لقاء علمي مع الشيخ محمد عمر ديرر (1-2)

الشيخ محمد عمر ديرر

الشيخ محمد عمر ديرر

الشيخ محمد عمر ديرر الداعية، ومفسِّر القرآن الشهير من أعلام القرن الإفريقي اشتهر بدروسه المسجلة والمرئية الناطقة باللغة الصومالية.

ولد بمدينة (مسنة) الواقعة في المحافظات الصومالية الخاضعة لإثيوبيا في عام 1963م .

وهو حاليا إمام وخطيب ومدرس في مسجد (نور الهدي) ومدير المأذون الشرعي بهرجيسا ورئيس الإفتاء في المحافظات الشمالية من جمهورية الصومال سابقا وجمهورية أرض الصومال حالياً تفرغ لتدريس التفسير في المسجد والإذاعة والتلفاز وتفرغ أيضا للإفتاء . حاضر في كلٍ من جامعة هرجيسا وجامعة النيلين فرع هرجيسا . وسافر الشيخ الي الدول الأروبية، وأمريكا الشمالية لأعمال دعوية تشتمل في تثفيف وتوعية وتوجيه وإرشاد المغتربين . ومنهجه في الدعوة تميَّز بالحكمة والتيسير .

كثيرون لا يدرون أن وراء شهرة الشيخ اجتهاد كبير في طلب العلم، وكد ومثابرة يعز لها نظير، وكان لنا معه لقاء يتركز على الجوانب العلمية، فإلى طلبة العلم الشرعي قصة نجاح الشيخ –حفظه الله-

شبكة الشاهد : من خلال نشركم للعلم الشرعي والدعوة لا بد وأن تستشعر وجود نواقص تمنع من الرسوخ في العلم والتمكن ما هي أبرز تلك العوائق في نظركم ؟.

الشيخ محمد عمر ديرر:  حياة الصوماليين وتقاليدهم ظلت قائمة على الظعن والانتجاع وهذا التنقل المستمر طبع حياتهم بطابع عدم الاستقرار، فالشعب المستقر هو الذي ينجز الكثير سواء في التأليف والتمكن العلمي كما يقال ” من ثبت نبت “، ولكن عندما تكون الأمة في تنقل مستمر –لا شك- يضيع عنها الكثير، حتى الصوماليين الذين سكنوا المهجر لا يزالون في تنقل من بلد إلى بلد، وحتى العلماء أنفسهم ليسوا بأفضل حال من قومهم .وهذا يمثل عاملا قويا في تبديد الطاقات يحول دون التمكن العلمي ، ثم انضاف إلى ذلك عامل النزوح بسبب الحروب في الثلاثة والعشرين عاما الماضية.

من تلك العوائق قلة وجود المدرِّس الحاذق القدوة ،والمراجع العلمية الكبار مقارنة بعالمنا الإسلامي يلتفُّ حولهم الطلبة اعترافا بسلطتهم العلمية ويعكفون على الدراسة عندهم ينهلون من حلقاتهم، ثم يتخرجون بعد أن تنمو ملكاتهم العلمية ، هذه النوعية من العلماء قلة قليلة جدا بل نادرة الوجود، وفي العهود الماضية كان يوجد العديد منهم وخصوصا في القرى والأرياف ، وغياب العالم الراسخ في العلم المتقن في الفنون سبب لضياع القدوة وفقدان الرعاية أثناء الترقي في سلم العلم وبغيابه تغيب –أيضا- المنهجية العلمية الصحيحة.

وللأسف نتيجة لذلك نرى أن الشاب طالب العلم يواصل الدراسة خمس سنوات أو أربع سنوات لا ينقصه الحماس يعكف على دراسة فن واحد أو فنين أو يعتمد على المحاضرات ؛ بدل أن يجتهد للحصول على المفاتيح الأولية بشكل متقن وعلى يد عالم متقن، ثم يترقى في دراسة الفنون المختلفة بشكل متوازن يدرسُ مثلا عشرة فنون يأخذ من كل منها ثلاثة كتب مهمة منه بين مختصر ومتوسط ليترقى في سلم التكوين العلمي . وغياب تلك المنهجية كثيرا ما تؤدي بالطالب إلى التحيُّر والانقطاع من ميدان العلم .

فجملة القول أن غياب العالم الراسخ القدوة وغياب المنهج العلمي المتوازن بالإضافة إلى تأثير البيئة الصومالية كل ذلك أضاع على شبابنا الحصيلة العلمية المتينة التي هي شرط الرسوخ وتكوين العلماء .

شبكة الشاهد: من يتحمل مسئولية هذا التقصير ؟.

الشيخ محمد عمر ديرر:  لا ننحي باللائمة على فريق واحد بل التقصير يأتي من جوانب متعددة، فالعلماء قد يقصرون في القصد وتهيئة المراكز، كما أن جانب الشباب وطلبة العلم أنفسهم قد يقصرون، وأعيان الأمة الذين بإمكانهم عمل الكثير من حيث التوجيه والتمويل هم أنفسهم قد يأتي التقصير من قبلهم.

شبكة الشاهد: هل ترى أن مما نفتقده (المراكز العلمية) كالتي في اليمن حتى يتجمع طلبة العلم حول العلماء ويتمكنوا ؟.

الشيخ محمد عمر ديرر: نعم، أرى أن المراكز العلمية من الوسائل الفعَّالة لاستقرار العلم الشرعي وتوطينه، حيث يتفرَّغ طالب العلم للدراسة بطريقة متدرجة من المختصرات إلى المطولات، ويحدث بها التمكن بشكل متكامل يجمع بين الطريقتين التقليدية والمعاصرة وفي الأخيرة يعطي الطالب أهمية خاصة للمهارات اللغوية مثل التحدث والكتابة ودراسة قواعد اللغة انعتاقا من سيطرة العجمة، وهذا أفيد من الاعتماد على نظام الجامعات . وتلك المراكز العلمية قامت بصورة أقرب إلى ما ذكرنا في بعض بوادينا فمثلا كان هناك الشيخ عبد القادر في مناطق رسيف [ثم انتقل إلى ” راسو ” واسم الشيخ عبد القادر إبراهيم] -أي في المنطقة الحدودية بين الصومال وإثيوبيا -في الأول أسس مركزه في جربو Garbo لشرعية المختلفة واللغة العربية، ويتجمَّع في مركزه عدد لا يقل عن خمسمائة طالب يتزودون من أهاليهم بجمالهم (للحلب والاعتماد على لبنها أثناء الطلب) ومؤنتهم من الأغذية ليتوفَّروا على طلب العلم بخلو بال .

وفي مركزه يدرس الطلبة مختلف العلوم الشرعية، ويتخرجون عليه ثم يرسلهم إلى أنحاء القرن الإفريقي، ولا يعني ذلك أن هذا المركز مكتمل من جميع الجوانب بل هناك أشياء تنقصهم ولكنه يصلحُ نموذجا بين أيدينا يحتذى وينسج على منواله.

شبكة الشاهد: ما هو المنهاج الدراسي المقترح لطالب العلم حتى يتكوَّن علميا؟.

الشيخ محمد عمر ديرر: من محاسن الصوماليين توافر الحلقات العلمية في المساجد وسهولة إنشائها بدون عوائق ؛ حيث يأتي كل من يجد من نفسه رغبة في التدريس إلى أي مسجد ويلقي دروسه مجانا وبدون إجراءات أو تعقيدات قانونية أو غيرها، والجماهير من الشعب تنهل العلم من هاته الحلقات المفتوحة لكل مرتادي المسجد، فلم يعد طلب العلم محصورا في الجامعات والمعاهد، بل في كل مسجد تقام فيه دروس وحلقات يستفيد من الشباب والنساء والصغار، وتلقى فيها دروس التفسير أو غيرها فقط تنقصنا المنهجية والتدرج . وهذه العفوية والبساطة زالت في أكثر أقطار عالمنا الإسلامي، وصارت الأمور أكثر تعقيدا، فأنا زرت الجامع الأزهر فلم أجد مثل تلك الحلقات، وفي الحرمين تجدها في أوقات محدودة وفي أماكن محددة، وكذلك زرت باكستان والشرق الأوسط، فهي من ميزات البيئة الصومالية.

في عام 1997 حين رجعت من باكستان نقلت عنهم تجربة فريدة في تدريس العلوم الشرعية على شكل دورة مكثفة بقصد التمكن والرسوخ، وبدأنا تطبيقها في هرجيسا حيث أقمناها في أحد المساجد وبها يتم الجمع بين مزايا طريقتي التعليم النظامي في المعاهد والجامعات وبين طريقة الحلقات في المساجد فالعلم منظَم (مغلق) من جهة ومفتوح من جهة أخرى : يستمع إليه الجمهور وفي نفس الوقت يلتحق به عدد محدود من طلبة العلم يجري تحضيرهم ومتابعة مستواهم، وكان الملتحقون بالدورة آنذاك مائة طالب تقريبا، وقد درسنا لهم عشرة فنون : تجمع بين علوم المقاصد مثل : العقيدة، والتفسير والحديث والفقه والقرآن الكريم، وعلوم الوسائل : مثل النحو والصرف والبلاغة وأصول الفقه والتجويد، ومصطلح الحديث وقد جمعنا مجموعة من أبرز العلماء كل منهم يعهد بتدريس فن يجيده من تلك الفننون، وبعد نهاية الدورة أجريت الاختبارات وأعطوا شهادات .

شبكة الشاهد: وأين مصير تلك الدورة ؟ .

الشيخ محمد عمر ديرر: لم تستمر الدورة ولكن صار لها صدى وتأثير جيد في المدينة وتأسس على أنقاضها معاهد علمية مثل معهد الدعوة الذي واصل في اتباع ذلك المنهج، وتوقف هذه الدورة را جع إلى أن العلماء ربما أدركهم الملل وضعف الحشد. ثم تأسست معاهد كثيرة في المدينة تعرض فرص لطلبة العلم ولكنها لا تصل في الإتقان والتركيز مثل هذه الحلقات الخاصة كالتي ذكرتها.

شبكة الشاهد: حبذا لو أعطيتنا نبذة عن سيرتك التعليمية.

الشيخ محمد عمر ديرر: إذا كان للأسرة تأثير كبير في توجيه أبنائها فإن لوالدي –رحمه الله – عليّ الأثر الكبير، وكان من أعيان المنطقة المشار إليهم بالعلم ، فقد حرص على تربيتي وتكويني العلمي، ليس وحدي بل وبعض إخواني وأبناء عمومتي وكثير من طلبته وكان يجتهد في تخريجنا ويحثنا على طلب العلم وقد درس لنا مبادئ علوم الفقه والعربية ، وكان –رحمه الله -قد أنشا قرية قرب هرجيسا بمثابة مركز اسمها جمبارو Gambaro.

وبتوفيق الله ثم بدعاء الوالد وحرصه انقدحت في قلبي منذ نعومة أظفاري رغبة ملحَّة، وشغفٌ جارف يصل إلى التوقان والظمأ، وبهذه الروح العالية والهمة المتوثبة أقبلت على طلب العلم والترقي في سلم دراسة العلوم الشرعية، ثم التحقت بمدارس البعثة المصرية ونلت شهادة الثانوية بين عامي 1982-84 ضمن برنامج خاص صمم بشكل مكثف يختصر المرحلة الثانوية كلها في سنتين، وبعد تخرجنا تأسست مدرسة الإرشاد.

والبعثة المصرية أفادتنا الكثير في دراسة العربية والتحدث بها وكتابة الإنشاء وأشياء كثيرة. ثم واصلت دراسة العلوم الشرعية والعربية عن طريق التعلم الحر وبالجو المفتوح ، ودرست بفضل الله حوالي أربعة عشر فنا من الفنون العلمية التي شاع تدريسها في منطقة القرن الإفريقي مثل: التفسير والتجويد، والقراءات، ووالحديث، ومصلطح الحديث، والفقه وأصول الفقه والعروض والقوافي، وعلم مصطلح، وعلم العقيدة.

شبكة الشاهد: هل تذكر أسماء بعض شيوخك ؟.

الشيخ محمد عمر ديرر: شيوخي كثيرون يصعب حصرهم لأنه في أيام النظام العسكري كان هناك علماء متجوِّلون يواصلون إفادتهم للطلبة أينما حلُّو يقيمون في هرجيسا فترة قصيرة أحيانا، وكان بعضهم من المشاهير وبعضهم خاملون لكنهم متمكنون في فنون عدة أو في فن واحد، فكنت أقتنص الحلقات العلمية وأثنى الركب أمامهم، ومن الغريب أننا لم نكن نعير اهتماما بترجمة الشيخ أو حتى سؤاله حتى عن اسمه الكامل أو أسرته فلا تعجب من قلة من بقي منهم في الذاكرة، يبقى في أغلب الأحيان الاسم فقط، وأحيانا يغزو جحفل النسيان حتى على الاسم فمن أولاء العلماء الذين درسوا لنا، الشيخ محمد صالح كان من الأورمو وكان يقرأ باللغة الأورمية فيترجم منه أحد الطلبة إلى الصومالية قرأ لنا البخاري والسنن، وأيضا الشيخ محمود صوفي- أصبح وزيرا للأوقاف في صوماليلاند – درَسَ لنا التفسير، ومنهم الشيخ علي أحمد من بارطيرى، ومنهم الشيخ يوسف حيلى وقد كان من الموحدين الذين كانوا ينعتون ب(الوهابية) وكان كثير الاختبار والتدقيق إلى حد الإعنات لدرجة أن العلماء الآخرين كانوا يخافون من أسئلته المتعنتة الصعبة وكان منهم شيخ اسمه عبد الرحمن لا تسعفني الذاكرة لتكميل اسمه، والشيخ محمد عبدي كان من طلبة الشيخ عبد القادر قرأ لنا الشاطبية. وأيضا منهم معلمو البعثة المصرية، وكان يترأسهم آنذاك أستاذ أزهري اسمه الشيخ عبده.

وفي عام 1996 يممت وجهي شطر باكستان والتحقت بجامعة الوفاق الإسلامية أسسها علماء الحديث السلفيين لتخريج الدعاة وتكوين العلماء بعد تخرجهم من المراكز أو الجامعات النظامية الأخرى ليتم إعدادهم بتركيز خاص، وكانت بالنسبة لي فرصة سانحة .وهذه الطريقة المبتكرة من حسنات الرئيس ضياء الحق الذي كان يحمل فكرة تطبيق الشريعة والمناصرة لها فكان يستشعر أهمية نشر العلم العلم الشرعي على أوسع نطاق، فاتبع لذلك سياسة إزاحة العقبات أمام دراسة العلوم الشرعية، ثم الإفساح لحملة الشهادات الشرعية إلى الوظائف وجعل الشهادة التي يحصل عليها الطالب تعادل الشهادات الجامعية الأخرى ثم يشقون طريقهم نحو الوظائف الحكومية التي كانت من قبل حكرا على المتخرجين من المعاهد والمدارس النظامية الأخرى، وكانت الفرصة التعليمية التي أتيحت لي هي التعلم عن بُعد وإرسال المقررات ثم سُمِح لي حضور الاختبار النهائي مع الطلبة الباكستانيين الذين واصلوا دراستهم العادية داخل المركز الجامعي، والاختبار متشعب في غاية الصعوبة والتركيز، يضعك على المحك، ولا ينجح فيه سوى الناضج المتمكن علميا والذي قطع شأوا كبيرا في دراسة الفنون الشرعية والعربية .

كنت مستشعرا آنذاك أهمية امتلاك مؤهلات عالية رغم كونها لا تترجم عن مستوى حاملها، لكنها أصبحت من حاجيات العصر، بحمد الله درستُ مقررات الجامعة ثم حضرت للاختبار الشامل وكتبت بحثا تكميليا ثم نلتُ شهادة ماجستير بدرجة ممتاز في الشريعة الإسلامية واللغة العربية، وفي ضمن مقررات مراكز أهل الحديث صادفت عدة فنون شرعية لم تكن ضمن مقرراتنا في مراكز القرن الإفريقي ومنها علوم القرآن وعلم عد الآيات وهو علم مستقل وله سبع طرق درستها، وتاريخ التشريع ، وأسرار الشريعة.

تعليق واحد

  1. الفقير الى ربه

    ومنهم الشيخ يوسف حيلى وقد كان من الموحدين الذين كانوا ينعتون ب(الوهابية)
    هذه هي عقيدة القوم باختصار لمن لايعلم . يعتبرون أنفسهم موحدين وغيرهم مشركين. هذا ماتنطق به ألسنتهم وتطفح به كتبهم ، فحسبنا الله ونعم الوكيل

%d مدونون معجبون بهذه: