حوار مع البروفيسور صلاح الدين السوداني مدرب أول طاقم لإذاعة مقديشو

البروفيسور صلاح الدين

البروفيسور صلاح الدين الفاضل

تمهيد:

في بيته الكائن بحي العرضة بأمدرمان التقيتُ مع الإذاعي السوداني صلاح الدين الفاضل، قابلني بأدب جم كعادة معظم السودانيين عند استقبال ضيوفهم.

سمعتُ سيرة الرجل من الطلاب الصوماليين الذين تحدثوا عن تجربته الإذاعية في الصومال؛ فبدأت البحث عن البروفيسور، في أول الأمر سألته عن رجل شارع عادي، فقال لي “ صلاح الدين الفاضل قامة فكرية وأكاديمية تفتخر بها السودان”.

البروفيسور صلاح الدين الفاضل إذاعي سوداني لمع نجمه في سماء الإعلام السوداني، وعمل في إذاعة أمدرمان ما يقرب 40 عاماً من عمره المديد، ويشغل حالياً عميداً لكلية الآداب بجامعة أمدرمان الأهلية، ويعمل كذلك محاضراً بعدد من الجامعات السودانية.

 يختلف صلاح الدين عن بقية الإعلاميين السودانيين في تجربته عن العمل الإذاعي في الصومال وهو أحد الدعائم التي قامت عليها إذاعة مقديشو عام 1983.

في هذا الحوار يتحدث البروفيسور صلاح الدين الفاضل عن سنوات عمله في الصومال كخبير مدرب لطاقم إذاعة مقديشو في الصومال. فقد تدرّب على يديه أبرز الإذاعيين في الصومال، وأدخل الكثير من التعديلات في طريقة عمل الإذاعة الصومالية.

وحول تاريخ إذاعة مقديشو وانطباعاته عن الثقافة الصومالية كان لنا معه هذا الحوار.

متى كانت زيارتك الأولى إلى الصومال؟:

زرتٌ الصومال عام 1983، وقد دربتٌ طاقم إذاعة راديو مقديشو الحكومية، فالإذاعة تأسست قبلي بفترة.. لكنني عندما ذهبتُ إلى الصومال أدخلت العديد من الإضافات حول طريقة عمل الإذاعة مع تنويع برامجها من سياسية وثقافية ومنوعات، وغيرها من البرامج الإذاعية المفيدة.

وهل تتذكر أول برنامج إذاعي عملته في الصومال؟:

أول برنامجي الإذاعي في الصومال كان بعنوان (Taxanaha hiddaha iyo dhaqanka) وكان هذا العمل الدرامي من إعداد الدكتور عز الدين الهلالي في الدراما الإذاعية المشهورة باسم ” ترحيل النبض” وقام محمد ربشه – وهو فنان صومالي درس في معهد أمدرمان للدراما والموسيقى- بترجمة النص إلى اللغة الصومالية المحلية.

وقد لاقى هذا البرنامج استحسان الصوماليين؛ حيث تابعوا حلقات البرنامج بشغف منقطع النظير؛ لأن العمل كان مترجماً باللغة الصومالية المحلية، وأسلوبه كان مبسطاً بصورة سلسلة يفهما الشخص الصومالي العادي.

مَن تتذكر من الإذاعيين الصوماليين الذين عملوا معك؟:

عمل معي الإذاعي الصومالي المشهور أحمد حسن عوكي، وعوكي صاحب موهبة إعلامية فذه، وذو صوت جهوري، وله قدرات فائقة في إدارة برنامجه المعنون بـ ” Faaqiddada wararka” ومعناها باللغة العربية ” تحليل الأخبار”، ومنهم أيضاً (محمد علي وجي) مدير راديو مقديشو عام 1983.

 ومن الأسماء النسائية أُبح محمد محمود ووالدها كان من أشهر تجار الموز في الصومال، وخديجة ميو، وهي إعلامية قديرة صاحبت قدرات إعلامية هائلة، وذكاء فطري مكنها في تسلق السلم الإعلامي حتى أصبحت إعلامية يُشار إليها بالبنان على نطاق جمهورية الصومال الديمقراطية آنداك.

وكيف كان واقع الفن والثقافة الصومالية في ذلك الزمان؟:

الفن الصومالي كان مزدهراً، وإذاعة مقديشو كانت النافدة الثقافية للمجتمع الصومالي، ومسرح (سينما شريرو) كان يقام فيه عروض فنية ومسرحية. وقد شاركتُ في بعض الأمسيات بحكم قربي الشديد لمقر السينما؛ حيث كان المسرح قريباً لمكان سكني في فندق جوبا بمقديشو.

الفنانون الصوماليون أمثال: محمد ربشه و حليمه خليف مجول و ناجي سعد كانوا يحيون في مسرح (شريرو) ليالٍ فنية، وعروض مسرحية حظيت باهتمام الجمهور بصورة متزايدة.

 وفي إحدى الأمسيات كان محمد ربشه يغني بأغنية صومالية، وفجأةً تحول إلى أغنية سودانية عندما لاحظ بوجودي في المسرح وقال: ” شايل روحك ليه والزعل بدي” من كلمات إسحاق الحلنقي، أحمد ربشه كان فنانا صوماليا يحفظ عن ظهر القلب معظم أغنيات فن الحقيبة.

وهل كانت الإذاعة الصومالية متميزة؟:

إذاعة مقديشو كانت قوية من الناحية الإدارية، وإن كان طاقمها يفتقر- وقتداك- إلى التدريب وصقل المواهب، ومع ذلك كانت الإذاعة المرجع من الناحية الأرشيفية وتوثيق التسجيلات المهمة.

أتذكر أن إذاعة أمدرمان ضاع منها حلقات من تفسير البروفيسور عبد الله الطيب للقرآن الكريم، وساعدتنا إذاعة مقديشو في الحصول على نسخ أصلية من تسيجيلات عبد الله الطيب للقرآن الكريم، وحلقات نادرة من تسجيلات ” لسان العرب” للمرحوم عبد الله الطيب، وهذا دليل واضح على مكانة إذاعة مقديشو ودورها الريادي في توثييق وأرشفة البرامج التاريخية.

الإعلام الصومالي أيام سياد بري كان يستحق الاقتداء، الإذاعة والتلفزيون القومي الصومالي قطعا شوطاً كبيراً؛ وذلك بعد ظهور فرق فنية أعطت الإعلام زخماً، وذللت له المتاعب.

أما الصحافة الورقية فكانت هي ذاتها متقدمة، صحيفة ” نجمة أكتوبر” الناطق الرسمي باسم الحكومة، كانت متقدمة؛ مقارنة بما كان عليه الوضع عند معظم الصحف في الوطن العربي والأفريقي.

الطبعة العربية من صحيفة ” نجمة أكتوبر” كانت رائعة، تحريرها وطريقة تناول الأخبار والأحداث كان فيه نوع من التقدم المهني، وإن كانت تمجد الحكومة وإنجازاتها، وأحياناً هذا التمجيد كان مبالغاً فيه.

ما الذي أعجبك من طباع الصوماليين؟:

الكرم صفة يحملها كل صومالي، والبساطة عنوانهم في الحياة، هم أشبه بالشعب السوداني في العديد من النواحي، وقد قمتُ بإعداد برنامج إذاعي كان له صدى وتأثير في المجتمع السوداني بعنوان: ” الصومال الجميل” تناولتُ فيه ثقافة الصوماليين وطباعهم الجميلة، وفنهم الأصيل وغيرها من المواضيع التي تهم المستمع السوداني بعد عودتي للخرطوم.

رئيسهم سياد بري كان شخصية قوية صريحة في القول زرته في قصر الرئاسة ” فيلا صوماليا” وكان بصحبتي سكرتيره الإعلامي أشكر بوتان، بوتان قال للرئيس معنا اليوم إعلامي سوداني يعمل مدرباً لطاقم راديو مقديشو، فقال الرئيس سياد بري مباشرةً ” يا سوداني اعمل معنا في تلفزيون مقديشو، وستصبح غنياً إن شاء الله” قلتُ له مرحبا يا رئيس، وبعد 24 كنتُ في الخرطوم.

ولماذا لم تف بوعدك؟:

لا يمكن – أبداً – القول لرئيس دولة محترمة لا أعمل معكم، استحييتُ من قول لا، وأمام حضرة من كبار مسؤولي الدولة، المجاملة في مثل هذا الموقف ضرورية، وتطييباً لخاطر الرئيس قلت نعم، وكنتُ أعلم أنه صادق وكريم يحب السودانيين ويثق فيهم.

هل تودُّ العودة إلى الصومال؟:

نعم أود ذلك، فالصوماليون شعب مضياف، ويحبون الشعب السوداني من أعماق قلوبهم، وهم شعوب متجانسة ومتقاربه أكثر من أي شعب في القارة الأفريقية، أرجو من الإخوة السودانيين معاملتهم بالمثل، فقد وفقوا إلى جانبنا في العديد من المواقف.

%d مدونون معجبون بهذه: