الدول الفاشلة في العالم العربي (الصومال نموذجاً)

استهلال:

يعتبر الإنسان العربي الطرف المسئول في إحداث الفشل في الكيان السياسي في العالم العربي؛ لأن أنظمة العالم العربي لم تأت من كوكب آخر، ولم تنزل من السماء، وإنما هي صورة مصغرة أو نموذج يوضح فشل الشعوب العربية، فإذا لم تكن تركيبة المجتمع العربي قابلة لما يمارس عليها من تنكيل واستبداد، لما كان كل النظام العربي على منوال واحد، تقول ثناء فؤاد عبد الله :”إن الاستبداد مفروض تحت وطأة شروط وظروف قابلة للتغيير إذا ما توافرت قوة الدفع المناسبة…هذه الإشكالية تنبع من صعوبة التصدي لها من أنه من غير الممكن معالجة الاستبداد/الديمقراطية بمعزل عن تأثيرات وضغوط النماذج التي تعودنا التفكير في ظلها وتحت تأثيرها،… بعبارة أخرى ونحن نعيش في ظل مناخ ملتبس تصدمنا فيه السياسة ويشدنا فيه المقدس، المقدس بالمعنى الشامل ، وترنو أنظارنا نحو أنماط مثالية نتصور أن فيها الحل الأمثل لأزمتنا المستحكمة، ألم يعد من الملح أن نتجاوز حدود الفكر الذي لم نتجاسر على تجاوزه من قبل وأن نطرح من القضايا ما لم نطرحه، ومن ثم نكتشف هذه الحلقة الخبيثة التي تجعلنا ندور حول أنفسنا دورة كاملة في كل مرة لنعود أدراجنا إلى نقطة البداية…،.

وحيث يكون الحاكم العربي صنو الدين، ومستخلف في الأرض فإن مفهوم الحرية يتمحور أساسا حول طاعة الرعية لولي الأمر، ومع اقتران الطاعة السياسية بالطاعة الدينية تتشكل لبنات الاستبداد”. ثناء عبد الله ، آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي، ص 384-385

أما التطرق إلى الفشل الذي لحق بالدولة الصومالية والحروب الأهلية التي شهدتها وتشهدها الصومال فإنه أمر ينطوي على جانب كبير من الأهمية لما له من آثار مباشرة وغير مباشرة في عجز الصومال وشعبه عن التقدم والتطور بل من الممكن أن يكون هذا البلد عرضة لاحتلال مباشر من قبل الدول المجاورة الطامعة أو من القوى العالمية وذلك بالنظر إلى المتغيرات والعوامل الداخلية والخارجية والحقائق التالية:

مقدمة

الدولة الفاشلة: ظهر هذا المصطلح للمرة الأولى في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، في التسعينات من القرن الماضي، وأطلق هذا الوصف على الدول التي تفشل في القيام بوظائفها الأساسية، مما جعلها تشكل خطراً على الأمن والسلم الدوليين.

إن قابلية الدول للانهيار أو الفشل أكثر انتشاراً في إفريقيا، لكنها ظهرت في آسيا ووسط أوربا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط. وكانت في السابق توصف الدول الضعيفة بصفات أخرى مثل دول قوس عدم الاستقرار إشارة إلى منطقة الهلال الإسلامي الممتد من أفغانستان إلى بقاع الجزء الجنوبي من الاتحاد السوفيتي السابق الجمهوريات الإسلامية، لكن هذا التحديد الجغرافي كان ضيقاً جدا وقد انتهى؛ لأن جغرافية الدول الضعيفة تمتد لمساحات واسعة ولكثير من أنحاء العالم الشاسع أي لم تعد تقتصر على ذلك الهلال الإسلامي فقط.

ولكن تمثل الصومال مثالاً واضحاً للدولة الفاشلة حيث اختفت الدولة أو وظائفها منذ 1991م وانتشرت الفوضى وعدم الاستقرار منذ ما يقرب من عقدين، وأصبحت تهدد الأمن الدولي حيث أصبحت القرصنة البحرية تعم سواحلها وتهدد الملاحة الدولية، وكان المفكر الأمريكي نعوم تشو مسكي أصدر العام الماضي كتابا عن “الدول الفاشلة”. كما قامت مجلة فورين بوليسي دراسة على الدول الضعيفة، فاحتلت الصومال صدارة الدولة الفاشلة في ترتيب الدول الفاشلة أو التي شارفت بالفشل، وعدم قدر السلطات باستمرارية وظائف الدولة، وفقدانها القوة الشرعية التي تميز النظام السياسي عن النظم الأخرى.
موضوع الدراسة:

يتمثل موضوع الدراسة في تسليط الضوء على الصراعات الصومالية والتدهور الذي لحق بالبنيان السياسي، وتغييبه من الخارطة الدولية قرابة عقدين، والأسباب التي أدت إلى هذه الحالة التي تهدد الكيان الكلي للشعب الصومالي أولاً ثم العالم العربي وخاصة اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي، بحكم قربهم الجغرافي وكذلك الدول الأخرى من أن تكون ملاذاً للحركات المتطرفة، أو ما يسمى الإرهاب الدولي، وهذا ما قد تحقق فعلا وإن كان في بداياته.

ثم نتطرق إلى معرفة العوائق التي حالت إلى يومنا هذا دون التوصل إلى حلول ناجعة تنجي الصومال ودول المنطقة من هذا الخطر الداهم على الرغم من كثرة الققم والمؤتمرات والندوات حول هذا الموضوع.

مشكلة الدراسة:

تباينت الدراسات التي تناولت الفشل في الصومال بين ما يركز على العوامل الداخلية ويقلل دور العوامل الإقليمية والدولية في فشل الدولة، وفي تأجيج الصراع في مقابل من يؤكد على أن استمرار الفشل في الصومال ليست إلا نتيجة لعوامل التنافس الإقليمي والأطماع الدولية، ويتمثل إسهام هذه الدراسة في أنها تحاول التأثير على تلازم العوامل الداخلية والخارجية في فشل الدولة في الصومال وعجزها عن أداء رسالتها كحكومة واستمرارها في وحل الصراعات العقيمة.

فرضية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من مسلمة مفادها أن مفهوم ” الدولة الفاشلة في الصومال” لا يبدو غريباً فقط، وإنما أيضاً يتعارض ويتناقض مع بناء الدولة الحديثة، والأسس التي تقوم عليها دول العالم أو تنطلق منها الدول، وهذا ما يمكن تسميته “بالولاء القبلي على حساب الوطن” مما يعني أن القبيلة الصومالية هي من الأسباب الرئيسة التي ساهمت في فشل الدولة، ثم إطالة أمد الأزمة في هذا البلد المنكوب. وهذا غالبا ما يؤدي إلى تزايد مظاهر الفشل في الساحة الصومالية، ويترتب على ذلك أنه:

كلما تنامي دور القبيلة تزايد الفشل في الدولة الصومالية، وكلما زادت التدخلات الخارجية زاد الفشل في الحياة السياسية في الصومال.

وتحاول هذه الدراسة على ضوء قراءة الواقع والدراسات السابقة أن تفسر الأسباب الرئيسة التي أدت إلى فشل الدولة الصومالية وهل هي أسباب داخلية؟ أم أنها أسباب خارجية، أو خليط بين السببين، ثم تطرح الحلول الناجعة لإنهاء هذه الدوامة المدوية للكيان الصومالي.

هدف الدراسة:

يهدف هذا البحث إلى التنبيه بنوع من أنواع الفشل الذي تمر به الصومال ولا زال يعاني منها الشعب الصومالي الذي تسببت القبيلة الجزء الأكبر منه حيث أنهت كيان وهيبة الدولة الصومالية وإنسانها ، ثم نستهدف من هذه الدراسة فهم الأبعاد المختلفة حول هذا الصراع ووضع التصور النظري لإنهاء الدولة الفاشلة في الصومال والتأثير الإيجابي للأطراف الصومالية لوضع حد لهذا الفشل.

أهمية الدراسة:

تكمن أهمية الدراسة في إظهار خطر الدولة الفاشلة مما يجعلها تشكل خطرا على الأمن والسلام العالميين، مثل الصومال حاليا، حيث أصبحت القرصنة البحرية تنتشر على سواحلها.

وهناك دراسات دولية لمعرفة الدول الفاشلة والمرشحة للفشل ودخلت دول عربية في هذه الدراسات ولكن “”احتلت الصومال صدارة القائمة الدولية من بين 177 دولة برصيد 114.2 نقطة، وكان السودان يحتل صدارة القائمة في تقرير عام 2007، ولكنه هذا العام أفسح المجال للصومال، لتحتل السودان الترتيب الثاني برصيد بلغ 113 نقطة، بينما احتل العراق الترتيب الخامس بعد زيمبابوي وتشاد، في حين احتل لبنان الترتيب 18 متقدما على نيجيريا ومتأخرا على أوغندا””.[1]

منهج الدراسة:

استخدمت الدراسة ثلاثة مناهج لملاءمتها مثل هذه الدراسات وهي:

المنهج التاريخي : يستدعى استخدامه في هذا البحث لتتبع ظاهرة الدولة الفاشلة في الصومال و الصراعات التي أودت بفشل الدولة وعدم قدرتها على الخروج منها.

المنهج التحليلي : تتطلبه الدراسة لكونه يسهم في تحليل العوامل الداخلية والخارجية المتعلقة بالصراعات الأهلية والدول الفاشلة والتوصل لنتائج الدراسة.

المنهج المقارن: حيث نقارن من خلاله بين ما يحدث في الصومال من دولة عجزت عن تقديم وظائفها في جميع الصعد والمجالات ، وما حدث في بعض الدول من فشل أو قاربت الفشل الكامل مشابهة لما هو موجود في الصومال كما حدث في كل من بوروندي، ورواندا، والإتحاد اليوغسلافي سابقا، والدولة اللبنانية في بعض مراحلها وغيرها من الدول الفاشلة في العالم المعاصر.

التصور المبدئي للدراسة:

تتمثل خطة الدراسة في تقسيم الدراسة إلى فصلين يندرج تحت كل فصل عدد من المباحث حيث يتناول الفصل الأول الإطار النظري للدولة الفاشلة بصفة عامة، ثم العالم العربي بصفة خاصة، والصومال أنموذجا للعالم العربي والدولي كدولة فاشلة ونقدم أيضا في هذا الفصل نبذة مختصرة عن الصومال وتطورها وسعيها الدءوب بعد الاستقلال إلى وحدة الأمة الصومالية في شرق إفريقيا التي كانت تحت الاحتلال الغربي أو إثيوبي، والتي لا زال بعضها تحت الاحتلال حتى الآن، ثم نعرض كيف وصلت الصومال إلى ما وصلت إليه من انحطاط وتفكك إلى أن أصبحت رمزاً للدولة الفاشلة في العالم، أما الفصل الثاني فنستعرض فيه الفشل للكيان الصومال وأكبر وأفجع النكبات والنكسات التي مر بها الشعب الصومالي، والويلات التي ذاقها بسبب فشل النظام السياسي في الصومال، ونخصص لكل جانب من الجوانب الحياة التي تأثرت بغياب وفشل الحكومة المركزية من حياة الشعب المختلفة مبحثاً خاصة.

الفصل الأول:

المبحث الأول: نبذة قصيرة عن الصومال:

الصومال دولة عربية إسلامية إفريقية تقع شرق قارة إفريقيا( القرن الإفريقي)، يحدها خليج عدن وجمهورية جيبوتي من جهة الشمال، والمحيط الهندي من جهتي الشرق والجنوب، وجمهورية كينيا من جهة الجنوب الغربي, وجمهورية إثيوبيا الفيدرالية من جهة الغرب.

وعاصمتها ” مقديشو”, وتصل المساحة الكلية للصومال637,657 ألف كم2, ويمتلك الصومال أطول ساحل في إفريقيا والعالم العربي على شواطئ البحر الأحمر والمحيط الهندي على مسافة قدرها 3330 كم، ويصل عدد السكان في الصومال حوالي 12مليون نسمة.

ويعتمد اقتصاد البلاد على الثروة الحيوانية في المرتبة الأولى, تليها الزراعة، والتجارة، وصيد الأسماك، ويغلب على المجتمع الصومالي الطابع القبلي، ويدينون جميعاً بالديانة الإسلامية وكلهم على مذهب واحد وهو المذهب الشافعي.

وهناك ما يسمى الصومال الكبير وهي مكونة من خمسة أجزاء لم تتكون جمهورية الصومال إلا من جزأين فقط هما الجنوب والشمال الغربي. وهذه الأجزاء الخمسة عرفت تاريخيا بأسماء تنسب إلى مستعمريها أو بأسماء جهاتها أو مواقعها، وهي الصومال الإيطالي “الجنوب”.

و الصومال البريطاني “شمال الغرب، وتعرف حاليا بجمهورية أرض الصومال”.

و الصومال الفرنسي “الساحل الصومالي، وتعرف حالياً بجمهورية جيبوتي”.

والصومال الغربي “الإقليم الخامس من أقاليم جمهورية إثيوبيا الفيدرالية”.

و”إقليم N.F.D” الواقع في الشمال الشرقي لجمهورية كينيا.

وشكل الصومال الإيطالي في الجنوب والصومال البريطاني في الشمال الغربي بعد استقلالهما عام 1960م ولكن الدولة انهارت عام 1991م وأعقبته حروب أهلية مازالت مستعرة في بعض أجزائه حتى الآن.

وأما”الصومال الفرنسي” فاستقل عام 1977م، ولكنه لم يلتحق بالجمهورية الصومالية بموجب شروط استقلاله، وشكل هذا الجزء دولة مستقلة تعرف بجمهورية جيبوتي.

وأما الجزآن الباقيان فلا يزالان محتلين من قبل دولتين مجاورتين للصومال هما إثيوبيا وكينيا.
وفيما يلي نبذة مختصرة عن كل جزء من هذه الأجزاء الخمسة للصومال الكبير ، كمحاولة لفهم الوضع الحالي.
أولاً: الأجزاء الخمسة للصومال الكبير.

الصومال الإيطالي في الجنوب ووسط الصومال:

عرف هذا الجزء بهذا الاسم، لأنه كان مستعمرة إيطالية، وهو أكبر إقليم من حيث المساحة، ويشكل جنوب ووسط الصومال ويمتد ليشمل جزءا من الشمال الشرقي.

وقد استقل عن إيطاليا في الأول من يوليو عام1960 ويشكل ثلاث عشرة منطقة من أصل ثماني عشرة منطقة، والتي تشكل مجموع مناطق الدولة الصومالية المنهارة، وأهم مدنه مقديشو عاصمة البلاد وبيداوا وكسمايو ومركا وبوصاصو، وجروو، وبلدوين، وجوهر، وهذا الجزء هو الذي أثرت فيه الحرب الأهلية التي نشبت في الصومال بعد فشل الحكومة العسكرية عام 1991م أكثر من غيره، ولكن مع مرور الوقت تركزت الحرب في القسم الجنوبي منه. واستقر الوسط وشمال الشرق، وقد ساعد ذلك إلى انقسامه إلى قسمين:

1- منطقة شمال شرقي الصومال وجزء من الوسط: وهي تتكون ثلاث محافظات من أصل المحافظات الثماني عشرة، والتي كانت تشكل جمهورية الصومال، وهي: المحافظة الشرقية ونغال ومذك وشكلت حكماً محلياً يعرف حالياً إدارة بونت لاند “أرض البخور” بعد أن أعلن سكان المنطقة إدارة إقليمية خاصة بهم في أغسطس عام 1998م، بعد أن يئسوا من استقرار الجنوب، وقد تم انتخاب زعيم الجبهة الديمقراطية لإنقاذ وخلاص الصومال العقيد عبد الله يوسف أحمد كرئيس لهذه الإدارة، (وهو الذي أصبح رئيساً للصومال بعد مؤتمر المصالحة الصومالية في نيروبي عام 2004م).

ولكنهم لم يعلنوا انفصالا عن باقي الصومال، بل أكدوا أن إدارتهم ستقوم بتسيير الأمور في محافظاتهم لحين انتهاء الحروب وعودة الجمهورية التي انهارت عام 1991م، حسب ما جاء في ميثاق إعلان الإدارة الإقليمية، أو ( الحكم الذاتي)، وقد شارك ممثلوه في جميع مؤتمرات المصالحة التي سعت؛ لإعادة الدولة الصومالية للحياة السياسية.

2- جنوب ووسط الصومال: وهذه المنطقة لم تتمكن على الرغم من المحاولات الكثيرة من إنشاء إدارة إقليمية، وتعدُ المناطق الجنوبية من أكثر المناطق توترا في الصومال، ومنها جاء معظم أمراء الحرب الذين كانوا متمركزين في العاصمة مقديشو، وكانوا حجر عثرة أمام كل محاولات المصالحة في الصومال، وذلك لعدة أسباب منها: أن الصراع بين القبائل الذي كان على الأراضي والنفوذ والثروة يتركز في هذا الجزء ولا سيما في جنوبه، إذ فيه الأراضي الخصبة للزراعة بفضل مرور نهري جوبا وشبيلي، ووجود عاصمة البلاد فيه وكثرة التداخل القبلي في هذا الجزء من البلاد؛ لأنها مناطق زراعية فيها كثافة سكانية عالية وكان فيها مشاريع حكومية في السابق جذبت الكثير من أبناء المناطق الأخرى. وقد شهدت هذه المنطقة صراعات قبلية كثيرة أكلت الأخضر واليابس وشردت مئات الآلاف من المواطنين.

ولكن ومنذ ثلاث سنوات أخذت الحروب في الصومال منحا جديداً لم يسبق له مثيل فيها إذ بدأت تأخذ بعداً دينياً، ولم يكن الحرب في تاريخ الصومال مرتبطا بالدين أو العقيدة والمبادئ، وإنما كان الكل يعتقد أن الطرف الأخر مسلم يحرم دمه وماله، ولكن لأسباب قبلية واختلاف المصالح فقط كان السبب وراء الحرب، ولكن ومنذ ظهرت المحاكم الإسلامية عام 2006م بدأ تخوين الطرف الأخر، وأحياناً تكفيره واتهام الردة عن الدين، وبدأ البعد الديني في البداية بين تحالف أمراء الحرب الذي كان يسمى بـ”تحالف إرساء الأمن ومكافحة الإرهاب” المدعوم من أمريكا وإثيوبيا وبين اتحاد المحاكم الإسلامية المدعوم من الشعب، وتعتبر هذه أول حرب أو صراع مبني على ولاءات والمبادئ غير القبلية في الصومال (إلا بعض المناوشات المحدودة في بعض المناطق في التسعينات من القرن الماضي).

وقد هُزم التحالف وحُل على إثره إذ لجأ أمراء الحرب إلى إثيوبيا، وسيطر اتحاد المحاكم الإسلامية على معظم الجنوب بما فيها العاصمة وأجزاء من الوسط.

ثم تدخلت إثيوبيا عسكريا بمساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية؛ لإنقاذ حكومة عبد الله يوسف الضعيفة التي كانت مدعومة من الغرب ومن دول الجوار لطرد اتحاد المحاكم الإسلامية من العاصمة بحجة أنها منظمة إرهابية تهدد أمن واستقرار المنطقة.

الصومال البريطاني:

يقع هذا الجزء شمال غربي البلاد وعرف بهذا الاسم لأنه كان محمية بريطانية منذ 1884م. وقد استقل هذا الجزء عن بريطانيا يوم 26 يونيو/ حزيران 1960م، وتوحد مع الصومال الإيطالي باسم جمهورية الصومال التي استمرت 30 عاما (1960-1990) قبل أن تقع فريسة الحرب الأهلية، وتقع هذه المنطقة بأقصى شمال الصومال محصورة بين جيبوتي وإثيوبيا وخليج عدن، وأهم المدن فيها هرجيسا وهي العاصمة الحالية لها ثم بربرا وهو ميناء استراتيجي في البحر الحمر قبالة خليج عدن، ولاسعانود، وبورما، وبرعو.

وقد شكل سكان هذا الجزء من الصومال دولة مستقلة سمت نفسها جمهورية أرض الصومال وأعلنت انفصالها عن الصومال عام 1991م. ولكن رغم سعيها الحثيث لنيل الاعتراف الدولي كدولة مستقلة عن عموم الصومال إلا أنها لم تحصل على الاعتراف بها من أي دولة.

وقد استحدثت دولة ما يعرف بجمهورية أرض الصومال حكومة وبرلمانا منتخباً وجيشا، وجميع الدوائر الحكومية، كما صكت عملة خاصة بها وأصدرت جواز سفر لسكانها منذ سبتمبر عام ٢٠٠٠م.

ويتميز هذا الجزء من الصومال عن غيره من الأقاليم الصومالية باستقرار نسبي، ونجحت دولة ما يسمى بأرض الصومال إلى نزع الأسلحة من المليشيات القبلية بعد صراع دام ضد القبائل التي سعت الاحتفاظ بسلاحها بغياب الحكومة المركزية، وخوفاً من أن لا تحافظ الحكومة بهذا السلاح بعد نزعه من مليشيات القبائل، وسقوطه بيد قبائل أخرى ثم يستخدم عليها، وهو الشعور الزائد بعموم الصومال، لأن أمن القبيلة مرتبط بمليشياتها المسلحة، ولذا تحافظ كل القبائل بسلاحها للدفاع عن مصالحها المزعومة، لأنه لا مصلحة فوق مصلحة الوطن، والقبيلة تكون جزأ من الوطن، ومن خلال مصلحة الوطن تتحقق مصالح القبائل ، وهو ما نجحت به حكومة ما يسمى أرض الصومال؛ إذ أخذت على عاتقها أمن المناطق التي تسيطرها من الصومال.
الصومال الفرنسي:

ويقع هذا الجزء على الشاطئ الغربي لباب المندب، وسمي بهذا الاسم أثناء الاستعمار الفرنسي الذي كان جاثما على هذا الجزء من الصومال منذ 1862م، وكان يعرف قبل الاستعمار “الساحل الصومالي” ولكنه منذ استقلاله عن فرنسا سنة 1977م أصبح الإقليم يعرف باسم جمهورية جيبوتي. ويبلغ عدد سكانه حسب إحصائيات عام 2000م 460700 نسمة، وتعتبر جيبوتي بحكم اللغة والتاريخ والبنية الاجتماعية جزءا من الصومال، غير أنها ومنذ استقلالها أصبحت عضوا من جامعة الدول العربية و الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الإقليمية والدولية.

الصومال الغربي:

ويسميه بعض الكتاب بإقليم (أوجاد ين) حسب التسمية الاستعمارية، لأن هذا الاسم لا يشمل كامل المنطقة، وهو الإقليم الخامس حسب التقسيم الإداري الإثيوبي في الوقت الحالي، وقد ضُم هذا الجزء إلى إثيوبيا منذ 1954م من قبل بريطانيا لأسباب كثيرة منها وقوف إثيوبيا إلى جانب بريطانيا في حربها ضد إيطاليا أثناء الحرب العالمية الثانية كمكافأة لإثيوبيا، ومنها أسباب دينية حيث الشعب الصومال مسلم وإثيوبيا مسيحية (حكومة) وغيرها من الأسباب التي لا يسعها المجال.

وتقطن هذا الإقليم قبائل صومالية من نفس القبائل التي تقطن جمهورية الصومال. ويعتبر منشأ التوترات السياسية بين الحكومات الصومالية والإثيوبية المتعاقبة منذ استقلال الجمهورية الصومالية التي كانت تعمل على استعادته من إثيوبيا، وقد شهدت أعنف الحروب في العام ١٩٧٧م إذ حمل سكان الإقليم السلاح تحت قيادة “جبهة تحرير الصومال الغربي” في وجه الجيش الإثيوبي بعد سقوط الإمبراطور هيلا سيلاسي بدعم من نظام الرئيس محمد زياد بري، فاحتل مسلحو الجبهة والجيش الصومالي معظم الإقليم ، وامتدت المعارك إلى مشارف محافظة العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. غير أن إثيوبيا في عهد الرئيس منجستو هيلا ماريام وبدعم من كوبا والاتحاد السوفياتي السابق قامت سنة ١٩٧٨ باستعادة السيطرة على الإقليم وهزم هذا التحالف جبهة الصومال الغربي والجيش الصومالي الذي دخل عمق الأراضي الإثيوبية لمساعدة جبهة تحرير الصومال الغربي.

الجنوب الغربي من الصومال:

ويعرف أيضا بإقليم أنفدي (NFD) وهو اختصار (Northern Frontier District) ومعناه “المحافظة الحدودية الشمالية “، وهي التسمية التي تطلق عليها الدولة التي تحتلها وهي كينيا، وهو الآن جزء من الأراضي الكينية وعاصمته غاريسا، وقد ضمته كينيا إلي أراضيها منذ ١٩٦٣ بعد اتفاق أروشا. وقبل استقلال كينيا عن التاج البريطاني، اتفقت الأحزاب الصومالية بإقليم جنوب غربي الصومال تحت الحكم البريطاني على إجراء استفتاء شعبي يحدد وضعهم ومصيرهم، فكانت نتيجته إعلان الانضمام إلى جمهورية الصومال، ولكن الحكومة البريطانية قامت بإلغاء الاستفتاء وأجبرتهم على البقاء جزءا من كينيا.

ومن هنا يتضح لنا أن هناك شعب صومالي في شرق إفريقيا لم ير الحرية بل بقي من مستعمرات المستعمر الأسود، وبهذا لم يعرف القرن الإفريقي الاستقرار ولا يعرف ما دام هناك استعمار واضطهاد من جهة، ومقاومة وكفاح وجبهات تحرير من جهة أخرى.

ولم يزل الشعب الصومالي في كل مكان يحلم بوحدة أجزائه الخمسة رغم النكسات والعقبات التي تزداد يوما بعد يوم، ومن أهم العقبات فشل الدولة الصومالية التي كانت المنطلق والداعم الأساسي للحركات والجبهات التي تسعى لتحرير المناطق المستعمَرةِ من دول الجوار.

ونذكر في الرسالة محاولات الاستقلال والحروب التي دارت بين المحتلين الغربيين-الإثيوبيين-الكينيين، وأصحاب الأرض المظلومين، وخاصة بين الصوماليين والإثيوبيين.

ويتضح لنا أيضاً أن جمهورية الصومال تكونت من إقليمي الجنوب المستعمرة السابقة لإيطاليا منذ عام1869م والإقليم الشمالي المستعمرة البريطانية منذ 1939م. وأخذت استقلالها من الدولتين عام 1960م لتصبح جمهورية مستقلة وعضوا في الأمم المتحدة, واختارت علما أزرق يشبه علم المنظمة الدولية,ونجمة خماسية بيضاء في وسط العلم والتي ترمز للأقاليم الخمسة الصومالية: الصومال البريطاني في الشمال والصومال الإيطالي في الجنوب والصومال الفرنسي في جيبوتي, والصومال الكيني في منطقة شمال شرقي كينيا، والصومال الإثيوبي في منطقة الصومال الغربي .

وتولت إدارة البلاد حكومة مدنية منتخبة لفترتين من عام 1960- 1969م حتى انتهت بانقلاب عسكري عام 1969م بقيادة الجنرال محمد زياد بري, وهو بداية فشل الدولة الصومالية، واستمر النظام العسكري يحكم الصومال حتى إسقاطه عام 1991م الذي كان بداية الحرب الأهلية المستمرة في الصومال حتى الآن.

المبحث الثاني: مفهوم الدولة الفاشلة

تعريف الدولة الفاشلة

ومع أنه لم يتم بعد تقديم صورة أكثر وضوحا وعمقا لأبعاد هذه المشكلة التي تتطلب تعريفا واضحا وتفكيرا أعمق، فإن تحديد تعريف الدولة الفاشلة لا يزال غامضا؛ لذا فإن التساؤل المطروح هو كيف نعرف أن دولة ما فاشلة أو في طريقها للفشل ؟

ذلك طبعا يكون عندما تفقد الحكومة المركزية سيطرتها على أراضيها، لكن ثمة مقدمات حادة للفشل نوردها في هذه الدراسة.

ومفهوم الدولة الفاشلة يطلق على الدول التي لا يوجد فيها سلطة مركزية قوية تربط مختلف السلطات حتى تعمل كل فروع الدولة في تناسق وانسجام لينساب القرارات السياسية والقوانين الصادرة من المركز على ربوع الدولة مثل الدم في عروق الجسد السليم ، وكذلك أن يكون الأمن مستتباً في فروع البلاد تماما, والصومال تعتبر من الدول الفاشلة حسب هذا التعريف إذ انتشرت فيها الفوضى والجريمة والقرصنة وعدم وجود حكومة مركزية منذ عقدين، وأصبح الانتماء القبلي مصدر حماية وقوة المواطن التي يعتمدها في حياته كلها, وكذلك الولاء أو الانتماء الواسع للدولة إلى انتماء ضيق للقبيلة أو العشيرة.

ولكن هناك من يرى أن هذا التعريف للدولة الفاشلة غير دقيق , ويمكن أن يكون دقيقاً على الحالة الصومالية، ولكن لا يكون تعريفاً عاما جامعا مانعاً ولا يمكن أن يكون التعريف مفصلا ومرتبطاً بحالة واحدة كالصومال، لأننا نتحدث عن قضية سياسية عامة على جميع الدول والمجتمعات المختلفة وليس على قضية أو موضوع معين. فإذا افترضنا أن هناك حكومة مركزية قوية ولكن الفساد والمحسوبية وعدم احترام القانون هو سمة هذه الدولة تكون الصورة العامة موحية بوجود دولة ولكن آليات عمل هذه الدولة لضخ قوتها وهيبتها إلى عروق الوطن تكون بالضبط كما يضخ القلب العليل الدم إلى أرجاء الجسم السقيم. وعليه تكون هذه الدولة كمن يهرب من الواقع , لأنها تضخم في انجازاتها وقوة مؤسساتها الظاهرية, ولكنها في الواقع وحقيقة الأمر هي دولة فاشلة , لا تبعد عن الصومال إلا وجود الأجهزة القمعية فقط، ولو حدث أي خلل ما فإنها تنهار كما انهارت دول عربية كانت في جوهرها فاشلة، ولكن لم تظهر لليعان إلا بعد انهيارها، فالفشل إذاً نسبى وليس مطلق,

ويجب علينا أن نعي حقيقتين‏ مهمتين لفهم الواقع العربي وأسباب الفشل التي تتسرب في أعماق كل نظام سياسي عربي الحقيقة الأولي‏: “”أن الفشل له أسبابه الداخلية في كل دولة عربية‏.‏ ولائحة الدولة الفاشلة ومؤشراتها ( الذي أشارت مجلة فورين بولسي الأمريكية) تؤكد أن خطر التفكك والانهيار للدولة العربية يرجع الي عوامل حقيقية داخلية يجب إيجاد حلول لها ليس فقط للانطلاق نحو دعوة وهدف الوحدة العربية للحفاظ أولا علي بقاء ووحدة وكيان كل دولة عربية‏””.‏

أما الحقيقة الثانية‏: “”فهي أن فشل الدولة العربية له أيضا أسبابه الخارجية‏.‏ هناك وثائق كثيرة تفضح الدور الأمريكي والدور الإسرائيلي في إفشال الوحدة العربية‏ في السابق,‏ كما توجد حاليا الكثير من الوثائق والمعلومات التي تؤكد جدية المساعي الأمريكية والإسرائيلية لإفشال الدولة الوطنية العربية وتفكيكها وإعادة تقسيمها‏””.[2]

المحث الثالث: فشل الدولة الوطنية في العالم العربي:

هناك فشل ذريع في الأنظمة السياسية في الوطن العربي، وتعيش معظم هذه النظم بحالة من الأزمة الشرعية لدى مواطنيها، إذ لم تصل الغالبية من الحكام في الدول العربية إلى السلطة بوسائل ديمقراطية حقيقية، أو برغبة من الشعب، وأن الثقة بين الشعوب وحكامها مفقودة منذ ولادة الدولة القومية، وكان الشعب العربي مخدوعا في الدعوات الفارغة التي كانت بعض الساسة العربية يخدرون الشعب المخذول من حكامه في الدرجة الأولى ثم من عالم الغربي الذي قسم إلى هذه الدويلات ثم خلق بينها العداوات الوهمية، والخلافات المختلقة المفتعلة، إضافة إلى زرع السرطان الخبيث (إسرائيل) في عقر دار الأمة (فلسطين)

لذا يمكن أن نقسم أسباب الفشل للدولة العربية إلى مستويين: الأول الأسباب الداخلية. والثاني: الأسباب الخارجية، أي عوامل غير عربية، المصدر والفعل.

العوامل الداخلية:

أزمة الشرعية للسلطة السياسية الحاكمة

الاستبداد هو السمة الغالبة في الوطن العربي، وإن السلوك التسلطي للنظام السياسي مع المخالف هي ديدنة الحكم العربي و اضطهاد “الأقليات”، لذا كانت ردة الفعل هي العنف والصراع مع النظام السياسي.

كما أن البطانة المؤيدة للنظام السياسي غير الديمقراطي حصلت على امتيازات خاصة على حساب بقية الشعب، مما أدى إلى خلق فجوة ولدت الأحقاد والعداء بين امتيازات “الأقلية” وعامة الشعب، تطورت أو قد تتطور لاحقاً إلى علاقة تضاد في المصالح وعلاقات صراع وعنف.

2-الغربة للسلطة السياسية أي أنها غريبة سياسياً وثقافياً واجتماعياً واقتصادياً عن محيطها الشعبي والمقصود بـ “الغربة” التباعد وربما التعارض ما بين الانتماء الثقافي والأيديولوجي للشعب وللأمة وما بين الانتماء الثقافي والأيديولوجي للسلطة الحاكمة. فالشعب يغلب عليه الانتماء الحضاري العربي والإسلامي، في حين أن السلطة السياسية يغلب عليها “الانتماء الثقافي الغربي” على الأقل على صعيد السلوك والممارسة. وكذلك فإن هذا التباعد أو التعارض ما بين الطرفين ثقافياً وأيديولوجياً تبعه “غربة سياسية”، فالشعب يرغب “بالإرادة السياسية المستقلة والحرة” للدولة، والنظام السياسي سار في سياسيات “التبعية” للقوى العظمى في فترة الحرب الباردة وما بعدها. وهذه “الغربة” الثقافية الأيديولوجية والسياسية توافقت مع حالة الإحباط الشعبي العام من “فشل السلطة السياسية الحاكمة” في إدارة قضايا الوطن المحلية (تحقيق التنمية الشاملة، توفير الحريات ، القضاء على الفقر والبطالة … إلخ)، أو الفشل في قضايا الوطن الخارجية مثل قضية فلسطين.

ونتيجة هذه “الغربة والفشل” لم تعد “الدولة” قادرة على تحصيل شرعيتها من الأمة أو الشعب لذا لجأت إلى القوة المادية المجردة، وهو ما دفع إلى نزاعات بينها وبين حركات معارضة داخلية مسلحة في عدد من الدول العربية.

4- غياب وضوح العلاقة “التعاقدية” العادلة بين الدولة وطوائفها المختلفة وأن لدى العديد من الدول العربية صراعات داخلية بين السلطة السياسية من جهة والأقليات العرقية أو الدينية من جهة أخرى، بسبب غياب علاقة “تعاقدية” واضحة وملزمة وفي نفس الوقت عادلة، والعلاقة التعاقدية قد تكون من خلال اتفاقيات أو معاهدات بين الطرفين، أو من خلال دستور يُعرِّف كل طرف بحقوقه وواجباته بشكل واضح دون إجحاف، مع وجود الآليات التي تلزم كل طرف بتطبيق بنود هذه العلاقة التعاقدية. فأحياناً قد تكون العلاقة التعاقدية واضحة ببنودها والتزاماتها، ولكن قد توجد مماطلة أو عدم التزام أو تطبيق لهذه العلاقة التعاقدية من أحد الطرفين لأسباب تتعلق بمتغيرات مستجدة محلية أو إقليمية أو دولية، تغير أو تؤثر على مصالح النظام السياسي أو النخبة السياسية أو قيادات الأقليات. وربما تجربة العراق مع الأكراد أوضح مثال على ذلك، رغم وجود علاقة تعاقدية بين السلطة السياسية والكيان الكردي العرقي تمثل في “حكم ذاتي” إلا أن المستجدات التي خلقتها حرب الخليج الثانية أدت إلى عدم التزام بها. في حين أن تجربة السودان مع جنوبه تتعلق بالاختلاف حول بنود العلاقة التعاقدية بين النظام السياسي والقوى الفاعلة داخل أقليات منطقة جنوب السودان.

5- التكوين القسري للدولة القطرية في العالم العربي (أزمة الدولة القطرية)و بعد انهيار الحكم العثماني للعالم العربي قامت قوى الاحتلال البريطانية والفرنسية بتقسيم العالم العربي إلى كيانات قطرية؛ لذا فعملية نشوء هذه الكيانات القطرية العربية تمت بشكل قسري، ولم يتم جعل الحدود السياسية للدولة القطرية متجانسة مع الحدود الثقافية والاجتماعية أو العرقية أو القبلية والعشائرية؛ بمعنى آخر استقطبت الدولة القطرية مجتمعات غير متجانسة بل متصارعة أحياناً عرقياً أو طائفياً أو عشائرياً أو مذهبياً، وهذا التكوين أو النشوء القسري لكيانات قطرية جعل من الدول العربية القطرية في بعض الأحيان مهيأة “تلقائياً” ومرتعاً للصراعات عند توفر أجواء سياسية واجتماعية ـ اقتصادية بالإضافة إلى بعض العوامل الأخرى التي أشير إليها لاحقاً، مثل الدكتاتورية السياسية والصراعات القبلية.

6- غياب “الضابط الحضاري” عند الاختلاف

فإن “التعددية في كل المجتمعات سمة إنسانية، سواء أكانت “التعددية” عرقية بأشكالها المختلفة من اللون أو الأصل أو الجنس والعرق، أو تعددية ثقافية دينية، أو تعددية قبلية وعشائرية، والتي تؤدي فيها اختلاف العادات والتقاليد والخصائص المحلية للشعوب دوراً أساسياً. كما أن هناك اختلاف في الأديان، أو المذاهب في الدين الواحد. فالتعددية هي أصل في المجتمع الإنساني ومنها المجتمع العربي؛ حيث يقول سبحانه وتعالى “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”. والسؤال المحوري هنا، هو كيف نجعل من التعددية في المجتمع العربي/ الدولة القطرية “تنوع” ، وجعل العلاقة بين فئات وطوائف وأعراق المجتمع المختلفة (في العالم العربي أو بين الحضارات) علاقة “تعارف” و “تعاون” (وتعاونوا على البر والتقوى)، بدلا من علاقة “هيمنة” أو “اضطهاد” ومن ثم تطورها إلى علاقات . وبمعنى آخر نجعل الاندماج لطوائف وأعراق المجتمع المختلفة اندماجاً حضارياً وليس قسرياً. ومن هنا فإن مفهوم “الضابط الحضاري” هو السلوك الإيجابي تجاه التعددية، وبمعنى آخر هو السلوك الحضاري عند الاختلاف مع “الآخر” سواء من حيث الاستعداد لـ “الاعتراف” أو “قبول” وجود الآخر أو قبول التعايش مع “الاختلاف” الفكري أو السياسي أو العرقي أو الديني مع الآخر. وفي نفس الوقت، الوصول إلى حل الصراعات مع “الآخر” في المجتمع من خلال الوسائل السلمية بدلاً من وسائل العنف والقوة المادية أو المسلحة. وفي الواقع، فإن غياب هذا “الضابط الحضاري” في علاقات طوائف المجتمع العرقية أو الدينية تجاه بعضها البعض في الدولة القطرية العربية، أو في علاقة الأقليات و القبلية مع السلطة السياسية في الكيانات القطرية العربية، أدى إلى العديد من الصراعات المسلحة في عدد من الدول العربية وفي مقدمتها الصومال.

7- دور “النخبة” في النظام السياسي أو الأقليات أدت النخبة السياسية أو العسكرية أحياناً دوراً في داخل بعض الدول العربية على “غربة” الدولة سياسياً وثقافياً عن مجتمعاتها. حيث مارست دوراً في إيجاد طبقة ثقافية وسياسية “مستغربة” وبعيدة عن الطبيعة الثقافية والحضارية الذاتية للمجتمع العربي والإسلامي. مما أوجد فجوة أو بيئة “تضاد” و”نفور” ما بين السلطة السياسية الحاكمة من جهة، وما بين أفراد المجتمع ذي الارتباط العفوي والتلقائي مع حضارته العربية الإسلامية.

كما تؤدي النخبة السياسية والثقافية للأقليات هي الأخرى تعد بمثابة قادة التوجيه والتأثير أو النفوذ في سلوك الأقلية السياسي، ومن هنا فإن طبيعة مواقفها وسلوكها كان يؤدي إلى “التعايش” أو “الصراع” ما بين الأقلية والدولة القطرية العربية التي تستقر فيها. حيث كان يغلب على هذه النخب السياسية والثقافية “الارتباط الخارجي” و”الولاءات الخارجية”، وتنفيذ مصالح دول خارجية أو قوى دولية، في أحيان كثيرة كانت هذه الدول ذات طبيعة عدائية لبعض النظم العربية الرافضة لمطامع ومصالح هذه القوى الخارجية، وربما كانت هذه المطامع الخارجية على حساب المصلحة العامة للأقليات والدولة القطرية معاً، والشواهد على نحو هذه العلاقات المشبوهة كثيرة في العالم العربي، وهذه الأجواء والارتباطات الخارجية والتنافسات كانت تنعكس على شكل عنف وسلوك صراعي ما بين “الأقلية”، و”دولة الأغلبية” وربما بين الدولة والقبيلة التي ترى أن النظام القائم ظالم في حقها، وأنه قائم لصالح بعض الفئات أو القبائل دون أخرى، وأن التمثيل القومي سقط من قاموس الدولة، وأن الوقت قد حان لتمثل نفسها بنفسها كما حدث في الصومال.

ثانياً: العوامل الخارجية

إن العوامل الخارجية سواء الإقليمية أو الدولية كانت ومازالت لها دور قوي ومؤثر أو فاعل في الصراعات الداخلية العربية، إلا أن نجاح وتأثير هذه العوامل الخارجية في نمو الصراعات الداخلية العربية لم يكن ليتم لولا وجود العوامل الداخلية للنزاعات في الدول العربية؛ فالأصل هو قابلية البيئة الداخلية للتفاعل السلبي مع المؤثرات الخارجية. ويمكن تلخيص أهم العوامل والأسباب أو المحركات الخارجية المؤثرة في الصراعات الداخلية العربية بما يلي:

الدور السلبي للاستعمار الغربي على العالم العربي والآثار الوخيمة التي تركها من خلال تقسيمه إلى دويلات

2- اضطراب الأمن الإقليمي، والصراعات العربية ـ العربية

3- التنافس بين القوى الدولية حول النفوذ في العالم العربي إبان الحرب الباردة،

4- الدور الصهيوني والصراعات الداخلية العربية بين التطبيع، والمقاطعة من السبعينات إلى الوقت الحاضر.[3]

وعلي حد قول الكاتب الأمريكي الصهيوني الهوى توماس فريدمان‏,‏ فإن فشل الدولة الوطنية في العالم العربي خلق مناخا خصبا للتدخلات الخارجية بهدف التقسيم والتفكيك، و يقول فريدمان أن هدف التدخل الخارجي ، وخاصة الأمريكي هو إيجاد حلول نهائية لظاهرة الدولة العربية الفاشلة المفعمة بعوامل عدم الاستقرار وعلي الأخص ظاهرة الإرهاب فهو يري أن السبب الأساسي في ظهور الدولة العربية الفاشلة أنها نشأت وفق حدود لم تراع الخصوصيات الاجتماعية المكونة لها‏,‏ وضمت العديد من الأعراق والطوائف المتعارضة والمتصارعة‏,‏ والحل هو إعادة تقسيم هذه الدول إلي دويلات طائفية وعرقية تحظي بدرجة عالية من الانسجام والتوافق العرقي والطائفي‏.

وإذا كانت المؤشرات السياسية قد تضمنت‏:‏ فقدان الدولة لشرعيتها‏,‏ والتدهور المتفاقم في خدمات القطاع العام‏,‏ وتعليق تطبيق حكم القانون‏,‏ وانتهاك حقوق الإنسان‏,‏ وعمل أجهزة الأمن كدولة داخل الدولة‏,‏ وصعود النخب الطائفية‏,‏ فإن المؤشرات الاجتماعية تضمنت الضغوط الديمغرافية ‏(‏ السكانية‏)‏ المتصاعدة‏,‏ أي الزيادة السكانية العالية والمطردة‏,‏ والتحركات الكثيفة للاجئين‏,‏ والكوارث الإنسانية‏,‏ وميراث الجماعات العرقية الساعية للانتقام‏,‏ كما تضمنت المؤشرات الاقتصادية‏:‏ التطور الاقتصادي غير المتكافئ في المجتمعات العربية بصفة عامة ، وفي داخل كل دولة منها، وعلي الأخص الفجوة الهائلة والمتسعة بين الأغنياء والفقراء‏,‏ والتدهور الحاد في الأوضاع المعيشية‏,‏ وانسداد أي فرص لتحسين تلك الأوضاع‏.‏[4]

إن الصراعات الداخلية أو الأهلية العربية ذات طبيعة معقدة أو مركبة فهي ذات طبيعة سياسية واجتماعية- قبلية واقتصادية وثقافية ودينية، بأبعاد داخلية وخارجية، وكذلك ذات امتدادات تاريخية ومن هنا فإن أسباب ومحركات الصراعات الداخلية العربية تتداخل مع هذه الطبيعة المركبة بكل جوانبها وأبعادها المشار إليها.

الفصل الثاني

المبحث الأول: أسباب الانهيار للكيان الصومالي:

انهار النظام السياسي في الصومال وله أسباب عديدة منها ما هو داخلي وهو الأهم ومنها ما هو خارجي وهو أيضاً لا يقل أهمية من الأول إذ هو المؤثر والمؤجج الدائم لاستمرار الفشل الذي دام في الصومال ولعقود إن لم نقل منذ ولادة القيصرية التي لم ترق إلى مستوى طموح الشخص الصومالي، إذ جاءت الولادة ( الاستقلال ) ناقصة من كل النواحي، كما لم ترق أيضاً إلى تحقيق رغبة الأعداء المتربصين للشعب الصومالي، وفي مقدمتهم إثيوبيا التي كانت تطمع، ولازالت تسعى لاحتلال الصومال لأهميته الإستراتيجية، ولتهديده الديني للوجود المسيحي الإثيوبي الذي يسيطر أغلبية مسلمة متخلفة لم تستيقظ بعد من سباتها العميق، والذي تخافه السلطات في أديس أبابا أن يوقظه التدين الصومال، والصيحات الدينية التي تأتي من الجانب الشرقي لإثيوبيا أي الصومال، وكما أن دول الاستعمار حرصت كل الحرص أن تفتت القوة الصومالية وأن لا تجتمع تحت مظلة واحدة.

إذاً نعتبر أن الانهيار بدأ في الصومال قبل أن يولد ثم استمر إلى يومنا هذا، ولكن مر هذا الفشل بمحطات عدة المحطات الداخلية :

1- التجربة الديمقراطية بدون أرضية أو خلفية لنظام الحكم، والتي أدخلت البلاد فوضة عارمة، إذ لم تأخذ الدورة أوالمراحل التي تتطلب ميلاد الأمم أو الدول؛ بحيث لم يكن هناك إلا حركة وحدة الشباب التي كانت تحرك الشعب ضد الاستعمار ولم يكن لها هيكل إداري ديمقراطي ذو أسس ثابتة، وبعد الاستقلال أصبح كل يعتمد على خلفيته القبلية.

2- أن الدولة الفتية في الصومال بعيد الاستقلال دخلت الصراعات القبلية بأغطية مزيفة من الأحزاب السياسية، ولكن في حقيقة الأمر قبلية بل عشائرية.

3- لم يكن الشعب الصومالي الرعوي مؤهلاً ولا مدركاً لما تتطلبه الدولة الحديثة، من كوادر بشرية، وموارد مادية، وتفان في العمل والإخلاص.

4- بدأ النظام السياسي في بكورة عهده المحاصصة القبلية بالمناصب الحكومية، بغض النظر عن الكفاءة والتناسبية أي الرجل المناسب في المكان المناسب.

5- جاءت القبيلة الصومالية بكل ثقلها تطلب الحكومة ما لا طاقة لها من مطالب توظيفية وامتيازات مالية، وغيرها بسبب دورها في التحرير أو مكانتها من القبائل الأخرى، والتي ترى كل قبيلة أنها هي المركز ولابد أن يتناسب هذا المركز العوائد التي تحصلها من الدولة، وإلا فلا قيمة لوجود دولة لا تلبي مطالب القبيلة، طبعاً مطالب غير عادلة من كل ناحية.

6- الفقر الذي هو السمة الغالبة للشعب الصومالي، حيث يعتمد هذا الشعب بتربية المواشي ثم الزراعة الذين لا يفيان لحاجات القائمين عليهما فضلاً عن الشعب بأكمله، لأن الطبيعة الصومالية قاحلة وتعتمد على الأمطار الموسمية التي يمكن أن تقل هطولها ثم يترتب عليها نقص في المياه والمراعي، وهو ما كان يسبب أكثر الحروب القبلية في الصومال، والتي لم تنته آثارها إلى يومنا هذا والفقر من أهم الأسباب في فشل الدولة الصومالية.

7- الجهل حيث كان الجهل يشكل النسبة الكبيرة من أبناء الشعب الصومالي، وخاصة قبل الاستقلال إذ لا تتجاوز المدارس بعدد الأصابع، ولا يوجد جامعات، وبعد الاستقلال لم يوجد المؤهلون لملئ المناصب أو الوظائف بسبب قلة الكوادر، وهذا سبب أن يتقلد المناصب أناس لا يفهمون بل أبناء البادية أصبحوا يتربعون بمناصب عليان خاصة من الجيش والشرطة وغيرها، وهذا في دوره خلق تنافس القبائل على المناصب العليا للجيش، ومناطق النفوذ.

8- التشتت الأيديولوجي وعدم الوضوح في الرؤية السياسية لدى قادة الصومال، وهو ما نتج عنه التناقضات السياسية ، والتحالفات الخارجية الغير المدروسة، مرة إلى المعسكر الشرقي والأيديولوجية الماركسية – اللينينية، العلمية ومرة أخرى إلى الرأسمالية الغربية وبدون تثبت ما يؤل إليه البلاد من جراء هذه التخبطات السياسية، وردة الفعل الشعبي خاصة عند طبق النظام القوانين الماركسية، وخاصة جانبها العقدي الهدام للأسس الدينية في مجتمع كله ينتمي إلى الدين الإسلامي، وهذا ما فصم وأفصل بين الشعب والدولة، وخاصة بعد أن أعدمت كثيراً من العلماء الذين عارضوا تطبيق الماركسية في المجتمع المسلم، وخاصة الأمور الاجتماعية والدينية، مثل الميراث، وتعدد الزوجات والمساواة بين الرجال والنساء، ونعني المساواة السلبية، وليست الإيجابية لأن الجنسين متساويان في الحقوق والواجبات الدينية والدنيوية إلا بعض الاستثناءات البسيطة، ومعظمها لصالح المرأة .

أما المحطات الخارجية التي أدت إلى نهاية وانهيار الكيان السياسي الصومالي هي:

1- دخلت الصومال حروباً متعددة باتجاهات أو بأعداء متعددين الحرب ضد إثيوبيا حول إقليم الصومال الغربي الذي ما زال تحت الاحتلال الإثيوبي، وهذه الحرب وخاصة حرب 1977م والذي خاضت الصومال ضد قوى عظمى بل ضد كل العالم الغربي شرقه وغربه وفي أثناء الحرب الباردة بين المعسكرين إلا أنهم وفي هذا الموضوع نحوا جانبا عن خلافاتهم البينية لإنقاذ إثيوبيا المسيحية ثم الاشتراكية عن الغزو الإسلامي الصومالي فكانت هناك مقولة مشهورة من أحد ساسة الغرب أنقذوا الكنيسة الإثيوبية من المسجد الصومالي، بعد أن امتدت المعارك إلى مشارف محافظة العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في بداية عهد الرئيس منجستو هيلا ماريام بيد أن إثيوبيا وبدعم من أمريكا والاتحاد السوفياتي السابق قامت سنة ١٩٧٨م هجوماً مضاداً دخل بجانبها قوات سوفيتية وكوبية وألمانية شرقية ، واليمن الجنوبية وليبيا، واستعادت كل أراضيها بهذا الدعم الغير المحدود عسكرياً ومالياً وسياسياً إذ أجبر النظام الصومال الانسحاب من إثيوبيا خلال أربع وعشرين ساعة ، وإذا لم تستجب الصومال المطالب الدولة بالانسحاب فإن عاصمة الصومال مقديشو تسقط بيد القوات السوفييتية والمتحالفة معها خلال ساعات من انتهاء المهلة المحددة، ودب الخلاف والفوضى في صفوف الجيش الصومالي بل حتى أعلى قيادة للدولة، بين رافض بتنفيذ هذه الدعوات الصادرة من قوى متنفذة في العالم، وبين من ينصاع لها وبدون أي تأخير، وأصبحت هذه الحرب قاسمة ظهر الصومال، إذ لم يعد كياناً سياسيا متماسكا بعد خروجها من هذه الحرب، حيث تفكك جيشها وتمرد على النظام وحاول الضباط مرارا الانقلاب على النظام العسكري الذي كان يقدوه جنرال محمد زياد بري، وكان تمرد الجيش على أسس قبلية نحتة، وهو ما تطور إلى ما نشاهده اليوم في الصومال.

ولقد وقفت دول العالم العربي إلى جانب الصومال في سعيها لاستعادة حقوقها المشروعة، وخاصة الجمهورية العراقية، ومصر وسوريا، ثم السعودية بمستوى أقل، ولكن كما هو الحال في كل مشروع عربي فشلت الصومال في تحقيق ما سعت إليه بل خسرت سيادتها وكيانها فضلاً عن أن تستعيد باقي أراضيها وخسرت معها الأمة العربية.

والحرب ضد فرنسا لاستعادة إقليم الصومال الفرنسي (جيبوتي حالياً) والحرب الدبلوماسي ضد بريطانيا حول منطقة N.F.D في شمال كينيا قبل استقلال الأخيرة، ثم حرباً مسلحة ضد كينيا بعد استقلالها من بريطانيا عام 1963م وهذه الحروب هي التي قضت الصومال وأوصلت كل هذا الفشل تقريباً.

2- السياسة الخارجية الصومالية لم تكن واعية في الغالب، وكانت متهورة نوعاً ما وخاصة قيما يتعلق المحيط الإقليمي، أو الدولي الذي تؤثره مصالح مختلفة، لابد وأن يكون صانع السياسة الخارجية في وعي كاف منها، وأن يكون ملماً لما يسبب له بعض المواقف التي يأخذها وإن كان لها طابعها الداخلي، فلم يكن صانع القرار السياسي في الصومال، يعي ما يحيطه في البيئة الخارجية، وأن ما يوجه إلى كسب ثقة الشعب الداخلي أو إيجاد الشرعية والقبول الداخلي أن تكون القراءة مختلفة في الخارج وخاصة في إثيوبيا.

3- طبق بعض الإملاءات الخارجية وخاصة الإصلاحات الاقتصادية من صندوق النقدي الدولي والبنك الدولي من خلال ما يسمى برنامج التكيف الهيكلي، وهو ما أوصل الاقتصاد الصومالي إلى طريق مسدود بل انهيار تام قبل اختفاء أثر الحكومة.

إذا فالدولة الصومالية كانت منهارة وفاشلة منذ بدايتها ولكن بمراحل ثم جاء الانهيار المدوي في عام 1991م برحيل الجنرال زياد بري بعد انهيار المؤسسات الحكومية لضعف هياكلها ثم كثرة الحركات المتمردة في كل إقليم من أقاليم البلاد بطوله وعرضه، وانفلات المؤسسة العسكرية من أيدي المخلصين للدولة لصالح مخلصين للقبيلة، والمصلحة الفردية.

المبحث الثاني: الآثار الاقتصادية على الشعب من انهيار الدولة الصومالية

لقد تدهور الاقتصاد الصومالي ورغم أن البلد كان فقيراً إلا أنه ازداد فقرا على فقره وهناك أسباب عدة في مقدمتها غياب الموزع (السلطة) لأن بدون توزيع عادل لا تستقيم الحياة ومن أهم روافد التوزيع ، التوزيع الإسلامي عن طريق الزكاة ولكن كل شيء ضاع ومنها حقوق الفقراء والمساكين ، ومن الأسباب عدم الاستقرار لأن كلما تكونت ثروة ما لدى بعض الأفراد من المجتمع تحدث بعض الاضطرابات فتنهي كل شيء ومنها السواق التجارية وغيرها من أسس الحياة.

ومنها أيضاً عدم تصدير الماشية إلى الخارج وخاصة إلى السعودية في السنوات الأخيرة، بأسباب يعلمها المتابع المهتم!!! : ( بعض الدول المتقدمة أثارت لدى بعض الدول العربية أن الغنم الصومالي مصاب بأمراض، لتسويق منتجاتها من الماشية وقامت الدول العربية بحظر استيراد الغنم الصومالي، ولم يكن لهذا الخبر أي أساس من الصحة، وحدث كساد كبير من الماشية لم يعرفه التاريخ الصومالي له مثيل… والقصة طويلة ولها فصول عدة ) وكذلك قلة الإنتاج الزراعي مما يهدد معظم الصوماليين بالمجاعة بسبب الأوضاع المضطربة في المناطق الخصبة للزراعة في الجنوب، وكثرة النازحين إليها.

المبحث الثالث : مشكلة اللاجئين والنازحين

على كل إنسان أن يتخيل نفسه واقفاً على الحدود، ذلك الخط الغير المرئي الذي يفصل بين قوانين دولة وأخرى، والذي إذا عبر ستتغير حياته ربما إلى الأبد ولكن فقط إذا عبره. وهناك مئات الآلاف، إن لم يكن الملايين، الذين يجبرون على أن يسلكوا هذا السبيل سنوياً والصوماليون أكثر من تجرع من هذا الكاس المرير المر.

وهؤلاء لا يمثلون سوى جزءٍ من لاجئ العالم البالغ عددهم 22 مليون لاجئ، تلك الجموع البشرية، التي يقترب تعدادهم إذا ما تم تجميعهم في مكان واحد، من تعداد كندا أو كينيا.

ولأن اللاجئين يواجهون، لدى وصولهم إلى أماكن غريبة عنهم، الجوع، والتعب، والإذلال، والحزن، فعادة ما ينصب اهتمامهم الأول على رعاية أنفسهم، وفي المقام الأول البحث عن طعام ومأوى. ثم تضيع هويتهم، وتنطمس معالمهم القومية المميزة. وخاصة عند ما تنعدم الكرامة الإنسانية لدى آلاف من البشر البائسين، ذات تأثير مأساوي على مناحي الحياة.

وتعتبر الصومال أكبر دولة من حيث عدد اللاجئين والنازحين؛ حيث تضم الصومال النسبة الأكبر من اللاجئين في العالم؛ فهي تحتوي على حوالي ثلث سكانها إما لاجئين في الدول المجاورة أو الدول الغربية أو النازحين في داخل الأراضي الصومالية وهي أعلى على مستوى العالم، ومن بين الدول العشرين المصدرة للاجئين و تحتل قمة هذه الدول وتنبع أهمية تناول تداعيات الحرب الأهلية في الصومال من حقيقة هامة مفادها أن هذه التداعيات قد تكون في حد ذاتها سبباً وعاملاً من عوامل إطالة أمد الصراع في الصومال. وتتعدد تداعيات وآثار الصراع الأهلي في الصومال، ومن أبرز هذه الآثار: تفاقم مشكلة اللاجئين والنازحين، والتي لا تجد حتى المساعدة الإنسانية، لطول الأمد على المنظمات الخيرية، وعدم أمل لوضع حد لهذه الأزمة، بل كلما يظهر في الأفق نوع من الانفراج لهذه الأزمة، يدخل عامل جديد يبعد أكثر ويضيع الأمل معها، وأصبح اللاجئون في الشتات بحالة ميئوسة من العودة إلى بلدهم.

ومن الآثار الاجتماعية للصراع الصومالي ظاهرة تجنيد الأطفال في الصراع المسلحة الدائر فيه منذ عقدين، إذ يشاهد في الصومال أطفالاً دون العاشرة من عمرهم يجوبون الشوارع مدججين بالأسلحة النارية ويجيدون استخدامها ولا يكترثون أي شيء، كذلك انتهاكات حقوق الإنسان المنتشرة في الصومال وفي مقدمتها الاغتصاب على الفتيات أمام أولياء أمورهن الذين يعجزون أن يقدموا لبناتهم أدنى مساعدة وإن حاولوا فمصيرهم المحتوم هو النهاية، ومن أثار الحرب الأهلية في الصومال إمكانية انتقال الفوضى للدول المجاورة فيما يعرف بأثر العدوى.

وسببت ظاهرة اللاجئين مشكلات عدة على الصومال ومنها الآثار الاجتماعية:

1-تدهور الحالة الاجتماعية للمجتمع الصومالي وخاصة الأخلاقيات العامة ومنها الحياء والحشمة.

1- التفكك الأسري المخيف، وتحلل الأواصر المتينة للأسرة الصومالية .

2- التجرؤ على تعاطي المخدرات والمسكرات بسبب التأثر السلبي للمجتمعات المسيحية لدول اللجوء مثل إثيوبيا وكينيا.

وهناك عدد من الدراسات التي تناولت موضوع اللاجئين وأثارهم السياسية والاجتماعية والبيئة وحتى الدينية ، ولكن لا يسعنا التناول لمحدودية دراساتنا وإمكانية تخصيصنا لدراسة أخرى حول هذا الموضوع في المستقبل وخاصة الآثار السلبية من اللاجئين أو النازحين أو أي تجمع بشري عشوائي وكيف تنهار جميع القيم الأخلاقية مثل هذه التجمعات القسرية.

المبحث الرابع: فشل الدولة وأثره على التعليم في الصومال:

تأثرت المؤسسات العامة بأكملها من الصراع الدائر في الصومال منذ عقدين، ومن المؤسسات التي انهارت ثم امتد أثار غيابها على جميع الفئات الاجتماعية في الصومال هي المؤسسة التعليمية، لأنها من أهم المرافق التي كانت تغذي المجتمع الغذاء الروحي لأن العلم هو نور الحياة وبدون مؤسسات تعليمية فإن الجهل يقتل الكل، والتجربة حاضرة في الوسط الصومالي، إذ معظم ما يحدث في هذا البلد المنكوب من أبنائه الجهلة، الأميين، لأن غالبية من يحملون الأسلحة هم من مواليد نهاية الثمانينات والتسعينات أي الذين لم يتعلموا ، وإن كان من بينهم من تعلم فهو من أصحاب المصالح من خلال الفوضى والاقتتال، وفقد الصومال الموارد البشرية بسبب نزيف العقول الذي تتعرض للقتل والاغتيال، وهروب المتعلمين والمثقفين إلى الخارج للنجاة بأنفسهم والبحث عن مصادر جديدة للرزق بعيدة عن وطنهم التي دمرتها الحروب الأهلية.

وتكبر الخسائر على الشعب الصومالي يوما بعد يوم لفقد الكوادر العلمية في الصومال حتى أن هناك من يعزوا إلى ما يلاقونه من قتل واغتيال أنه يهدف إلى التهجير وتطهير الصومال من كل المثقفين والمتعلمين وهو عمل ممنهج ومنظم من قوى إقليمية ودولية، وبيد عصابات صومالية مرتبطة بالخارج تم الكشف عنها، ولكن ليس باستطاعة أحد أن يوقف، وفي السابق كان المستهدفون بالدرجة الأولى هم الضباط الوطنيون الذين لم يتورطوا الحروب القبلية، ونأوا أنفسهم من كل الأحداث الدامية في الصومال، وبقوا بولائهم للوطن، وليس للقبيلة، أما المستهدفون الآخرون كانوا الأطباء، وكل رموز العلم أو العقل والمكانة الاجتماعية بشرط أن لا يكون من أنصار القبلية، الذين يدقون طبول الحرب المجنونة.

هذا في السابق ولكن دخل في المعضلة الصومالية، وخاصة ما بعد المحاكم الإسلامية ما يسمى بزعماء الحرب الإسلامويين ، وصوبوا بنادقهم على العلماء، والمفكرين والمتعلمين والضباط السابقين على حد سواء، والآن دخلت المشكلة الصومالية نفقاً أعمق وأظلم من النفق الأول وباسم الدين أيضاً، ولا تسأل عن الأثار السلبية التي تسببت الحروب على الجانب التعليمي، ويحتاج لمبحث خاص وممكن لمجلد كامل بما خلفت هذه الحروب الغير الهادفة من كوارث في مقدمتها كارثة الجهل التي سمحت بشعب مسلم من أن يقتل الكل الكل، أو تكفر جماعة بباقي المسلمين لتستحل دماءهم، والطامة الكبرى عند ما تعلم أن هذا الغي يزداد يوما بعد يوم، ويتجذر في المجتمع، ولا منقذ في الأفق إلا الله سبحانه وتعالى.

المبحث الخامس: فشل الدولة الصومالية وأثره على أمن المياه الإقليمية للصومال

القرصنة : الأسباب والحلول:

وكما هو معلوم فإن عددا كبيراً من الغواصات الحربية الغربية والآسيوية تجوب في المياه الصومالية ليلاً نهاراً بحجة محاربة القراصنة، ولم تردع هذه القوة من اختطاف السفن من القراصنة الصوماليين بل تصاعدت وتيرة الاختطاف بعد التدخل الأجنبي ، ويوجد في الوقت الحالي في المياه الإقليمية للصومال 150 سفينة حربية ، وينهب 25 مليون طن من السمك سنوياً، وتمر 20 ألف سفينة تجارية ومن خلال المياه الصومالية يمر 60% من النفط للعالم.[5]

إن قضية القرصنة في الصومال قد حظيت في الآونة الأخيرة بتغطية إعلامية عالمية بوجه عام وفي وسائل الإعلام للدول العربية المطلة على خليج عدن والبحر الأحمر بوجه خاص فما من قناة أو إذاعة تفتح إلا وتسمع منها خبرا عن القراصنة الصومالية، ناهيك عن الجرائد التي يحتل الموضوع أعلى صفحاتها. وبدأت ظاهرة القرصنة البحرية بالبحر الأحمر وخليج عدن تأخذ أبعادا جديدة بعد أن استفحلت وتسارعت معدلاتها في الفترة الأخيرة وزادت أعداد السفن المختطفة وأحجامها بشكل بات يهدد الملاحة العالمية .كما أثارت عمليات القرصنة البحرية مخاوف متزايدة لما لها من تأثير مباشر على حركة التجارة الدولية عبر تلك البحار وعبر قناة السويس بالإضافة إلى ما قد تجلبه معها من كوارث إنسانية وبيئة في القرن الإفريقي.

وهناك حديث عن وجود مؤامرة دولية تشارك فيها أمريكا وإسرائيل للحصول بموطئ قدم بشكل رسمي في منطقة البحر الأحمر، (البحر العربي) وأن هناك أطماع غربية أمريكية وراء تلك الظاهرة.

ويوجد حاليا في خليج عدن عدد كبير من الأساطيل الحربية الأمريكية والأوربية والآسيوية بهدف معلن هو ” حماية السفن التجارية لهذه الدول من القرصنة الصومالية المتزايدة ” وهو ما يقابله قلق عربي من خطر تدويل البحر الأحمر الذي تسعى إليه هذه الدول بحجة مكافحة القرصنة .أن تسيطر عليه وهو ما كانت تبحث عنه دول الغربية، ومن قديم الزمان أن تحصل موطئ قدم في هذه المنطقة.

وكل هذه المستجدات والمخاوف الدولية بشأن ظاهرة القرصنة الصومالية مما يستوجب البحث عن حقيقتها وأسبابها كما تتطلب البحث عن أفضل الوسائل لمحاربة تلك الأعمال المخالفة لقانون البحار و إيجاد حلول لهذه المشكلة. وأولي من يقوم بمهمة البحث عن موضوع القرصنة الكتاب الصوماليون لأنهم أعرف بخلفيات وبأهم الأسباب الباعثة لأعمال القراصنة حسبما قيل :”أهل مكة أدرى بشعابها” وكذلك البحث في سبل المواجهة والخطوات الواجب إتباعها لتأمين المصالح الدولية في المنطقة عموما ومصالح الدول المطلة للبحر الأحمر وخليج عدن خصوصا بما يتناسب مع خطورة القراصنة على الأوضاع الأمنية والعسكرية وما يتبعها من مردود اقتصادي بالغ السلبية على دول المنطقة.

ولذلك حاول الكاتب الكشف عن بعض الأسباب الحقيقية وراء هؤلاء القراصنة وعن ماهيتهم كما يطرح الكاتب أفضل الحلول والبدائل في نظره لاحتواء المشكلة.

أولا : من هم القراصنة وما مركزهم الاجتماعي في أوساط المجتمع الصومالي ؟

وجدير بالتنبيه قبل الإجابة عن هذا السؤال أن القرصنة البحرية موجودة في سواحل كثير من دول العالم وفي كثير من الممرات البحرية العالمية، ولكن الذي يعنينا في هذا المقام هم القراصنة الصوماليون خاصة والتي أثارت القلق العالمي في الوقت الراهن بعدما وقفت أمام التجارة الدولية وعرقلت سير السفن البحرية في منطقة خليج عدن والبحر الأحمر.

وبعد فإن القراصنة في الصومال يتكونون من عدة أصناف من شرائح المجتمع الصومالي:

1- الصيادون الحرفيون : وهم يمثلون أكثر عدد القراصنة في الوقت الحالي وهم الشباب الذين كانت تقوم حياتهم على صيد سرطان البحري( كركندي) والسمك من مياه السواحل القريبة للبر فعندما نضبت أعداد سرطان البحري بسبب فوضوية الاصطياد الدائم في العقدين الماضيين

وبسبب الصيد الجائر والغير الشرعي واستمرار نهب الثروة البحرية من قبل السفن الأجنبية في المياه الساحلية الصومالية ،وكل ذلك مما أدي إلي فقدان الدخول والعائدات المالية والتي كانت سيحصل هؤلاء الصيادون من تلك الثروة فبدءوا يوجهون قواربهم إلى خطف السفن وحملوا عليها السلاح وبجميع العتاد التي تمكنهم بأعمالهم الخطفية وذلك للحصول علي لقمة العيش. وبدأ الأمر بخطف السفن الأجنبية والتي تمارس الصيد الجائر انتقاما منها ثم امتدت العملية إلى السفن التجارية والسياحية والتي تمر عبر بحار المنطقة.

2- والصنف الثاني الذي يمارس أعمال القرصنة فهو أعداد من الشبان والرجال والذين تلقوا التدريب بتمويل من قبل بعض السياسيين وبعض التجار المحليين وذلك بغية الدفاع عن السفن الأجنبية والتي تمارس سرقة الثروة البحرية و الصيد الجائر في المنطقة بمقابل عمولة أو أجرة محرمة يحصلها هؤلاء السياسيون والتجار من قبل الشركات الأجنبية والتي تمتلك تلك السفن.

فبعد انتهاء مهمة الدفاع بانتهاء عملية الصيد أو بهجر تلك السفن من المنطقة بسبب المخاوف التي تحيط بها أو بأي سبب آخر ووصل هؤلاء المدرّبون إلى بر الأمان فبعد نفاذ الأجرة التي حصلوا عليها من تلك السفن وواجهتهم مرارة البطالة بدءوا يفكرون بممارسة الأعمال الإجرامية ضد السفن البحرية بدون تمييز ولديهم خبرة في استخدام الأسلحة والقتال من متون القوارب وسط مياه البحر ضد السفن المراد خطفها.

3- وهناك أعداد هائلة من شباب أهل البوادي ورعاة الإبل عندما سمعوا من الإذاعات الأموال الباهظة والعائدة للقراصنة من عملية خطف السفن هرعوا إلي السواحل طلبا للمشاركة في العملية ورغبة الحصول على بعض الأسهم من تلك الأموال.

4- وهناك صنف آخر من القراصنة لما استعصت عليهم طرق المعاش بسبب ضآلة فرص العمل في البلاد اتجهوا إلي عمل القراصنة وهذا الصنف يري نفسه كأنه مضطر إلي هذا العمل.

ثانياً: ما هي الأسباب لهذه الظاهرة ؟

هناك عدد من الأسباب ساهمت في إفراز القرصنة البحرية في الصومال، وهي مبررات لدى بعض الصوماليين، ومن أهم تلك الأسباب:

1- غياب السلطة القادرة علي مواجهة القراصنة في الصومال. وعلما بأن أعمال القراصنة كانت موجودة منذ انهيار الدولة الصومالية إلا أن الغرب سلط الأضواء على القرصنة الصومالية وبأسباب يعلمها هو ثم يدرك المتابع الماهر أيضاً، رغم أن القرصنة وجدت مناخا مناسبا، ومرتعا خصبا لممارسة عملياتهم، وبتشجيع من الغرب لخطف السفن في المياه المحيطة بالقرن الإفريقي ، واستعصاء طرق المعيشة وضآلة فرص الحصول على العمل في كثير من المناطق أدّى ذلك إلى نشوء آلاف من الشبان يستوي لديهم الموت والحياة إما أن يحصلوا علي لقمة العيش وإما أن يموتوا دونها.

فالسلطة ظاهرة حتمية لحياة المجتمع الإنساني، ولذلك يرى الباحث إلى أن أهم الأسباب والتي ولّدت القراصنة هي غياب حكومة قوية وفاعلة تقدر ضبط الأمور في الأراضي الصومالية.

2- أن بعض المواطنين، وخاصة القوات البحرية الصومالية السابقة يرون مثل هذه الأعمال نوعا من الدفاع للوطن من النهب والهجمة الشرسة التي تقومها الشركات الغربية، وحتى الأسيوية.

ولأن كثيراً من هذه الشركات تنصب مصانع تعليب الأسماك فوق سفنها والتي ترسوا في السواحل الصومالية وتصدر الأسماك إلى الدول العربية وغيرها بأسماء مستعارة من الشركات العالمية للأسماك، وتشير بعض التقارير أن بعض الدول العربية تشارك بهذا النهب جنباً إلى جنب مع الشركات الغربية.

” تقول إحدى الدارسات الأجنبية التي نشرت في موقع (معهد المصائد البحرية): ” إنه في عام 1991، وبعد نشوب الحرب الأهلية، أجبرت المصايد الصومالية على الانهيار، حيث أغلقت كل أعمال الصيد تقريباً، ما ترك أكثر من 20000 صياد مع عائلاتهم من دون عمل، وترك أماكن الصيد في خطر، حيث باتت عرضة للصيد غير القانوني، ومكاناً ملائماً للدول الصناعية كي تتخلص من المخلفات الصناعية الخطيرة، ما هدد البيئة بشكل خطير”.

وتضيف الدراسة أن ” سفن الصيد الأجنبية سافرت آلاف الأميال نحو المياه الإقليمية الصومالية، باحثين عن الأسماك المشهورة في المنطقة، كالدرفيل والقشر والتونا وسمك السيف وقرش الرنجة، وخيرات وكنوز المحيط الهندي الثمينة الأخرى”.مشيرة إلى أن بعض السفن كان لديها مهمة أخرى، وهي إفراغ شحنات المخلفات الخطرة في تلك المياه، على بعد كيلومترات قليلة من السواحل الصومالية. تاركة المكان مهدداً بخطر حقيقي قد يظهر في أي وقت ، وهو ما حدث بالفعل نهاية عام 2004م.”[6]

“”وكما ذكرنا سابقا فإن عمليات القرصنة بدأت بخطف السفن الأجنبية والتي تمارس الصيد الجائر في المياه الإقليمية الصومالية بقصد الانتقام منها وكذلك السفن التي تفرغ النفايات السامة في السواحل البحرية للصومال، ثم امتدت إلى جميع السفن التي تبحر في المنطقة . ومن الأسباب التي أسهمت في زيادة أعمال القراصنة وشجعتهم على ممارسة هذا العمل إسراع الشركات المالكة للسفن المختطفة وأهالي المختطفين إلي دفع فدية باهظة للخاطفين وذلك بغية تحريرهم من الأسر في أسرع وقت ممكن.

3- وتلك الرغبة الشديدة في إسراع إنقاذ الطواقم المختطفة ودفع ملايين دولارات للقراصنة والتي تمثل كمكافئة لهم أدّت إلى تزايد ملفت في أعداد القراصنة، وشجعت الكثير من الشباب العاطلين في التوجه إلي البحر لممارسة عملية القرصنة ضد السفن الأجنبية ولاسيما الشباب المدمنين لأكل شجرة القات المخدرة ( نبتة تمضغ في كل من اليمن والصومال وجيبوتي وإثيوبيا وتمنع المملكة بدخول أراضيها، لأنها تصنف نوعاً من أنواع المخدرات) والتي تمثل من أعظم المصائب المشجعة للفوضى في أوساط الشعب الصومالي، ومن المؤكد أن الجزء الأكبر من الأموال المحصلة بطريق القرصنة ينفق في هذه الشجرة المخدرة ، وتستخدم القراصنة بتلك الأموال أيضا في شراء أسلحة ثقيلة وقوارب سريعة السّير بما يؤدي إلى رفع قدراتهم في اختطاف السفن والاستمرار في أعمالهم المشينة”” .[7]

4- التدخل الأجنبي المستمر في الصومال: فمنذ انهيار الحكومة المركزية الصومالية عام 1991م وبعد ضعف المناعة من الشعب الصومالي في الدفاع عن سيادته ووطنه والتي اعتادت عدد من الدول بالتدخل في شؤونه الخاصة له وذلك لتحقيق مصالحها في هذا المجتمع، وشمل هذا التدخل بجميع أشكاله سياسيا وعسكريا واقتصاديا، ابتداء من التدخل الأمريكي في عام 1992م وانتهاءً بالتدخل السافر و الأخير للقوات الإثيوبية في أواخر عام 2006 م

وخلقت تلك التدخلات المستمرة والأعمال الوحشية التي تقوم بها تلك الدول ضد المجتمع الصومالي أنواعا من السلوكيات السلبية عند كثير من أبناء هذا الشعب ونشأت فيه روح اللامبالاة والكراهية لكل ما هو أجنبي، ويرى الكاتب بأن تلك السلوكيات السلبية أثارت عددا من الأعمال الإجرامية عند الشباب الصوماليين ومنها عملية خطف السفن الأجنبية كما تكثر الاختطافات ضد عمال الإغاثة والصحفيين الأجانب والتي تجري في كثير من المناطق في الصومال.

وفي النهاية نقول : أن الحروب لا تورث إلا المشاكل والمآسي وأحقاداً تزرع بين المتحاربين تبقى دفينة عبر الأيام والأزمان، لذا تبقى الارتكابات على حالها والظلم مكانه حيث زرعته القوى الظالمة إنها عوامل دفينة في أعماق الشعب تكافح يوماً لإزالتها، ولا يمكن أن يستمر الحال ويحلو لبعض عتاة المصلحيين المناورين تغطية الجرائم باسم الإسلام وفي ذلك الكذب بأعمق أعماقه وبأغنى دجله وتدجيلا ته، والإسلام بريء من الدعاوي الكاذبة التي تباح بدماء الأمة، ولا توجه السهام إلى مستحقيها إن كانت هناك نية لإحقاق الحق وإبطال الباطل.

وأخيراً لا بد من القول: “آه أيها الصومال كم من الجرائم ترتكب باسمك

الخاتمة:

نرى أن هذه الدراسة حققت نوعا من النجاح والمصداقية من حيث المبدأ إذ أننا قد توصلنا إلى إثبات فرضيتنا أي فرضية الدراسة الرئيسة حيث كان افتراضنا كالتالي:

  • أنه كلما تنامي دور القبيلة تزايد الفشل في الدولة الصومالية.
  • وأنه كلما زادت التدخلات الخارجية زاد الفشل في الحياة السياسية في الصومال.
  • وهذا ما توصلنا إليه من أن الصومال مقسمة بين القبائل، وأن دور الدولة قد اختفى أو لم يعد له أي أثر يذكر، وأن كل النماذج أو المؤشرات للدولة الفاشلة تحققت في الصومال سواءً المؤشرات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والأمنية وسوء التوزيع للفرص العامة على المواطنين من معيار الكفاءة والأصلح ، ثم الحركة السلبية للهجرات واللجؤ، وعدم الاستقرار الاجتماعي، والميراث العدائي بين القبائل، والأعراق, والطوائف، وغياب التنمية، ومستوى الفقر المنتشر، وانعدام المساواة، وفقدان شرعية الدولة، وغياب القانون, وتدخل دول خارجية في شئون الدولة بما في ذلك التدخلات العسكرية، كل هذا حاصل ومتوفر في الصومال؛ لذا أصبحت ليس فقط دولة فاشلة بل أفشل دولة في تاريخ الدول!.

(قائمة المراجع والمقالات)

1- الصومال وجذور المأساة الراهنة الدكتور علي الشيخ أحمد أبو بكر،1992م، دار ابن حزم، بيروت.

2- التدخل الدولي في الصومال، الأهداف والنتائج، الدكتور محمد أحمد شيخ، 2005م مركز الراصد للدراسات،الخرطوم.

3- انهيار الحكومة المركزية في الصومال؛ مجموعة من الكتاب، مركز الدراسات الإفريقية، الخرطوم.

4- الصومال بين حياتين الحياة القبيلة وبناء الدولة عبد العزيز المهنا، الطبعة الأولى 1992م، الرياض.

5- القبيلة وأثرها في السياسة الصومالية، في الفترة 1960-1997م، محمود يوسف موسى، دار جامعة إفريقيا العالمية للطباعة والنشر.

6- الصراع الأهلي في الصومال، سلسلة الدراسات المعاصرة، عبد الله شيخ محمد عثمان، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، 2000م

7- إشكالية الصراع في القرن الإفريقي ودور اليمن في بناء السلام،( قراءة في التطورات الراهنة في القرن الإفريقي والحالة الصومالية).

8- الحرب ضد القبلية وشرورها في بلادنا في جمهورية الصومال، وزارة الإعلام والإرشاد القومي 1983م المطابع الحكومية- مقديشو.

9- أمن القرن الإفريقي ، البروفسير صلاح الدين عبد الرحمن الدومة، مطبعة جي تاون – الخرطوم ،2005م.

المجلات والجرائد:

مجلة المستقبل العربي الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية.

مجلة السياسة الدولية ، الأهرام المصرية.

مجلة المجتمع الكويتية.

مجلة شؤون عربية التابع لجامعة الدول العربية.

جريدة الشرق الأوسط اللندنية.

جريدة الحياة اللندنية.

الوطن السعودية.

الجزيرة السعودية.

مواقع الانترنت :

– 1- http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/

– 2-www.aljzeera.net /http

– 3-http://www.ikhwanonline.com/Article.asp?ArtID=34295&SecID=270

– 4-http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=4382&bk=1

– 5- http://articles.somaliws.com/

– 6-www.somalitoday.com

– 7- www. Hiiraan.com

– 8http://www.al-waie.org/is s

– 9 http://www.alriyadh.com/2007/11/09/article29

– 10 http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=11095

– 11 – http://ar.wikipedia.org

– 12 – http://www.hornafricaonline.net

-13- http://www.hizb-ut-tahrir.info/arabic/index.php/polycomment/single/3048/

14- http://www.saudionfocus.com/ar/news/117/ARTICLE/3178/2008-10-16.html

15- ://somaliatodaynet.com/news/index.php?option=com_content&task=view&id=4733&Itemid=2

16- http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=copy&sid=88942

---------------- هوامش -----------------------
  1. ttp://www.rnw.nl/ar/% []
  2. ‏ د‏.‏ محمد السعيد إدريس، مشروع إعادة تقسيم العرب‏..‏ وأمل الوحدة، الأهرام القاهرة.بتصرف

    http://www.ahram.org.eg/archive/2007/7/9/ p []

  3. بتصرف محمد السعيد إدريس، مرجع سابق []
  4. نفس المصدر السابق بتصرف

    ‏/www.ahram.org.eg/archive []

  5. من إذاعة BBC القسم الصومالي. []
  6. http://almoslim.net/node/85622 []
  7. http://somaliatodaynet.com/news/index.php?option=com_content&task=view&i بتصرف []

10 تعليقات

  1. ماشاء الله تقرير ممتاز جمع كل اعراض فشل دولة الصومال وكيفية الخروج منها
    ومعروف عند جميع الصومالييين ان القبلية الجاهلية هى مركز مشاكل الصومال ومع ذلك يوجد بعض الصوماليين يتمسكون به كانها ستدخلهم الجنة
    الطريقة الوحيدة لمحو القبلية من الصومال هو تعليم الشعب كله واشعال حب الوطن فى قلوبهم
    ان شاء الله يتم الاستفادة من هذا التقرير للذين يريدون ان ينخرطوا فى سلك السياسى فى الصومال ويكونوا وواعيين ومثقفين لمشاكل الصومال وطرق حلها

    لكن حاليا الحكومة شريف مازلت تتبع نفس خصصات القبلية فى توزيع الوظائف الحكومية المؤثرة ومازالوا يتوقعون النجاح كيف ينجحون والقبلية هى سبب مشكلة والحكومة تثبتها وتحشرها فى سياسة وكل هذا لارضاء اطراف القبلية ولا احد يهتم بمصلحة العامة للصومال ولهذا حكومة شريف او حكومات القادمة المنتخة فى الخارج لن تنجح فى تغير اى شئ فى اوضاع المزرية فى الصومال

    لك الله يا الصومال الله يحميك ويعجل من اشراق شمسكـ

    شكرا لكاتب التقرير
    جزاك الله كل خير
    واسمح لى بنشر التقرير وباسمك لعدة مواقع ومنتديات صومالية حتى يستفيد منها الصوماليين ويعرفوا سبب فشل دولتهم

    • شكراً لنعيمة أحمد وكل من يحذوا حذوها واستسمح منها بكل هذا التأخر لطلبها بشر المقال لأني لم انتبه ردها الذهبي وحسها الراقي المزوج بالشعور الوطني ورفضها عن المحاصصة المقيتة للمناصب الحكومية، واطلالها على عورات الصومال وسعيها الحثيث لسترها والخروج من محنتها.
      شكراً لنعيمة والشكرموصول لكل مسلم غيور قومي وطني صومالي لا تعميه القبلية ، أما من حيث النشر هذه الدراسة فنعم وبكل رحابة صدر ينشر في موقع يستفيذ منه الصوماليون وهذا شرف لنعيمة قبل الكاتب.
      والسلام عليكم ……………………………….

  2. أعوذ بالله من شر القبيلية وسمّها القاتل التي المت بنا وأعمت أبصرانا ردحا من الزمن حيث لا نري الّا بعين قبيلية مريضة ولا نفهم الإ بقلب سقيم اصابته عاهة آفتها ولا نفكر الإ من خلال شعور وفكر يآس حطمته القبلية … سبحان الله لماذا يا أخ عبد النو لا تري الا من خلال عين اليأس لماذا لاتفهم كل هذا البحث الإ هذه الجملة أم لديك مشكلة قبيلة مع الكاتب وتريد أن تجشنا كل وتدفع بنا جميعا نحوه لكي نعاديه من خلال السمك القبلية القاتلة .. كفا للكذبا ياصومال أوقفوا الخرّافة وتقدموا

    • تحياتي لك أخ الفاضل وانصافك ووصفك الوافي لما تستاهل القبلية من أوصاف نتنه ، ولا يستقيم حال الصومال ما لم نقيم المواضيع والظواهر بعين الحياد وهذا ارشادك لنا كصوماليين وشكراً
      …………………….

  3. دراسة تحليلية ومفيدة، وواقعية في نفس الوقت، ولكن اسم الصومال الغربي الذي ورد في الدراسة، غير معروف لدى مراكز البحث العلمي الاقليمية والدولية وكذا في خرطية العالم، وفي أورقة المنظمات الدولية والاقليمية غير ملف وزارة الخارجية الصومالية، وقوله إن بعض الكتاب يستخدمه اسم أوجادين هو وصف غير علمي وغير دقيق، واعتقد أن كاتب التقرير ليس بمأمن عن المؤثرات القبلية، أو القصور في البحث العلمي، ولابد من الانتباه لمثل هذه الثغرات الكبيرة

%d مدونون معجبون بهذه: