الشاهد تحاور السفير محمد شريف محمود حول رؤيته لمؤتمر لندن حول الصومال

السفير محمد شريف محمود نائب مدير المبادرة الصومالية للحوار والديمقراطية

السفير محمد شريف محمود نائب مدير المبادرة الصومالية للحوار والديمقراطية والتي تتخذ من لندن مقرا لها ويشارك في عدد من الأنشطة السياسية المتعلقة بالصومال في العاصمة البريطانية، وله حس وغيرة وطنية عرفه بها جميع من خالطه، وهو شخصية دبلوماسية ذات خبرة طويلة في العلاقات الدولية بحكم عمله الطويل في المجال الدبلوماسي، كما أن لديه اطلاعا على التاريخ الصومالي الحديث وخفايا الدبلوماسية الصومالية بحكم خبرته العملية ومشاركته في الكثير من الأحداث. فقد شغل مديرا عاما لوزارة الخارجية الصومالية ١٩٧٥-١٩٧٨م ثم ممثلا دائما للصومال في الأمم المتحدة ١٩٧٨-١٩٧٩م ثم أصبح سفير الصومال في باريس والممثل الدائم للصومال لدى اليونسكو ١٩٧٩-١٩٨٣م وبعدها انتقل إلى جامعة الدول العربية ليصبح سفير وممثل الجامعة في كل من داكار بالسنغال ونيروبي بكينيا في الفترة بين ١٩٨٣-١٩٨٨م ثم مدير الإدارة الأفريقية بجامعة الدول العربية ١٩٨٨-١٩٩٢م ثم نائب رئيس الإدارة العامة للشئون السياسية في جامعة الدول العربية ١٩٩٢-١٩٩٤م ثم سفير سابق لجامعة الدول العربية في روما ١٩٩٤-١٩٩٩م.

والسفير محمد شريف يكتب حول الشأن الصومالي والقرن الأفريقي في عدد من الصحف والمواقع العربية والإنجليزية منها الجزيرة.نت وصحيفة القدس العربي وجريدة الجارديان البريطانية وشبكة الشاهد بقسميها العربي والإنجليزي، كما تستضيفه العديد من القنوات لتقديم تحليلاته حول الأحداث ويعتبر من القيادات في نشاط المغتربين الصوماليين في لندن.

وسعيا من الشاهد لتوسيع الفهم وتقديم قراءة متواصلة حول مؤتمر لندن فقد توجهت إليه لتحاوره حول رؤيته ونظرته لنتائج مؤتمر لندن حول الصومال الذي عقد في ٢٣ من فبراير. وكان معه هذا الحوار:

سعادة السفير : أرحب بك وأتوجه إليك بالشكر عن إدارة شبكة الشاهد لحديثك معنا عن مؤتمر لندن حول الصومال، واسمح لي بأن أدخل في صلب الموضوع وأسألك مباشرة عن تقييمك للمؤتمر؟

السفير: تقييم هذا المؤتمر ليس أمرا سهلا، ذلك لأن الدول المشتركة فيه يصل عددها إلى خمس وخمسين دولة، مصالحها متباينة، بل ومتناقضة ورؤيتها للأمور غير متجانسة. ويمثل البيان الختامي القاسم المشترك الأدنى الذي يجمع بينها، ثم سيقوم كل طرف بتفسير ما اتفق عليه بحيث يتناسب مع مصالحه. لكن الإيجابيات في هذا المؤتمر كثيرة، منها على سبيل المثال الدور الفعال الذي لعبته تركيا في الدفاع عن مصالح الصومال الأساسية والمشاركة النشطة لدولة قطر الشقيقة، والوجود البارز للمنظمات المحسوبة على الصومال وهما الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي. ففي الوقت الذي ينظرفيه الغرب إلى الصومال من منظور المصالح الأمنية الإثيوبية والكينية، فإن دول منظمة التعاون الإسلامي تنظر إلى القضية من زاوية أن الصومال شعب مغلوب على أمره. يتكالب عليه الطامعون لتمزيق بلاده. ويجب أن يناصره أصدقاؤه الذين أصبحت لهم كلمة في الساحة الدولية. وقد أصبحت لدول منظمة التعاون الإسلامي دور محسوس معترف به بالمساعدات الضخمة التي خصصتها لمساعدة الصومال في مجال المساعدة الإنسانية والتنمية الاقتصادية والتضامن السياسي.

ومن ناحية أخرى اتخذ المؤتمر قرارات إيجابية متعلقة بالمساعدة الإنسانية والتنمية الاقتصادية وتطوير الأقاليم الأكثر احتياجا وبناء قوات الأمن الوطني، كما استطاعت بريطانيا علي هامش المؤتمر أن تقنع كلا من مقدشيو وهرجيسة على الدخول في مفاوضات لحل المشاكل العالقة بينهما.

هذا ويرجع الفضل في عقد هذا المؤتمر إلى الاهتمام العالمي الواسع بالثروات الطبيعية العريضة التي يحظى بها الصومال ولاسيما الغاز والبترول وثروات معدنية أخرى نادرة مثل اليورانيوم ووكذلك الثروة السمكية. وليس بعيدا أن هناك إحساس بالغيرة من النجاح الهائل الذي حققته تركيا في الصومال باستثمارها السخي في مجال إرساء قواعد السلام وإعادة بناء الدولة والتعمير والتنمية، وتحاول بعض الدول سحب البساط منها نظرا للأهمية الاستراتيجية للبلاد علاوة على ثرواتها الاقتصادية. واعترافا بالدور التركي الإيجابي في الصومال تقرر أن يعقد المؤتمر القادم حول الصومال في استنبول في يونيو القادم لمتابعة ما تم إنجازه حتى الآن.

إن هذا الإهتمام الكبير بالصومال سيساعد على تحقيق السلام والاستقرار فيه.

الشاهد: سعادة السفير.. نلاحظ في كلامك نبرة تفاؤل لعل الكثير من المحللين يخالفونك فيها؟

السفير: ليس هناك ما يدعو إلى التشاؤم، فتحليلي يستند إلى حقائق ووقائع. الوضع الداخلي أحسن من اي وقت مضى، فالسلام يسود معظم أرجاء البلاد والعاصمة آمنة، وبدأت الحياة التجارية وحركة البناء والتعمير تدبان، والمهاجرون بدأوا يعودون إلى البلاد والدول بدأت تفتح سفاراتها في مقدشيو، والشخصية الدولية للصومال بدأت تثبت وجودها، والوضع الدولي أيضا أكثر انفراجا، فقد خرجت البلاد من عزلتها الدولية، ولدينا اليوم أصدقاء أقوياء يقفون معنا في السراء والضراء، ومساهمة منظمة دول التعاون الإسلامي بقيادة تركيا في المجال الإنساني وفي محاربة المجاعة والقحط وفى مجال التنمية والبنية التحتية أذهل العالم. وبدأت ثرواتنا تسيل لعاب الدول العظمى، وأصبح موقفنا التفاوضي أقوي. لا أنكر أن هناك من يصطاد في الماء العكر، فإثيوبيا وكينيا تحتلان بلادنا ولسوء الحظ بترحيب من الحكومة المهيضة الجناح، ومصالحهما الإستراتيجية مصونة وهذا ظاهر في البيان المشترك، بينما الصومال غير موجود. الأوليات الان هي تحقيق الوحدة الوطنية والاستقرار وبناء الدولة ومؤسساتها وبناء القوات المسلحة ولكل حادث حديث.

الشاهد: سعادة السفير.. الفصائل الصومالية شاركت في الكثير من المؤتمرات لإنهاء الأزمة الصومالية، في جيبوتي وفي أديس أبابا، في سودري وفي القاهرة وفي نيروبي والخرطوم، واستمرت هذه المؤتمرات أحيانا سنوات أوشهورا، وجميعها فشلت، مؤتمر لندن استغرق سويعات، هل يمكن أن تحل المشكلة الصومالية في سويعات في حين فشلت الجلسات التي استمرت شهورا؟

السفير: الفرق أن المؤتمرات السابقة كانت إثيوبيا هي اللاعب الرئيسي فيها، وكانت تحتفظ بكل الأوراق في يدها، ولم يكن في مصلحتها حل المشكلة الصومالية، بل العكس، لأنها ترى من مصلحتها إغراق الصومال في مزيد من الوحل. وكانت الدول الغربية تناصرها وتؤيد موقفها من الصومال لكونها حليفتها الرئيسية في إفريقيا. وما زاد الطين بلة الموقف الأمريكي من الصومال بعد انسحابها في عام 1993، بدافع الانتقام أطلقت أمريكا العنان لإيثيوبيا لاستباحة البلاد طولا وعرضا. واستمرت إيثوبيا تسيطر على الصومال عسكريا حتى مؤتمر جيبوتي الذي بموجبه تقرر إنهاء الاحتلال الإيثيوبي للصومال. العلاقة الإستراتيجية بين إثيوبيا وكل أمراء الحرب، كل أمراء الحرب معروفة للجميع. الفرق اليوم أن هذا المؤتمر يجمع الدول الكبرى علاوة على دول الجوار، ويريد أن يحقق حلا توافقيا. الفرق أن الظروف اليوم متغيرة. وأصبح للصومال أنصار في الساحة الدولية، وأصبح الوضع الداخلي أقل تعقيدا.

الشاهد: مارك برادبري، الخبير في الشؤون الصومالية، تنبأ بفشل المؤتمر، وكتب قائلا: “إن جميع المؤتمرات الصومالية فشلت والسبب أنها عقدت خارج الصومال وبرعاية أجنبية”، ما تعليقك؟

هذا التعليق لا يصمد أمام التحليل ولا يسنده برهان، هذا المؤتمر يعتبر أهم مؤتمر عقد عن الصومال حتى الآن بدليل عدد الدول المشاركة فيه. وهناك مصالح اقتصادية واستراتيجية تحرك الدول للعمل على استقرار الصومال. لا أعتقد أن الذين يصطادون في الماء العكر سييغيرون لعبتههم المفضلة، إذا أتت الرياح بما لا تشتهي سفنهم. ويلاحظ التركيز علي تقسيم الصومال بحجة تقوية الفدرالية بدون مبرر منطقي معقول.

الشاهد: استطاعت صوماليلاند وكذلك بونتلاند إقرار الأمن في منطقتيهما، بعيدا عن الرعاية الأجنبية، حتى المحاكم الإسلامية نجحت في استعادة الأمن، دون الإستعانة بالرعاية الأجنبية، بينما فشلت جميع الحكومات المستوردة التي قامت تحت الرعاية الأجنبية؟

السفير: لا اتفق معك في أن صوماليلاند وبونتلاند لم تكونا تحت الرعاية الأجنبية. إن مشروع الانفصال في كلا الإقليمين مشروع إيثيوبي. وهذا ليس سرا وهو موثق بالأدلة الدامغة. علاقة عبدالله يوسف بإثيوبيا معروفة منذ محاولته الإنقلابية الأولى ضد زياد بري. وهي التي نصبته رئيسا على بونتلاند بأسنة رماح الجيش الإثيوبي رغم هزيمته في الانتخابات الرئاسية من قبل غريمه جامع على جامع. ونفس الشيئ ينطبق على صوماليلاند. لقد اشترطت إثيوبيا مقابل مساعدة الحركة المسلحة في الشمال ضد زياد بري تبني مشروع الإنفصال. والمخابرات في الإقليمين تخضعان للإدارة الإثيوبية طبقا لمعلومات موثقة من مجموعة الأزمات الدولية. وسيطرة إثيوبيا السياسية والأمنية في الإقليمين واضح لكل ذي عينين.

الأمن أيضا غير متوفر، فمشروع الانفصال في كلا القطرين لا يحظى على توافق شعبي، وهو مفروض بقوة السلاح. والاضطرابات السياسية والتصفيات الجسدية سائدة ومنتشرة، والمواجهات المسلحة بينهما غير بعيد عن الأذهان. لا أنكر أن هناك إنجازات في المجال الاجتماعي والاقتصادي والعمراني تحققت في كلا القطرين، وهذا شيئ محمود. ويجب ألا ننسى أن القوى الأجنبية تحاول تثبيت الأوضاع في كليهما، لأن الهدف الاستراتيجي تحقق، وهو الانفصال. ولذلك تغرق وسائل إعلام العالم بالكلام المعسول عن أهازيج الاستقرار. وكأن نجاة الصومال تعتمد على تقسيمه إلى جمهوريات بعدد قبائل الصومال.

الحكومة الإنتقالية الفدرالية تخضع أيضا للهيمنة الإثيوبية ولذلك ترحب بدورها في خلق حقائق سياسية على الأرض في إقليم باي وبكول وهيرا ن وجلجدود، كما تفعل القوات الكينية نفس الشيئ في جوبا السفلى وجدو.

الشاهد: في مقالك في جريدة الغارديان البريطانية، ذكرت أن “إثيوبيا عملت كل ما بوسعها لإفشال أي محاولة لاستعادة الدولة الصومالية، وفي سبيل ذلك دربت المليشات ومولتها”، هل إثيوبيا مستعدة لتغيير سياساتها؟

لا، إثيوبيا غير مستعدة لتغيير سياساتها، بدليل أنها اختارت يوم افتتاح مؤتمر لندن عن الصومال، ليعلن رئيسها ملس زناوي سيطرة الجيش الإثيوبي لكل من إقليمي باي وبكول، وكأنه يتبجح بادعاء أنه هو الذي يقرر مصير الصومال.

الشاهد: في محاضرتك في “رابطة الأمم المتحدة” فرع أكسفورد، ألمحت إلى أن إثيوبيا تحتل أجزاء من الأراضي الصومالية وغير مستعدة للتخلي عنها، فهل يمكن أن يسود الأمن في البلاد بدون التنازل عن الأراضي الصومالية المغتصبة؟

السفير: لم أقل شيئا من هذا القبيل، استنتاجك في غير محلّه. أنا تحدثت عن السياق التاريخي لتقسيم الأراضي الصومالية، ثم أشرت إلى الخلاف الصومالي الإثيوبي قبل نشأة الدولة الصومالية وبعدها، وأسباب اللجوء إلى الاتحاد السوفيتي لتكوين الجيش الصومالي. أما بشأ ن المنطقة الصومالية من إثيوبيا، فالشعب الصومالي هناك هو الذي يقرر مصيره.

ويمكن أن يسود الأمن في القرن الإفريقي لو التزمت جميع الدول بعلاقات حسن الجوار واحترام السلامة الإقليمية والسيادة الوطنية لكل الدول المعنية.

الشاهد: في مقالك “الصومال كان مشهدا جانبيا للحرب… ضد الإرهاب”، قلت “إن الحرب الأمريكية على الإرهاب هي وراء المجاعة الرهيبة التي يعاني منها الصومال، ليس ذلك فحسب، بل إن السياسات الأمريكية كانت وراء كل مآسي الصومال منذ إعلان الإستقلال حتى اليوم. لقد كانت الولايات المتحدة وراء دفع وزج الصومال في الحرب ضدإثيوبيا، ثم وضعه في مأزق افتقاد مصدر السلاح، فنزعه، وأخيرا بفرض العزلة الدولية عليه وتجفيف كل منابع المساعدات الدولية عنه. ولقد كان هذا العامل، إضافة إلى العوامل الداخلية الأخرى، وحرب الاستنزاف الإثيوبية هي التي أدت إلى انهيار الدولة” على ضوء ذلك، هل السياسة الأمريكية تجاه الصومال حاليا تغيرت؟

السفير: سياسات الدول تنطلق من مصالحها الاستراتيجية، وهذه المصالح ثابتة. ولما كانت إثيوبيا، حليفتها الرئيسية في إفريقيا في استراتيجيتها الكونية، فإنها تتبنّى المصالح الإثيوبية الإقليمية. الصومال أيضا مهم استراتيجيا، وكما قال أحد الخبراء الأمريكيين المتخصصين في الشئون الصومالية،”أنّ الولايات المتحدة تعتمد على حليفتيها إثيوبيا وكينيا أن تسلما إليها الصومال مقسما ومقطوع الأوصال على طبق من ذهب”. لكن الدول تكيف وتطوع سياساتها لكي تتلائم مع المستجدات والمتغيرات في الساحة الدولية. السياسة الأمريكية التي تقوم على الاعتماد على أمراء الحرب وإيثوبيا قد فشلت مرتين، المرة الأولى عندما هزمت اتحاد المحاكم الإسلامية أمراء الحرب المدعومين أمريكيا، والمرة الثانية عند ما عجز الغزو الإيثيوبي الأمريكي عن كسر شوكة المقاومة الوطنية تحت قيادة المحاكم الإسلامية. ثم رعت الولايات الولايات المتحدة مفاوضات مؤتمر جيبوتي التي أصدرت توصيات تعتبر نسخة معدلة لنفس السياسية الإيثوبية –الكينية المعتمدة في وثائق “مبجاتي” والتى جرى التصديق عليها من قبل الولايات المتحدة. ولما كانت حركة اتحاد المحاكم الإسلامية أثناء مفاوضات جيبوتي منقسمة على نفسها، ورفض جناح الشباب وجناح طاهر شيخ عويس التفاوض، فلم يكن الشيخ شريف في مركز يؤهله للحصول على مكاسب مهمة، رغم أن التفاوض في حد ذاته كان موقفا جيدا.

لكن الجديد هو وجود اهتمام دولي بالصومال ولاسيما من قبل دول منظمة التعاون الإسلامي التي تتعاطف مع الصومال، والتي أبلت بلاء حسنا في مواجهة مشكلة المجاعة والقحط، وقدمت مساعدات هائلة في ظروف أمنية غير مواتية، الأمر الذي أذهل العالم، بينما وقفت هيئات الإغاثة الإنسانية الغربية متفرجة لا تحرك ساكنا تحت زعم أن أية مساعدة تقدم تخدم للإرهاب. ليس ذلك فحسب، بل خصصت هذه المجموعة ميزانية ضخمة تصل إلى مليارت الدولارات لتقديم المعونة في المجال الإنساني والتنموي وبناء مؤسسات الدولة حتى تقف البلاد على قدميها.

والمبادرات التركية الكريمة التي تعكس روح التضامن قد وحدت الصوماليين وشدت أزرهم ورفعت روحهم المعنوية وقوت من المكانة الدولية للصومال. وليس بعيدا أن تدخل الصين الساحة فتتغير موازين القوى. كل هذه المتغيرات ستجعل الولايات المتحدة تعيد حساباتها في الصومال.

الشاهد: هل توافق القائلين بأن التدخل الأجنبي سبب رئيسي في بروز القاعدة في الصومال؟

السفير: لا شك أن سياسات دول الجوار في تمزيق الصومال وتدمير الدولة الصومالية وإشاعة الفوضى وبث الفتن لتشجيع الاقتتال بين القبائل والتدخل الأمريكي في أوائل التسعينيات، ثم الغزو الإيثيوبي في 2006 ثم السياسات الأمريكية المناهضة للإسلام والمسلمين، أدت إلى تغلغل القاعدة وبروزها كطرف منقذ. إن السياسة المتبعة من قبل الغرب تجاه الصومال لمدة طويلة القائمة على دفعه إلى طريق مسدود والاستفراد به في معارك عبثية تحت وصاية أمراء الحرب وعزله عن العالم بحجة كونه مرتعا للإرهاب، كل ذلك ترك المجال فسيحا للقاعدة التي تبحث عن ملاذ آمن.

الشاهد: لكن: يا سعادة السفير: هل التواجد الأجنبي يمنح القاعدة المبرر الأخلاقي لحربها ضد الحكومة الفيدرالية؟

فاقد الشيئ لا يعطيه، القاعدة لا تملك شرعية الوجود، فكيف نبحث عن مبرر أخلاقي لمبدأ فاسد من أصله. القاعدة حركة سياسية متخلفة وغيرمسايرة للعصر، أضرت بقضايا التحرير للشعوب الإسلامية أكثر ممّا أضرّت بخصومها، وأساءت إلى قضية الصومال وفلسطين وقضايا الشعوب الإسلامية الأخرى بالتشويش عليها وعلى بقية القضايا العادلة وإفقادها التأييد العالمي.

الشاهد: كيف يمكن للصومال التغلب على القاعدة مع التواجد الأجنبي؟

القاعدة في الصومال شرذمة من شذاذ آفاق من الأجانب الضالين والتائهين وضعاف العقول الذين استدرجوا في قضية خاسرة. لقد هزمت شقيقتها “الشباب” التي تحتضنها، إذن النتيجة محسومة لها، لا سيما وأن ليس لها جذور داخلية، ومدانة من الجميع.

الشاهد: لكن يا سعادة السفير، لا يستطيع أحد أن يتجاهل أن القاعدة صمدت عشر سنوات في وجه الولايات المتحدة التي بدأت تشعر بوطأة الحرب على اقتصادها؟

السفير: لا اتفق معك في هذا الإستنتاج. القاعدة أضرت بأفغانستان وتسببت في تدميره واحتلاله. هي لا تملك رؤية استراتيجية وإنّما تمارس الإرهاب، والإرهاب لا يحرك ساكنا ولا يخلق واقعا سياسيا. أماّ الذين يقاتلون فهم “طالبان” وهم أفغانيون، وهم ينطلقون من منظور وطني، وقد اشتهر الأفغانيون بالشجاعة والصلابة. وعلى مدى التاريخ ضربوا المثل في الاستبسال ضد الغزاة، وقد كانت آخر بطولاتهم مقاومتهم للاحتلال البريطاني ومن بعد ذلك الاتحاد السوفيتي. أشفق عليهم في معاناتهم، وأرجو من الله أن يوفقهم في تحقيق تطلعاتهم في التخلص من الاحتلال ، وطموحاتهم في التحرير والنصر.

الشاهد: يقول الباحث والمحلل السياسي محمد الأمين محمد الهادي مدير مركز الشاهد في قراءته لنتائج مؤتمر لندن “ما يعيب المؤتمر أنه اعتمد المقاربة الأمنية والعسكرية وجعلها المدخل لحل الأزمة السياسية وغيرها، بينما يعرف الجميع أن المشكلة الأمنية والعسكرية والقرصنة واللاجئين والمجاعة التي ركز عليها المؤتمر، إنما هي أعراض للأزمة السياسية التي تولد قوى وتحديات، كلما استمرت ولم تجد لها حلا جذريا”، ما تعليقك؟

هذا، صحيح، ومع ذلك فإن القضية الأمنية تظل جوهرية، لأنه لايمكن مواجهة المشاكل العالقة كالاستقرار وبناء الدولة والتنمية وبناء المؤسسات وتوحيد البلاد دون حلّ مشكلة الأمن. نحن نبدأ من نقطة الصفر ولانملك مؤسسات وطنية أمنية. نحن نعلم أن الأمن في يد قوات الأميصوم التي تخدم المصالح الأجنبية. ولكنه شرّ لا بد منه في المرحلة الحالية.

الشاهد: هل لمصر دور في إفشال المصالحة بين الصوماليين؟

لا، مصر لعبت دورا رئيسيا ومحوريا في مساعدة الصومال على تحقيق الاستقلال في الفترة بين 1950 – 1960 بحكم عضويتها في المجلس الاستشاري التابع للأمم المتحدة الذي كان يقوم بمراقبة تصرفات الحكومة الإيطالية الوصية على الصومال. ولكونها أهم دولة عربية وإسلامية وإفريقية في تلك الفترة. واستمرت مصر تساعد الصومال بعد الاستقلال في بناء الدولة ومؤسساتها وإعداد الكوادر ودعمه في مواجهة التحديات من دول الجوار التي كانت تعارض استقلال الصومال. لكن الدور المصري البارز تقلص في عهد الرئيس حسني مبارك، وانحسر اهتمامها بهمومها الداخلية ، وتنسيق سياساتها مع الولايات المتحدة والغرب. وغياب مصر في الساحة الإفريقية بصفة عامة والقرن الإفريقي بصفة خاصة أدّى إلى استفحال الدور الإثيوبي، وشجع الغرب على جعل إثيوبيا قوة إقليمية مهيمنة تمخض عنه انفصال جنوب السودان وتشتيت الصومال الى كانتونات تابعة لإثيوبيا. لا مصر لم تفشل المصالحة، ولم يكن لها دور، ولم يسمح لها بأن تلعب دورا.

الشاهد: كثير من المحللين يشيرون إلى عامل البترول كسبب وراء عقد مؤتمر لندن، لماذا نحن كصوماليين لا نفهم أنّ العلاقات الدولية مبنية على المصالح المتبادلة؟

السفير: نحن نفهم أن العلاقات الدولية مبنية على المصالح المتبادلة، ونحترم هذه المصالح. ويهمنا تنمية مواردنا البترولية، وبعد استخراج البترول سيكون موقف الصومال أقوى في التفاوض. وقدرته على فرض إرادته سيكون في وضع أفضل.

سعادة السفير مرة أخرى، أتوجه لكم بالشكر نيابة عن إدارة الشاهد، ونرجو أن يكون لنا لقاء آخر.

السفير: شكرا للشاهد على إجراء هذا الحوار وعلى دورها البحثي والإعلامي الذي كان مفتقدا في الصومال.

%d مدونون معجبون بهذه: