنة 245هـ.

أمَّا تلامذته في مصر، فهم نَقَلَة مذهبه الجديد، ومنهم:

[1] إسماعيل بن يحيي المزني المتوفي سنة 264هـ، وهو أذكى تلاميذه، ولازم الشافعي منذ قدومه مصر إلى أن توفي، وله كتب كثيرة ساعدت على نشر المذهب، كما له آراء خالف بها شيخه.

[2] البويطي، وهو أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي، أخذ الفقه عن الشافعي وحلَّ محل شيخه في التدريس والإفتاء بعد وفاته.

[3] الربيع بن سليمان المرادي، روى كتاب الأم عن الشافعي، وكتب نسخة منه في حياة الشافعي.

انتشار المذهب: وينتشر المذهب الشافعي في مصر، و اندونيسيا، وماليزيا، والصومال وشرقي إفريقيا، وعدن وحضرموت، وفلسطين، ويوجد أيضاً في العراق، وكذا في باكستان، والمملكة العربية السعودية([12]).

[4] الكتب المرجعية في المذهب:

أولاً: المختصرات:

[1] التنبيه؛ لأبي إسحق الشيرازي، إبراهيم بن علي بن يوسف، المتوفى 476هـ، وهو كتاب مختصر يقتصر فيه المؤلف على بيان الأحكام الشرعية مجردة من الأدلة والخلاف والمناقشة، والكتاب سهل الأسلوب، واضح العبارة، مرتَّب على أبواب الفقه، وهو أحد الكتب الخمسة المشهورة المتداولة بين الشافعية، كما ذكره النووي([13]).

[2] منهاج الطالبين وعمدة المفتين، المعروف بـ”المنهاج”؛ للإمام النووي، أبي زكريا يحيى بن شرف، (ت: 676هـ)، وهو متن مختصر اختصره الإمام النووي من كتاب المحرر في فروع الشافعية للرافعي (ت: 623هـ)، ويعتبر “منهاج الطالبين” أشهر مختصر عند الشافعية، وعليه جل الاعتماد، ويُعوَّل عليه في معرفة القول الراجح عندهم([14]).

[3] منهج الطلاب (مختصر منهاج الطالبين للنووي)، المعروف بـ”المنهج”، لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، أبي يحيى محمد بن أحمد، (ت: 926هـ).

[4] متن الغاية والتقريب؛ لأبي شجاع الأصفهاني.

ثانياً: كتب المذهب مع الدليل:

[1] كفاية الأخيار؛ للحصني، تقي الدين بن أبي بكر الحسيني الدمشقي.

[2] أسنى المطالب شرح روض الطالب؛ للقاضي زكريا الأنصاري، محمد بن أحمد، المتوفى 926هـ

[3] مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج؛ للخطيب الشربيني، شمس الدين محمد بن أحمد، (ت: 977هـ)، وهو شرح منهاج الطالبين للنووي، وضَّح معانيه وأفصح عن مفهومه ومنطوقه، وهو شرح وسط، خالٍ من الحشو والتطويل، حاوٍ للدليل والتعليل، مبيِّن المعوَّل عليه من كلام الشافعي والأصحاب والمتأخرين، ويخرِّج الأحاديث من كتب السنة، ويوشِّح الأحكام بالفروع الكثيرة والفوائد النافعة، والأدعية المأثورة، فهو كتاب نافع ومفيد، ومدعوم بالأدلة بدون مقارنة مع بقية المذاهب.

[4] المجموع شرح المهذب؛ للإمام النووي، (ت: 676هـ) وهو من أجمع الكتب في فقه الشافعية، شرح به الإمام النووي كتاب “المهذَّب” للشيرازي، وهو كتاب في الفقه المقارن بين المذاهب، ولذلك قال عنه مؤلفه: “واعلم أنَّ هذا الكتاب وإن سميته شرح المهذَّب، فهو شرح للمذهب كله، بل لمذاهب العلماء كلهم وللحديث وجمل من اللغة والتاريخ والأسماء”([15]).

[5] الحاوي الكبير؛ للقاضي الماوردي، علي بن محمد بن حبيب، المتوفى سنة 450هـ، وهو كتاب في الفقه على المذهب الشافعي، وفي الفقه المقارن مع بقية المذاهب، وهو عظيم الشأن، كبير الحجم، يعرض فيه الماوردي الأحكام الفقهية كاملة على المذهب الشافعي، ثم يذكر أدلتها بالتفصيل، ثم يذكر أقوال المذاهب الأخرى، ويورد أدلتها، ثم يناقشها بإسهاب ليصل إلى الترجيح، وقد قيل عنه “لم يُؤلَّف في المذهب مثله”([16]).

[6] نهاية المطلب في دراية المذهب؛ لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، (ت: 478هـ)، وهو أهم كتاب في الفقه على المذهب الشافعي والفقه المقارن، وهو أبرز مصنَّفات إمام الحرمين وأشهرها وأوسعها، ويتضمَّن جميع الأبواب الفقهية. ويعتبر الكتاب أحد الحلقات الأساسية في سلسلة الفقه الشافعي ابتداءً من “الأم” للشافعي، ثم “مختصر المزني”، ثم “نهاية المطلب”، ثم “البسيط، والوسيط، والوجيز، والخلاصة” للغزالي، ثم “المحرر” للرافعي، ثم “منهاج الطالبين، والروضة، والمجموع” للنووي، وهذه الأخيرة عليها الاعتماد في المذهب حتى عصرنا الحاضر مع شروح المنهاج”([17]).

ثالثاً: أهم المراجع في المذهب:

[1] الأم؛ للإمام الشافعي، أبي عبد الله محمد بن إدريس، (ت: 204هـ)، يجمع الكتاب بين دفتيه جميع أبواب الفقه، وهو مرتَّب على الكتب، وكل كتاب منها عدة أبواب، والشافعي أملى كتابه الأم على تلاميذه في مصر بما وصل إليه رأيه في آخر حياته، ويُعبَّر عن المسائل فيه بأنها “مذهب الشافعي الجديد” بعد أن غيَّر اجتهاده في بعض المسائل، ورواه عنه تلاميذه بمصر وخاصة الربيع بن سليمان المرادي. وكتاب الأم قمة مؤلفات الإمام الشافعي، وجعل كتابه الرسالة وهي أول كتاب في أصول الفقه، مقدِّمةً للأم، ثم أُلحق بالأم جملة كتب في الخلاف والفقه المقارن، وطُبِع كتاب الأم مع ملحقاته عدة مرات في سبعة أجزاء كبيرة.

[2] أسنى المطالب شرح روض الطالب؛ لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، المتوفى 926هـ.

[4] الروضة؛ للنووي، أبي زكريا يحيى بن شرف، (ت: 676هـ)، واسم الكتاب الكامل “روضة الطالبين وعُمدة المفتين” وتُعرف اختصاراً بـ”الروضة”، وهي اختصار وترتيب وتنقيح لفتح العزيز في شرح الوجيز للرافعي. وهذا الكتاب من خير كتب المذهب الشافعي، لأنَّه اجتمع فيه جهود محققَي المذهب، وهما: الرافعي والنووي، ويعتبر الكتاب من الكتب المعتمدة التي يرجع إليها العلماء والقضاة والمفتون.

[5] نهاية المحتاج إلى شرح ألفاظ المنهاج؛ لشمس الدين محمد بن أحمد الرملي، المصري، الشهير بالشافعي الصغير، (ت: 1004هـ) وهو شرح متوسط لكتاب “منهاج الطالبين” للنووي، اقتصر فيه على المعوَّل به في المذهب من الأقوال الراجحة تبعاً للإمام النووي([18]).

[6] الحاوي الكبير؛ للقاضي الماوردي، علي بن محمد بن حبيب، (ت: 450هـ).

رابعاً: كتب غريب لغة الفقه في المذهب:

[1] الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي؛ لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، (ت: 370هـ).

[2] شرح ألفاظ التحرير (بهامش متن التحرير)؛ للإمام النووي.

[3] تهذيب الأسماء واللغات؛ للإمام النووي.

[4] المصباح المنير في شرح الرافعي الكبير؛ للفيومي.

خامساً: كتب تراجم رجال المذهب:

[1] طبقات الشافعية؛ للسبكي، تاج الدين بن علي بن عبد الكافي، (ت: 771هـ).

[2] طبقات الشافعية؛ للإسنوي، أبو محمد عبد الرحيم بن الحسن (ت: 772هـ).

[3] طبقات الشافعية؛ لابن قاضي شهبة، أبي بكر بن أحمد بن محمد، (ت: 851هـ).

[4] طبقات الفقهاء، للشيرازي، إبراهيم بن علي بن يوسف، (ت: 476هـ).

[5] طبقات الشافعية؛ لابن هداية الله.

[6] طبقات الشافعية؛ لأبي عاصم العبادي([19]).

المطلب الثالث: انتشار المذهب الشافعي في الصومال:

انتشر علم الفقه وأصوله في الصومال ــ كغيره من العلوم الإسلامية ـ بفضل جهود الرواد الأوائل من المسلمين، ونشرهم الدعوة الإسلامية في منطقة القرن الإفريقي، ومع صعوبة تحديد تاريخ وصول المذهب الشافعي إلى الصومال، وكيفة انتشاره فيها، إلا أن الظاهر أن المهاجرين اليمنيين إلى السواحل الصومالية هم الذين نشروا المذهب في المدن الساحلية، ومنها انتقل إلى المدن الداخلية؛ ويؤيد ذلك:

[1] انتشار المذهب الشافعي في اليمن انتشاراً واسعاً في وقت مبكر، ونبوغ الكثير من الفقهاء الشافعية فيه، علماً بأن الإمام الشافعي نفسه زار اليمن.

[2] وصول الكثير من العلماء والفقهاء اليمنيين إلى الصومال مهاجرين ودعاة وزواراً، وكان من بين هؤلاء الفقهاء: الشيخ الفقيه أبوبكر من بلدة تريم بحضرموت، الذي زار مقديشو في القرن الخامس الهجري في ظل دولة الحلوان، والشيخ الفقيه أبو عبد الرحمن الحسين بن خلف بن حسين المقيبعيِّ، أحد فقهاء تهامة اليمن المشهورين في القرن السادس الهجري،والشيخ أبوبكر بن عبد الله العيدروسي باعلي، الذي زار زيلع عام 914هـ، وكان من مشايخه الحافظ السخاوي، والفقيه محمد بن أحمد بافضل، وغير هؤلاء كثيرون[20].

[3] كثرة المؤلفات الفقهية للعلماء اليمنين المتداولة في الصومال، وتظهر من خلال نظرة سريعة إلى قائمة مصادر ومراجع الفقه الشافعي المتداولة في الصومال الآتي ذكورها في المطلب الرابع، مما يبرز الدور الكبير للفقهاء اليمنيين في انتشار المذهب الشافعي في الصومال.

ومع انتشار المذهب الشافعي في الصومال، فقد عرفت أيضاً المذهب الحنفي، الذي كان منتشراً في الشمال[21]، وخاصة مدينة زيلع ونواحيها، وقد برز من الزيلعيين علماء أجلاء، لهم مكانتهم في الفقه الحنفي، منهم: العالم الكبير: جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي (ت762هـ)، صاحب كتاب “نصب الراية لأحاديث الهداية”[22]، والعالم الكبير: فخرالدِّين عثمان بن علي الزيلعي (ت734هـ). صاحب كتاب “تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق”، الذي يعتبر من أهم كتب المذهب الحنفي.

كما عرفت بعض المدن الساحلية في الصومال بعض المؤثرات الشيعية، مما استدل به بعض الباحثين، على أن هذه المدن عرفت المذهب الشيعي[23].

وعلى الرغم من هذا وذاك فإن المذهب الشافعي هو المذهب السائد في الصومال بلا منازع، وليس للمذهب الحنفي السني أتباع في الصومال، ناهيك عن مذاهب شيعية.

وقد انتشر أيضاً في العقود الأخيرة الفقه المقارن، وفقه الحديث، ووجدت كتب مثل: بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد، والمغني لابن قدامة، ونيل الأوطار للشوكاني، وسبل السلام للصنعاني، وفقه السنة للسيد سابق، طريقها للتداول، خاصة لدى خريجي الجامعات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي في الثمانينات وما بعدها.

وفي العقد الأخير ازدادت أهمية الفقه الإسلامي عموماً في الصومال، نظراً لتنامي الصحوة الإسلامية عقب انهيار الحكومة المركزية، وانتشار التعليم الإسلامي في المؤسسات النظامية الأهلية: المدارس والمعاهد والجامعات الإسلامية، وظهور المحاكم الإسلامية منذ بداية التسعينات وانتشارها، إلى أن أصبح معظم مناطق جنوب ووسط الصومال خاضعاً لسيطرتها الآن، وتعالت صيحات المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية في كل أرجاء الصومال.

المطلب الرابع: مصادر و مراجع المذهب الشافعي المعتمدة في الصومال[24]:

الكتب الفقهية المشهورة التي تُدرَّس في الحلقات الصومالية، ويرجع إليها القضاة، ويعتمد عليها في الفتوى، هي[25]:

[1] سفينة الصلاة، للسيد عبد الله بن عمر الحضرمي، وهي رسالة صغيرة يفتتح بها الدارس المبتدي (مطبوعة مع سفينة النجاة في أصول الدين، وتقع في 32صفحة).

[2] سفينة النجاة في أصول الدين والفقه، للشيخ سالم بن سمير الحضرمي، ومن شروحه المتداولة في الصومال: “كاشفة السجا”، للشيخ أبي عبد المعطي محمد نووي (116 صفحة).

[3] الرياض البديعة في أصول الدين وبعض فروع الشريعة، للفاضل محمد حزب الله.

[4] المقدمة الحضرمية في فقه الإمام الشافعي المشهور بـ “بافضل”، للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بافضل الحضرمي، ومن شروحه المتداولة في الصومال:

أ/ بشرى الكريم بشرح مسائل التعليم، للشيخ سعيد بن محمد باعشن، (جزءان).

ب/ المنهاج القويم، لابن حجر الهيثمي.

[5] الغاية والتقريب في الفقه الشافعي (غاية الاختصار)المشهور بـ(متن أبي شجاع)، للقاضي أبي الشجاع أحمد بن الحسين بن أحمد الأصفهاني، حققه وعلق عليه وبين أدلته ماجد الحموي (400 صفحة)، ومن شروحه المتداولة في الصومال:

أ/ كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار، للحصني (جزآن).

ب/ فتح القريب المجيب في شرح ألفاظ التقريب ، ويسمى أيضاَ بـ ” القول المختار في شرح غاية الاختصار” للشيخ أبي عبد الله محمد بن قاسم الغزي (67 صفحة)، وعليه حواشي منها:

[1] حاشية الباجوري على شرح ابن قاسم الغزي على متن أبي شجاع، للشيخ إبراهيم الباجوري، (مجلدان).

[2] فوت الحبيب القريب على فتح القريب المجيب، ويسمى أيضاَ بـ” التوشيح على ابن قاسم”، للشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي المنوفي.

[ج] الإقناع، للمنوفي، شهاب الدين أبي الخير أحمد بن محمد بن عبد السلام.

[د] الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، للخطيب الشربيني (جزآن)، وعليه حاشية “تحفة الحبيب على شرح الخطيب”، للبجيرمي، سليمان بن عمر بن محمد (4 أجزاء).

[هـ] التذهيب قي أدلة متن الغاية والتقريب، د. مصطفى ديب البغا (287صفحة).

[6] قرة العين بمهمات الدين، للشيخ زين الدين بن عبد العزيز بن علي الشافعي.

[7] بغية الباحث عن جمل الموارث، لموفق الدين محمد بن علي الرحبي (12 صفحة).

[8] منهج الطلاب (مختصر منهاج الطالبين للنووي)، لشيخ الإسلام أبي يحيى زكريا الأنصاري الخزرجي، ومن شروح المتداولة في الصومال: فتح الوهاب بشرح منهاج الطلاب، للمؤلف أيضاً (جزآن). وعليه حاشية التجريد لنفع العبيد على شرح منهج الطلاب، للبجيرمي (4 أجزاء).

[9] التنبيه في الفقه على مذهب الإمام الشافعي، لأبي إسحاق الشيرازي (168صفحة).

[10] الزبد في الفقه،للشيخ أحمد بن حسين بن حسن بن رسلان الشافعي، ومن شروحه المتداولة في الصومال:

· غاية البيان شرح زيد بن رسلان، لشمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة الرملي الأنصاري الشهير بـ “الشافعي الصغير” (345 صفحة).

· مواهب الصمد في حل ألفاظ الزبد (168 صفحة).

[11] عمدة السالك وعدة الناسك، للإمام شهاب الدين أبي العباس أحمد بن النقيب المصري الشافعي، والكتاب له شروح معروفة في الصومال، منها:

· فيض الإله المالك في حل ألفاظ عمدة السالك وعدة الناسك، للسيد عمر بركات الشامي المكي الشافعي (جزآن).

· أنوار السالك شرح عمدة السالك وعدة الناسك، للشيخ محمد الزهري الغمراوي (276صفحة).

[12] منهاج الطالبين وعمدة المفتين، للإمام النووي، وله شروح متداولة في الصومال، منها:

· السراج الوهاج، للشيخ محمد الزهري الغمراوي (651 صفحة).

· زاد المحتاج بشرح المنهاج، للشيخ عبد الله بن حسن الكوهجي (4أجزاء).

· مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، للخطيب الشربيني، (4 أجزاء).

· نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، للرملي “الشافعي الصغير” (8 أجزاء).

· تحفة المحتاج بشرح المنهاج، لشيخ الإسلام أبي العباس أحمد شهاب الدين ابن حجر الهيثمي المكي الفقيه الشافعي (10 أجزاء).

[13] إرشاد الغاوي في مسالك الحاوي (متن الإرشاد)، للإمام شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر اليمني الشافعي الشهير بـ”ابن المقري” (224)، ومن شروح المتداولة في الصومال:

· كتاب التمشية بشرح إرشاد الغاوي في مسالك الحاوي، للمؤلف أيضاً (3 أجزاء).

· فتح الجواد بشرح الإرشاد، لابن حجر الهيثمي.

[14] روضة الطالبين وعمدة المفتين، للإمام النووي (10 أجزاء).

[15] الروض، لابن المقري، ومن شروحه المتداولة في الصومال: “أسنى المطالب شرح روض الطالب”، لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (4 أجزاء).

[16] المهذب في فقه الإمام الشافعي، للإمام أبي إسحاق الشيرازي (جزءان)، وله شرح مشهور، ومتداول هو (المجموع شرح المهذب)، للإمام النووي (20 جزءاً).

[17] الأم، للإمام الشافعي نفسه، ومعه مختصر المزني، (8 أجزاء).

المبحث الثالث: معالم وملامح التفاعل الإبداعي مع المذهب الشافعي

المؤلفات والمخطوطات الفقهية والأصولية نموذجاً

مدخل: معالم التفاعل الإيجابي مع المذهب الشافعي في الصومال كثيرة ومتعددة الجوانب، تتمثل في: التآليف، والمخطوطات الفقهية والأصولية المحفوظة، .وطرق التدريس في الحلقات العلمية في المساجد، وطرق تطبيق الفقه والعمل به، كالقضاء، والفتاوى الفقهية في الأقضية والنوازل، والتحاكم الطوعي إلى الفقهاء والمحاكم الشرعية الأهلية، بالإضافة إلى العمل الفردي وغير ذلك، مما لا تتحمله هذه الورقة، ويتطلب تناوله بحثاً مستقلاً، ولكننا نكتفي هنا بتناول الجانبين الأولين، وهما:

· التآليف الفقهية والأصولية في الصومال.

· المخطوطات الفقهية والأصولية.

المطلب الأول: التآليف الفقهية والأصولية في الصومال:

لقد قام العلماء في الصومال، والفقهاء منهم على وجه الخصوص بجهود علمية مقدرة في مجال التأليف في أغلب التخصصات العلمية: في الفقه وأصوله، والنحو والعروض، والتاريخ وغيرها من العلوم والمعارف[26].

· أسباب قلة التأليف في الصومال:

قلة الإنتاج العلمي والتأليف في الصومال أمر واقع وملحوظ، ولذلك أسباب، أهمها:

[1] قلة الاستقرار وكثرة الحل والترحال، الذي تستلزمه طبيعة البيئة الصومالية الغالب عليها البداوة والرعي، والجري وراء الكلأ والماء، مما حدا بالعلماء ــ ولاسيما الرواد منهم ــ إلى الاهتمام بالجانب الدعوي ومخاطبة الجماهير، لترسيخ مفاهيم الإسلام في نفوسهم، والانشغال بالتدريس لتفقيههم في الدين.

[2] قلة جدوى التأليف عموماً، وباللغة العربية خصوصاً، لانتشار الأمية في مجتمع كانت تغلب عليه البداوة، ولم تكن اللغة العربية فيه هي لغة الأم، فلا يستفد منها إلا الفئة المتعلمة، ولذلك لم تكن الكتابة والتأليف من بين الأهداف التعليمية التي كان على مناهج التعليم التقليدي وطرقه أن تحققها[27].

[2] شح المصادر والمراجع المتوافرة لديهم، وصعوبة اصطحاب القليل المتوافر لكثرة التنقلات التي تفرضها البيئة وطريقة الحياة.

[3] تعرض الكثير من الكتب والمصادر للتلف والحرق والنهب، بسبب الحروب التي كانت تتعرض لها المراكز العلمية المستقرة نسبياً، من الأعداء الغزاة: أمثال البرتقاليين، والبريطانيين والإيطاليين، والفرنسيين، والأحباش، وغيرهم

[4] الحرب الأهلية التي اجتاحت الصومال في العقدين الأخيرين، والتي أكلت الأخضر واليابس، و”قضت على الكثير من المعالم الحضارية، والمآثر الإسلامية، والتراث العريق، فاحترقت الآلاف من خزائن المكتبات العامة والخاصة، مثل: المكبة الوطنية،والمتحف القومي، ومكتبة الأكاديمية للعلوم والآداب، وعدد من المكتبات الحكومية والخاصة”[28].

· المؤلفات الفقهية والأصولية للعلماء الصوماليين:

الأسباب التي ذكرناها لقلة التآليف العربية والفقهية في الصومال هي لبيان عدم مناسبة هذه القلة مع حجم انتشار التعليم الإسلامي والعربي فيها[29]، وخاصة علم الفقه الذي هو أكثر هذه العلوم انتشاراً، لارتباطه الوثيق بالحياة العملية، ليست قلة مطلقة؛ فهناك من المؤلفات الفقهية الصومالية المخطوطة أو المطبوعة الكثير مما سنشير إلى بعضه.

أولاً: المؤلفات الفقهية على المذهب الحنفي:

[1] تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، للشيخ العلامة، والفقيه الزيلعي، فخر الدين أبي عمر عثمان بن علي، المتوفى (ت734هـ)، ويعد هذا الكتاب من أهم كتب الحنفية.

[2] نصب الراية لأحاديث الرافعي الكبير، للعلامة المحدث الزيلعي الحنفي، جمال الدين، أبي محمد عبد الله بن يوسف بن محمد (ت762هـ).

ثانياً: المؤلفات الفقهية على المذهب الشافعي[30]:

[1] حاشية الشاشي، للشيخ أحمد بن عثمان محمد الشاشي المقدشي المعروف بـ (أحمد منبر)، وهي حاشية وضعها على كتاب (إعانة الطالب الناوي في شرح إرشاد الغاوي)، لابن عبد الله الحسين بن أبي بكر النزيلي، وما زالت هذه الحاشية مخطوطة لم تر النور حتى الآن، وقد ذكر المؤلف هذه الحاشية في مقدمة تحقيقه لكتاب “إعانة الطالب” المذكور، قائلاً: “لي حاشية سميتها (حاشية الشاشي)”

[2] الاعتماد في حل ألفاظ الإرشاد، للشاشي نفسه، وهو شرح لطيف على كتاب (الإرشاد)، الذي هو من أهم الكتب المعتمدة في التدريس والإفتاء في الصومال.

[4] فتح الغوامض لمريد علم الفرائض، للشيخ علي مؤمن الشافعي الصومالي، وهو شرح لكتاب الفرائض من كتاب (المنهاج) للإمام النووي، ويذكر سبب تأليفه لهذا الشرح، فيقول: ” طلب مني بعض المحبين أن أجعل شرحاً وجيزاً على كتاب الفرائض من منهاج الإمام النووي ــ رضي الله عنه ــ ونفعنا به، فأجبته لما طلب، راجياً من الله الإعانة، ومؤملاً الدخول في حديث: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، وليس لي فيه إلا النقل من كتب الفقهاء المعتبرين، ومن أفواه من لقيت منهم ــ رضي الله عنهم ــ وذلك هو الإتيان بالمقدور، والميسور لا يسقط بالمعسور، وسميته: “فتح الغوامض لمريد علم الفرائض”، والكتاب صغير الحجم، يقع في 67 صفحة، وطبع بدار العالم العربي بالقاهرة في عام 1407هـ ــ 1987م.

[5] الفرائض، للشيخ نور الدين علي بن أحمد السلفي، المتوفى سنة 1416هـ ــ 1995م، وهي رسالة صغيرة في علم الفرائض، ولأهمية هذه الرسالة صارت مقررة على طلاب معهد كيسوني في ممباسا بدولة كينيا، ولكنها لم ما زالت مخطوطة لدى احد أبنائه.

[6]، [7] وللمؤلف أيضاً: كتاب (أحكام الصلاة) وكتاب (أحكام الجنائز)، وكلاها مخطوط.

[9] الغيث الفائض في علم الفرائض، للشيخ بشير محمد عثمان المقدشي الصومالي، وهو كتاب نفيس ومطول جداً، واختصره المؤلف بالكتاب التالي:

[10] الإيجاز في علم التوارث، وقد حرص المؤلف فيه على أن يسهل علم الميراث لطلبة العلم، ويقرب مسائله، بسهولة العبارات، ووضوح المعاني، و قد طبع الكتاب بمطبعة المركز الصومالي للطباعة (Somali printing center)، مقديشو 1420هـ ــ 1999م.

[12] كشف الغمام عن أحكام مخالفة الإمام، للشيخ حاج على بن عبد الرحمن فقيه، (رسالة)، [14] وأخرى بعنوان: (القول المقول لتحريم الملاهي والطبول)، (وكلاهما مخطوط).

ثالثاً: المؤلفات في الفقه المقارن:

ومن المؤلفات في الفقه المقارن “المواريث الشرعية في المذاهب الأربعة”، للشيخ نور الدين علي بن أحمد السلفي، المتوفى سنة 1416هـ ــ 1995م[31].

رابعاً: المؤلفات ت الأصولية:

وعلم أصول الفقه أيضاً كان له حضور في تآليف العلماء في الصومال، وإن لم يضاه الفقه، ومم كتب في هذا المجال:

[1] حجية الإجماع في الشريعة الإسلامية”، للشيخ أحمد حاج محمد شيخ ماح، تناول فيه المؤلف الأدلة الشرعية في الإسلام، ثم حقيقة الإجماع وأركانه، ثم تناول حجية الإجماع بإسهاب، مبيناً آراء الأصوليين فيه. ويقع الكتاب في 241 صفحة.

[2] رسالة بعنوان: “كشف القناع عن أهل التعصب والابتداع”، للشيخ حاج على بن عبد الرحمن فقيه (مخطوطة)[32].

ملاحظات حول هذه المؤلفات:

ولعل في نظرة سريعة إلى هذه المؤلفات يلاحظ القارئ أن هذه المؤلفات إما شروح وحواشي على كتب فقهية من تأليف آخرين، أو تتناول موضوعات فقهية كالصلاة، أو الفرائض، أو الجنائز، ونحوها، كما يلاحظ أن معظمها غير مطبوع، وغير متداول.

المطلب الثاني: المخطوطات الفقهية والأصولية في الصومال:

نذكر هنا بعض المخطوطات الفقهية والأصولية في الصومال، التي تناولها الدكتور حسن مكي محمد في كتابه “السياسات الثقافية في الصومال الكبير”، باعتبارها عينة دراسية، في وقت كانت الصومال في عافية من أمرها، وإن كان يصعب الآن التحقق مما إذا كانت هذه المخطوطات قد نجت من آثار الحرب الأهلية التي اشتعلت في الصومال في العقدين الماضيين، وأكلت الأخضر واليابس، بما فيها المكتبة الوطنية والمتحف القومي، والكثير من المكتبات الخاصة، أو كانت ضحية لتلك المآسي، وأياً ما كان الأمر فإن هذه المخطوطات ـ سواء أكانت من تأليف علماء صوماليين أم من تأليف غيرهم ـ تعتبر عملاً إيجابياً، ومشاركة صومالية في خدمة المذهب الشافعي، وهذه هي قائمة المخطوطات[33]:

· المخطوط الأول:

اسم المخطوط: شرح الإرشاد مع ما في شرحيه جواهر النفائس ونفائس الجواهر

اسم المصنف: شيخ بروا شيخ عبد اللطيف (صومالي)

اسم الناسخ: غير مذكور

تاريخ النسخ: 1246هـ

موضوع المخطوط: كتاب في الفقه الشافعي، يتناول: أحكام الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج

بداية المخطوط: يبدأ بإعراب وشرح معاني البسملة ، ثم ذكر أنواع الصلاة على الرسول e

خاتمة المخطوط: فتوى في تحريم الدخان والتنباكة

عدد الصفحات: 244 صفحة (الصفحة حوالي ثلاثمائة كلمة).

· المخطوط الثاني:

اسم المخطوط: منهاج الطالبين في الفقه الشافعي (منهاج الطالبين وعمدة المفتين في فقه الإمام الشافعي)

اسم المصنف: الإمام النووي

اسم الناسخ: غير مذكور

تاريخ النسخ: غير مذكور

موضوع المخطوط: كتاب في الفقه الشافعي، يتناول: كل أبواب الفقه

أهمية المخطوط: هو أهم كتب الفقه الشافعي المعتمدة في الصومال، وأشهر مختصر عند الشافعية عموماً ، وعليه جُلُّ الاعتماد، ويُعوَّل عليه في معرفة القول الراجح في المذهب.

· المخطوط الثالث:

اسم المخطوط: إرشاد الغاوي في مسالك الحاوي

اسم المصنف: شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر (السعدي نسباً، الشافعي مذهباً، الزبيدي مسكناً)

اسم الناسخ: عبد الشكور ابن الشيخ أحمد (المجير تيني[34] نسباً، الشافعي مذهباً، الأشعري عقيدة، القادري طريقة)

تاريخ النسخ: 1317هـ

موضوع المخطوط: الفقه الشافعي

أهمية المخطوط: يسهم في إلقاء الضوء على التأثير العلمي لبلاد اليمن على الصومال، كما يشير إلى ثلاثية علماء الصومال الأقدمين: الفقه الشافعي، والعقيدة الأشعرية، والطريقة القادرية.

عدد الصفحات: 410 صفحة (وهو مخطوط ضخم الحجم)

مصدر المخطوط: عثر عليه في أفجوي، وهناك عدة مخطوطات بهذا الاسم.

· المخطوط الرابع:

اسم المخطوط: تنبيه مختصر في أحكام النكاح

اسم المصنف: الشيخ حسن يوسف محمد علي (صومالي)

اسم الناسخ: غير مذكور

تاريخ النسخ: 1258هـ

عدد الأوراق: 232

نوعية الخط: خط نسخ مشكول

· المخطوط الخامس:

اسم المخطوط: شرح سعيد بن مؤلف قرة العيون بمهمات الدين

اسم المصنف: غير مذكور

اسم الناسخ: غير مذكور

تاريخ النسخ: غير مذكور

موضوع المخطوط: الفقه الشافعي

نوعية الخط: خط نسخ ، وبعضه مشكول

أهمية المخطوط: من الكتب المتداولة في الصومال على نطاق واسع

عدد الصفحات: 444 صفحة

· المخطوط السادس:

اسم المخطوط: كتاب الخراج

اسم المصنف: غير مذكور

اسم الناسخ: غير مذكور

تاريخ النسخ: غير مذكور

موضوع المخطوط: الفقه الشافعي

الأوراق : 57 ورقة

أهمية المخطوط: الخراج: هو فقه الأراضي المزروعة، ويمثل مصدراً من مصادر الاقتصاد الإسلامي

المصدر: شيخ عبد الله شيخ أبي يونس (أفجوي)

· المخطوط السابع:

اسم المخطوط: السيف البتار في حكم معاملة الكفار

اسم المصنف: العلامة السيد/ عبد الله بن عبد الباري الأهدل

اسم الناسخ: غير مذكور

تاريخ النسخ: 1335هــ ــــ (1917م) تقريباً

موضوع المخطوط: الفقه الشافعي (الفتاوى وفقه النوازل )

أهمية المخطوط: نسخ في ظروف ثورة السيد/ محمد عبد الله حسن

· المخطوط الثامن:

اسم المخطوط: في أصول مذهب الشافعي

اسم المصنف: الإمام أبو إسحق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز أبادي

اسم الناسخ: غير مذكور

تاريخ النسخ: غير مذكور

موضوع المخطوط: الفقه الشافعي

· المخطوط التاسع:

اسم المخطوط: الفتاوى الحديثة

اسم المصنف: الإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيثمي.

اسم الناسخ: غير مذكور

تاريخ النسخ: 1123هــ ـــ (1711) تقريباً

موضوع المخطوط: الفقه الشافعي (الفتاوى وفقه النوازل )

أهمية المخطوط: إيراد فتاوى أعمدة الفقه الشافعي، مثل: أبي إسحاق الشيرازي، والعز بن عبد السلام، والزركشي، وغيرهم، والمؤلف من أعمدة متأخري المذهب الشافعي، وشرحه لمنهاج النووي”تحفة المحتاج” من أهم الكتب المعتمد عليها في الصومال.

المبحث الرابع : صعوبات عملية ناشئة عن مدى ملاءمة المذهب مع البيئة

أحكام الطهاررات نموذجاً

المطلب الأول: نجاسة فضلات الحيوان مأكول اللحم:

أولاً: الحكم الفقهي للمسألة وأقوال العلماء فيها:

للفقهاء في حكم بول وروث الحيوان مأكول اللحم اتجاهان[35]:

الأول: القول بطهارتها، وهو رأي المالكية والحنابلة، مستدلين بإباحة النبي e للعرنيين شرب أبوال الإبل وألبانها، كما في حديث الصحيحين: (قدم أناس من عُكل أو عرينة فاجتووا[36] المدينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها)[37]، فالحديث دال على طهارة بول الإبل، ويقاس على الإبل غيره من مأكول اللحم، فتكون فضلات سائر الحيوانات تابعة للحومها، فإن كان حلالاً ففضلاتها طاهرة، وإن كان حراماً فنجسة، وإن كان مكروهاً فكذلك.

كما استدلوا بإباحة الصلاة في مرابض الغنم على أنه دال على طهارة أرواثها وأبوالها[38]

والثاني: القول بنجاستها، وهو رأي الشافعية والحنفية، فهم لا يفرقون بين فضلات الإنسان وفضلات الحيوان، ولا بين الحيوان مأكول اللحم وغيره، تعميماً للنصوص الآمرة بالتطهر والاستنزاه من البول، وأما حديث العرنيين وأمره e بشرب أبوال الإبل، فقالوا: إنه كان للتداوي، والتداوي بالنجس جائز عند فقد الطاهر الذي يقوم مقامه؛ إلا أن للحنفية تفصيل، فهم يرون أن نجاسة بول مأكول اللحم مخففة، فتجوز الصلاة معه إذا أصاب المرء ما يبلغ ربع الثوب[39]؛ لعموم البلوى بها.

الترجيح: ممن رجح من المحققين القول بطهارة بول وروث كل ما يؤكل لحمه ابن تيمية، وقد أفاض في الاستدلال لذلك بما يطول عرضه في هذا المقام، منها: أنه لم يذهب أحد من الصحابة إلى القول بنجاسته[40]، وقال الشوكاني: الظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه، تمسكاً بالأصل، واستصحاباً للبراءة الأصلية، والنجاسة حكم شرعي ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة، فلا يقبل قول مدعيها إلا بدليل يصلح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلا لذلك[41].

وقال الدكتور القرضاوي بعد أن استعرض ملخصاً للأدلة التي ذكرها ابن تيمية: “وبهذه الأدلة الناصعة يتبن لنا رجحان القول بطهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه، دون أن يكون في نفس المسلم أدنى ريب من ذلك”[42]، ولا شك أن الأخذ بهذا القول يحقق الكثير من المصالح الدينية والدنيوية، ويد فع كذلك الكثير من المفاسد التي عمت بها البلوى في بيئة مثل الصومال، كما سيظهر بيانه في الفقرة التالية، علماً بأن عموم البلوى هو ما جعل الحنفية يعتبرونها نجاسة مخففة تجوز الصلاة معها ما لم تفحش.

ثانياً: الصعوبة العملية في تطبيق الحكم:

تتمثل الصعوبة العملية الناشئة من تطبيق هذه المسألة في أن المجتمع الصومالي الذي يحترف في غالبيته الرَّعي[43]، ويتعامل في عمومه مع الأنعام، مع تمسكه بالمذهب الشافعي الذي يرى نجاسة فضلات الأنعام، تواجهه صعوبات عملية كبيرة في التوفيق بين التمسك بدينه، وأداء شعائره المتوقفة على الطهارة، وأهمها الصلاة، وبين متطلبات حياته اليومية المرتبطة بدرجة كبيرة بمنافع الأنعام، وقد انقسم الناس في ذلك إلى أصناف:

[1] صنف غلَّب جانب مصلحته الدينية، وهم الفقهاء والمتفقهون، وعامة المتدينين المتمسكين بالمذهب الشافعي، الذين لا يسمحون بالتزحزح عنه قيد أنملة، بل قد يرى بعضهم أن العمل بما يخالف المذهب هو بدعة، أو خروج عن التدين[44].

فهؤلاء يمثلون الزعامة الدينية التقليدية في المجتمع، وهم يؤدون شعائرهم وهم على قدر كبير من الحرج فيما يتعلق بمسائل الطهارة، قد يحدُّ من تعاطيهم مع الأنشطة الحياتية اليومية بسلاسة، علماً بأن أغلبهم إما من أهل الحضر أو القرى شبه المستقرة، أما من كان منهم من أهل البدو الرُّحل فحرجه أعظم، فقد تجد الواحد يتحاشى التعامل المباشر مع الأنعام، وخاصة الإبل نظراً لصعوبة التحرز من بوله، وقد تجدهم يتعاملون مع الأرض، وكأن الأصل فيها النجاسة، مع أنها طهور المؤمن ولو لم يجد الماء عشر سنين كما في الحديث الصحيح، فلا يصلى عليها إلا بعد أن يفرش عليها مصلاية أو ثوباً، أو رداءه أو عمامته إن لم يجد غيرها، ولا يطأ عليها ورجلاه مبلولتان من الوضوء ونحوه، إلا بعد عملية فحص دقيق للموقع، والتأكد من خلوه من آثار البهائم من بول وروث، وحتى عند ما يتيمم بها ــ فتكون هي المطهرة وليست طاهرة فقط ــ فلابدَّ من هذا الفحص، ما مما هو حرج بيِّن يتنافى مع يسر الشريعة وسماحتها.

[2] صنف غلَّب جانب مصلحته الدنيوية، جهلاً منه بقيمة المعادلة بين المصلحتين، وهم العامة، ومعظمهم من البدو الرحل، فهؤلاء يجدون صعوبة بالغة في أداء شعيرة الصلاة التي هي أعظم شعائر الإسلام على الإطلاق بعد التوحيد، وذلك للأسباب الآتية:

أولا: صعوبة الاحتراز من فضلات الأنعام، وعموم البلوى بها، وخاصة في القرى الريفية والبدو الرُّحل، مع ما ترسخ في أذهانهم من نجاسة هذه الفضلات، وعدم صحة الصلاة إلا بعد تطهير البدن والثوب والمكان منها.

ثانياً: قلة توافر المياه لهم في مناطق شاسعة من الصومال[45]، وهي المناطق التي يغلب عليها الرعي، بحيث قد تكون المسافة بين المراعى، وبين آبار المياه أو البرك التي تستقى منها، ــ وخاصة في فصل الصيف، وأيام القحط ــ مسيرة يوم أو يومين وربما أكثر.

ثالثاً: قلة العلم والفقه لدى هؤلاء البدو الرحل، وضآلة حظهم من إدراك مقاصد الشريعة ومراميها، فتصعب عليهم الموازنة بين أداء الصلاة في وقتها أياً كان نوع الخلل في الطهارة عن نجاسة بول الأنعام وروثها في الثياب أو البدن، باعتبار أن الطهارة وسيلة، وبين ترك الصلاة من أجل هذا الخلل في الطهارة، هذا إن لم يؤد بهم الجهل إلى عدم إدراك أهمية الصلاة أصلاً، ومكانتها في الإسلام، وهذا ما يغلب على كثير من أهل البدو ورعاة الإبل.

وهذه الأسباب تحمل الكثيرين منهم ــ وخاصة إذا كانوا رعاة إبل[46]ـ على ترك الصلاة كلياً، معتقدين أنه لا سبيل إلى أدائها أصلاً والحالة هذه، لعدم استطاعتهم التطهر من هذه النجاسات، و أحسن حالاً منهم من يصلي يوم ورود الماشية، بعد أن يغتسل ويطهر ملابسه في المورد، ثم يعود لحاله بعد مغادرته، فقد يصلي في الشهر مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أكثر حسب نوبة الورود وقربهم وبعدهم من المورد، وأحسن منهم من قد يجمع الصلاتين، أو الثلاثة، أو الخمسة مرة في اليوم عندما يتمكن من التطهر بطريقة صحيحة، بعد نهاية دوام عمله اليومي، وخاصة إذا كان من أهل البقر أو الغنم، ومنهم من يحافظ على أدائه للصلاة، ولكن يتكبَّد من المشاق الكثير والكثير.

[3] أما الصنف الثالث فهم أبناء الصحوة الإسلامية المعاصرة بمختلف اتجاهاتها، الذين تفتحت أعينهم على وعي إسلامي متبصر، وثقافة فقهية غير مذهبية نظرياً على الأقل، وقد وصل تأثير هذه الصحوة القاصي والداني، الحضري والبدوي ولكن بأقدار متفاوتة، وقد خفف هذا الوعي كثيراً مما كان يعاني منه الصنفان الأولان في هذا الخصوص، وخاصة في المدن والقرى، أما البدو فلا يزال الأثر قليلاً مع ضعف الوعي العام.

المطلب الثاني: نجاسة المياه دون القلتين بملاقاة النجاسة وإن لم يتغير

هذا هو المثال الثاني للصعوبات العملية الناشئة عن مدى ملاءمة المذهب الشافعي مع البيئة الصومالية في باب الطهارة، وهو زيادة إيضاح وتأكيد للمثال الأول، من الناحيتين الفقهية والتطبيقية، أعني من حيث ضعف المأخذ والأساس الفقهي (الدليل)، الذي بنيت عليه المسألة، ومن حيث الصعوبات العملية، والحرج الشديد المترتب على الأخذ بها.

وهذه المرة أترك المجال لأحد أئمة المذهب الشافعي، المشهود له بالإمامة في الفقه والأصول بلا نزاع، ليتولى بنفسه بيان ما في هذه المسألة من ضعف في المأخذ، وصعوبة في التطبيق، وهو الإمام أبو حامد الغزالي، صاحب “البسيط” و”الوسيط” و”الوجيز” و”الخلاصة” في الفقه الشافعي؛ وذلك حتى لا أبدو متحاملاً على المذهب، فإليك هذا النص الطويل له في كتابه ” إحياء علوم الدين”[47]:

قال ــ رحمه الله تعالى ــ مبيناً كيف يتنجس الماء: “ويخرج الماء عن الطهارة بأن يتغير بملاقاة النجاسة طعمه أو لونه أو ريحه، فإن لم يتغير وكان قريبا من مائتين وخمسين مناً، وهو خمسمائة رطل برطل العراق، لم ينجس لقوله e (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا)[48]، وإن كان دونه صار نجساً عند الشافعي رضي الله عنه هذا في الماء الراكد، وأما الماء الجاري إذا تغير بالنجاسة فالجرية المتغيرة نجسة، دون ما فوقها وما تحتها، لأن جريات الماء متفاصلات، وكذا النجاسة الجارية إذا جرت بمجرى الماء فالنجس موقعها من الماء وما عن يمينها وشمالها إذا تقاصر عن قلتين، وإن كان جرى الماء أقوى من جري النجاسة، فما فوق النجاسة طاهر، وما سفل عنها فنجس، وإن تباعد وكثر إلا إذا اجتمع في حوض قدر قلتين”.

ثم يبين مأخذه على ما ذهب إليه الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ــ وسبب ذلك فيقول: “وإذا اجتمع قلتان من ماء نجس طهر، ولا يعود نجسا بالتفريق، هذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه، وكنت أود أن يكون مذهبه كمذهب مالك رضي الله عنه في أن الماء وإن قل لا ينجس إلا بالتغير ؛ إذ الحاجة ماسة إليه، ومثار الوسواس اشترط القلتين، ولأجله شق على الناس ذلك، وهو لعمري سبب المشقة، ويعرفه من يجربه ويتأمله. ومما لا أشك فيه أن ذلك لو كان مشروطا لكان أولى المواضع بتعسر الطهارة مكة والمدينة؛ إذ لا يكثر فيهما المياه الجارية ولا الراكدة الكثيرة، ومن أول عصر رسول الله e إلى آخر عصر أصحابه لم تنقل واقعة في الطهارة ولا سؤال عن كيفية حفظ الماء عن النجاسات، وكانت أواني مياههم يتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات، وقد توضأ عمر رضي الله عنه بماء في جرة نصرانية، وهذا كالصريح في أنه لم يعوِّل إلا على عدم تغير الماء، وإلا فنجاسة النصرانية وإنائها غالبة تعلم بظن قريب”.

وهنا يبين الغزالي الأدلة التي استند إليها في اختياره مذهب الإمام مالك في المسألة وترجيه على مذهب إمامه الشافعي من سبعة وجوه، قائلاً: “فإذاً عُسر القيام بهذا المذهب، وعدم وقوع السؤال في تلك الأعصار دليل أول، وفعل عمر رضي الله عنه دليل ثان، والدليل الثالث: إصغاء رسول الله e الإناء للهرة

[49]، وعدم تغطية الأواني منها بعد أن يرى أنها تأكل الفأرة ولم يكن في بلادهم حياض تلغ السنانير فيها وكانت لا تنزل الآبار.

“والرابع: أن الشافعي رضي الله عنه نص على أن غسالة النجاسة طاهرة إذا لم تتغير، ونجسة إن تغيرت، وأي فرق بين أن يلاقي الماء النجاسة بالورود عليها أو بورودها عليه، وأي معنى لقول القائل: إن قوة الورود تدفع النجاسة مع أن الورود لم يمنع مخالطة النجاسة، وإن أحيل ذلك على الحاجة فالحاجة أيضا ماسة إلى هذا فلا فرق بين طرح الماء في إجانة فيها ثوب نجس أو طرح الثوب النجس في الإجانة وفيها ماء، وكل ذلك معتاد في غسل الثياب والأواني.

“والخامس: أنهم كانوا يستنجون على أطراف المياه الجارية القليلة، ولا خلاف في مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه إذا وقع بول في ماء جار ولم يتغير أنه يجوز التوضؤ به وإن كان قليلا، وأي فرق بين الجاري والراكد. وليت شعري هل الحوالة على عدم التغير أولى، أو على قوة الماء بسبب الجريان؟ ثم ما حد تلك القوة، أتجري في المياه الجارية في أنابيب الحمامات أم لا؟ فإن لم تجر فما الفرق؟ وإن جرت فما الفرق بين ما يقع فيها وبين ما يقع في مجرى الماء من الأواني على الأبدان وهي أيضا جارية؟ ثم البول أشد اختلاطا بالماء الجاري من نجاسة جامدة ثابتة إذا قضى بأن ما يجري عليها وإن لم يتغير نجس أن يجتمع في مستنقع قلتان فأي فرق بين الجامد والمائع والماء واحد والاختلاط أشد من المجاورة.

“والسادس: أنه إذا وقع رطل من البول في قلتين ثم فرقتا فكل كوز يغترف منه طاهر، ومعلوم أن البول منتشر فيه وهو قليل، وليت شعري هل تعليل طهارته بعدم التغير أولى أو بقوة الماء بعد انقطاع الكثرة وزوالها مع تحقق بقاء أجزاء النجاسة فيها؟.

“والسابع: أن الحمامات لم تزل في الأعصار الخالية يتوضأ فيها المتقشفون ويغمسون الأيدي والأواني في تلك الحياض مع قلة الماء، ومع العلم بأن الأيدي النجسة والطاهرة كانت تتوارد عليها.

فهذه الأمور مع الحاجة الشديدة تقوى في النفس أنهم كانوا ينظرون إلى عدم التغير معولين على قوله e (خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه)[50]، وهذا فيه تحقيق، وهو أن طبع كل مائع أن يقلب إلى صفة نفسه كل ما يقع فيه وكان مغلوبا من جهته، فكما ترى الكلب يقع في المملحة فيستحيل ملحاً ويحكم بطهارته بصيرورته ملحاً وزوال صفة الكلبية عنه، فكذلك الخل يقع في الماء وكذا اللبن يقع فيه وهو قليل، فتبطل صفته ويتصور بصفة الماء وينطبع بطبعه إلا إذا كثر وغلب، وتعرف غلبته بغلبة طعمه أو لونه أو ريحه فهذا المعيار، وقد أشار الشرع إليه في الماء القوي على إزالة النجاسة، وهو جدير بأن يعول عليه فيندفع به الحرج، ويظهر به معنى كونه طهوراً، إذ يغلب عليه فيطهره كما صار كذلك فيما بعد القلتين، وفي الغسالة وفي الماء الجاري وفي إصغاء الإناء للهرة، ولا تظن ذلك عفواً؛ إذ لو كان كذلك لكان كأثر الاستنجاء ودم البراغيث حتى يصير الماء الملاقى له نجسا، ولا ينجس بالغسالة ولا بولوغ السنور في الماء القليل”.

ثم بعد تقرير هذه الأدلة الناصعة الواضحة بقي عليه أن يوجه حديث القلتين، الذي هو أساس مذهب الشافعي في المسألة، بما يتوافق مع الأدلة السابقة ولا يناقضها أو يعارضها،فقال: “وأما قوله e: (لا يحمل خبثا) فهو في نفسه مبهم، فإنه يحمل إذا تغير، فإن قيل أراد به إذا لم يتغير ،فيمكن أن يقال إنه أراد به أنه في الغالب لا يتغير بالنجاسات المعتادة، ثم هو تمسك بالمفهوم فيما إذا لم يبلغ قلتين، وترك المفهوم بأقل من الأدلة التي ذكرناها ممكن، وقوله: (لا يحمل خبثا) ظاهره نفي الحمل أي يقلبه إلى صفة نفسه كما يقال للمملحة لا تحمل كلبا ولا غيره أي ينقلب؛ وذلك لأن الناس قد يستنجون في المياه القليلة وفي الغدران ويغمسون الأواني النجسة فيها ثم يترددون في أنها تغيرت تغيرا مؤثر أم لا، فتبين أنه إذا كان قلتين لا يتغير بهذه النجاسة المعتادة، فإن قلت: فقد قال النبي e (لا يحمل خبثا)، ومهما كثرت حملها، فهذا ينقلب عليك فإنها مهما كثرت حملها حكما كما حملها حسا، فلا بد من التخصيص بالنجاسات المعتادة على المذهبين جميعا”.

و أخيراً يختم هذه المناقشة الطويلة لرأي إمامه، ببيان اختياره الذي تطمئن إليه نفسه في هذه المسألة أولا، ثم بيان منهجه في المسائل المختلف فيها في باب الطهارات عموماً، بما فيها هذه المسألة، وهو أن الأصل فيها التساهل والتسامح، وليس الاحتياط والتشدد، فيقول: “وعلى الجملة فميلي في أمور النجاسات المعتادة إلى التساهل فهماً من سيرة الأولين، وحسماً لمادة الوسواس، وبذلك أفتيت بالطهارة فيما وقع الخلاف فيه في مثل هذه المسائل”.

المبحث الخامس: إشكالات الفهم والممارسة “زواج المسافة” نموذجاً

أولاً: مفهوم زواج المسافة:

يتم الزواج في الصومال بإحدى طريقتين:

الطريقة الأولى: هي الطريقة السنية المعروفة، وذلك بأن يتقدم الشاب للفتاة طالباً يدها من وليها، بوساطة والده أو سلطانه أو بعض أقربائه، فإذا تمت الموافقة على الخطبة، يحدد موعد للعقد، ثم الزفاف، وهذه هي الطريقة الشرعية الأكثر انتشاراً.

الطريقة الثانية: هي الطريقة العرفية البدعية “زواج المسافة”[51]، ويتم اللجوء إليها غالباً عندما تتعذر الطريقة الأولى، أو يخشى من ذلك.

و”زواج المسافة” أو “نكاح المسافة” هو زواج معروف لدى الصوماليين في منطقة القرن الإفريقي، يتم فيه تغييب دور الولي في عقد الزواج مع توافر بقية أركان الزواج وشروطه من شهود وصداق وغيرهما، وذلك بإبعاد الفتاة المراد زواجُها (برضاها وباتفاق بينها وبين الشاب الذي يريد زواجها) عن مكان وجود الوليِّ مسافة يجوز فيها قصر الصلاة للمسافر (حوالي 82 كلم)، والذهاب إلى شيخ يزوجهما بعد التأكد من رضا الفتاة، وبعد أن يطلب منها تحكيمه أو توليته (بمعنى أن تتخذ منه حاكماً، أو ولياً).

وبعد ذلك ترجع البنت إلى أهلها برفقة أعيان من أسرة الشاب يقدمون الاعتذار لوليِّها ويطلبون منه العفو والسماح لابنهم، مع تقديم تعويض مادِّي أو عيني، يعرف بالـ”حال ” “xaal، وغالباً ما يقبل الوليُّ هذه الشفاعة، وينتهي الأمر بإجازة ولي الفتاة للعقد، أو تزويجها من جديد،حسب اختلاف موقفهم من هذا الزواج، ثم يتم الاتفاق على إتمام مراسم الزواج.

صورة مركبة: لم تكن السرية من عناصر “زواج المسافة” المتعارف عليه لدى الصوماليين، إلا أنها بدأت تقترن به شيئاً فشيئاً وفي المدن خاصة، وتتميز هذه الصورة المركبة من “زواج المسافة” و “الزواج السري” بعنصرين لم يكونا من مكونات الصورة البسيطة لـ”زواج المسافة”، هما: السرِّية، وعدم الجدِّية في الغالب، وهما متلازمان غالباً، وكلاهما منافٍ لمقاصد الزواج، مما يجعله شبيهاً بزواج المتعة من الناحية العملية، وإن اختلف عنه نظرياً؛ إذ لا تحديد بمدة لا في العقد ولا في غيره،وقد انتشرت هذه الصورة المركبة انتشاراً واسعاً في أوساط الشباب في فترة الحرب الأهلية، ويزداد انتشارها في المناطق التي يسود فيها عدم الاستقرار أكثر من غيرها[52].

ثانياً: أسباب انتشار ظاهرة زواج المسافة:

يمكن إرجاع انتشار هذه الظاهرة إلى عدة أسباب متداخلة، منها:

[1] استغلال الولاية من قبل بعض أولياء الأمور وتوظيفها في غير محلِّها؛ وذلك بالمغالاة بطلب الأموال مقابل تزويج بناتهم على حساب مصلحة البنت وحقها في السكن والاستقرار، فمن الأموال التي يحتم العرف دفعها لأسرة الفتاة ما يعرف بـ” يَرَد = yarad”، ويختلف مقدارها حسب اختلاف أعراف القبائل.

[2] رفض الأسرة لزواج ابنتهم من شخص معين لأسباب غير مالية، مثل عدم الرضا عن أخلاقه وقدراته الشخصية، أوانتمائه لقبيلة أو عشيرة لا يريدون مصاهرتها، مع تعلق الفتاة بهذا الشخص، وقد يجبرها الوليُّ على الزواج ممن لاترغب فيه، فيلجئان إلى هذه الطريقة لتحقيق رغبتهما.

[3] ومع تجذُّر هذه العادة واستحكامها في المجتمع[53] كثيراً ما يلجأ الشباب في البدو إليها، دون ما عقبة أو صعوبة حقيقية، بل لمجرد إثبات الرجولة والقدرة على إقناع الفتاة، لتقبل به زوجاً دون اللجوء إلى أهلها لطلب يدها، الذي لا يلجأ إليه إلا كبار السن والضعفة من الرجال حسب الاعتقاد السائد بينهم.

ثالثاً: الآثار الدينية والاجتماعية لزواج المسافة[54]:

لا شك أن هذا الزواج تنجم عنه آثار دينية سيئة، ومفاسد اجتماعية خطيرة، منها ــ على سبيل المثال لا الحصر ـــ:

[1] الخلوة بالأجنبية التي تحدث أثناء السفر إلى المكان الذي يتم فيه العقد، بالإضافة إلى الخلوة في فترة ما قبل الزواج وجلسات المؤانسة بغرض التعرف على الطرف الآخر وإقناعه، وتعرف بـ”شكانس = “shukaansi .

[2] انتهاك حقوق الخاطب أحيانا، إذا كانت الفتاة مخطوبة لشخص آخر لا ترغب فيه.

[3] الخلافات التي تحدث بين الأسرتين، وربما تتعداهما إلى القبيلتين بسسب هذا الزواج، وقد تؤدي إلى نشوب القتال وسفك الدماء.

[4] فشل الزواج وكثرة الطلاق في الحضر والمدن خاصة، وذلك لانضمام عنصري: السرِّية، وعدم الجدِّية،المتلازمين غالباً إلى “زواج المسافة”، وكلاهما منافٍ لمقاصد الزواج، مما يجعله شبيهاً بزواج المتعة من الناحية العملية، وإن اختلف عنه نظرياً؛ إذ لا تحديد بمدة لا في العقد ولا في غيره، وقد انتشرت هذه الظاهرة في فترة الحرب الأهلية، وفي المناطق التي يسود فيها عدم الاستقرار بصورة أكثر من غيرها.

أما في البدو فغالباً ما تُكلَّل زيجاتهم بالنجاح والاستقرار؛ نظراً لتوافر عنصر الجدية والرغبة الحقيقية في الزواج، والإعلان حيث يعود الزوجان بعد العقد إلى الأهل، ويتوصل أهل الزوج إلى تسوية مع الطرف الآخر، ثم يتم الاتفاق على بقية الخطوات لإتمام مراسم الزواج.

[5] مقاطعة البنت من قبل أهلها في بعض الحالات بسبب زواجها من شخص آخر غير مرغوب لديهم، مم يؤدي إلى قطع صلة الرحم التي أمر الله بوصلها.

رابعاً: مشروعية “زواج المسافة” وعلاقته بالمذهب الشافعي:

في هذا المقام تساؤل مشروع، وهو: ما علاقة هذا الزواج بالمذهب الشافعي؟

وللإجابة على هذا السؤال نطرح أربع احتمالات:

الاحتمال الأول: أنه يرجع إلى رواسب تقاليد قديمة سبقت المذهب الشافعي، وربما الإسلام، ولكن ما زال الناس متمسكين بها، فالعلاقة معدومة.

الاحتمال الثاني: أنه مبني على ما هو مقرر في المذهب الحنفي من عدم اشتراط الوليِّ لصحة النكاح، وجواز تزويج المرأة نفسها[55]، وأنه قد استقر العمل به في فترة انتشار المذهب الحنفي في شمال الصومال كما ذكر ه بعضهم[56]، فبقي العمل به عرفاً مع انقراض المذهب من المنطقة، فعلاقته بالمذهب الشافعي أيضاً معدومة.

الاحتمال الثالث: أنه ناتج عن تفاعل المجتمع الصومالي مع المذهب الشافعي وشدة تمسكه به، ولكن الناس بمرور الزمن توسعوا في ذلك، فبلغ بهم الحال إلى هذه الصورة التي مازالت تتطور، حتى أصبحت مركبة بعد أن كانت بسيطة، فتكون علاقة المذهب به الإسهام في التأسيس.

الاحتمال الرابع: أنه في أصله يرجع إلى رواسب عادة قديمة تم تهذيبها في إطار الإسلام، ثم وجدت بقاياها تكييفاً وتخريجاً في إطار المذهب الشافعي، مما أسهم في انتشارها.

قد يكون الاحتمال الأول هو الإجابة الذي يبادر إلى ذهن القارئ المسلم العادي، فضلاً عن القارئ المطلع على علوم الشريعة والفقه؛ وذلك لبعد هذا النوع من الزواج عن روح الشريعة ومعالمها الظاهرة، وقد يجزم العالم بالشريعة القول بذلك دون استثناء، ولكن ذلك غير صحيح على الإطلاق.

أما الاحتمال الثاني فوارد، ولكني لم أسمع له بقائل، وليس عندي حتى الآن ما يثبته أو يقويه، ويظهر لي أنه بعيد، ومما يضعفه أن من يصححونه من الفقهاء لا يحتجون به مع أنه أقرب وأوضح مما يعتمدون عليه من تخريجات، لأنهم لا يقرون العمل بمذهب آخر، ثم إنني لم أسمع بانتشار مثل هذا النوع من الزواج في البلاد التي تعمل بالمذهب الحنفي[57].

والاحتمال الثالث أيضاً بعيد عندي، لما هو معلوم من أن الإمام الشافعي من أكثر الأئمة تشدداً في اشتراط الوليِّ لصحة النكاح، للنصوص الصحيحة الصريحة الواردة في ذلك[58]، ولكنه أقرب من الثاني، وأقرب منه عندي الاحتمال الرابع، وهو أن “زواج المسافة” أصله عادة قديمة، ولكنها وجدت تكييفاً وتخريجاً عند بعض المتأخرين في إطار المذهب الشافعي في عصور التقليد والجمود، التي غلب فيها على بعضهم التمسك بالألفاظ والمباني، مع إهدار المعاني والمقاصد في سبيل البحث عن الحيل والمخارج.

ومم يبطل الاحتمال الأول، ويرجح أحد الاحتمالين الأخيرين ما يأتي:

[1] أن المجتمع الصومالي الذي يمارس هذه العادة مجتمع يدين بالإسلام 100%، واعتنق الإسلام في وقت مبكر من بزوغ فجره، وإن تأخر نسبياً انتشاره في الأصقاع.

[2] أن المجتمع الصومالي يتمذهب فقهياً بالمذهب الشافعي دون غيره من المذاهب الفقهية، وهو ما يضعف الاحتمال الثاني.

[3] أن من يقومون بإجراء هذا العقد عموماً هم المشايخ، وأهل العلم والفقه في المجتمع، ولم يظهر ـ فيما أعلم ـ إنكار واضح لهذه الظاهرة إلا مع انتشار الصحوة الإسلامية المعاصرة، التي لا تتمذهب بمذهب فقهي معين في الغالب، أو بالمذهب الشافعي على الأقل.

[4] أن اعتماد هؤلاء الفقهاء التقليديين في تصحيح “زواج المسافة” على فتاوى بعض المتأخرين من الشافعية اليمنيين، وتخريجات بعض أصحاب الحواشي والشراح، كما سيأتي بيانه قريباً.

ولذلك سأذكر هنا بعض المسائل الفقهية في المذهب الشافعي التي ربما تكون وضعت الأرضية الصالحة التي من خلالها وجدت مثل هذه الفتوى “زواج المسافة” طريقها لتخرَّج على المذهب، ثم أذكر نص الفتوى المعتمدة في المسألة:

[1] ما هو مقرر في الشريعة من اعتبار الولاية العامة عند فقدان الولاية الخاصة، كما في حديث عائشة رضي الله عنها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاثا، فإن مسَّها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا، أو قال: اختلفوا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له[59]).

[2] ما رواه يونس بن عبد الأعلى[60] أن الشافعي ــ رحمه الله تعالى ــ قال: إذا كان في الرفقة امرأة لا وليَّ لها، فولت أمرها رجلاً زوجها جاز، لأن هذا من قبيل التحكيم، والمُحكَّم يقوم مقام الحاكم[61].

قال النووي: ذكر الماوردي فيما إذا كانت امرأة في موضع ليس فيه ولي ولاحاكم ثلاثة أوجه: أحدها: لا تزوج، والثاني تزوج نفسها للضرورة، والثالث: تُولِّي أمرها رجلاً يزوجها… قال: والذي نختاره صحة النكاح إذا ولَّت أمرَها عدلاً … وهو ظاهر نصه الذي نقله يونس وهو ثقة والله أعلم[62].

[3] ما تقرر أيضاً عند الشافعية من عدم انتقال الولاية من الولي القريب إلى البعيد في حال غياب الأول، أو قيام مانع به كالإحرام، قال النووي في المنهاج: “ولا تنتقل الولاية في الأصحِّ، فيزوج السلطان عند إحرام الوليِّ لا الأبعد”[63]. قال الخطيب الشربيني في تعليل عدم انتقال الولاية إلى البعيد: “لأن الغائب وليٌّ، والتزويج حق له، فإذا تعذر استيفاؤه منه ناب عنه الحاكم”[64]، فقد وجد هؤلاء في هذا الأمر مدخلاً للتقليل من دور ولي الأمر ، وإمكانية تجاوزه في بعض الأحوال.

[4] ما تقرر أيضاً عند الشافعية من جعل المسافة التي تقصر فيها الصلاة معياراً لغياب الوليِّ، لتنتقل ولايته إلى السلطان، يقول النووي في المنهاج: “ولو غاب الأقرب إلى مرحلتين زوَّج السلطان، ودونهما (أي دون المرحلتين) لا يزوج إلا بإذنه في الأصح”[65].

[5] وبناءً على ذلك فقد أضاف بعض المتأخرين[66] في شرحه للنص المتقدم في الفقرة السابقة (ولوغاب) قوله: (أو غُيِّب) بمعنى أن تغييب الوليِّ وهو حاضر ليس بمسافر، أي جعله غائباً بفعل فاعل، بتسفير البنت مثلاً من مكان وجود الولي إلى مكان آخر يبعد عنه مسافة تقصر فيها الصلاة، يكون له مثل حكم غياب الوليِّ، فيزوجها السلطان، أو ذلك الشيخ الذي تولِّيه أمرها، أو تتخذه حاكماً[67].

[6] وقد جاء في كتاب “بغية المسترشدين في تلخيص فتاوى بعض الأئمة من العلماء المتأخرين” للسيد عبد الرحمن بن محمد بن حسين بن عمر المشهور با علوي مفتى الديار الحضرمية رحمه الله تعالى ما نصه:

(مسألة: ش): أصل المذهب أن الفاسق لا يلي النكاح بل تنتقل الولاية للأبعد ثم القاضي، فلو امتنع الولي من التزويج إلا ببذل مال فلها مع خاطبها التحكيم، وكذا إن قلنا الفاسق يلي وامتنع من تزويجها.[68] [7] وجاء فيه أيضاً ما نصه: (… ولو طلبها ابن عمها الكفء فامتنع وليُّها، فسافر بها الخاطب إلى مرحلتين، ثم حكَّما عدلاً بتزويجهما، ثم أذنت له، صح نكاحه ولا اعتراض عليه، بل لو حكَّما بالبلد عند امتناع الولي أو فسقه جاز أيضاً بشرطه)[69].

وعلى عادة المتأخرين فإن صاحب هذه الفتاوى لم يبين مأخذها، ولا الدليل الذي بني عليه من نسبها إليهم من العلماء المتأخرين والمجتهدين.

والخلاصة: أن هذا التخريجات ليس لها أساس صحيح في المذهب الشافعي، ولا سند قوي في الدين، بل هي عبث بأحكام الشريعة، وجهل بمقاصدها السامية، وأهدافها النبيلة في مجال الأسرة، وتعلق بالألفاظ دون وضع أي اعتبار للمعاني والمغازي، مع أن الألفاظ ليست إلا وسائل لتوصيل المعاني، ففي نظر سريع للنقاط السبعة المذكورة آنفاً نلاحظ أنه يصعب نسبة صحة هذا الزواج لمذهب الشافعي إلا بفهم معوج، أو برأي متعصب، وإن خرجه بعض متأخري الشافعية على مذهبه، إلا أنه بعيد عن أصوله .

ففي النقطتين الأولى والثانية يبدو جلياً أن المقصد من جعل الولاية العامة تحلُّ محلَّ الولاية الخاصة عند فقدانها، وفتوى الشافعي بجواز تولية المرأة رجلاً يزوجها عند عدم توافر الولاية الخاصة والعامة معاً ــ المقصد من كل ذلك هو رفع الحرج، ودفع الضيق عن الناس للضرورة في حالات استثنائية نادرة الحدوث، وليست أصلاً؛ ولذلك كانت إجابة الإمام الشافعي عندما سأله يونس عن مبنى فتواه قائلاً: “فقلت له: كيف هذا؟، قال: إذا ضاق الأمر اتسع”[70].

ولكن بالنظر إلى النقطتين الثالثة والرابعة، وهما: عدم انتقال الولاية من الولي القريب إلى البعيد، وجعل المسافة التي تقصر فيها الصلاة معياراً لغياب الوليِّ، نجد أنهما يمثلان أرضية صالحة لمثل هذه الحيل والتخريجات، وحتى إذا سلَّمنا بأن غياب الولي مثل هذه المسافة مع احتياج موليته إلى الزواج، وخشية الفتنة، والخوف من فوات الكفء، كان مبرِراً لتجاوزه في عصور سابقة، نظراً لصعوبة الاتصال به وأخذ رأيه أو توكيله، فإن ذلك لم يَعُد اليوم أمراً مقبولاً ولا مستساغاً، بفضل ما توافر من إمكانات الاتصال التي تربط بين قارات العالم باللحظات وليس بالساعات، ناهيك عن الأيام و الشهور والسنين، لتكون هناك حاجة لتجاوز الوليِّ، اللهم إلا في حالات غاية في الندرة، كأن يقع في أسر العدو وتعذرت معرفة أخباره، وفي هذه الحالة ففي بقية الأولياء والوليِّ العام ما يغني عن الفوضى الدينية والاجتماعية والتلاعب بالأعراض مما سيظهر من الفقرة التالية.

أما ما ورد في النقطة الخامسة من حيلة، والفتوتان الواردتان في النقطتين السادسة والسابعة، فهذا هو الأساس الذي يقوم عليه زواج المسافة، فيما توصلت إليه حتى الآن، ويا له من أساس ظاهر الضعف، بيِّن العوار، كأنه على جرف هار، ومن هنا فإن علاقة مشروعية هذا الزواج بمذهب الشافعية واضحة، بغض النظر عن صحة هذه العلاقة وفسادها، ومدى ملاءمتها مع أصول المذهب، وأن ذلك لم يتم إلا بفهم غير سليم لقواعد الشريعة وأصول المذهب.

وهذا الخلل في الفهم على المستوى النظري، صاحبه خلل آخر في الممارسة والتطبيق في البيئة المحلية على المستوى العملي، وإثبات هذه العلاقة التفاعلية هو ما عنونا به المبحث “إشكالات الفهم والممارسة” وأردنا التوصل إليه من خلال هذا المثال، ولم نركز في هذا البحث على الجانب الفقهي، وإعطاء أحكام شافية في هذا الزواج المثير للجدل، فذاك يحتاج إلى بحث آخر فقهي أعمق وأوسع.

الخاتمة

وفي ختام هذا لبحث نشير إلى أهم ما توصل إليه من نتائج وتوصيات

أولاً: النتائج:

[1] دخل الإسلام في الصومال في وقت مبكر من بزوغ فجر الإسلام، عن طريق هجرة بعض المسلمين إلى سواحل القرن الإفريقي، سلماً لا فتحاً، شأن معظم البلاد الإفريقية، التي اعتنقت شعوبها الإسلام واحتضنته دون إراقة دماء؛ لانسجام فطرتها السليمة مع دين الفطرة.

[2] انتشر الإسلام في الصومال بصورة تدريجية، وفي المدن الساحلية أولاً، ثم في المدن والمناطق الداخلية، حتى عم أنحاء البلاد كلها، بفضل العلاقات التجارية القائمة بين الجزيرة العربية وأرض الصومال، وهجرات طوائف المسلمين إلى ساحلها، بالإضافة إلى جهود العلماء المحليين، الذين تخرجوا على أيدي الدعاة الوافدين، فحملوا راية الإسلام.

[3] على الرغم من الهجمات الشرسة التي تعرض ــ ولازال يتعرض لها ــ الشعب الصومالي، واستهدفت طمس هويته الإسلامية، وتمزيق أوصاله الاجتماعية، إلا أنه مازال صابراً على الجمرة محتسباً، طامحاً في إحياء دوره الدعوي الريادي في المنطقة، ويبشر ببعث جديد، رغم كيد الكائدين، وكثرة المتربصين { وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}التوبة:32.

[4] انتشر الفقه الشافعي في الصومال عن طريق وصول الكثير من العلماء والفقهاء اليمنيين إلى الصومال مهاجرين ودعاة وزواراً، واستقر الكثير منهم فيها، وكثرة المؤلفات الفقهية للعلماء اليمنين المتداولة في الصومال مما يؤيد ذلك.

[5] ازدادت أهمية الفقه الإسلامي في الصومال في العقد الأخير، وذلك لتنامي دور الصحوة الإسلامية عقب انهيار الحكومة المركزية، وانتشار مؤسسات التعليم الإسلامي، بالإضافة إلى انتشار ظاهرة المحاكم الإسلامية، وتعالي صيحات المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية في كل أرجاء الصومال.

[6] على الرغم من قلة التآليف العربية والفقهية في الصومال لأسباب متعددة مذكورة في محلها من البحث، والتي لا تتناسب مع حجم انتشار التعليم الإسلامي والعربي في المنطقة،إلا أن هناك العديد من المصنفات الفقهية والأصولية من تأليف العلماء المحليين في الفقه الحنفي والشافعي، منها ما هو مطبوع متداول، وأكثره مخطوط، لم ير النور ولم يجد العناية الكافية به.

[7] إن تفاعل المجتمع الصومالي ذو الأغلبية الرعوية مع المذهب الشافعي في مسائل الطهارة والنجاسات تربت عليه الكثير من الآثار السالبة، ابتداء من الحرج الشديد الذي يتنافى مع خصائص الشريعة الإسلامية، والذي قد يؤدي إلى درجة الإسهام في تشجيع العوام على ترك الصلاة كلياً أو جزئياً، وهو ما شكا منه الإمام أبو حامد الغزالي أحد أبرز أئمة المذهب الشافعي، بقوله: “هذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه، وكنت أود أن يكون مذهبه كمذهب مالك رضي الله عنه في أن الماء وإن قل لا ينجس إلا بالتغير؛ إذ الحاجة ماسة إليه، ومثار الوسواس اشترط القلتين، ولأجله شق على الناس ذلك، وهو لعمري سبب المشقة، ويعرفه من يجربه ويتأمله”[71].

[8] أن”زواج المسافة” هو زواج معروف لدى الصوماليين، وبعض الشعوب الأخرى في منطقة القرن الإفريقي، يتم فيه تغييب دور الولي في عقد الزواج مع توافر بقية أركان الزواج وشروطه من شهود وصداق وغيرهما، وذلك بإبعاد الفتاة المراد زواجُها عن مكان وجود الوليِّ، مسافة يجوز فيها قصر الصلاة للمسافر (حوالي 82 كلم)، والذهاب إلى شيخ يزوجهما بعد التأكد من رضا الفتاة، وبعد أن يطلب منها تحكيمه أو توليته.

[9] أن انتشار المذهب الشافعي في هذه المنطقة له علاقة قوية بانتشار “زواج المسافة” تأسيساً أو إقراراً؛ وذلك أن عدم انتقال الولاية من الولي القريب إلى البعيد في حال غيابه، وجعل المسافة التي تقصر فيها الصلاة معياراً لغياب الوليِّ، المقررتين في المذهب، هما الأساس الذي قامت عليه فتاوى بعض المتأخرين بصحته عن طريق الحيل، وإن كان ذلك تجاوزه الزمن اليوم، فلم يعد لغياب الشخص أي أثر لتجاوز صلاحياته، بفضل توافر وسائل الاتصال، التي تقرب كل بعيد.

[10] أن هذا الزواج، وخاصة المركب منه، ليس له أساس صحيح في المذهب الشافعي، ولا سند قوي في الشرع، وأن هذه التخريجات ما هي إلا عبث بأحكام الشريعة، وجهل بمقاصدها السامية، وأهدافها النبيلة في مجال الأسرة، وتعلق بالألفاظ دون وضع أي اعتبار للمعاني والمغازي، مع أن الألفاظ ليست إلا وسائل لتوصيل المعاني، وينبغي للمسلمين النأي بدينهم عن مثل هذا العبث.

ثانياً: التوصيات:

[1] الاهتمام بدراسة مراكز الفقه ومدارسه التي انتشرت في الصومال، وخرجت ـ ولا تزال ـ تخرج الأجيال من الفقهاء والعلماء.

[2] الاهتمام بدراسة العلماء والفقهاء الذين كان لهم إسهام كبير في نشر العلم والفقه في الصومال، وفاء لهم ببعض الدين المستحق.

[3] الاهتمام بالتراث العلمي والفقهي الدفين في الصومال ونشره، وذلك بتحقيق المخطوطات الفقهية والأصولية وطباعتها، ليعم نفعها.

[4] عقد ندوة علمية، أو مؤتمر علمي، يتداعى له أهل العلم والفقه، لدراسة القضايا الفقهية ذات الإشكالات البيئية والاجتماعية، مثل: ظاهرة “زواج المسافة” و”مضغ القات” ونحوها، للوصول إلى حلول علمية وعملية، فقهية واجتماعية.

[5] منع ما يعرف بزواج المسافة، والحد من انتشاره، وخاصة المركب منه (السري)، وتعزير الشباب المتعاملين بالأخير في المدن والقرى خاصة، بغض النظر عن صحته وعدم صحته؛ وذلك لما يترتب عليه من مفاسد دينية واجتماعية خطيرة على المجتمع، ولكن لا بد من أن تسبق ذلك حملة توعية شاملة، لتصحيح المفاهيم أولاً؛ لأن تغيير الظواهر الاجتماعية لا تتأتى بالقرارات الإدارية والسياسية.

والله من وراء القصد، وهو ولي التوفيق

المصادر والمراجع :

1. ابن رشد، بداية المجتهد (دار الفكر، 1998م).

2. أحمد القطبي، طرق تدريس القرآن الكريم والعلوم الإسلامية والعربية في الصومال، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة أم درمان الإسلامية، الخرطوم ـ السودان، عام 2000م .

3. البخاري، صحيح البخاري، طبعة المكتبة الشاملة.

4. السرخسي، محمد بن أحمد (ت 483هـ)، المبسوط، طبعة المكتبة الشاملة.

5. السيد سابق، فقه السنة، الدار السودانية للكتب، ط/1، 1990م.

6. الحصني، كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار،

7. الخطيب الشربيني، مغني المحتاج إلى شرح المنهاج، طبعة المكتبة الشاملة.

8. السيد عبد الرحمن بن محمد بن حسين بن عمر المشهور با علوي، بغية المسترشدين في تلخيص فتاوى بعض الأئمة من العلماء المتأخرين مع ضم فوائد جمة من كتب شتى للعلماء المجتهدين.

9. السيوطي، الأشباه والنظائر، طبعة المكتبة الشاملة.

10. الشافعي، الأم، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط2، 1393هـ، 7/265.

11. الشوكاني، نيل الأوطار ( إدارة الطباعة المنبرية).

12. النووي، منهاج الطالبين وعمة المفتين في فقه الإمام الشافعي، (دار الكتب العلمية 2005م).

13. الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، www.islam.gov.kw=

14. برهان الدين المرغيناني، الهداية، طبعة المكتبة الشاملة.

15. جاسم بن محمد، وعدنان بن سالم، المرشد الوثيق إلى مراجع البحث وأصول التحقيق، (الكويت: دار الدَّعوة، ط/2، 1988م).

16. جامع عمر عيسى، تاريخ الصومال في العصور الوسطى والحديثة (مطبعة الإمام ـ القاهرة، 1965م).

17. حسن مكي، السياسات الثقافية في الصومال الكبير، المركز الإسلامي الإفريقي، الخرطوم.

18. عبد الرحمن النجار، الإسلام في الصومال، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 1973م.

19. عبد الكريم زيدان، المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، (بغداد: مؤسسة الرسالة).

20. على الشيخ أحمد، الدعوة الإسلامية المعاصرة في القرن الإفريقي (الرياض، ط1، 1405هـ).

21. ـــــ، معالم الهجرتين إلى أرض الحبشة، مكتبة التوبة، ط/1، 1413هـ/ 1993م.

22. عمر الأشقر، المدخل إلى دراسة المذاهب والمدارس الفقهية (عمان: دار النفائس،ط/3، 1423هـ-2003م).

23. محمد حسين معلم، أصول الثقافة العربية وروادها في الصومال، رسالة دكتوراه غير منشورة، قدمت لجامعة النيلين، عام 2006م.

24. محمد الزحيلي، مرجع العلوم الإسلامية، (دمشق: دار المعرفة).

25. محمد سلاَّم مدكور، مدخل الفقه الإسلامي، (القاهرة:الدار القومية للطباعة والنشر، 1384هـ، 1964م).

26. محمد الغزالي أبو حامد، إحياء علوم الدين، ( دار الكتب العلمية – بيروت، ط/1، 1425هـ/ 2004م)،

27. مختصر المزني، طبعة المكتبة الشاملة.

28. مسلم، صحيح مسلم ، طبعة المكتبة الشاملة.

29. موقع “ملتقى أهل الحديث”: http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=40443 .

30. موقع الإسلام اليوم http://www.islamtoday.net/articles/show_articles_content.cfm?id=102&catid=105&artid=2702

31. موقع مركز الجزيرة العربية للدراسات والبحوث = http://www.aljazeera-17

online.net/body.php?tab=a&id.

32. موقع http://www.hiiraan.com/news/

33. موقع www.baraawepost.com.

34. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته (دار الفكر المعاصر، ط4، 2002م).

35. يونس عبدلي موسى، الولاية في الزواج بين الشريعة والتقليد في إقليم شمال شرقي كينيا، رسالة ماجستير غير منشورة، مقدمة للجامعة الإسلامية في أوغندا، كلية التراث الإسلامي، قسم الشريعة الإسلامية، 2001م.

الإحالات

[1] أسس الإمام الشافعي (مذهبه القديم) في العراق، ثم انتقل إلى مصر حيث استقر به المطاف، فعدل كثيراً من أحكام (مذهبه القديم)، وأسس ما

عرف بـ(المذهب الجديد)، بسبب النضج الفكري الذي ينشأ من طول النظر ومزاولة البحث، وبسسب ما لمسه في مستقره الجديد من عادات وأعراف جديدة .

[2] د. حسن محكي محمد، السياسات الثقافية في الصومال الكبير، ص18.

[3] عبد الرحمن النجار، الإسلام في الصومال، ص61ـ 62، ود. على الشيخ أحمد، الدعوة الإسلامية المعاصرة في القرن الإفريقي (الرياض، ط1، 1405هـ)، ص9ـ 10.

[4] يقول الدكتور علي الشيخ أحمد أبوبكر، في كتابه “معالم الهجرتين إلى أرض الحبشة”، ص258: (واليقين الذي لا يقبل الشك هو دخول الإسلام في الحبشة، وتشمل المنطقة المعروفة اليوم بالقرن الإفريقي قبل الهجرة إلى المدينة، وليس عندنا ما يبطل ذلك أو يضعف أو يقاوم، وهذا هو الثابت، واليقين لا يبطل بالشك ).

[5] يقول المؤرخ والكاتب الصومالي الشهير جامع عمر عيسى: “من الواضح كل الوضوح أن الدين الإسلامي وصل إلى الصومال في النصف الأول من القرن الأول الهجري بواسطة التجار الإسلاميين الذين حملوا الدين الإسلامي من الجزيرة العربية إلي الصومال حيث اندمجوا بسكان الصومال “تاريخ الصومال في العصور الوسطى والحديثة (مطبعة الإمام ـ القاهرة، 1965م)، ص13.

[6] د. حسن محكي محمد، السياسات الثقافية في الصومال الكبير، ص24، ود. أ حمد القطبي، طرق تدريس القرآن الكريم والعلوم الإسلامية والعربية في الصومال، رسالة دكتوراه غير منشورة، ص 29.

[7] “الدكسي” هو الاسم الذي تعرف به خلاوي أو كتاتيب تحفيظ القرآن الكريم عند الصوماليين، ويعد الدكسي المهد الأول للمعارف الإسلامية، وتبدأ منه الرحلة الطويلة مع العلم التي تمر بمراحل متعددة في الحياة الدينية التقليدية في الصومال ومناطق كثيرة من منطقة القرن الأفريقي.

[8] مركز الجزيرة العربية للدراسات والبحوث http://www.aljazeera-online.net/body.php?tab=a&id=17

(1) د. محمد سلام مدكور، مرجع سابق، ص42.

(1) الأم، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط2، 1393هـ، 7/265.

(2) د. عبد الكريم زيدان، مرجع سابق، ص169. ود. محمد سلام مدكور، مرجع سابق، ص43. و سعيد الجليدي، مرجع سابق، ص236.

(1) عبد الكريم زيدان، مرجع سابق، ص169ـ170؛ وعمر الأشقر، المدخل إلى دراسة المذاهب والمدارس الفقهية (عمان: دار النفائس،ط/3، 1423هـ-2003م)، ص: 169-170، وانظر أيضا: “الشافعي حياته وعصره- آراؤه وفقهه” للإمام أبي زهرة، ص: 393 وما بعدها.

(2) محمد الزحيلي، مرجع العلوم الإسلامية، ص515.

(3) المرجع السابق، ص521.

(1) المرجع السابق، ص523.

(2) المرجع السابق، ص513.

(1) وهذا الكتاب شرح لمختصر المزني (ت: 264هـ)، لكنه شرح موسَّع على منهج الفقهاء بأن يعرض الحكم مع دليله، ثم يقارن مع سائر الآراء في المذهب، ثم يقارن مع أقوال المذاهب الأخرى ويستدل لهم، ثم يناقش أدلتهم ويرد على أقوالهم بأسلوب جدلي معتمداً على مبادئ علم أصول الفقه لتخريج الفروع الفقهية على الأصول، وربطها بها حتى أطلق العلماء على هذا الكتاب “المذهب الكبير”، المرجع السابق، ص516.

(2) المرجع السابق، ص528.

(1) جاسم بن محمد، وعدنان بن سالم، مرجع سابق، ص33ـ35.

[20] انظر: محمد حسين معلم، أصول الثقافة العربية وروادها في الصومال، رسالة دكتوراه غير منشورة، قدمت لجامعة النيلين، عام 2006م، ص133ـ 134.

[21] ولعل هذا هو السبب في انتشار أكثر مراكز تدريس الفقه الشافعي في المناطق الجنوبية، مثل: مقديشو، وبارطيري، ومركا، وبلدوين، وقلافو، على الرغم من انتشاره الواسع في كل مدن الصومال وقراه.

[22] والكتاب تخريج لأحاديث كتاب “الهداية “في فقه الأحناف للعلامة برهان الدين المرغيناني.

[23] محمد حسين معلم، مرجع سابق، ص 136.

[24] هذا المطلب مع أن بعض الكتب المذكورة فيه تقدم ذكرها في التعريف بمصادر المذهب، إلا أن هذا الترتيب المتبع في هذا المقام مربوط بطريقة تداول هذه الكتب في الصومال: متن الكتاب، وشرحه، وحواشيه، وهكذا، بالإضافة إلى أن أكثرها لم يرد ذكره هناك، فليس تكراراً؛ إذ الهدف في الحالين مختلف، فهو في الأولى عام، وفي الثانية خاص.

[25] انظر: د. أ حمد القطبي، طرق تدريس القرآن الكريم والعلوم الإسلامية والعربية في الصومال، مرجع سابق، ص 149ـ 152.

[26] محمد حسين، مرجع سابق، ص:320.

[27] ولذلك لا غرابة في أن تجد عالما صوماليا بارعا في فنون العلوم الشرعية والعربية حاذقاً فيها، يقصد من الآفاق، لما أوتي من العلم والبيان، ولا تسأله سؤالاً إلا أجابك عليها، أما أن يؤلف كتاباً في علم من هذه العلوم فدون ذلك خرط القتاد وصعود السماء.

[28] المرجع السابق، ص 323.

[29] ولعل هذا هو الشأن أغلب الشعوب المسلمة في إفريقيا جنوب الصحراء.

[30] المؤلفات المذكورة في هذه الفقرة مأخوذة من: محمد حسين معلم، مرجع سابق، ص: 331 ـــ

[31] المرجع السابق، ص 334.

[32] المرجع السابق، ص 336.

[33] حسن مكي، السياسات الثقافية في الصومال الكبير، ص66ــ 69.

[34] نسبة إلى “مجيرتين” إحدى القبائل الصومالية في منطقة الشمال الشرقي.

[35] ابن رشد، بداية المجتهد (دار الفكر، 1998م) ص69؛ ود. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته (دار الفكر المعاصر، ط4، 2002م)، 1/312ـ 313.

[36] اجتويت المدينة: إذا كرهت المقام فيها وإن كنت في نعمة . وقيل: خاص بما إذا تضرر بالإقامة، وهو المناسب لهذه القصة. الشوكاني، نيل الأوطار ( إدارة الطباعة المنبرية) 1/59.

[37] صحيح البخاري 1 / 92، حديث رقم (231)، وصحيح مسلم [3 / 1296 ]، حديث رقم (1671).

[38] ففي صحيح البخاري 1/ 165، ومسلم 1/ 373 : ( وكان e يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم).

[39] د. وهبة الزحيلي، المرجع السابق، 1/ 314ـ

[40] راجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام، 21/534ـ 587.

[41] اليد سابق، فقه السنة، 1/24.

[42] فقه الطهارة، (مكتبة وهبة، ط1، 2002م) ص: 93.

[43] يعتمد الشعب الصومالي اعتماداً كبيراً على الثروة الحيوانية، حيث تُغطِّي المراعي الطبيعية نحو 50% من مساحة البلاد، .وتصل نسبة الرعاة إلى 60% من مجموع السكان، وتعتبر تربية المواشي حرفة غالبية السكان، وللدلالة على أهمية الرعي تكفي الإشارة إلى ما هو شائع عندهم من أن اسم “الصومال” مشتق من فعل “سومال” أي: اذهب واحِلب.

[44] علماً بأن اجتهادات أئمّة المذاهب الفقهيّة المعتبرة ( الّتي نقلت نقلاً صحيحاً منضبطاً تمّ به تقييد مطلقها ، وتخصيص عامّها، وذكر شروط فروعها ) يخيّر في الأخذ بأحد تلك الاجتهادات لمن ليست لديه أهليّة الاجتهاد . وليس من الضّروريّ التزام مذهب معيّن . على أنّ من كانت لديه ملكة التّرجيح والتّخريج فإنّه يستعين بالاجتهادات الفقهيّة كلّها بعد التّثبّت من صحّة نقلها – ولو نقلت مجملةً – وله الأخذ بها عملاً وإفتاءً في ضوء قواعد الاستنباط والتّرجيح . أما تلفيق عبادة واحدة أو تصرّف واحد من اجتهادات أئمّة متعدّدين ففي صحّته خلاف . الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، 1/2. www.islam.gov.kw

[45] والمناطق شبه الصحراوية التي لا تقع على ضفاف نهري جوبا وشبيلى.

[46] وقد قال لي أحدهم ذات مرة وأنا أناقش معه ضرورة أداء الصلاة في أي حال من الأحوال: من المستحيل أن يصلي راعي إبل، لاستحالة الاحتراز من بوله، وخاصة في الغابات.

[47] محمد الغزالي أبو حامد، إحياء علوم الدين، ( دار الكتب العلمية – بيروت، ط/1، 1425هـ/ 2004م)، 1/128ـ 129.

[48] حديث “إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا” أخرجه أصحاب السنن وابن حبان والحاكم وصححه من حديث ابن عمر. (هذا تعليق الحافظ العراقي على الإحياء).

[49] حديث إصغاء الإناء للهرة أخرجه الطبراني في الأوسط والدار قطني من حديث عائشة، وروى أصحاب السنن ذلك من فعل أبي قتادة (هذا تعليق الحافظ العراقي على الإحياء).

[50] حديث خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه أخرجه ابن ماجه من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف وقد رواه بدون الاستثناء أبو داود والنسائي والترمذي من حديث أبي سعيد وصححه أبو داود وغيره

[51] هذا النمط من الزواج كان منتشراً ــ ولا زال حتى اليوم وإن كان بصورة أقل من الماضي ــ في كل المناطق التي يقطنها الشعب الصومالي في منطقة القرن الإفريقي: جمهورية الصومال، وجمهورية جبوتي، والإقليم الخامس الصومالي في إثيوبيا، وإقليم شمال شرقي كينيا، بالإضافة إلى المناطق التي تقطنها القبائل الأورومية. انظر: يونس عبدلي، الولاية في الزواج بين الشريعة والتقليد في إقليم شمال شرقي كينيا، ص:166.

[52] وقد أصدر قاضي محكمة مدينة “ولوين” التابعة للمحاكم الشرعية التي تسيطر على معظم محافظات جنوبي ووسط الصومال ـ أصدر قراراً بمنع الشباب والشابات الذين كانوا يأتون إلى هذه المدينة من مقديشو لعقد زواج المسافة، دون علم أولياء أمورهم، من إجراء هذه العقود في المدينة، وذلك في 1/11/ 2006م. علماً بأن مدينة “ولوين” هي إحدى مدن محافظة شبيلي السفلى على بعد 90كم جنوبي مقديشو العاصمة، وهي قبلة شباب وشابات مقديشو الذين يريدون هذا النوع من الزواج، باعتبارها المستوفية لشرط “مسافة القصر”. انظر: موقع http://www.hiiraan.com/news/ وموقع www.baraawepost.com.

[53] لايعرف بالتحديد متى بدأت هذه الظاهرة، وكيف بدأت، ولكن يرى بعض الباحثين أنه لا يقل عمرها عن أربعة قرون. انظر: يونس عبدلي، مرجع سابق،ص158، 160.

[54] انظر: يونس عبدلي، الولاية في الزواج بين الشريعة والتقليد في إقليم شمال شرقي كينيا، ص:176ــ 177.

[55] قال في المبسوط [4/50]: “بلغنا عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – أن امرأة زوجت ابنتها برضاها، فجاء أولياؤها فخاصموها إلى علي رضي الله عنه فأجاز النكاح، وفي هذا دليل على أن المرأة إذا زوجت نفسها أو أمرت غير الولي أن يزوجها فزوجها جاز النكاح، وبه أخذ أبو حنيفة – رحمه الله تعالى – سواء كانت بكرا أو ثيبا إذا زوجت نفسها جاز النكاح في ظاهر الرواية، سواء كان الزوج كفؤا لها أو غير كفء، فالنكاح صحيح إلا أنه إذا لم يكن كفؤا لها فللأولياء حق الاعتراض، وفي رواية الحسن – رضي الله عنه – إن كان الزوج كفؤا لها جاز النكاح وإن لم يكن كفؤا لها لا يجوز. قال في الهداية [1/191]: “وينعقد نكاح الحرة العاقلة البالغة برضاها وإن لم يعقد عليها ولي بكراً كانت أو ثيبا عند أبي حنيفة و أبي يوسف رحمهما الله في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا ينعقد إلا بولي، وعن محمد ينعقد موقوفا، وقال مالك و الشافعي رحمهما الله : لا ينعقد النكاح بعبارة النساء أصلا”.

[56] تقدم ذلك في المبحث الثاني عند الحديث عن انتشار المذهب الشافعي في الصومال.

[57] كما يضعف هذا الاحتمال أيضاً ما ذكره ياقوت بن عبد الله الحموي في كتابه “معجم البلدان” دار الفكر –بيروت، 3/164، عن عادة أهل الزيلع في الزواج، وأنه إذا أحب أحدهم امرأة وأراد التزوج بها ولم يكن كفؤا لها لجأ إلى تصرفات أخرى هي أيضاً غريبة، وأصعب بكثير من زواج المسافة، فلم يكونوا يتوانون عن اللجوء إليه إذا كان معروفاً لديهم، علماً بأن زيلع هي المنطقة الني ذكر فيها انتشار المذهب الحنفي.

[58] راجع: مختصر المزني، 1/175، وابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد [1/675]، وكفاية الأخيار في حل غاية الاختصار، ص473-774.

[59] الموطأ 2/458] ، وأخرجه أيضًا لشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه وأبو عوانة والطحاوي والحاكم وابن حبان.

[60] وثقه ابن حجر في تقريب التهذيب 2/358.

[61] كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار، ص774.

[62] المصدر السابق، ص774.

[63] منهاج الطالبين وعمة المفتين في فقه الإمام الشافعي، (دار الكتب العلمية 2005م) ص: 122.

[64] مغني المحتاج إلى شرح المنهاج، 3/154

[65] منهاج الطالبين وعمة المفتين في فقه الإمام الشافعي، ص: 122.

[66] وأضاف بعض متأخري الشافعية من شراح منهاج النووي عند قوله ” ولو غاب الولي … ” إضافة غريبة على المذهب فقالوا:” أو غُيِّبت ” موقع “ملتقى أهل الحديث”: http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=40443 .

[67] ولما كان الطابع الغالب على أهل الصومال البداوة ، وكان وجود الحاكم الشرعي أو القاضي متعذراَ في البدو، كان اللجوء إلى الشيوخ والتحاكم إليهم طوعاً في الأمور الشرعية هو البديل ، فكأنهم ينزلونه منزلة القاضي، ومع أن الوضع في الحضر مختلف تماماً من حيث توافر الحاكم والقاضي الشرعي إلا انه يبدو أن هذه الصورة سادت وانتشرت حتى صارت عرفاً انتقل إلى الحضر بعلاته؛ وهنا يظهر أثر تفاعل أنماط الحياة والأعراف البيئية مع أحكام المذهب.

[68] بغية المسترشدين في تلخيص فتاوى بعض الأئمة من العلماء المتأخرين مع ضم فوائد جمة من كتب شتى للعلماء المجتهدين

جمع السيد عبد الرحمن بن محمد بن حسين بن عمر المشهور با علوي مفتى الديار الحضرمية رحمه الله، ص237.

[69] المصدر السابق، ص238.

[70] الأشباه والنظائر 1/172] [71] إحياء علوم الدين،1/128.

تعليق واحد

  1. شكرا على الدراسة الجميلة و الله يحفظ المذهب الشافعي من الأندثار

%d مدونون معجبون بهذه: