حوار خاص مع الدكتور محمد حاج المراقب العام الجديد لحركة الإصلاح في الصومال

تمهيد:

اختارت الحركة الإسلامية في القرن الأفريقي (الإصلاح) الدكتور محمد شيخ أحمد محمد (محمد حاج) مراقباً لها بعد سنوات من الخلافات الداخلية استمرَّت ست سنوات، وكادت أن تعصف بالعمل الحركي برمته.

 

د.محمد حاج مع كبار رجال الحركة (صورة ارشيفية)

د.محمد حاج مع كبار رجال الحركة (صورة ارشيفية)

ويأتي انتخاب الدكتور محمد حاج- وهو أكاديمي صومالي ومحاضر سابق بجامعة إفريقيا العالمية بالسودان – في ظل أوضاع حركية معقَّدة يفرضها واقع العمل الحركي بمنطقة القرن الإفريقي، أضف إلى حالة الفلتان الأمني التي تشهدها الصومال مؤخراً، مع عوامل أخرى جعلت اختياره ضرورياً، ومن أهمها حاجة ” الإصلاح” إلى شخصية تتمتَّع بكارزيما دعوية تمهِّد الطريق لجمع الصفِّ تحت مظلة العمل الدعوي الجامع.

و”اختيار الدكتور محمد حاج بداية جيِّدة نحو عمل حركي مُثمر في منطقة القرن الأفريقي” – كما يقوله المتابعون للشأن الحركي في الصومال – على الرغم من أنه سيباشر تركةً صعبة تتمثل في تصحيح مسار حركة حرّفها القيادات السابقة، وتعرَّضت لموجاتٍ من الانشقاقات المتكررة أفقدت الحركة توازنها المنضبط.

ضمن سلسلة “ حوارات الإصلاح من الداخل” التي تنشرها شبكة الشاهد الإخبار ية يتحدث الدكتور محمد حاج – في حوار خاص للشبكة – عن ظروف اختياره مراقباً عاما لحركة الإصلاح، ويقيّم مبادرة دمج جناحي الإصلاح، كما أنه يتحدث عن أسباب الانشقاقات المتكررة داخل الصف الإخواني، وما هي رؤيته للخروج من المأزق الحركي؟ وغيرها من المواضيع المهمة وذات صلة بالعمل الإخواني بمنطقة القرن الإفريقي.

وفيما يلي نصُّ الحوار:

الشاهد: في البداية نرحب بك في شبكة الشاهد، ونسألكم عن ظروف اختياركم للمسؤولية الجديدة في حركة الإصلاح في الصومال؟.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: في البدء أشكر شبكة الشاهد على استضافتها، وأشيد بدورها في الاهتمام بالقضايا العامَّة التي تحظى باهتمام القراء والمتابعين.

أما الإجابة عن سؤالك فمعلوم أن حركة “الإصلاح” حركة إسلامية وطنية إصلاحية كما هو ظاهر من اسمها، تأسست عام 1978م، وهي في الأساس حركة دعوية تربوية ظلت تعمل منذ ذلك الحين في إصلاح الشأن المجتمعي العام بمختلف مجالاته: الدعوية والتربوية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها، وقد أنجزت من ذلك الكثير، والشعب الصومالي يشهد لها بذلك، وبخاصة دورها في مجالات: التعليم، وإنشاء المدارس والجامعات، والمصالحة الوطنية في أبعادها الاجتماعية والسياسية، والعمل الخيري الإنساني في السنوات العجاف التي مرَّت بالشعب الصومالي بعد نشوب الحرب الأهلية.

وعلى الرغم من أن حركة الإصلاح كانت من أطول الحركات والأحزاب الصومالية عُمراً، وأكثرها تماسُكاً وتوحُّداً، وأقواها تنظيماً وإدارة إلا أنها لم تستعص على نَيل حظِّها من حالة الصوملة التي أصابت البلاد، وكشأن معظم الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي دبَّ إليها داء الخلاف وتسرَّب بغضّ النظر عن الأسباب والمسببين؛ إذ قد تختلف في ذلك وجهات النظر وتتعدد، لم يكن ذلك الخلاف – في رأيي في كل الأحوال – عصيَّاً على الحلِّ، إن توافرت القيادة الرشيدة، والإدارة الحكيمة، والرغبة الأكيدة، إلا أنه وقع المحظور، وحلّ الانقسام بعد اليأس من محاولات التصحيح والتقويم الداخلي ولمِّ الشمل لدى قطاع واسع من أبناء الحركة، يشمل مراقبين سابقين وقيادات عليا ووسيطة وقاعدة عريضة، مما استدعى عَقد مؤتمر حاشد حضره مندوبون من كافة المناطق والقطاعات المختلفة في ديسمبر 2007م وتم في نهاية المؤتمر الإعلان عن “حركة الإصلاح الإسلامية في الصومال” واختيار قيادة جديدة بعد عزل القيادة القديمة وتعديل اللائحة في مؤتمر مكة المكرمة عام 2007م.

وفي الوقت الذي شكَّل هذا الحدث منعطفاً مهماً في مسيرة الحركة ومرحلة فاصلة في عمرها كان لبعض الإخوة اجتهادٌ آخر يتمثل في إمكانية التصحيح والمعالجة الداخلية مع إقرارهم بكل المشكلات التي حلَّت بالحركة، مع قلَّةٍ ترى أن الدنيا بخير،! وأن الحركة في أحسن أحوالها ولاترى المنادين بأهمية المراجعة والدعوة إلى تصحيح المسيرة إلا مجموعة من المشاغبين والمتساقطين وأن الحل السِّحري في التعامل مع هؤلاء يكمن في فصلهم من الحركة على غرار الأنظمة الدكتاتورية التي تتضاءل الحشود الغفيرة من الثوار في أعينها وتصغر حتى تسقط أنظمتها وتنهار، فأصبح هناك إصلاحان: قديم وجديد، أو ما عرف شعبياً بـ”الدم القديم” و”الدم الجديد”، أو على غرارا ما يعرف في الأوساط السياسية بـ”التيار المحافظ” و”التيار الإصلاحي”.

ولم تمض شهور عدة، وتحديداً في شهر أغسطس من عام 2008م عند ما حان موعد انتخاب قيادة جديدة داخل “التيار القديم”، حتى بدت تتكشف ملامح الأزمة ومعالم المشكلة لدى القطاع الذي كان يؤمِّل في الإصلاح الداخلي، حيث تمَّ إعادة المسلسل السابق من جديد: شللية، ونقاش حاد، وعرائض، ولجنة لتقصّي الحقائق …إلخ إلى أن نضجت القناعة لدى معظم مَن كان يشكّل “التيار القديم” – بما فيه القيادات التاريخية للحركة، وعلى رأسهم الشيخ الوالد المؤسس محمد أحمد نور المراقب العام الأول للحركة – واتخذ القرار في صيف عام 2012م بضرورة قطع هذا المسلسل المعاد، وبتر القيادة التي أدَّت بالحركة إلى هذا المآل، وفصلها من الحركة هذه المرَّة، وليس الاكتفاء بعزلها من الإدارة فقط كما في المرة السابقة، مع التأكيد على أن الأسباب هي نفسها التي أدت إلى عزل القيادة في مؤتمر مكة آنذاك 2007م، والإقرار بريادية ذلك المؤتمر في التصحيح والتغيير.

وهنا زالت الأسباب التي أدَّت إلى الانقسام والانفصال، وتوافرت أسباب الوئام والوصال، وبرزت موجبات الوحدة والوفاق لكل ذي بصيرة وحسن طويِّة، فتم الإعلان المبدئي عن الوحدة بين جناحي الحركة في أبريل عام 2013، ولم يبق إلا إزالة الحواجز النفسية التي تكونت وملأت الفراغات في فترات الانقطاع، والتهيئة لإعادة الوحدة والانداماج الكامل بمجموعة من الإجراءات والمناشط انتهت بالمؤتمر العام الذي عقد في شهر أغسطس المنصرم في مقديشو العاصمة، والذي شارك فيه أكثر من مائتي مشارك كممثلين لأعضاء الحركة في الداخل والخارج، وقد تمخص المؤتمر عن:

• تشخيص وضع الحركة والأسباب الحقيقية التي أدت إلى الأوضاع التي تردت إليها في الفترة السابقة، ووضع الحلول الناجعة والوصفات الدقيقة لتجاوز تلك المرحلة.

• توحيد جناحي الحركة بعد إذابة أسباب الخلاف والخصام، وبروز أسباب الوفاق والوئام.

• تحديد معالم وموجهات المرحلة القادمة، والتي يجب على الحركة الاهتداء بها للنهوض بدورها في المجتمع، وإعادة سيرتها الأولى.

• اختيار قيادة المرحلة الجديدة، حيث اختار المؤتمر العام أعضاء مجلس الشورى، والمراقب العام، ورئيس مجلس الشورى.

الشاهد: كيف تقيم الوحدة التي تمت بين جناحي حركة الإصلاح، والأجواء التي سادت في المؤتمر العام المنعقد في مقديشو نهاية أغسطس المنصرم؟.

الوحدة بشكل عام مطلب إنساني، وغاية كل الشعوب والأمم، وهدف كل الأحزاب والمنظمات والدول، ووحدة العاملين للإسلام، قبل هذا مطلب إسلامي وفريضة شرعية، وضرورة تمليها الظروف والأوضاع الراهنة التي تعمل فيها وتواجهها على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، أما الوحدة التي تمت بين جناحي حركة الإصلاح “القديم” و”الجديد” فلها طعم خاص؛ إذ كانت مع هذا وذاك مطلب القيادة والقاعدة، وأمنية الحادبين على أمر الحركة، وقد ذكرت أنه لم يكن منها بُدٌّ ولا مفرٌّ، لتوافر الأسباب الموجبة لها، وزوال الموانع وذوبان الجليد.

ولكي تقوم الوحدة على أسس سليمة، وقواعد متينة ومحكَّمة لم يتم الإعلان عنها على عجل، رغم إمكانية ذلك وسهولته، ولكن استغرق العمل على ترسيخ أركانها وتوطيد دعائمها نحو عام كامل، ظلت تعمل فيه لجان مختلفة شُكِّلت لهذا الغرض على عدد من المحاور، أحدها: التنسيق بين المواقف على مستوى القيادة العليا، والثاني: التنسيق بين المناشط على مستوى الإدارات الفرعية والقاعدة، تمهيداً لتجسيد الوحدة عملياً وإذابة للحواجز النفسية، والثالث: العكوف على دراسة كل الملفَّات والقضايا التي كان من شأنها أن تتعدد فيها الرؤى، وتختلف فيها وجهات النظر، دراسة معمقة وموسعة، حيث تمت دراسة كل ملف في أربع مراحل: إعداد التصور بواسطة لجنة متخصصة أولاً، ثم إخضاعه للمناقشة في ورشة عمل موسعة ثانياً، ثم في لجنة أخرى لدراسة أوفي وأوسع لصياغة الخيارات التي يمكن عرضها على المؤتمر ثالثاً، ثم في المرحلة الرابعة والأخيرة مناقشته في المؤتمر والخروج بقرارات محددة تجاهه.

ولهذا كانت الأجواء السائدة في المؤتمر بالإضافة إلى كونها مفعَّمة بالحماس والأخوَّة والصفاء: الشفافية والوضوح والمصارحة في مناقشة الأوراق والقضايا التي تناولها المؤتمر، والتي كان من أبرزها: تشخيص أسباب المشكلة وتوصيف العلاج بشكل عام، ثم بشكل مفصل في قضايا: التربية والدعوة، السياسة والإعلام، العلاقات، المؤسسات والمال، الإدارة والنظم واللوائح، والدعوة في المهجر.

وحتى لا يتوهم البعض أن هذه مجرد ادِّعاءات برَّاقة فإنني أبشر القراء الكرام بأن الحركة بصدد تحرير كتاب يتضمن هذه الدراسات ومقررات وتوصيات المؤتمر يتم توزيعه للجهات المعنية أولاً، ثم ينشر لاحقاً حتى يكون في متناول الجميع توثيقاً للتجربة وتعميماً للفائدة؛ إذ إن حركة الإصلاح لم تعد شأناً خاصاً يهمّ مجموعة معينة من الناس، بل هي شأن عام يهم المجمتع الصومالي، ومن حقه متابعة مجريات الأمور فيها عن قرب.

الشاهد: بعد انتخابكم للمنصب الجديد أصدر جناح علي باشا بياناً صحفياً بأنه ليس هناك وحدة تمت بين حركة الإصلاح والدم الجديد، ما تفسيركم لهذا التصريح. وهل مازال هناك خلاف بين حركة الإصلاح في الصومال يحتاج إلى معالجة جذرية؟.

في البدء أؤكِّد لك أن مسيرة توحيد جناحي حركة الإصلاح، وطيِّ صفحة الخلاف إلى الأبد قد تم تدشينها بأسس نراها سليمة ومتينة إلى درجة كبيرة، وفي تقديرنا أن هذه الأسس نجحت في إقناع السواد الأعظم من أعضاء حركة الإصلاح بضرورة تجسيد الوحدة والوئام ونبذ الخلاف والفصام، وقد تمثل ذلك في مقررات المؤتمر العام المشار إليه آنفاً، وما تبعه من موجات الترحيب والتبريك في أوساط الأعضاء في الداخل والخارج بعد عودة الممثلين المشاركين في المؤتمر إليهم، وفي رأينا أيضاً أن هذه الأسس التي وضعت لتحقيق الوحدة كفيلة بإقناع البقية الباقية – التي لم تُتَح لها بعدُ الاطلاع عليها عن قرب، أو مازال ينتابها بعضُ الخوف والتردُّد من إمكانية نجاح التجربة – بعد انطلاق المسيرة وتجسيد هذه المعاني بالعمل والقدوة وحسن الفِعال، لا بالكلام والخصام والجدال إلا بالتي هي أحسن، وهذا ما نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا عليه، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. وإلى أن ييسر الله ذلك لا نجد ضيراً ولا حرجاً في أن يعبر كل أخ عن موقفه ورأيه، سواء بصفته الفردية أو متحدثاً باسم مجموعة تتفق معه في رأي.

الشاهد: هناك بيانات متضاربة تصدر باسم (حركة الإصلاح) من كلا الجناحين، كيف ترون حل هذه الإشكالية بشأن تشابه الأسماء واختلاف المضامين مما يشوش على الرأي العام؟.

في رأيي أن تشابه الأسماء أو تقاربها ليس إشكالية في حدّ ذاته، فما أكثر الأسماء المترادفة ناهيك عن المتشابهة والمتقاربة،! ولعل حرية اختيار الأسماء والألقاب من بين الحريات المكفولة للجميع، مثلها مثل حرية التعبير عن الرأي؛ ولكن المهم هو المضمون، وطالما أن المضامين مختلفة – حسب قولك – فإن الأمر في التقييم والتقويم متروك للرأي العام، وأعتقد أن غالبية الجمهور لديه من الحصافة والفطنة والحنكة والثقافة ما يكفي للحكم السليم والاختيار السديد، كما يفعل عند الإدلاء بالأصوات في الانتخابات. وهذا لا ينفي وجود شرائح يمكن أن تلتبس عليها الأمور، كما توجد في الانتخابات شرائح لديها القابلية لشراء أصواتها، ولكنها بالطبع لا تسمن ولا تغني من جوع.

الشاهد: حركة الإصلاح تنظيم مرتبط بالإخوان الدولي، كيف تقنعون التنظيم الدولي بأنكم التنظيم الإخواني الشرعي في الصومال في ظل وجود جناح آخر منافس لكم في الشرعية الدولية؟.

حسب فهمي المتواضع هناك شرعيتان:

أحدها: شرعية المبادئ والرؤى والأفكار والبرامج والمشروعات التي تحملها الحركة وتعمل من أجل تحقيقها، وهذه الشرعية لها مصدر واحد هو المبادئ الإسلامية والمقاصد الشرعية المستقاة من نصوص الوحي.

والثانية: شرعية القيادة والإدارة، وهذه هي الأخرى تستمد من المؤسسات والهياكل التنظيمية للحركة، واختيار القاعدة لأجهزتها القيادية بالشورى المرتضاة الملزِمة، وفق ما يقرره النظام الأساسي واللوائح الفرعية المجازَة من الجهات المختصَّة.

وماعدا ذلك في نظري يدخل في إطار العلاقات الخارجية التي تربط الحركة بغيرها من الحركات الإسلامية داخل الصومال وخارجها، وفي ظل الأخوة الإسلامية الجامعة ووجوب التعاون على البر والتقوى في كل مناحي الحياة؛ وتلاقي المشروعات المتماثلة وتعاونُها أمرٌ مقرَّرٌ شرعاً وعقلاً وواقعاً، وبحمد الله تربطنا بإخواننا من الحركات الإسلامية والوطنية داخلياً وخارجياً علاقات طيّبة، ولا سيما الإخوان المسلمين.

أما أن تكون هناك شرعية مُجتلَبَةٌ خارجياً لا مكتسبة ذاتياً بل مفروضة محلياً، فلعلَّ ذلك من قلب المفاهيم التي أُسيئَ فهمُها بالفعل كما أُسيئَت ممارستُها، وكان ذلك من أهم الأسباب التي جرَّأت القيادة السابقة التي أدارت عملية تفكيك الحركة وتفتيت مواردها البشرية – كما يرى الكثيرون – على رُكوب رَأْسها والسُّدور في غَيِّها وفي عدم المبالاة بالمعالجات والإصلاحات الداخلية، وتجاهل نصائح ومبادرات المخلصين الحريصين على وحدة الحركة وتماسُكها، وطالمَا أن الشرعية مستوردة فعلياً كما تستوردها الأنظمة الدكتاتورية، فلا غرابة في عدم الاعتداد بمن يملكون الشرعية الحقيقية نظرياً، وبالطبع لا سبيل إلى استردادها إلا بثورة عارمة، وهو ما حدث بالفعل، وكان نتيجة طبيعية، وللثورات والتعامل معها شأن آخر … وحديث آخر ذو شجون…

والمنطق السليم في نظري يقول: إن الأصل في العلاقات الخارجية – قوَّة وضعفاً؛ – أن تأسّس على المكتسبات الذاتية ومدى نجاح أيِّ مؤسسة في مشرعاتها وبرامجها وقوة بنائها الذاتي، والمشروعات الناجحة تتآزر وتتعاون، والطيور على أشكالها تقع،! وعادة ما تنأى تلك المشروعات بنفسها عن التبعية والارتماء في أحضان الآخرين، أما المشروعات الفاشلة فهي التي غالباً ما تبحث عن الشرعية من الخارج تعويضاً عن الشرعية التي فقدتها ذاتياً ومحلياً، وكذلك لا تجتذب مثل هذه المشروعات الفاشلة إلا مشروعات مماثلة لها.

الشاهد: ما هي أبرز معالم استرتيجيتكم في المرحلة القادمة على الصعيدين الحركي والدعوي؟.

يأتي في صدارة معالم استراتيجية المرحلة القادمة على الصعيد الحركي:

أولاً: التركيز على البناء الداخلي وتنظيم الصفوف، والعمل على ترسيخ الانسجام والاندماج الحقيقي، وتوسيع قاعدة الوحدة بالتحاور مع الإخوة الذين التي لم تُتِح لهم ظروفُهم بعدُ الاطلاع على هذه التجربة عن قُرب، أو مازالت تنتابهم بعضُ المخاوف والتردد من إمكانية نجاحها، وإقناعهم بالعمل والقدوة الحسنة وحسن الفعال أولاً، ثم بالحوار الهادئ والمجالة بالتي هي أحسن.

وثانياً: ترسيخ المؤسساتية والشفافية في مختلف جوانب العمل، وتجذير قواعد الشورى الحقيقية في اتخاذ القرارات وفي كل المستويات الإدارية، لبناء حركة إسلامية قوية وقادرة على الاضطلاع بمسؤولياتها وأداء الأدوار المنوطة بها والمرجوة منها، والعمل على سيادة معاني الأخوة والمناصحة والمصارحة التي تجسد مدى عافية المؤسسيَّة الحركية، وفقاً للتوجيه النبوي السديد: (الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم).

أما على الصعيد الدعوي فيأتي في مقدمة الأولويات: إحياء العمل التربوي، والدور الدعوي للحركة داخل المجتمع، بتفعيل دور العلماء والدعاة والمنابر العامة في إصلاح جوانب الخلل المجتمعي، وهو الدور الذي أصابه بعض الوهن في مراحل سابقة من عمر الحركة، وفي رأي الكثيرين أن ذلك كان نتيجة سياسات ممنهجة تعمَّدت تهميش دور العلماء والدعاة، ومن ثمَّ تآكل الدَّور الدعوي والتربوي للحركة، وهو ما أفسح المجال لموجات الانحراف الفكري والتطرف الديني التي اجتاحت البلاد طلاً وعرضاً، وأتت على الأخضر واليابس، وموجات ردِّ الفعل والتطرف اللاديني التي تتبنى الانحراف القيمي والسلوكي ووصم كل ما له صلة بالدين بالتطرف والإرهاب، ووضعت الشعب الصومالي المتدين بالطبع أمام خيارين أحلاهما مرٌّ، إما ترك التدين أو تبني نموذج القاعدة، وهي المعادلة التي يحاول الغرب فرضها على الشعوب الإسلامية لسحب البساط من بروز نموذج الإسلام الصحيح الوسطي الذي يستجيب لأشواقها الإيمانية والحفاظ على أصالتها، ويوائم بين متطلباتها الدينية وحقها في الحرية والعيش الكريم.

الشاهد: كيف تتفاعلون مع دعوات المثقفين الصوماليين بشأن ضرورة السعي إلى توحيد الحركات الإسلامية تحت راية واحدة؟.

لا شك أن توحيد الحركات الإسلامية والقوى الوطنية الأخرى العاملة في الساحة الصومالية مطلب إسلامي ومبتغى صومالي وذو أهمية بالغة؛ لأنها جزء من توحيد المجتمع الذي يعاني من التفكك منذ فترة ليست بالقصيرة، ونحن في حركة الإصلاح نرحب بدورنا كل جهد يصُبُّ في هذا الاتجاه، وعلى استعداد تام لتوسيع قاعدة الوحدة إلى أبعد مدى يمكن تحقيقه، وحريصون جداً على تقوية العلاقات الودّية والأخوية مع مختلف الحركات الإسلامية الأخرى في الصومال، والدخول معها في حوار هادف وهادئ من أجل إيجاد عمل إسلامي وطني مترابط ومتكامل. ولكنني أود أن أسجّل بعض الملاحظات التي ينبغي أخذها في الاعتبار وعدم إغفالها:

الملاحظة الأولى: أن هذه الحركات هي جزء من هذا المجتمع الذي لم يهنأ بأجواء العافية خلال العقود الثلاثة الماضية، وتعاني من كل ما يعانيه المجتمع من أمراض بدرجات قد تتفاوت، تقلّ هنا وتكثر هناك، وتتسع أفقياً هنا ورأسياً هناك، وربما لم يبالغ كثيراً من قال: إن الحركات أصبحت أشبه ما تكون بقبائل أو فصائل صومالية جديدة، لدى كل قبيلة فيما بينها، وبينها وبين القبائل الأخرى ما يكفي من الخلافات والعصبيات؛ وبالتالي فإن الطريق إلى هذا المبتغى ليس بأسهل بكثير من توحيد سائر مكونات المجتمع الصومالي من قبائل وفصائل.

الملاحظة الثانية: أن تجارب توحيد التنظيمات الحركية الصومالية ذات المشارب المختلفة، والتي تمت في العقدين الماضيين، وشملت مختلف توجهات الصحوة الإسلامية في الصومال، ربما أدت إلى نتيجة – قد تتعدد الرؤى في تقييمها – مفادُها مزيد من التصدعات والتشقُّقات لما يشوبها من عقبات في مجملها قد تكون أقرب إلى الشكلية منها إلى الموضوعية، وإلى الشخصية منها إلى الجماعية، وكلها أحجار عثرات يصعب تجاوزها. ولكنها في كل الأحوال تجارب تستحق الدراسة والنقد الموضوعي والإفادة منها للبناء عليها.

الملاحظة الثالثة: الاختلاف سنة كونية ولا يمثل مشكلة أو عقبة دوماً، بل قد يعتبر التنوع غنى وإثراء للساحة، ولا يمكن أن تكون الحياة قالباً واحداً فمثل هذا لاينبغي أن نضيق به ذرعا.

وفي ضوء هذه الملاحظات وبناء على النضج الذي وصلت إليه الحركات والتوجهات الإسلامية بمختلف مشاربها أرى أن النهج الأيسر والأجدى نفعاً والأهم للمصالح العامة هو العمل على توحيد المشروعات وتنسيق البرامج، بدل التركيز على توحيد التنظيمات، والاتجاه نحو تحقيق الأهداف الكبرى المشتركة، بدل الجمود عند الوسائل والآليات، والتعاون على إنجاز مشروعات وطنية وإسلامية في مختلف المجالات. مع ملاحظة توسيع قادة التنسيق لتشمل كافة القوى الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني بشكل عام. وقد أثبتت التجارب نجاحات معتبرة في هذا الصدد خلال خمسة عشرة سنة الماضية، ويمكن أن أذكر على سبيل المثال – لا الحصر – نماذج من هذه المشروعات:

• على الصعيد الدعوي مثلاً: رابطة علماء الصومال سابقاً 2001 – 2008م، والتي تطورت إلى هيئة علماء الصومال عام 2009 – وحتى الآن، وهي الآلية التي نظمت جهود العلماء والدعاة بمختلف توجهاتهم السلفية والصوفية والإخوانية وغيرها لصالح الدعوة والمجتمع.

• وعلى الصعيد الاجتماعي مثلاً: رابطة التعليم النظامي الأهلي في الصومال 1998م، وهي بحق مشروع وطني تضافرت فيه جهود القوى الوطنية والإسلامية، لتحقيق مصلحة عامة للشعب الصومالي وسدَّت فراغاً كبيراً في مجال التعليم.

• وعلى الصعيد السياسي نماذج: مؤتمر عرتة في جيبوتي 2000م، والمحاكم الإسلامية 2006م، وتحالف إعادة تحرير الصومال 2007م، وحكومة الشيخ شريف شيخ أحمد 2008- 2012، والحكومة الحالية برئاسة الأستاذ حسن شيخ محمود 2012- وحتى الآن، هذه كلها مشروعات وطنية إسلامية – قد تختلف وجهات النظر في تقييمها – أسهمت جهود مشتركة بين قوى وطنية وإسلامية متعددة المشارب والتوجهات، ولكن يظل القاسم المشترك بينها جميعاً أنها كانت بقيادة الإسلاميين.

وقد ضمَّنتُ رصداً لهذه المشروعات المشتركة وتقيماً لهذه التجارب في ورقة بعنوان (المشروع الإسلامي ودوره في إرساء دعائم الاستقرار في الصومال)، قدمتُها في ملتقى علماء ومفكري الصومال الذي نظَّمه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في الدوحة، أبريل – مايو 2011م.

الشاهد: هل لك أن تحدثنا عن طبيعة علاقتكم كحركة إسلامية مع الدولة الصومالية برئاسة حسن شيخ محمود؟.

بدأ اهتمام الحركة الإسلامية بالدولة الصومالية منذ نعومة أظفارها، وقَوِيَ مع انهيار الحكومة المركزية في البلاد، حيث قامت الحركة بمشاريع مصالحة سواء العشائرية منها أو السياسية، وكان للحركة الدور الطليعي في مؤتمر عرتة عام 2000م، والذي تمخَّض عن إعادة كيان الحكومة الصومالية إلى الوجود بعد غياب دام عقداً من الزمن، ومروراً بالمحاكم الإسلامية، وتحالف إعادة التحرير، وحكومة الشيخ شريف، ووصولاً للحكومة الحالية، كان للحركة أدوار طليعية وبارزة في كل هذه المراحل.

والحكومة الحالية حكومة وطنية ذات توجه إسلامي معتدل، وتتبنى – إلى درجة كبيرة – القضايا الوطنية العامة بالرغم من كثرة التعقيدات والعقبات أمامها؛ ولهذا تقف معظم القوى الوطنية والإسلامية إلى جانبها في توجهاتها تلك، ونحن في حركة الإصلاح من بين تلك القوى المجتمعية التي تساند الحكومة في توجهاتها الوطنية والإسلامية، وتسعى من أجل تسديد مسيرتها لتحقيق ما يمكن تحقيقه من تطلعات وطموحات المجتمع الصومالي الذي انهكته النكبات لعقود خلت.

أما الإشاعات التي تُروَّج لها في وسائل الإعلام غير المحترفة بأن الحكومة الحالية هي حكومة حركة الإصلاح، وأن غولاً يسمى بـ”الدم الجديد” يتحكَّم في كل شيء في هذه البلاد، فهي أقاويل لا أساس لها من الصحة، ولا تثبت عند إخضاعها لأدنى اختبار؛ إذ إن ذلك يمكن تصوره في حال وجود أغلبية برلمانية لحركة أو حزب معين تتحكم في مصير برامج الحكومة ومشاريعها، أو أغلبية في مجلس الوزراء موثرة على أداء الجهاز التنفيذي، أو حتى في حال كان هناك نفوذ شخصي لأحد المسؤولين عن سلطات الدولة الرئيسة ينتمي لتلك الجهة: رئيس الدولة، أو رئيس البرلمان، أورئيس الوزراء، أو رئيس القضاء، وهذا كله غير حاصل بالنسبة لحركة الإصلاح أو الدم الجديد كما يشاع، وتعلم الجهات التي تروِّج لهذه الإشاعات هذه الحقيقة قبل غيرها، كما تعلم هذه الجهات أيضاً أنه لا يمكن لأي جهة حزباً كانت أو حركة أوغيرها أن يكون لها مثل هذا النفوذ في بلدٍ تلعب فيه القبائل دور الأحزاب والجماعات، فهي التي تعيِّن النواب في البرلمان، وتختار رؤساء السلطات الثلاث، وترشح الوزراء في الحكومة، وحتى سائر المسؤولين وصغار الموظفين في المؤسسات الحكومية لا يتمّ تعيينهم إلا بهديها وتوجيهها، فما لكم كيف تحكمون؟!!.

وإذا كان بعض أفراد الحركة نواباً في البرلمان أو وزراء في الحكومة وقد جاءوا من نفس الخلفية القبلية التي جاء منها بقية النواب والوزارء، فليس من المنطقي ولا من المعقول تحميلهم المسؤولية بأكثر مما تتحمله نسبتهم في هذه المجالس، ولا يصحُّ استهداف وحرق مشروع الحركة الإصلاحي السياسي الذي لم يتم تقديمه بعد للمجتمع كمشروع، ولم تتوفر في الساحة السياسية الصومالية آليات عرضه، بمجرد اجتهادات وإصلاحات جزئية تسهم فيه الحركة وأفرادها مع بقية القوى المجتمعية الخيرة لإصلاح ما يمكن إصلاحه، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه في ظل الظروف والأوضاع الاستثنائية التي تمر بها البلاد في كل المجالات، فهذه المحاولات لا تعدو كونها عملية أقرب إلى الإسعافات الأولية والإغاثات العاجلة منها إلى المشروع الإصلاحي والبرنامج السياسي.

الشاهد: وأخيراً هل من توصيات تودُّون تقديمها لأبناء الحركة الإسلامية في الصومال وخارجها، وللقراء عموماً؟.

كلمة أخيرة لأبناء الحركة الإسلامية في الصومال: الحركة الإسلامية دخلت مرحلة جديدة، في ظل ظروف محلية وإقليمة وعالمية بالغة التعقيد، وذلك يضع أبناء الحركة أمام تحدِّيات جديدة، ومهمات صعبة، تتطلب الوعي والبصيرة أولاً، والتخطيط والتنظيم المحكَّمين ثانياً، والعمل الدؤوب المتواصل ثالثاً، وأن يكون ذلك كله محاطاً بسياج من التقوى والإخلاص والتوكل على الله والاستعانة به، والتحلِّي بقدرٍ كبير من التواضع ولين الجانب لإخوانهم في حمل الدعوة من مختلف التيارات الإسلامية، وللمجتمع الصومالي ككل، فإن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، وأقول لهم: ها قد عرفتم الطريق فالزموا.

كما أقول لإخواننا في الحركة الإسلامية الذين لم يتَّفقوا معنا في الخطوات التي خطوناها أياً كانت الأسباب: إننا اجتهدنا ما وسعنا الاجتهاد في تصحيح مسيرة الحركة وتجديد معالمها، ونرى أن اجتهادنا صواب يحتمل الخطأ، واجتهاد غيرنا خطأ يحتمل الصواب، ونحن نحكم بالظواهر ولا ندخل في السرائر، وباب الاجتهاد مفتوح للجميع على مصراعيه، والكل مدعوّ للولوج إليه بعقل مفتوح، وقلب مفعم بالاحترام والتقدير المتبادل، وللاجتهاد البناء والرأي السديد عندنا مساحة واسعة ومكانة رفيعة، فهلُمُّوا إلى كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

وكلمتي الأخيرة للشعب الصومالي عموماً بمختلف شرائحه: أما آن لنا الأوان للاتِّعاظ بالمرارات والمآسي والمهانات التي تجرَّعناها بما كسبته أيدينا خلال السنوات العجاف… أما آن لنا الأوان بعدُ للتنازل قليلاً عن حالة العجب والاعتداد بالنفس وبالقبيلة والعشرة، وبالفصيل والدويلة، وبالجماعة والحزب، التي حالت بيننا وبين تحقيق مصالح البلاد والعباد العامة، ولم تحُل بيننا وبين تكالب العدو الخارجي علينا جميعاً … إن من سسن الله في الكون التي لا تتخلف أنه ما اعتد قوم بأنفسهم، وأعجبوا بعددهم وعتادهم إلا أذاقهم الهزيمة والهوان، وسلَّط عليهم من صنوف الأعداء ما يسومهم سوء العذاب، روى الإمام أحمد في مسنده عن صهيب رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى همس شيئاً لا أفهمه، ولا يخبرنا به، قال: أفطنتم لي؟ قلنا: نعم، قال: إني ذكرت نبياً من الأنبياء أُعطِي جنوداً من قومه، وفي رواية أعجب بأمته، فقال من يكافئ هؤلاء؟ أو من يقوم لهؤلاء؟ أو غيرها من الكلام. فأُوحِى إليه أن اختر لقومك إحدى ثلاث: إما أن نسلِّط عليهم عدواً من غيرهم، أو الجوع، أو الموت، فاستشار قومه في ذلك، فقالوا: أنت نبي الله فكل ذلك إليك، خِر لنا، فقام إلى الصلاة، وكانوا إذا فزِعوا فزِعوا إلى الصلاة، فصلى ما شاء الله. قال: ثم قال: أَيْ رب، أما عدوٌّ من غيرهم فلا، أو الجوع فلا، ولكن الموت، فسُلِّط عليهم الموت، فمات منهم سبعون ألفاً، فهمسي الذي ترون أني أقول: اللهم بك أقاتل، وبك أصاول، ولا حول ولا قوة إلا بالله). وإسناده صحيح على شرط الشيخين.

فيا تُرى أيّ هذه العقوبات سلَّطها الله علينا؟ وهل يا تُرى أدركنا خطأنا بعد ورجعنا إلى الله تائبين من حالة العجب توبة حقيقية حتى يرفع الله عنا الهوان والفرقة والجوع والموت؟ أم ما زلنا نُسدِر في غيِّنا، ونتمادى في باطلنا، ونرفع شعار “ليخرجن الأعز منها الأذل”، ثم ننتظر مع ذلك الفرج من الله عبثاً؟ اللهم لطفك ورحمتك.

لقد آن الأوان لنتكاتف معاً في حلِّ القضايا الوطنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بالحوار والحل السلمي العادل، لتذليل مسيرة إقامة مؤسسات الدولة الصومالية القوية القادرة على كسب ثقة المجتمع الصومالي بالحفاظ على مصالحه العامة، وتحقيق العدل السياسي والاجتماعي والاقتصادي بين مختلف مكونات المجتمع.

اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

………………………
سلسلة حوارات الإصلاح من الداخل (7)

%d مدونون معجبون بهذه: