السلطنات الإسلامية فـي منطقة القرن الإفريقـي

الإمــارات الـسـبـعــة

ظهرت هذه الدول على وجه التاريخ في القرن السابع الهجري، الثالث عشر الميلادي، وهذه الإمارات كان عددها سبعة، وقد سماها بعض المؤرخين ” بدول الطراز الإسلامي “، لأنها كانت على جانب البحر كالطراز له[1]. أما ملوكها فكان يسمون ملوك عدل أو ملوك زيلع، وهم مسلمون،[2]) . ويخطب ملوك هذه السلطنات على منابر الجمعة والعيدين[3]. وإذا تتبعنا الظروف التي قامت فيها هذه الدول نستطيع القول بأن تكوين هذه السلطنات أو الممالك كان يتسم بالطابع السلمي المتمثل في العامل التجاري أو الاقتصادي بعيداً عن أي دافع عسكري أو جهادي، إذ إن المسلمين لم يحاولوا فتح منطقة القرن الإفريقي ( بلاد الحبشة ) عن طريق القوة لأنها كانت مهجر صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الأولى إضافة إلى امتثال أوامر النبيّ حيث قال : ” دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم . ” والحقيقة أن قيام هذه الدويلات والممالك الإسلامية لم تكن إلا من نتائج الهجرات العربية والإسلامية التي وفدت إلى المنطقة رغم أن تلك الممالك أو السلطنات لم تكن موحدة ومرتبطة بعضها ببعض . وفي سنة 189هـ في عهد أمير المؤمنين هارون الرشيد حدّثت حركة التمرد والعصيان من قبل أمراء منطقة الساحل الإفريقي الشرقي على الخليفة، وقد شمل عصيانهم عدم إرسال الخراج – الذي كان بمثابة رمز للولاء والطاعة – لذلك بعث الخليفة جيشاً جراراً لإخماد هذه الفتنة وتأديب العصاة وعزلهم، وتمّ ذلك حين عيّن أمراء آخرين وهم من الفرس خلافاً لمن سبقهم من الذين كانوا من العرب، و قد شمل ذلك الأمراء الجدد علي جميع المدن الساحلية من مقدشو إلى كلوة، وعادت هيبة الخلافة من جديد وقويت شوكتها حتى استقرت المنطقة وانتعشت الحركة الإسلامية، غير أن هذا الهدوء والاستقرار لم يدم طويلاُ حتى انقلب الولاة الأعاجم على الخليفة هارون الرشيد من جديد، ومن ثمّ لم يبعثوا الخراج إلى بغداد حاضرة الخلافة .[4] ولعل هذا الانقلاب الذي طرأ على سياسة الأمراء يرجع إلى ما حدث من النكبة على البرامكة الذين كان لهم دوراً كبيراً في الوصول إلى مناصبهم في السلطة[5].

ومهما كان الأمر فقد قامت عدة دول أو إمارات إسلامية في منطقة القرن الإفريقي، وأغلب هذه الدول كانت على السواحل سواء تلك التي كانت مشرفة على البحر الأحمر مثل: ” دول الطراز الإسلامي ” وهي : أوفات، دوارو، أرابيتي، هدية، شرخا، بالي وداء أو تلك السلطنات الإسلامية المطلة على المحيط الهندي وأبرزها مشيخات مقدشو التي طلت فترة طويلة في حكم مقدشو. ورغم أن الممالك الإسلامية التي نشأت في منطقة القرن الإفريقي ينتمي إلى دين واحد وهو الإسلام، إلا أن علاقاتهم فيما بينهم لم تكن جيدةً، بل كانوا مفككي الأوصال غير موحدين، وبالتالي أصبحت ممالك لا وزن لها بسبب الصراع والتنافس فيما بينهم، والغريب أن هذا النزاع كان يمتد إلى البيت الواحد أو إلى داخل الإمارة الواحدة، ومن أجل ذلك أصبح مستواهم السياسي والاقتصادي والعسكري ضعيفاً[6]، لا أحد يهابها منها،فصاروا لغمة سائغة، ومنالهم سهلاً من قبل الأعداء والطامعين لهم،لذلك صاروا تحت رحمة المسيحيين في إيثوبيا، يدينون لملك الحبشة بالطاعة ويدفعون لهم الأتاوات والجزية، ” ولو اتفق هذه الملوك السبعة وأصلحوا ذات بينهم قدروا على المدافعة أو التماسك ولكنهم مع ماهم عليه من الضعف وافتراق الكلمة، بينهم تنافس ومنهم من يترامى إلى صاحب أمحرة ويميل إليه بالطباع ”[7] كما ذكر ذلك أحد معاصري هذه الدول وهو الشيخ عبدالله الزيلعي . وعلى الرغم من أن المسلمين كانوا رواداً لحركة التجارة في المنطقة وأن علاقاتهم الاقتصادية مع العالم الخارجي – وولاسيما الجانب العربي – كانت قويةً إلا أن المستوى الاقتصادي لهذه الممالك كان ضعيفاً من حيث الموارد، ومن هنا فقد عبر المؤرخ المقريزي عن ذلك قوله : ” وكلها ممالك ضعيفة قليلة المتحصل … ”[8]. وهذا القول يستشف منه قلة الموارد والمردود الاقتصادي .

ومنذ وصول الإسلام إلى منطقة القرن الإفريقي وتوغله في أوساط المجتمع فإنه انتشر سلمياً رويداً رويداُ يأخذ طريقه نحو المجتمعات الوثنية والمسيحية، والأخيرة – أي المسيحية – لم تنتشر على رقعة واسعة بل إنها لم تستوعب سكان هضبة إيثوبيا على نحو ما انتشر الإسلام على مستوى منطقة القرن الإفريقي على الرغم من أن الإسلام وصل إلى المنطقة عقب المسيحية بعده بقرون، ومع ذلك انتشر فيها على شكل مثير غير منتظم بعيداً عن العنف والتكلف، كما حقق نتائج باهرة حتى استطاع أتباعه تأسيس ممالك إسلامية تحمل لواء ثقافة الإسلام وحضارته،وهذا الانتشار والتوسع قد أثر في كيان الدولة النصرانية الحبشية وأخذت تضارع وتصارع المسلمين ولاسيما الممالك الإسلامية، وهذا الصراع وإن كان لا يخلو منه العامل الديني إلا أن العاملي السياسي والاقتصادي هما الدافعان الحقيقيان بل ذلك هو المحور الرئيسي الذي كان يحركهم، لذلك فإن الأحباش لما أحسّوا بذلك بدلوا أقصى ما عندهم من الجهد والصراع لإضعاف قوة المسلمين وإضفاء شمعة حضارته في المنطقة لأنهم كانوا يرون أنهم أصبحوا محاصرين من قبل المسلمين أكثر من أي جهة، بحيث إن المسلمين سيطروا سيطرة تامة على التجارة كما أن المواني في أيديهم، لذلك فإن الأحباش قرروا فك هذا الحصار وتوسيع رقعة ملكهم، بل وتدعيم سلطانهم على حساب جيرانهم المسلمين، وذلك حينما تولت زمام الأمور في الحبشة الأسـرة السليمانية ولاسيما في عهد الملك يكونو أملاك (Yekuno Amlak) 1270ـــ 1285م[9]. ولا شك أن ازدهار الدعوة الإسلامية وانتعاش الحركة التجارية على يد المسلمين إضافة إلى تكوين سلطنات إسلامية في المنطقة قد أثر في سياسات إيثوبيا وعلاقاتها الخارجية سياسياً واقتصادياً بحيث أصبحت الحركة الاقتصادية في يد التجار المسلمين مما جعل الأحباش وعلاقاتهم الخارجية تحت رحمة المسلمين،بل إن هذا الأمر قد أثر تأثيراً كبيراً في المدن الإيثوبية الكبرى بما فيها العاصمة أكسوم حيث فقدت أهميتها، وأصابت البلاد مجاعات واسعة نتيجة سيطرة المسلمين على الحياة الاقتصادية في المنطقة[10]. ومن هنا فلا يستغرب إذا حاول الأحباش التحرر واستعادة الأمجاد السابقة، في حين أن سلطنة أوفات الإسلامية كانت أقوى السلطنات الإسلامية في المنطقة وكانت تتمتع بنوع من الاستقرار والهدوء السياسي إضافة إلى أن اقتصادها كان مزدهراً حيث كانت تتحكم الطريق التجاري الذي كان يربط الداخل بميناء زيلع، الذي تتجمع فيه منتجات شمال الصومال والحبشة ومحصولات اليمن حتى أصبحت المركز الرئيسي للتجارة في المنطقة[11] . في حين أن أحوال السلطنات الإسلامية الأخرى كانت أقل من أوفات، لذلك فقد تزعمت سلطنة أوفات حركة الجهاد الإسلامي في المنطقة ضد الأحباش، أما باقي السلطنات فقد انضوت تحت لوائها[12]. ومما يؤكد قوة سلطنة أوفات أنها كانت ذات تأثير سياسي للولات الإسلامية المجاورة بحيث إن جميع ملوك هذه الممالك، متفقون على تعظيم صاحب أوفات ومنقادون إليه[13].

والوضع السياسي لهذه الدول لا يقل عن الوضع الاقتصادي، حيث إن هذه الدول ضعيفة لا تقدر على تنفيذ قراراتها السياسية والسير على نهجها الإسلامي والتعامل مع دولة الكفر في الحبشة بالندية، وقد وصل ضعف مستواهم السياسي بأن ساروا بمثابة نواب من قبل ملك الحبشة حيث لا يستطيع أحد من الملوك أن يتولى العرش بدون موافقة صاحب الحبشة أو بأمر منه حتى إذا وجد تأييداً داخلياً من داخل أسرته أو شعبه،فكان لا بد أن يستكمل هذا التأييد مباركة ورضاً من قبل الأحباش لذلك فكانوا يدفعون جزية وضرائب في كل عام لملك الحبشة، وقد امتاز القلقشندي بوصف نوعية هذه الضرائب حيث ذكر القماش والحرير والكتان وغير ذلك[14]. وأسوأ جزية كانت يدفعها بها هذه الإمارات الإسلامية للأحباش هو ما كانت تتقدم به إمارة هدية، إذ كانت تدفع بنتاً من بنات المسلمين في كل سنة لملك الحبشة النصراني مقابل أن يجدوا الأمن والأمان[15] . ورغم أن ملوك هذه الإمارات كانوا خاضعين لصاحب الحبشة إلا أنه كان يحدث في بعض الفترات من يرفض هذا الإذعان ويخرج على طاعته . ويعتبر السلطان علي، حفيد ولشمع أول من خرج على طاعة ملك الحبشة ورفض خضوعه، غير أنه لم يلبث أن عاد لطاعته حين أجبرته أنصاره علىالتراجع عن خروجه على ملك الحبشة حتى لا تأتي من قبل الأحباش أضرار عليهم . غير أن السلطان حق الدين الذي تولى عرش سلطنة أوفات قد خرج فعلاٌ على ملك الحبشة حين استعد على ذلك وكوّن جيشاً قوياً لمقاومة ظلم الأحباش حتى استطاع أن يهزمهم في عهد الملك الحبشي سيف أرعد ( 1344- 1372م ) بل واستطاع أسر كثير من عسكرهم واغتنام أموالهم . وأصل هذه الممالك قد اشتهروا بمزاولة التجارة بحكم أنهم على نوافذ بحرية وسيطروا على زمام أمورها ولذلك فلا يستغرب إذا رأينا قوة علاقاتهم مع الدول العربية الساحلية في الجزيرة العربية ومصر والعراق حيث كانت لهذه الممالك علاقات تجارية قوية مع هؤلاء، حيث كانوا يجلبون من هذه الدول الساحلية بضائع كثيرة مثل القماش والحرير والكتان[16]. فحين كانوا يصدرون إلى هذه الدول المنتجات المحلية الصومالية التي كانت تشتهر بها من الجلود والعطور والبخور وقصب السكر والفاكهة والخضروات والحبوب[17] .

والأحباش كان لهم نفوذ كبير على دول الطراز الإسلامي حتى اضطر المسلمون لدفع الجزية إلى الأحباش والرضوخ لملكها، غير أنه لما اشتد ضغط الأحباش عليهم حاول بعض زعماء المسلمين في العالم الإسلامي التدخل في الأمر، لأن ما كان يتلقاه المسلمون في منطقة القرن الإفريقي من الإذلال والمعاملة القاسية قد وصل خبره إلى مستوى انتشر فيه إلى آفاق بعيدة كبلاد مصر، ومن هنا فقد مارس بعض زعماء المسلمين ضغوطاً على الأقباط المصريين ليتدخلوا في الموفق، مثل ما فعل بدر الجمال وزير المستنصر الفاطمي ( 427 – 487هـ / 1035- 1094م) في تعيين أسقف معين للحبشة هو الأب ساويرس، وذلك عام 473هـ – 1080م )، واشترط عليه رعاية المسلمين والاهتمام بأمورهم الدينية من بناء المساجد وغير ذلك . فمن هنا فإن كنيسة القبطية في مصر كلفت نفسها ومبعوثيها في بعض الأحيان، بمراعاة مصالح المسلمين في الحبشة[18]. ومن ناحية أخرى فإنّ نظام الحكم لهذه الممالك كان وراثياً[19]، وأن معظم مظاهر حكمهم متشابهة من حيث تناول الحكم وإدارة شئون البلاد، إذ إن هؤلاء الملوك كانوا ينفردون بإدارة الحكم رغم وجود مؤسسات إدارية وكوادر مناسبة . وهناك عدة عوامل ساعدت الأحباش في سياستهم العدوانية نحو الممالك الإسلامية في المنطقة مثل : العامل الاقتصادي، وهو كون هذه الممالك تسيطر على الطرق التجارية التي كانت تربط هضبة الحبشة بالمدن الساحلية، حتى أصبحت تجارة الحبشة الخارجية في قبضة المسلمين، الذين كانوا وسيطاً تجارياً بين الحبشة وبين العالم الخارجي . ومن هنا قرر الأحباش كسر هذا الحاجز والطوق وانفراد المسلمين بإدارة المنافذ البحرية والوصول إليها[20].

ولاشك أن العامل الديني كان في مقدمة العوامل التي دفعت بها الأحباش إلى عداء الإسلام وكراهية أهله، ومحاولتهم الدائمة للقضاء عليهم نهائياً، متعصبين لدينهم. وكان المسلمون في منطقة القرن الإفريقي يستتنصرون ويلجئون إلى إخوانهم المسلمين في العالم الإسلامي ولاسيما دولة الإسلام في اليمن ومصر . أما القوى الإسلامية الخارجية الأخرى، فكانوا يساندون السلطنات الإسلامية في المنطقة وإن لم تصل هذه المساندة إلى المستوى المأمول والمطلوب، وخاصة الجانب المصري ( المماليك ) الذين كانوا ينخدعون أحياناً بالاتصالات الدبلوماسية الحبشية تمويهاً لهم وتعتيماً على الحقائق وهجماتهم على المسلمين، نتيجة جهل المصريين بأوضاع المسلمين في المنطقة لقلة اتصالهم واحتكاكهم . وقد تضرر المسلمون في المنطقة عندما أتى مجموعة من المماليك الجراكسة المعارضين في مصر إلى مملكة الأمهرة بهدف اللجوء إليهم حيث فرّوا من مصر أثناء التنافس على السلطة فيما بينهم، وأن هؤلاء عملوا في القطاع العسكري في مملكة الأمهرة خلال وجودهم في بلاد الحبشة، غير مبالين بمواقف إخوانهم المسلمين في المنطقة وما يحاك ضدهم من المؤامرات والاعتداء، لأنهم كانوا ماهرين في الفنون العسكرية، و استطاعوا تطوير المجال الحربية للأمهرة المتمثل في إنشاء ورش لصناعة السيوف والدروع والآت الحرب الأخرى، وتدريب جيش الأمهرة على الفروسية وعلى استعمال الأسلحة الحديثة، فعلموهم فنون الحرب من رمي النشاب واللعب بالرمح، والضرب بالسيف، علماً بأن سلاح الأمهرة الرئيسي قبل ذلك كان الحراب فقط[21]. وهذا الأمر قد أضر كثيراً بالمسلمين حيث أخذ الأحباش يشنون حروباً متتالية عليهم تختلف عن السابق بعد تسلح الأحباش وتدريبهم على وسائل الحرب الحديثة بفضل المصريين الموجودين في الحبشة الفارين من سلطات المماليك الجراكسة في مصر . وعملية التطوير والتحديث شملت أيضاً النواحي الإدارية والتنظيمية حيث عمل أحد الأقباط المصريين ويسمى فخرالدين – الذي لجأ إلى الحبشة – أيضاً في بلاط الملكي واجتهد في تنظيم إدارة البلاد حتى استطاع أن ينجز في هذا المجال وحققت نتائج ملموسة وخاصة في الشئون المالية حينما جبي لهم الأموال، وجند لهم الأجناد[22]. وأنشأ في مملكة الأمهرة ديواناُ وتنظيماً عصرياُ حيث لم يكن لهم ديوان ولا ترتيب ولا قانون من قبل، كما ذكر ذلك المقريزي[23].

وعلى الرغم شدة عداوة الملك سيفا أرعد وحقده الدفين تجاه المسلمين إلا أنه لم يتمكن القضاء على حكم حق الدين، رغم محاولاته الكثيرة، إلا أن ابنه (نوايا ماريام ) Newaya Maryam ( 774هـ – 784هـ / 1372 – 1382م ) أبدى نشاطاً عسكرياً كثيفاً في سبيل محاربته للسلطان حق الدين، وقد سجل بعض المؤرخين أكثر من عشرين موقعة[24] دارت بين الجانبين في عهد نوايا ماريام، وإن كان هذا الملك قد حقق شيئاً من حروبه المتزايدة ضد المسلمين إلا أنه سرعان ما تراجع إلى بلاده خوفاً من أن تحدث له مفاجأة عسكرية من جانب المسلمين الذين ما فتئوا يصرّون على المقاومة والصمود ضد الأحباش . ويعزى بعض الباحثين عدم جدية سلاطين مصر لمساعدة المسلمين في منطقة القرن الإفريقي والوقوف معهم في صراعهم ضد المملكة الحبشية المسيحية إلى عدة عوامل منها : الأحداث التي كانت تجري على أماكن أخرى غير المنطقة، أخذت جهود السلاطين المسلمين واهتماماتهم بها، وربما كانت هذه المناطق أهم من منطقة القرن الإفريقي لدى الممالك في مصر.

1. الاضطرابات التي كانت تسود الحالة السياسية في دولة المماليك في تلك الفترة وبالتالي لمتكن في صالح المسلمين الذين كانوا ينتظرون العون منهم، بعد أن اشتد الضغط عليهم من قبل المملكة المسيحية .

2. الرؤية غير الصحيحة من قبل المصريين تجاه منطقة القرن الإفريقي بما فيها الحبشة، ولاسيما فيما يخص قضية المياه أو منابع نهر النيل الذي ينبع من أرض الحبشة، حيث ظن بعضهم أن الحبشة تستطيع أن تغير مجرى نهر النيل، بالتالي تتعرض حياة أهل مصر للخطر[25].

3. خداع الأحباش لسلاطين مصر عند إرسالهم الوفود إليهم مثل ما فعل الملك يجبيا صيون الذي بعث وفداً إلى سلطان مصر المنصور قلاوون ( 679- 689هـ ) وكان هذا الوفد الحبشي يحمل هديةً وكتاباً يزعم فيه الملك أنه ليس مثل سلفه في محاربة المسلمين، بل يَعِدُ بالمحافظة على المسلمين وعدم تعرضه لهم بشر . وكهذا نجح هذا الملك في سياسة الخداع والتمويه ولم يعط أي فرصة ليتدخل سلطان مصر في الأمر رغم أنه واصل الاعتداء على المسلمين، وأن اتصاله بسلطان مصر لم تغير شيئاً من واقع الأحداث[26].

ومع هذا فقد جاء في عرش مملكة الأمهرة من يستغل علاقة سلاطين مصر، حيث كلما ضعفت هذه العلاقة وساءت كان ملوك الأمهرة يضغطون على جيرانهم المسلمين في الممالك الإسلامية، كما كان يفعل ذلك الملك عمداصيون كلما توترت علاقته بسلاطين مصر، ويتخذها ورقة ضغط في علاقاته بهم[27]. وكان سلاطين مصر يكتفون على مجرد كتابة رسائل لملوك الأمهرة مستنكرين أعمالهم ضد المسلمين[28]، وهذا الأمر لم يكن يؤثر في الأحباش بل كانوا يستمرون في طغيانهم ويستمرون على عداوتهم ولاسيما في عهد الملك عمداصيون الذي ظل على تصرفه المشين طوال فترة حكمه تجاه الممالك الإسلامية التي رضخت واستكانت له، وكأنهم ليسوا دولاً مستقلة بل هي اتباع أو شبه[29] نواب له .

ولما وصل الحكم الأمهري سيفا أرعد Sayfa Arad ( 745- 74هـ / 1344- 1372م ) سار على نهج أبيه عمداصيون، واستفاد من خلافات وشقاق جرى بين أفراد الأسرة الحاكمة في سلطنة أوفات التي كانت رائدة في الجهاد والصمود، غير أن هذا الخلاف كان يمنع التحرر والاستغلال عن سيطرة الأمهرة رغم محاولاتهم العديدة من قبل بعض أفراد من بيت أسرة أوفات الحاكمة،ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل الذريع، حتى جاء السلطان حق الدين الثاني وحقق نصراً مؤزراً بعد كفاح مرير، وقد ساعده التأييد الكبير الذي حظي به من رعيته حيث أقروا له جميعاً بالطاعة والولاء،وذلك في سنة 766هـ / 1364م . والحقيقة أن هذا النصر الكبير الذي حققه السلطان حق الدين الثاني أنهى فترة الخضوع والاستسلام لمملكة الأمهرة رغم محاولتهم السيطرة عليهم وإخضاعهم من جديد[30]. والغريب أن هذا الملك سيفا أرعد رغم سياسته العدوانية ضد المسلمين إلا أنه كان يراسل ملوك اليمن ويبحث عن صداقتهم وعلاقتهم الودية، حيث أرسل وفداً يحمل الهدايا والتحف لملوك اليمن ولاسيما في عهد السلطان الأفضل ابن المجاهد الرسولي في عام 770هـ / 1368م . ويبدو أن الأمهرة أرادوا من وراء ذلك أن يخفوا عداوتهم وبغضهم للمسلمين . وكأن هذا الملك ليس لديه غضاضة إذا تحسنت علاقته مع المسلمين،بل يبحث في ذلك ويتظاهر بأنه صديق لهم، وأن لا شيء يعكر علاقته بهم[31] .

بل إن بعض النعوت الكبيرة التي نعت بها سلطان مصر، الملوك الأحباش قد أفقدهم صواباً حينما أعطتهم جلالاً ومهابة، وذلك ضمن رسالة السلطان بيبرس سلطان مصر رداً على رسالة ملك الحبشة يكونو املاك، وقد وردت صيغ ترفع مكانتهم وتصل إلى مستوى لا يستحقونه مثل : ” الملك أمهرة،أكبر ملوك الحبشان، الحاكم،الحاكم على ما لهم من البلدان،نجاشي عصره، وفريد مملكته في دهره، سيف الملة المسيحية،عضد دولة دين النصرانية، صديق الملوك والسلاطين، سلطان الأمهرة ”[32]. وكان المسلمون في القرن الإفريقي لهم علاقات مع مصر، على المستوى الشعبي، حتى رحل كثير منهم إلى مصر. ومن أبرز الأعلام الذين رحلوا من المنطقة ووفدوا إلى الديار المصرية الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، الجد السابع لمؤرخ مصر الكبير، وقد تمت هذه الرحلة في بدايات القرن السادس عشر الميلادي[33].

---------------- هوامش -----------------------
  1. القلقشندي، أبو العباس أحمد بن على ( ت 821هـ ) : صبح الأعشى وصناعة الإنشاء، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1913هـ 5/324 ؛ إبراهيم علي طرخان : الإسلام والممالك الإسلامية في الحبشة في العصور الوسطى، ضمن البحوث المجلة التاريخية المصرية، المجلد الثامن، سنة 1959م، ص 33 ؛ محمد محمد أمين : الصومال في العصور الوسطى الإسلامية، ضمن بحوث المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم المسمّى : ( المسح الشامل لجمهورية الصومال الديمقراطية )، معهد البحوث والدراسات العربية، بغداد ؟، 1981م، ص 78 ؛ – الشيخ أحمد بن عبد الله ريراش : كشف السدول عن تاريخ الصومال والممالك الإسلامية السبعة، مقدشو، 1972م ص 23 . []
  2. حمدي السيد سالم : الصومال قديما ً وحديثاً، الدار القومية للطباعة والنشر، مقدشو، 1963م 1/ 361 ؛ محمد محمد أمين : الصومال في العصور الوسطى مرجع سابق ص 78 ( المسح الشامل []
  3. بشير أحمد صلاد : التاريخ السياسي لسلطنة عدل الإسلامي في القرن الإفريقي ( 818هـ/1415م ـ 949هـ /1543م )، وهي جزء من متطلبات الحصول على درجة الماجستير في الدراسات التاريخية، من جامعة الدول العربية لمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم معهد التحوث والدراسات العربية، بغداد، قسم البحوث والدراسات التاريخية، ذي الحجة 1407هـ، أب 1987م ص 25 []
  4. محمد حاج عمر شيخ محمد : الحضارة الإسلامية في شرق إفريقيا، رسالة قدمت لنيل درجة ماجستير في التاريخ من جامعة الخرطوم،جمادى الأولى 1403هـ ــ مارس 1981م ص 75 []
  5. محمد حاج عمر : الحضارة الإسلامية في شرق إفريقيا، مرجع سابق ص 75 []
  6. المقريزي : الإلمام بمن بأرض الحبشة من ملوك الإسلام، الطبعة المصرية، 1908مص 6 []
  7. القلقشندي، أبو العباس أحمد بن على ( ت 821هـ ) : صبح الأعشى وصناعة الإنشاء، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1913هـ، 5/332 []
  8. المقريزي : الإلمام مصدر سابق ص 6 ؛ انظر إبراهيم طرخان : الإسلام والممالك الإسلامية في الحبشة في العصور الوسطى، مرجع سابق ص 34 []
  9. انظر إبراهيم طرخان : المرجع نفسه ص 45 []
  10. إبراهيم طرخان : المرجع نفسه ص 46 []
  11. محمد محمد أمين : الصومال في العصور الوسطى الإسلامية مرجع سابق ص 81 []
  12. إبراهيم طرخان : الإسلام والممالك الإسلامية في الحبشة، مرجع سابق ص 48 []
  13. القلقشندي : صبح الأعشى وصناعة الإنشاء، مصدر سابق 5/332 []
  14. القلقشندي : المصدر نفسه 5/333 []
  15. انظر إبراهيم طرخان : الإسلام والممالك الإسلامية في الحبشة، مرجع سابق ص 34 – 35 []
  16. القلقشندي : سبح الأعشى مصدر سابق 5/333 ؛ وانظر إبراهيم طرخان : الإسلام والممالك الإسلامية في الحبشة، مرجع سابق ص 34 []
  17. إبراهيم طرخان : المرجع نفسه ص 38 []
  18. إبراهيم طرخان :المرجع نفسه ص 44 []
  19. إبراهيم طرخان : المرجع نفسه ص 35 []
  20. بشير أحمد صلاد : التاريخ السياسي لسلطنة عدل الإسلامي في القرن الإفريقي، مرجع سابق ص 59- 60 ؛ رجب محمد عبد الحليم : العلاقات السياسية بين مسلمي الزيلع ونصارى الحبشة في العصور الوسطى، القاهرة،إدارة النهضة العربية، 1985، ص 101 []
  21. المقريزي : الإلمام، مرجع سابق ص 4 ؛ وانظر تفاصيل أكثر من بشير أحمد صلاد : التاريخ السياسي لسلطنة عدل،مرجع سابق ص 91 []
  22. بشير أحمد صلاد : المرجع نفسه ص91 ؛ رجب محمد عبد الحليم : العلاقات السياسية بين مسلمي الزيلع ونصارى الحبشة،مرجع سابق ص 154 []
  23. المقريزي : إلمام مرجع سابق ص 4 ؛ وانظر بشير أحمد صلاد : التاريخ السياسي لسلطنة عدل، مرجع سابق ص 92 []
  24. المقريزي : الإلمام، المصدر السابق ص 11 []
  25. بشير أحمد صلاد : التاريخ السياسي لسلطنة عدل، المرجع سابق ص 58 []
  26. وانظر بشير أحمد صلاد : المرجع نفسه ص 64 – 65 []
  27. عبد المجيد عابدين : بين الحبشة والعرب ؛ القاهرة، سنة 1953، مرجع سابق ص 175 – 176 []
  28. القلقشندي : صبح الأعشى،مصدر سابق 5/333 []
  29. القلقشندي : المصدر نفسه 5/332 []
  30. المقريزي : الإلمام، مصدر سابق ص 10 –11 ؛ رجب محمد عبد الحليم : العلاقات السياسية بين مسلمي الزيلع ونصارى الحبشة،مرجع سابق ص 148 ؛ بشير أحمد صلاد : مرجع سابق ص 70 – 71 []
  31. بشير أحمد صلاد: التاريخ السياسي لسلطنة عدل، مرجع سابق ص 71 –72 []
  32. بشير أحمد صلاد : المرجع نفسه ص 57 []
  33. بشير أحمد صلاد : المرجع نفسه ص 52 []

تعليق واحد

  1. بسم الله الرحمن الرحيم انا بصدد البدء فى كتابة بحث عن انتشار الاسلام فى سلطنة اوفات الاسلامية فى بلاد الزيلع اريد المساعدة فى ذلك

%d مدونون معجبون بهذه: