لقاء الدكتورة هبة مع الأستاذ محمود عبدي حول القاموس الأول

[sws_blue_box box_size=”630″] اللغة هي مدخل كل الحضارات .ومفتاح التواصل بين الشعوب, بدأت كنقوش ورسوم على جدران الكهوف يعبر من خلالها الانسان عما كان يدور بخاطره . ثم اخذت تأخذ شكلا اكثر تحديدا وتطورت معها الادوات والوسائل مع تطور الانسان وتزايد الحاجة الى التدوين وتنظيم الحياة المدنيه ونحن كشعب صومالي لا نخرج من الاطار الزمني للغه ..فلغتنا هي ” أفرو آسيويه” يتحدث بها أكثر من 15 مليون إنسان ..وتعتبر من أهم اللغات الحيه في القرن الافريقي ..تجمع هذه اللغه شعبا عريقا ضاربةً جذوره في التاريخ، يجمعهم اللسان الواحد ويسهل تواصلهم، وقد أحتاجت اللغة الصومالية كما احتاج غيرها من اللغات الي التدوين والتوثيق والتطوير. نحاور اليوم أديبا صوماليا متميزا انبرى بقلمه ليبدأ تدوين هذه اللغة على شكل قاموس أسماه “الاول” ضمن مشروع أكبر وأعمق وأوسع مدىً …إنه الأديب والكاتب محمود محمد حسن عبدي والذي آثر أن تكون باكورة أعماله قاموسا صوماليا مرجعيا للدارسين والباحثين والمهتمين…

الباحث محمود عبدي فمن هو محمود محمد حسن عبدي؟

وما الذي دفعه لتكبّد ذلك العناء منفردًا؟ وإلى حدٍّ يرى أن هذا الكتاب سيعمق من جذور الثقافة العربية الإسلامية في بلادنا؟ ..و كيف يعرف العالم العربي بلغتنا الجميله…وما هي رؤاه للمستقبل بالنسبة للغة الصوماليه …

كل هذه الأسئله وأكثر؛ سنطرحها في لقائنا هذا على أديبنا العزيز …فأهلا به. [/sws_blue_box]

هكذا وبعد التحية والتقدير أستاذ محمود محمد حسن عبدي..

هل يمكنك أن تطلعنا على ما هية كتابك “القاموس الأول”، وأين ترى موقعه على الخريطه الثقافيه الصوماليه؟

بداية أرجو أن تسمحوا لي بالتعبير عن شكري وامتناني لك أختنا الدكتورة (هبة شوكَري) على مبادرتك الكريمة، وجهدك الرائع عبر تواصلكم معي و إجرائكم لهذا اللقاء الذي حقيقة أجده فرصة غالية للتعريف على المشروع جملة، وما يحيط به وصولًا إلى باكورته “القاموس الأول”، فأتمنى أن أستطيع أن أكون فيه بقدر المسؤولية، وعند حسن الظن.

وللإجابة على تساؤلكم فإنه يمكنني أن أعتبر هذا الكاتب القاموس، جزءًا من رحلة يبدو أنني قد بدأتُها منذ فترة طويلة، سبقت إدراكي بوجودها، كما سبقت بالضرورة استيعابي لواقع أنني أسير فيها بخطوات ثابتة أحيانًا، ومضطربة مترددة في أحيان أخرى، لكن هذا العمل كان علامة فارقة، ونقطة غيّرت كذلك من وعيي بما هو مقدّر لي، كفرد منتم للشعب الصومالي الكبير، الشقيق لشعوب بما فيها الشعب العربي، وجزء من أمة كبيرة وعظيمة كأمتنا الحزينة اليوم.

والكتاب قاموس، قد يكون في أبسط تعريفاته عملًا مدوّنًا الهدف منه تبيان معاني عبارات لغة ـ هي العربية في حالتنا ـ، لغير الناطق بها أو المُجيد لها ـ وهو الصومالي المتوسّط ـ، لتسهيل استيعابه لما يقرؤه في اللغة الأولى، من خلال ما في الكتاب من مرادفات بلغته الأم، ولأكون صادقًا فكتابنا (القاموس الأول) خارج عن نطاق قدرتي الشخصية على تقييمه، وتحديد مركزه من الخريطة الثقافية، إذ لا يمكنني أن أغامر بأن أسير بين حدّي التقليل من قيمة العمل من باب التواضع، أو المبالغة في تقييمه من باب الإعجاب بتحققه، لذا فستكون مهمة تحديد موقعه ذاك أمرًا متروكًا للمؤهلين من الناقدين، الذين نتمنى أن يصل إلينا نقدهم مباشرة، عبر ما يتوفّر من وسائل التواصل الكثيرة[1]، ليمكننا السير بالقاموس خطوة أخرى نحو الكمال البشري المنشود.

لكنني يمكن أن آخذ زاوية أخرى من السؤال، وأحاول أن أجيب بما أحمله من أماني وآمال بأن يكون المشروع الذي يعتبر هذا القاموس باكورة إنتاجاته المطبوعة، وحين أقول المشروع فإنني أعني “مشروع الريادة/SAHAN” للثقافة العربية الإسلامية في الصومال، مظلّة تشجّع كل صاحب موهبة وكل ذي إرادة من أبناء وطننا في أن يبلغ مرحلة النضج والخبرة والانتشار لما يقوم بصناعته من إبداع.

1362924430309لماذا تعتقد اننا كصوماليين نحتاج الى قاموس؟

سأتحدث في البداية من منظور ذاتي، فمنذ أن أدركتُ أن اللغة الصومالية ليست هي اللغة العربية، التي يتحدّثُ بها أقراني في اللعب، وأنا أشعر بشقاء داخلي غريب، سرّه أن “لغتهم” أسمعها في كل مكان، في التلفاز في المدرسة في كل مكان، في حين أن لغتي لا تبارح أن تكون للمنزل، خاصة أن أقراني من الصوماليين لم يكونوا ـ لسوء الحظ ـ قادرين على الحديث بها جيّدًا، كما تعلّمناها نحن في المنزل، للتفاوت الطبيعي بين الآباء عند العناية بهذا الأمر، وتلك القناعات أخذت شكلًا جديدًا عندما تمكّنت والدتي ـ حفظها الله لنا ـ، من تعليمي إجادة الأبجدية الصومالية، حين كنتُ في العاشرة من العمر، لكن المؤسف أننا لم نملك في المنزل كتابًا واحدًا باللغة الصومالية، سوى كتاب قصص جميل، قد بدت عليه آثار السنين، كانت تستعين به الوالدة لسرد القصص منه لنا مساءًا، وكانت تعامله بعناية فائقة لذا فقد بقي ـ هو الكتاب ذاته ـ بعيدًا عن متناول أيدينا، حتى فقدَتُه لا أذكر كيف.

ولأن والدنا العزيز ـ أبقاه الله لنا ـ كان من عشّاق الشعر الصومالي رواية و ونظمًا، فقد كان ارتكاب أخطاء لغوية أماه، يعني تكرار الجملة حتى إيجاد اللفظ أوالتركيب الصحيح لها، وهو ما كان يدفعني للحديث مع أقراني الصوماليين بالعربية، حتى لا أتعرّض لمعاناة تكرار الجُمَلِ في حال عدت منهم إلى البيت بحصيلة لغوية، قد يجدها الوالد مسيئة للسان الآباء، كل ذلك الاهتمام انتقل إلي بشكل ملموس، في لغتيَّ الصومالية والعربية، وهو ما جعلني كذلك أقتنع أنه لا بدَّ أن لكل كلمة عربية جميلة، مرادفٌ وافٍ في لغتي الأم، فكنت أتسلى بالتفكير في إيجاد المرادفات، وأنا ألهو لهو الأطفال، أو أخرج بعيدًا عن الحي للسير وحيدًا كما كانت عادتي ـ الغريبة ـ حينها.

وبين أهميته الشخصية النابعة من أهمية اللغة الأم لي شخصيًا، فقد تكمن أهمية القاموس لعامة أبناء شعبنا في أنه محاولة منّا لبناء جسر بين اللغة العربية التي أعشقها وأعشق تراثها، وأبناء شعبنا الصوماليين غير الناطقين بها، ليكون عونًا لهم في فهم عبارات اللغة العربية، التي يحتاجون إليها في تعلّمهم للغة العربية، وجانب من المصطلحات والعبارات التي تمرّ عليهم في النصوص الدينية كالكتاب والسنة، وكذلك ما يصادفونه في بعض الكتب العلمية ووسائل الإعلام المقروء والمسموع والمرئي، لتأمين بديل مقتضب يكون بين يدي الفرد منهم، يوفّر عليه كثيرًا عناء الاتكال على الشرح الشفوي، أو البحث عن شخص ضليع باللغة العربية يشرح له المعاني التي أشكلت عليه.

ما هي المعوقات التي واجهت محمود محمد حسن عبدي حين كتابته للقاموس؟

1362924464167كان العائق الأول الذي واجهته هو الدافعَ الأول للعمل عليه بداية، فالأمر بدى محزنًا وأنا أتصفّح قواميس غاية في الروعة كـ”المورد الكبير”، و غيره من القواميس العربية الثنائية والثلاثية اللغة، والكتب المقتضبة لتعلّم اللغات، ولا شيء من ذلك بين أيدينا نحن الصوماليين حينها، وفي ظلّ عدم وجود جوٍّ ثقافي مؤسِّسٍ، وانشغال الكبار جملة بمطاردة لقمة العيش، أو روتينهم المألوف في قضاء الوقت خارج المنزل، والفجوة كذلك بين كبار السن الذي يدّعون المعرفة باللغة والشعر الصوماليين، وبين المتعلمين الأقل عمرًا من ناحية، وبيننا وبين الفئتين نحن الناشئة، جعل كل ذلك أي فكرة لها علاقة بالثقافة الصومالية، مجرّد نزوة لا يحمد عقبى الحديث عنها، أو إضاعة للوقت في البحث عن وسائلها التي لا يمكن أن يدركها بأي حال من الأحوال، إلّا من يجد أفرادًا أوهيئات تمكنّه من الحصول على التوجيه والتدريب من خلالها، حقيقة كانت الصورة حين بدأتُ تبدو كمحاولة متهوّرة، وجهدًا مقدرًا له الضياع، أو هذا ما قرأته في وجه جميع المحيطين بي إلّا قليلًا.

وفور تجاوزنا مرحلة البدء بالمشروع، واجهت ظروفًا جعلتني أعيد البدء من الصفر بعد ثلاث سنين من كتابة المخطوط يدويًا، لكنني كنت قد حصلتُ من الخبرة بما جعلني أواصل العمل لأتمكن من إنهائه في السنة الخامسة، وقد كان من المواقف الغريبة التي أثارت حفيظتي موقفان لن أنساهما، أحدهما في السفارة الصومالية، إذ كنتُ قد حصلتُ على وثائق تسجيل الملكية الفكرية في شباط من سنة 2008، وإذن الطباعة كذلك، فتوجّهت إلى السفارة أحمل نسخة مطبوعة، لعلني أحصل منهم على وثيقة تثبتُ علمهم بوجود الكتاب، بما يتيح لي البحث عن طريقة لنشر الكتاب، مدعومًا بوثيقة رسمية من الجهة الوحيدة الراعية لجاليتنا في البلد الذي نحن فيه، لكن السفير ـ الأسبق ـ، حين رأى الكتاب واستمع إلى مطلبي بنفاد صبر، وهو ممسك بالكتاب يتصفحه، قال لي ضيق شديد: ماذا تريد؟!.. فأعدت ذكر مطلبي له، فما كان منه إلّا أن ألقى الكتاب على الطاولة باستهانة بالغة، وهو يصرخ في وجهي: أتظن أنك الوحيد الذي ألّف كتابًا؟!، وطالبني ـ كأنه يهددني ـ بدفع رسم لقاء الوثيقة، في الوقت الذي التقيت بالسيد القنصل عند الباب وأنا أكاد أنفجر باكيًا من الغيظ، فأخذني جانبًا، وطلب مني أن أعيره النسخة وأن أعود غدًا لأستلم الوثيقة، ومددت يدي إليه بما فرضه السفير علي من رسم، فدفع يدي بعيدًا وقال لي دع عنك ذلك .. عد غدًا، وقدّم لي ما كنتُ أحتاجه كما أعطاني ملاحظات مهمة استفدتُ منها في إجراء التدقيق الدوري على المادة، فلا بدّ لي من أن أشكره من هاهنا جزيل الشكر وأدعو الله أن يجزيه خيرًا ويُكثر من أمثاله.

الموقف الآخر كان سابقًا للأول بأيام، وقد حدث أثناء إتمام إجراء التسجيل، وقد موقفًا صادمًا بالفعل، فقد عانيت الأمرين لأقنع مدير قسم تجسيل الملكيات الفكرية بأن اللغة الصومالية لغة قائمة بذاتها وليست بالهجة العربية، ولولا تمالكي لنفسي بعد جدل استمر ساعة إلّا ربع، لما كان ممكنًا حتّى أن أستكمل إجراءات التسجيل الشرعية للكتاب!

فنحن هكذا دائمًا معرّضون لإساءات المسؤولين الرسميين الصوماليين لنا شخصيًا، واستهانة الأجنبي بنا وبوجودنا وثقافتنا كشعب ووطن، ذلك ما علينا مكابدته وتجاوزه، لنكسر الحلقة المفرغة التي يتم إجبار المبدع الصومالي على الدوران فيها، باذلًا من كرامته وأعصابه أكثر بكثير مما يبذله من جهد كبير فيما يحاول تحقيقه وإنجازه.

لماذا اخترت اللغة العربيه لتكون الرديف للغة الصومالية في قاموسك …؟

بداية أحب أن ننظر للامر على مستويين، أولهما هو الدور الذي يُفتَرض أن يقوم به الصومالي، الذي يعيش في مجتمع غير صومالي، من حيث الاستفادة من الاطلاع على الثقافة المختلفة التي يعيش على أرضها، بحيث يجمع كل ما يمكن أن يوفّره له وضعه ذاك، لينقل كل الخبرات والمعارف التي تستحق النقل والتوثيق، إلى مواطنيه، بحيث يمكننا مع الوقت تحقيق تراكم معرفي، تم إنجازه بأيدي أبناء الصومال، ليكون تراثًا يتركونه بصورة تجعل تجاربهم تلك ممكنة الملاحظة والمتابعة، ولا يكون وجودهم الوقتي في الأرض، ضمن الحيز الزماني القصير للعمر البشري، مجّرد مرور عابر لا يترك أثرًا ولا يخلّف ما يدلّ على وجوده، وهو أمر مؤسف يتكرر كثيرًا في تاريخنا، لدرجة أن معظم ما نعرفه عن تاريخنا إنما كان عبارة عمّا دونّه آخرون عن خبراتهم في التعامل معنا، وهو أمر مؤسف لأن الجيال اللاحقة أصبحت مجبرة على النظر إلى ذاتها من خلال أعين الأغيار، وهو واحد من أخطر مشكلات الوعي الذاتي لهذا الشعب تجاه نفسه، بما يستوجب إنتشار وعي بضرورة ان يقوم كل قادر على التدوين والتوثيق، بإمساك طرف من وجودنا العامر بالخبرات والمعرفة.

أمّا لماذا اللغة العربية تحديدًا، فقد يفسر الشق الأول من الإجابة جزءًا من حقيقة الاختيار، فقد كنتُ محظوظًا كفاية بأن تجتمع من الظروف حدها الأدنى، الذي يمكن اعتباره النواة الأساسية للقيام بجهد يحوي اللغة العربية كإحدى ركيزتيه الأساسيتين، ففي بيت تكرر فيه مدى تقدير آبائنا للعرب النازلين بأرضهم، وما كانوا يقدّمونه من إكرام لهم، لقاء تعليمهم الأبناء اللغة العربية والقرآن الكريم، وجدتني حقيقة محظوظًا بان أكون ممن ينهل من نبع اللغة العربية الصافي، بحكم ولادتي في بلد عربي، بما يعنيه ذلك من تلقٍ للتعليم بالعربية، وقضاء معظم اليوم أتحدث بها، لقد انتقل لدي الشعور التقليدي لدى الصومالي المتوسط، بقدسية اللغة العربية، كونها مفتاحًا لفهم رسالة السماء، وتعاليم رسول الله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ومن خلال هذا التقدير الكبير للغة القرآن، كان لا بّد من وجود عمل يعبّر عنه، بصورة فعلية لا تقتصر على الشعور والكلام، ليلتقي هاهنا ما هو مفترض من أن يقوم الصومالي بالاستفادة من واقع اغترابه، وما كان من حسن حظي ـ كما أشرت ـ في أن أنهل لغة القرآن في بقعة من بقاع الموطن الأصلي للعرب.

ونحن الصوماليون أناس مؤمنون بالله وبكتابه، وإننا نحتجّ كسائر المسلمين بعصمة كتاب الله من التحريف أو الفناء ـ إلى ما شاء الله ـ، بقوله تعالى:”إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون”، وهو ما جعلني أفترض باكرًا بأن حفظ القرآن الكريم، إنما يعني فيما يعني حفظ اللسان الذي نزل به وهو اللغة العربية، وعليه فقد وجدنا مخرجًا للمخاوف التي كانت تتزايد لدينا من إندثار اللغة الصومالية، خاصة أنني اطلعت على ما بثّته إحدى القنوات الفاضئية العربية المعروفة، في شريطها الإخباري وأظن أن ذلك كان سنة 2002، ما فحواه أن اللغة الصومالية معرّضة للانقراض، فكان من المنطقي السعي نحو إيجاد وسيلة ربط بين اللغة الخالدة بخلود القرآن ـ أي العربية ـ، ولغتنا الأم المعرّضة للتلاشي، بحيث نكون بذلك بذلنا الحد الأدنى من الجهد لتوثيقها والحفاظ عليها، حتى تنجو من الاندثار كما أصاب في الماضي السحيق ما دوّنه آباؤنا الأولون من أبجديات، والتي وجد الباحثون شيئًا منها في منطقة “ورقادي”، دون التوصّل إلى فطّ رموزها خلال عقود عديدة مرّت.

نمتلك نحن الصوماليين عوامل كثير مشتركه اهمها اللغه ….فكيف ترى ان القاموس الاول في ضوء معطيات المشهد الصومالي؟

advلا شكّ أن ما تحقق من توحيد كتابة اللغة الصومالية في أبجدية واحدة، حدث ان كانت الأبجدية اللاتينية، كان أمرًا مهمًا في دخول الصوماليين عصر التدوين الموحّد والثابت، ومع المساعي التي جرت لإيجاد لغة صومالية معيارية، استنادًا للهجة الوسطى، وعلى الرغم من اقتصار الاهتمام بفرع “ماحي”، وتأخّر تدوين فرع “ماي” إلى أكثر من عقد لاحق، فإن ما حدث من إنهيار الدولة وغيابها على مدى عقدين، وعجز كل الكيانات اللاحقة ان تملأ الفراغ لمحليّتها الشديدة وضعف إمكانياتها، بالمقارنة بالوضع الثقافي الذي كان موحّدًا لفترة سابقة، أدخلنا ذلك إلى مرحلة جديدة في التدوين باللغة الصومالية، إذ ظهرت كتابات صحفية وتدوينات متنوعة، بكل اللهجات الصومالية الدنيا لفرع “محاي”، ناهيك عن أخذ فرع “ماي” منحىً كاد أن يتحوّل فيه إلى لغة قائمة بذاته، لقصور الأبجدية المعتمدة سابقًا عن الوفاء باحتياجات ذلك الفرع.
كل هذه المستجدات بقدر ما تبدو للوهلة الأولى، كحالة من الفوضى تبعث على الانقباض، فإنها كانت في الواقع، مرحلة غاية في الغنى من حيث إعادة صهر اللغة الصومالية بكل ما تحويه من فرعين وما اشتملت عليه من لهجات دنيا، بحيث أصبح المنطوق المتباين بمجمله، أكثر قربًا وأسهل فهمًا من قبل الكل، إضافة لحدوث حالة مكثّفة من استعارة فرع “ماي” من فرع “محاي”، رغم احتفاظه بمميزاته القواعدية وجانب كبير من مميزاته النطقية.

هنا نتقل للمعادلة الصعبة التي عايشت قلقها لفترة طويلة، بلغت ذروتها حين إنتهيت من القاموس مدار حديثنا، فعلى الرغم من انتمائي عائليًا وثقافيًا لمنطقة من الصومال، عُرف أهلها بفصاحة خاصة باللغة، وجزالة في اللفظ وقدرة معيّنة في إيصال المنطوق الصومالي بصورة أهّلتهم لتسيّد المجال الإعلامي الصومالي لفترة من الزمن، بحيث أصبحت طريقتهم في الحديث بالصومالية، أمرًا مفهومًا لنسبة كبيرة من بقية أبناء شعبنا الصومالي، فإنني وجدتني وبحكم قيامي بالعمل خارج أرض الوطن، أشعر دائمًا بخطورة استسهالي لما يجب أن يكون عليه عملي من عدل في طرح المرادفات المتنوعة المستعملة في اللهجات المختلفة، من باب أنه لا يمكنني أن أعتبر نفسي قد قمت بشرح مفردة عربية، بمفردة صومالية قد يضطرّ صومالي ما إلى سؤال من حوله عنها، وهنا أفرّق بين ان يحدث ذلك لجزالة اللغة، وبين نقص معرفة المؤلف بوجود مرادف أقرب وأكثر تداولًا في بقعة من بلاد الصومال،وقد كان مبعث ذلك الهمّ الكبير الذي يقض مضجعي، أن اسم القاموس يدلّ على اللغة الصومالية، ويفترض أن يكون شاملًا، ويشهد الله أني حاولت قدر استطاعتي أن أحيط بما بلغه علمي، وما كان في يدي من وسائل البحث البسيطة، ليصبح هذا العمل الفردي مما يستحق أن يُعتمد، بعيدًا قدر الإمكان عن التعجّل والاستسهال، أو الاستخفاف بالقارئ الذي بذل ما بذل ليحصل على نسخة من هذا العمل.

من هي الجهة المستهدفه لهذا القاموس؟

يمكنني وصف القاموس على أنه كالنهر ذي المسارين ـ كما يقول الأمريكان ـ، فالكتاب بحد ذاته موجّه للصومالي الذي يريد ان يستخرج منه معاني المفردات العربية من ناحية، كما يمكن استخدامه، في أن يجد الصوماليون من أبناء المغتربات العربية مرادفات صومالية لما يمتلكونه من مخزون لغوي عربي، فهو لغير المتقن للعربية وسيلة لاتقانها، ولغير المتبحّر في الصومالية طريقة للوصول إلى ما فاته منها.

ما هي خططك بعد القاموس الاول؟

سؤال شائك حقيقة على قلّة أحرفه وكلماته، يمكن أن أحاول الإجابة عليه، بأن الخطط كثيرة ومهمة جدًا بمقياس شعب يفتقد إلى كل شيء، ويحتاج كل شيء دون أن يجد إلّا القليل الذين يجرؤون على القول بأنهم سيسعون لتحقيق شيء له، بعيدًا عن ثقافة التسوّل التي أصبحت إنطباعًا رديفًا لكل عمل تطوّعٍي، حقًا كان ذلك أو باطلًا، لذا سأختصر بأن أقول أنه تحت مظلّة مشروعنا ” الريادة/SAHAN ” يكون الهدف تقديم منتجات ثقافية حقيقية، من صنع أبناء الوطن لشعبه، أي أن المشروع في أساسه مبني على العمل وبذل الجهد، بما يعني أنه ليس ناشطًا في مجالات العلاقات العامة أو الإعلام أو الصحافة أو حتى السياسة، بل هو ورشة عمل تكون جماعية كلما تسنّت الفرصة لذلك، و فردية غالبًا، بحيث يكون نقطة يجتمع إليها الرائدون الذين يريدون أن يصنعوا فرقًا في مجتمعاتهم، بموارد أساسها جهدهم الشخصي أو الجماعي، ثم يأتي لاحقًا أي مسعىً لإيجاد التمويل لتوزيع المنتج أو إخراجه إلى أرض الواقع، وذلك أمر يحتاج ـ بالتأكيد ـ في خطواته الأخيرة إلى التعاون من أعضاء المجتمع، والمبادرة في مساعدة المبدعين، ليصلوا إلى عتبة الثقة بالنفس، التي سيستمرون منها وإلى آخر حياتهم، في درب الانصياع لهاجس مواهبهم التي تتآكلهم منذ أن وعوا.

وعليه يصبح بإمكاننا الإفصاح عن جوانب لما نسعى لإنجازه خلال الفترة القادمة، فإن بدأنا من نقطة إنجاز القاموس وصدوره، فإننا نعلن أن هذا القاموس بحد ذاته سيكون ورشة عمل مستمرة نحو هدفين، أولهما تطويره وتنقيحه مع كل طبعة جديدة تصدر، بناءًا على ما يصلنا من ملاحظات ونقد لمحتوياته، وبذلك نستفيد من إطلاع الجمهور عليه فائدة كبيرة، تفوق أي شيء آخر، وأثناء ذلك ننتقل للمرحلة الثانية من العمل على القاموس الأول، وهو التوسّع نحو إصدار قاموس آخر أكبر حجمًا، وأكثر تفصيلًا من حيث الأمثلة وإضافة صيغ الجمع، والتذكير والتأنيث، وما إلى ذلك مما تحتويه القواميس المماثلة في الحجم، وجلّ ما نرجوه أن يصبح القاموس الأو حينها قد تحوّل إلى مؤسسة قائمة بذاته، بحيث نباشر فور صدور مرحلته الثانية، بالبدء بالمرحلة الثالثة، التي ستحوي كل ما يجب أن يكون عليه قاموس مطابق لكل تفصيل ومواصفة وضعتها الهيئات المعنية باللغات، وسيكون من ذلك تبيان اللفظ حسب الرموز الصوتية الدولية الموحدة، وما إلى ذلك مما حواه القاموسان السابقان.

أما على الصعيد الشخصي، فإننا في مرحلة التفاوض مع جهة عربية معنية بالنشر، لإصدارمجموعتنا الشعرية (عهود)، ويليها كذلك نشر روايتنا (القرصان الصومالي)، التي يمكن إيجاد مطلعها في مدونتنا، حينها سيتنسى لي الانتهاء من رواية “شروق” التي تعني لي الكثير، كما أننا قد نتمكن عن قريب إنجاز أول عمل وثائقي مدبلج باللغة الصومالية، ولا أخفي أنني بصدد التواصل حول ترجمة مجموعة شعرية صادرة باللغة الإنجليزية لشاعرة رائعة من أرمينيا، إضافة لما نقوم به من دورات حاليًا عبر الإنترنت للتدريب على الكتابة، وسعينا لدعم إخواتنا وإخوتنا الراغبين في اقتحام تجربة الكتابة، بدءًا بالمقال ومنه إلى التجريب في الفنون الأدبية الأخرى.

كأديب صومالي ماذا تعتقد انه ينقص المكتبه الصوماليه؟

لأكون صريحًا جدًا معك، فإنه لازالت” ترتخي ركبتاي” حين يخاطبني أحد بصفة الأديب، شعورًا مني بأني لما أبلغ بعدُ تلك المرحلة، رغم أنني “أثبتُّها” في صفحة لي بشبكة التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، في لحظة لا يمكنني أن أصفها بأكثر من لحظة طيش وتهوّر، ولأكون مختصرًا جدًا حيال ما يخص المكتبة الصومالية، فإنني أقول أنه ينقصها كل شيء، ينقصها جرأة أبنائها على الكتابة، ينقصها وجود جهد في الترجمة منها وإليها، أي ينقصها كل شيء كما أسلفتُ، وأهم ما ينقصها قلّة من أخرج من رأسه أسطوانة الاتكالية التي تجعل غياب الدولة شمّاعة لممارسة كل نقيصة وأخطرها الكسل.

اسم القاموس هو الاول …فهل نفهم ان له جزءا ثان؟

لتسمية القاموس سبب، هو أنني حين بدأت العمل به لم يكن هناك من قاموس آخر، رغم سؤالي وبحثي لفترة طويلة قاربت العقد من السنين، فقد كان البعض يتحدثون عن قاموس قديم صدر باكرًا في الستينيات او السبعينيات، أحاديث تجعلني أشعر بانه مجرّد أسطورة مدنية، لذا فقد دخل في روعي أن ما سأنجزه سيكون القاموس الأول، لكنّ شكًا داخلني في ذلك الأمر، حين علمتُ بوجود أحد أبناء بلدي يسعى لإنجاز عمل ممثال مع زميل له في القاهرة، لكن الملفت في الأمر أنني لم اكن قد سمعت بذلك العمل إلّا في شهر آذار/مارس 2008م، بعدأن قمت بتسجيل كتابي بعد إتمامه لدى الجهات المختصة في شباط / فبراير من عام 2008، وخاصة بعد أن أعلنتُ في إحدى المنتديات الصومالية، عن حاجتي لبعض المساعدة في جوانب تقنية تتعلق بـ”إخراج” الكتاب او شيء من هذا، كما أن أحد الكتاب الصوماليين كان قد بذل جهدًا طيبًا في إصدار كتيّبٍ من بضع وسبعين صحفة ليكون قاموسًا “صوماليًا – عربيًا”، على عكس قاموسنا “عربي – صومالي”، ولا يمكنني نفي أو تأكيد كون قاموسنا هو الأول من نوعه، حتى يثبُتَ أيٌّ من الحالين بالدليل القاطع، إذ لم نسمع أو نرَ وجود نسخة مطبوعة لقاموس سوى قاموسنا، وعليه يبقى اسم قاموسنا “القاموس الأول” على كلٍّ حالٍ تلافيًا للمرور من جديد، في روتين الإجراءات الرسمية التي تستنزف الكثير من الوقت والجهد والمال.

كلمة اخيرة الى قرائك الشغوفين للحصول على هذا القاموس؟

بداية أحبُّ ان أبشّر الجميع بأننا نتفاوض الآن مع وكلاء لنا في عدد من الدول التي تحوي جاليات صومالية كبيرة، ونرحّب بكل من لديه الرغبة في القيام بذلك الدور، إيًا كان دفاعه سواءًا كان ماديًا أو معنويًا، وإننا ايضًا بصدد إقامة حفل توقيع للكتاب في مدينة أبوظبي، وسنعمل على التواصل مع المسؤولين الصوماليين والمهتمين لتنظيمه، وأريد كذلك من الأفراد الراغبين في الحصول على نسخ، أن يكونوا صبورين معنا وأن لا يتخلّوا عن فكرة الحصول على نسخة لهم، وأخرى يهدونها لمن يحبّون، وأن يضعوا نصب أعينهم أن مشروعنا هذا، لن يمكنه الاستمرار دون دعمهم والوقوف معه بسخاء، خاصة أننا نسعى لتحقيق أكبر نجاح ممكن في إيصال نسخ القاموس بقيمة ميسّرة للتلاميذ والطلبة ومن هم في حاجة إليه داخل الوطن، لذا لن أبالغ إن قلت أن كل نسخة يتم شراؤها في المغتربات، ستتيح وصول نسخة لتلميذ او طالب أو راغب في اقتناء الكتاب داخل أرض الوطن، كما أن تشجيع عملنا هذا عن طريق الحصول على الكتاب، سيتيح لنا القدرة على الاستمرار في التقدم بالمشروع من حيث إصدار طبعات جديدة من ناحية، والانتقال للمرحلة التالية من ناحية أخرى، وهناك شيءٌ آخر أريد أن أضيفه، وهو اننا سنسعى إلى وصول الكتاب إلى كل مكان قد يكون فيه صوماليون مهتمون بالأمر، لكن ذلك لا يعني أننا لا نواجه تحديًا في الحفاظ على القيمة المعنوية لهذا لمنتج الثقافي، الذي لا نتمنى أن يُعامَل أو أن نُضطرّ إلى التعامل معه على أنه سلعة استهلاكية، أقل قيمة من الجهد الذي وضع فيه، أو أدنى مما يحمله هذا القاموس من أهداف ومرامٍ.بعد هذا الحوار الثري بالمعلومات والزاخر بكل روح الامل في تثبيت جذور لغتنا مع اديب الصومال الاستاذ محمود عبدي لا يسعني الا شكره على ما قدمه ويقدمه من جهود حتى يضع اللغه الصوماليه في خارطه اللغات..و اشكره بالنيابه عن كتابنا ومثقفينا و الدارسين و الشعب الصومالي الكبير ..اللذي يقدر له هذا الجهد المبذول ..عسى الله ان يجعله في ميزانه و يوفقه لما يحب ويرضى

واتمنى كما يتمنى الجميع ان تكون هذه الخطوه هي الاولى وليست الاخيرة …لاثراء مكتبتنا الصوماليه بكل ما هو مفيد لجيلنا اللذي عانى الامرين تحت وطأة الحروب …وان ننتقل باقلامنا الى مستقبل افضل للجميع.

شكرا لكم على القراءة الطيبه

---------------- هوامش -----------------------
  1. صفحتنا في شبكة التواصل الاجتماعي face book، و مدونتنا ( للحب للوطن/Somali future) كذلك []

7 تعليقات

  1. لقد اطلعت كتاب الأخ محمود بعد أن أهداني نسخة خاصة لي_ أشكره عليها _ فاستمعت بها واستفدت وأرى ه كما قال الأخ راية الحقيقة في هذا براءة اختراع له ويستحق الجوائز بسببه

  2. تحجبي أخي الكريم، فهو أتقى لربك، وأقرب لثقافتك

  3. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,تحية حارة لدكتورتنا هبة شوكري وكعادتك دائما رائعة وهذه لفتة طيبة منك أن أجريت هذا الحوار الهام مع كاتبنا المميز الأستاذ محمود محمد حسن عبدي.

    وكل الشكر والتحية والتقدير للأستاذ محمود على هذا المجهود الشاق والذي أسفر على حصول المكتبة الصومالية على هذا القاموس العربي-الصومالي,وليجعله الله في ميزان حسناتك ويجزيك على كل حرفا فيه.

    راجيا مواصلة هذا الخط الثقافي مع علمي بعزمك على ذلك ولاسيما لوجود الحاجة الماسة لمثل هذا العمل الفريد.

  4. وتستمر رحله الصعود لبلدي العزيز

    ماشالله عليك اتمنى ان يجزيك الله كل الخييرعن مجهودك الكبير على هذا المشروع المهم للغايه …. ههههههههههههههههههههههههههههههه والله صح يا مللك اول مره اشعر فيها ان رايه الحقيقه يقول الحقيقه ويتكلم بصفاء قلب ونيه فعلا الله يهديك وانا اوافقك الرأي بأنه يستحق جائزه نوبل للأداب وأيضا جوائز الأدب العربيه

  5. يا اختى هبة هباك الله علما ولم تكتم وعرضت لاخوانك والعالم العربى والعالم اجمعين لكى يستفيدو مقدرك العلمية فلا ننساك ابدا ودخلت رقم الاول لكتاب القاموس فى الصومال وعملك رائع جدا ونسال الله ان يزودنا مثلك

    ولسلام عليكم ورحمة الله

  6. يالله أول مرة أشوف راية الحقيقة يقول الحقيقة ………… ههههههههههههه هداك الله و هدى الله قلبك …. بالنسبه لاخ محمود .. والله أنك في عيون كل الصومال …

  7. الأمة الصومالية ترشحك لنيل الجائزة العالمية ( نوبل للأداب)

    لهذا ننتظر منك مزيد الجهد ، والإبداع ، لتثبت للعالم أن هناك صورة أخرى ،لصومال، غير الدمار، والحروب، والجوع، والبأس.

%d مدونون معجبون بهذه: