تركيا والقرن الإفريقي في ندوة بالمعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن

في الثامن والعشرين من يونيو، عقدت ندوة في المعهد الملكي للشؤون الدولية ” شاتام هاوس”، حول تركيا والقرن الإفريقي. اشترك فيها السفير دافيد شين، الأستاذ المساعد في العلاقات الدولية في جامعة جورج واشنطن، والأستاذ سرحات أوراكس، المدير المسئول عن افريقيا في مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية، وجاكسون موسلي، الزميل المشارك في برنامج إفريقيا في شاتام هاوس. وقد ترأس الجلسة السيد جيهين جير مالك، مدير مؤسسة الإغاثة الإسلامية الذي أدارها بكفاءة واقتدار. وحضر المناسبة جمهور عريض من الباحثين والمعنيين بشئون القرن الإفريقي والصحفيين من مختلف الجنسيات، من بينهم عدد من المراسلين الأتراك لوسائل الإعلام التركية.

تناول المحاضر التركي سرحات أوراكس في البداية العلاقات التركية الإفريقية، وكيف أنها تطورت باطراد منذ عام 2095 ، وشملت كافة المجالات، وأصبحت الآن عدد السفارات التركية فيها 35 سفارة، وهي تنطلق من مفهوم استراتيجي يهدف إلى تبادل المصالح التجارية والإقتصادية، ويصب في مصلحة تحقيق التطلعات التركية لكي تكون قوة إقليمية، وكذلك في الحصول عل التأييد في المحافل الدولية. وهي علاقات متكافئة وتحقق المصلحة المشتركة للطرفين. وتندرج العلاقات التركية الصومالية في هذا السياق، إلا أنها أكثر خصوصية وتميزا بحكم العلاقات الثقافية والتاريخية والجيوسياسية التي تربط بين البلدين، ذلك أن تركيا تنظر إلى القرن الإفريقي وشمال إفريقيا من منظور استراتيجي حميمي بسبب الجوار الجغرافي وآفاق التعاون الوثيق الذي يوفره هذا المحيط المتميز.

ثم عرج على العلاقت المعاصرة بين البلدين منذ زيارة رئيس الوزراء التركي رجب أردوغان لمقدشوة، وأشاد بالجهد الذي بذله لحشد وتعبئة الشعب والمؤسسات التركية لتقديم العون الإنساني للمتضررين من المجاعة في الصومال، وكيف أن تركيا دعت إلى عقد مؤتمر لدول التعاون الإسلامي الذي نجح في تخصيص خمسمائة مليون دولار لمحاربة القحط والمجاعة والقضاء على جذور الأسباب التي تؤدي إليهما، وكيف أن المؤسسات التركية المتخصصة في المجال الإنساني والتعاون الدولي تعمل بهمة ونشاط لتحقيق برنامج طموح لمساعدة الصومال في الوقوف على قدميه في المشاريع التنموية والصحة والتربية والتعليم وتنمية المياه وحفر الآبار وتنمية الموارد البشرية وتطوير القدرات الزراعية، ناهيك عن الخطوط الجوية التركية التي ربطت الصومال بالعالم، وأخرجته من عزلته الدولية.

وأشار إلى الدور القيادي البارز لتركيا في تنظيم مؤتمر استنبول الدولي الثاني الذي استهدف من بين ما استهدف تكوين رؤية مشتركة دولية والتنسيق في دعم العملية السلمية وتحقيق الوفاق الوطني والخروج من المرحلة الإنتقالية وبناء الدولة ومؤسساتها وقواتها المسلحة والأمنية، والشروع في عملية إعادة البناء والتعمير والتنمية الإقتصادية واستثمار الموارد الطبيعية للبلاد.

وتطرق إلى الإنتقادات التي توجه إلى الدور التركي، فقال إن هناك عدم ارتياح من عدم تقديم المساعدات إلى كل من صوماليلاند وبونت لاند، وأن التذمر انتشر من تفريغ المدارس والمعاهد من طلابها نظرا الى توجههم للإستفادة من المنح التركية دون تخطيط مسبق مع الدوائر التعليمية المعنية.

وفي الختام، أبدى المحاضر أسفه من انتشار الفساد وعدم وجود حكومة فاعلة، وهو الأمر الذي يشكل عقبة كأداء أمام تقديم المساعدة والتقدم والتنمية.

أما جاسون موسلي، فإنه لم يضف جديدا يذكر، وإنما تكلم عن الوجود التركي في إثيوبيا وأهميته، وقال إن المساهمة التركية في عملية التنمية فيها كبيرة والتبادل التجاري بينهما واسع. وأبدى قلقه من التلميحات التي ترددت عن محاولات تركيا التوفيق بين حركة الشباب والحكومة الفدرالية الإنتقالية، وعن الإتهامات الموجهة إليها بتقديم المساعدات إالى هذه الحركة، كما استفسر عن نوع المساعدات المقدمة إلى الأطراف الصومالية المختلفة في مجال بناء القدرات.

وقد رد عليه الخبير التركي، بأن تركيا لم تحاول رأب الصدع بين الحكومة وحركة الشباب، وأنها وإن كانت لا تحبذ تسييس المساعدات الإنسانية، لم تفكر في تقديم المساعدات إلى المناطق الخاضعة للشباب، وإنما بعض المنظمات الخيرية الأهلية التي تلقت مساعدات إنسانية تركية، بمبادرة من تلقاء نفسها، ودون إيعاز من أحد، وعلى مسئوليتها قامت بتحويل المساعدات إلى المناطق الخاضعة لحركة الشباب.

وعن رده على سؤال بناء القدرات، فقد قال أنها تشمل تنمية المهارات في الإدارة والمحاسبة والتنظيم وتدريب الكوادر وفي جمع التبرعات.

أما مداخلة البروفسور دافيد شين، القادم من واشنطن خصيصا للمشاركة في هذه الندوة فإن أغلب ما قاله يدخل في باب العموميات المعروفة للجميع، وأشار إلى أن الإستثمارات التركية في إيثيوبيا كبيرة، وأنها أهم وتشكل أضعافا مضاعفة من استثماراتها في السودان، وأضاف بأن تركيا لا تقيم سفارات في إرتريا وجيبوتي، وهو مؤشر ينم عن عدم وجود علاقات اقتصادية وسياسية ذات شأن معهما، وأن العلاقات التركية الإيثيوبية أهم وأضخم من العلاقات التركية السودانية، واستطرد ان الإستثمارات التركية في إيثيوبيا أهم من مثيلتها في الصومال، ولذلك فإنه من الطبيعي أن تتعاون تركيا مع إيثيوبيا وتنسق معها فيما يتعلق بالشأن الصومالي، ولن تقوم بتصرف يقلقها. وأخيرا، قال إن المساعدات التركية التي تتدفق في الصومال سخية وتشمل كل القطاعات بدون استثناء وقد فاق كل حد وتصور، بدرجة تثير االاندهاش والإنبهار، مستشهدا بتعليق من وزير صومالي اجتمع به في واشنطن الذي قال” أن هذا الدعم من الضخامة والتنوع والسخاء ما يفوق الخيال”.

وقد نفي المحاضر التركي، ما قاله البروفسور شين بشأن وجود تماثل في المصالح مع إثيوبيا، أو وجود أي تنسيق بين الطرفين في الشأن الصومالي، وأردف أن هناك تباين واختلاف في الرؤى في نقاط كثيرة من بينها الموقف من الصومال. ففي الوقت الذي تؤيد فيه تركيا بدون تحفظ وحدة القطر الصومالي وسيادته ووحدته الإقليمية، فإن إيثيوبيا تؤيد الإنفصال. وقد حدث التصادم معها عندما عارضت إيثيوبيا عقد مؤتمر استنبول الدولي الثاني، وحاولت الضغط على الأطراف الصومالية المختلفة بعدم المشاركة فيه.

وتجدر الإشارة إلى أن موضوع العلاقات التركية الصومالية يحظى باهتمام الدوائر الغربية، ويعكس توجسا وقلقا من أن يغير الدور الدور التركي في الصومال قواعد اللعبة التي كان الغرب يمارسها محتكرا وحده، طيلة العقدين الماضيين.

تعليق واحد

  1. سعادة السفير المحترم، الصومال اصبح أرضا تختبر فيه كل قوي اقليمية أوعالمية مدي فعالية سياستها الإقليمية أوالدولية وارضا لتصفية الحسابات.. هذا ما فعله الروس ومصر والقذافي واثيوبيا. الظروف الأمنية والسياسية التي نعيش فيها تحتم علينا أن نقبل بكل ما يأتينا من الخارج سواء بالاكل والقرارات والمنح الدراسية وإن كان الثمن التي سندفعها باهظا.. لا اظن أن النوايا التركية ودوافعها مختلفة تماما عن تلك التي كانت تحرك الاتحاد السوفيتي، ومايحرك اليوم ايران وامثالها.. تلك النوايا ليست نابعة من الأخوة الإسلامية ولا بمساعدة المحتاجين لاجل الله واحسبات الأجر منه..
    اليس من الاجدر أن ننظر كل القوي الاجنبية التي تتهافت الي وطننا بعين الريبة الشك لكي نقلل من الصدمة التي قد تصيبنا بعدما نكتشف أن الاخ التركي (وامثاله) ليس ألاخ المهاجر أو الانصار في زمن الرسول صلي الله عليه وسلم بل هو انتهازي يجري وراء مصالحه الاقتصادية أو السياسية..
    شكرا السعادة السفير واقدم اعتداري اليك إن كان كلامي غير لائق أو خارج الموضوع.

%d مدونون معجبون بهذه: