حوار مع الناشطة الصومالية رندا محمد براله

أجرت الحوار معها الكاتبة سمية شيخ محمود.

                ” السّلام حقّ للإنسان وبدونه يقفد قيمته!”.

تفخر الصومال بأن لها تاريخاً متصالحاً مع تاء التّانيث، فأغلب البيوت تقوم على المرأة، إما بسبب هجرة الرّجل، أو عجزه عن العمل لسبب ما، أو حمله السّلاح أحياناً أو حتى إدمانه مضغ القات والتخزين أحياناً أخرى، رندا براله رئيسة جمعية دلسن النسائية الخيرية نموذج حيّ لفتياتنا الصوماليّات، قالت:” لا أتقن فنّ التّعبير عن الذّات” فإذا هي تعبر عن جيل صومالي عاش في الغربة وأضناه الشوق إلى وطن! ووافقت على هذا اللقاء مع الشاهد، ((جاء ف لتقول أن ثمّة أمل مهما طالت حقبة الظّلام البائسة.

الشاهد: مرحباً بك على الشاهد أستاذة رندا، حدثينا عن نفسك. من هي رندا براله؟ كيف نشأت؟ .

أهلاً بك، اسمي رندا محمد براله صومالية الأصل والجنسية من مواليد الكويت وأعيش فيها منذ صغري. حقيقة أجد التحدث عن نفسي أمراً في غاية الصعوبة ولا أتقن هذا الفن ” التعبير عن الذات” بتاتاً .. وسأحاول التّحدث عن جانب كان له بالغ الأثر في حياتي، فقد ولدتُّ في الكويت- كما ذكرت- لكننا عدنا أنا وأسرتي للإقامة في الوطن في سن الثالثة، أتمنى لو أستطيع أن أتذكر طفولتي في وطني غير أني لا أتذكر أيّ شيء أبداً من تلك الفترة سوى لقطات مفزعة عن الصراعات الاهلية التي اشتعلت هناك. وهو ما يجعلني أحزن كثيراً على أحوال أطفالنا الجياع في الجنوب فقد مررت بتلك الظروف في يوم من الأيام، وقد منّ الله عليّ وعلى أسرتي بالعودة السالمة الى الكويت أواخر الثمانينات. وأعتبر نفسي محظوظة إذ أنّ الكثيرين من الأطفال قد فارقوا الحياة في رحلات النزوح تلك، ولايزال الملايين يعانون بسبب الظروف ذاتها، ويبدو أنه كتب لنا أن نعيش حرباً اخرى خارج ديارنا فبعد عودتنا للكويت بعام اندلعت حرب الخليج الثانية عام 1990م، و هو ما كان له الأثر النفسيّ البالغ على الاطفال الذين عايشوا تلك الفترة وقد كنت منهم.

رندا محمد (وسط) من الناشطات الصوماليات في السلام والتنمية، مقيمة في الكويت

لقد اخترت أن أشير هذه المرحلة من طفولتي ليس على سبيل الذكر فقط، وإنّما لأقول أن سبب عملي في المجال التّطوعي وخدمة المجتمع والعمل الإنسانيّ لم يأتِ من فراغ بل عن إيمان بأنّ السّلام حقّ للإنسان وبدونه يقفد قيمته، ويعيش تائهاً مدى الحياة لا ينتمي لشيء، وإذا لم يفهم أبناء شعبي ذلك فإن هناك العديدين ممن سيعيشون حروباً وصراعات وأزمات إنسانية مستقبلية قد تفتك بالمزيد من الأرواح.

الشاهد: ماذا عن دراستك؟.

أنا خريجة إعلام، قسم إذاعة وتلفزيون، من جامعة الكويت عام 2008م، عملت في المجال الإعلامي منذ تخرجي، كمراسلة ثم صحافية ثم محررة تلفزيونية وبعدها مذيعة.

الشاهد: أنت رئيسة جمعية دلسن النسائية الخيريّة، ما هي هذه الجمعية؟.

جمعية دلسن النسائية هي أول جمعية للمرأة الصومالية في الكويت، وتعنى بشؤون المرأة بشكل خاص والمجتمع بشكل عام. ولدت الفكرة في مايو 2009م، في اجتماع مبدئي عقد بين مجموعة من الشابات الصوماليات للنّظر في كيفية تنفيذ الفكرة على أرض الواقع، ولله الحمد و المنّة تم إشهارها في إبريل 2010م، أي تفريباً بعد عام من التخطيط والمشاورات مع جهات مماثلة في الكويت سبقتنا في مجال منظّمات المجتمع المدني، ومن هنا أودّ توجيه الشكر والتقدير للأصدقاء في الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية في الكويت على دورهم الإرشادي الكبير في بدايات تأسيس دلسن.

الشاهد: ما سر هذا الاسم للجمعية؟ وما معناه؟.

أردنا للجمعية اسما يعكس هويتنا والهوية بالطبع مرتبطة باللّغة لذلك قررنا أن يكون اسم الجمعية بلغتنا الأم، واخترنا اسم دلسن، وهي كلمة مركبة من مقطعين، “دَلْ” أي الوطن، و”سَنْ” أي الطيب أو الخيّر أو المبارك. وأميل إلى ترجمة الكلمة بـ “الوطن المبارك” تفاؤلاً بتحقيق ما نصبو إليه من خلال عملنا الإنسانيّ الخيريّ الذي لا ننتظر من ورائه جزاءاً ولا شكوراً، وإنّما أجر وثواب من الله تعالى في الدنيا والآخرة، وأن يكون له انعكاس إيجابي وأثر طيب على أبناء شعبنا.

الشاهد: وهل من بين أعضائها رجال؟ أم هي فعلاً نسائية؟ .

لا يوجد أعضاء ذكور، بل الفكرة نسائية بحتة من حيث التأسيس والعضوية والمشاريع والتنفيذ، والسبب هو ان دلسن هي انعكاس لما نريده أن نطبقه كصوماليات على أرض الواقع بحيث تكون لنا بصمتنا كما كان لإمهاتنا وجداتنا، وهي حلقة لاستكمال مسيرة المرأة الصومالية من خلال الاستفادة المثلى من الفرص التي اكتسبناها في المهجر من تعليم واختلاط بثقافات مغايرة من الممكن ان تثري عملنا وتساهم كثيراً في خدمة بلادنا وأمتنا خاصة في ظل الظروف والأوضاع الراهنة هناك.

الشاهد: لماذا وجدت هذه الجمعية وما هي رسالتها؟ .

كان دافعنا انطلاقا من إيماننا بضرورة دور المرأة في تنمية المجتمعات، ولخلق صورة أكثر إيجابية عن المرأة الصومالية واستكمال دورها الرياديّ في عملية التقدم والبناء، لتكون بذلك مواطنة صالحة وعنصراً فاعلاً في درب نهضة وطنها ونافعة لأمتها. أما رسالة جمعية دلسن فهي: النهوض بمستوى المجتمع على كافة المستويات وتوعيته من خلال دعم الدور النسائي وتفعيله في مؤسسات المجتمع المدنيّ وذلك من أجل تحقيق التنمية الشاملة.

الشاهد: ما هي أبرز النشاطات التي قامت بها الجمعية منذ تأسيسها؟.

قامت جمعية دلسن بالعديد من الأنشطة منذ تأسيسها، منها فعاليات اليوم العالمي للبيئة في يونيو 2010م، حيث سلّطنا الضوء على التّلوث البيئي العالمي وخاصة في وطننا حيث ينعكس الوضع الأمني سلباً على البيئة من خلال استغلال بعض الجهات للشواطئ الصومالية غير المحمية ورمي النفايات السّامة ما يؤثّر بدوره على صحة المرأة والطفل على وجه الخصوص، وبالتالي على المجتمع بأسره.

وكذلك أحيينا اليوم العالمي للتبرع بالدم في يونيو 2010 / 2011م، وهي مناسبة دولية استغللناه للتشجيع على مبدأ العطاء والبذل والتّطوع دون مقابل، وإنقاذ الأرواح، كما قال تعالى: ﴿ وَمَن ْأَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾، وقد قمنا بهذا النشاط لعامين على التّوالي ولله الحمد، وكان له أثر طيب على نفوس الأوساط الصحية والإعلامية في الكويت وساهم في إبراز الوجه المشرق لأبناء الصومال.

ومن النشاطات التي نعتز بها، انعقاد النادي الصيفي للفتيات من سن 11 وحتى 18 عاماً، باسم” صيف بأقواس المطر ” في يوليو 2010م، حيث قدمنا برامج تربوية وتعليمية وترفيهية وتثقيفية من خلال عمل دورات لغة انجليزية وصومالية وتطوير الذات وأيضاً فنون التزيين والتشكيل فضلاً عن الطبخ هذا بالإضافة للجانب الديني من مسابقات حفظ قرآن وحصص دينية وكان له صدى كبير في نفوس زهراتنا الصغيرات، وأولياء الأمور أيضاً ولله الحمد.

وفي رمضان أقمنا مهرجاناً تحت عنوان “ليالي الجمان” في أغسطس 2010م، وكان يتضمن محاضرات للشباب من الجنسين وأخرى خاصة للنساء فقط. إضافة لمعرض خيريّ هو الأول من نوعه وتمّ تخصيص ريعه لأعمال الجمعية الخيرية في الصومال.

وكذلك “برنامج دلسن لتأهيل المتطوعين” في يناير 2011م، وكان الهدف منه تشجيع الشباب من كلا الجنسين على مبدأ التطوع والعطاء دون مقابل وخدمة المجتمع لما له من أثر عميق على شخصية الإنسان، وبالتالي على المجتمع والبلد، ووزّع المتطوعون على عدة جهات إنسانية في الكويت لمدة شهر وبعد انتهاء تدريبهم كرّمتهم تلك الجهات وجمعية دلسن.

ومن نشاطتنا الأكثر تأثيراً “حملة أنر حياتهم” للتبرع بالكتب للجامعات والمكتبات في أرض الوطن، ابتداءاً من ابريل 2011م، وشخصياً اعتبره من أضخم مشاريع الجمعية حتى اللحظة حيث جمعنا آلاف الكتب من جهات عدة في الكويت ومن أفراد من كافة الجنسيات. ووزعت الكتب لصالح جامعة مقديشو، وجامعة هرجيسا، وجامعة شرق إفريقيا في بوصاصو، ومكتبة جاروي للأطفال، وغيرها!.

وفي الفترة الحالية هناك عدة انشطة قيد الإعداد، وسيتم الكشف عنها حينها ان شاء الله تعالى. وأوجّه الشكر لكل من ساهم معنا في كافة مشاريع الجمعية.

الشاهد: هل قدّمت الجمعية مساعدات أو ساهمت في التخفيف من حدّة المجاعة التي تعصف بأبناء الجنوب الصومالي؟

بالتأكيد فمنذ الوهلة الأولى انعقد اجتماع طارئ للنظر في كيفية تقديم شيء ملموس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ولو كان تحركاً بسيطاً وكانت ان اتحدت الجهود الصومالية في الكويت من سفارة وجمعية دلسن ومجلس جالية واتحاد طلبة، وأطلقنا “حملة الصومال ينادي” في يوليو 2011م، وبعد تجميع مبلغ مادي وتبرعات عينية من ملابس ومواد غذائية ونحن نستعدّ بإذن الله للسفر مع طائرات الإغاثة الكويتية للمساهمة في توزيع المساعدات .

الشاهد: ما هو الدّور الذي تلعبه الجمعية في ربط الأجيال التي ولدت ونشأت في الغربة بالوطن؟
نحاول قدر الإمكان ربط الجيل الحالي بالوطن فهم ثروتنا المستقبلية من خلال التّأكيد على استخدام اللّغة الصومالية في خطاباتنا ووسائلنا الإعلامية الموجّهة إليهم كما نحرص على إعطاء دورات في اللّغة والثقافة الصومالية فضلا عن تنظيم معارض عن الصومال والتراث والحياة الصومالية القديمة، إضافة إلى الأدب الصومالي والشعر من خلال عدة أنشطة مثل النادي الصيفي/ معرض الأسر المنتجة/ مهرجان ليالي الجمان، وغيرها من الانشطة التي حرصنا ان يكون فيها لمسات من الوطن الجميل.

الشاهد: كيف هي الجالية الصوماليّة في الكويت؟ وما هي أبرز المعوقات التي تواجهها؟.

نحمد الله ونشكره فالكويت من أكثر الدول التي تمد يد العون والمساعدة للشعب الصومالي وترحب به وتذلل الصعوبات أمامه بسبب ما يعانيه وطننا من أزمات وقد وفرت التعليم المجاني دون قيود أو شروط لأبنائنا وهو أمر نتميز به عن بقية الجنسيات العربية والأجنبية في الكويت وبعد الله أودّ توجيه الشكر للكويت أميراً وحكومة وشعباً على معاملتها الطيبة مع الصوماليين ووقوفهم إلى جانبنا دائماً.

الشاهد: هل زرت الصومال بعد أن كبرت؟ متى؟ وماذا كنت تتوقعين؟ وماذا وجدت؟.

نعم زرتها في عام2007م، قررت أن أزور وطني مجدداً عن قناعة في رحلة انفرادية للتّعرف على أحوال البلد، بعد أن كنت غير مهتمة إطلاقاً به قبل ذاك، كنت متشوقة جداً، ولا أعرف لماذا؟ ولكنني كنت متفائلة جداً ومتحمسّة للوصول إلى هناك، ورغم كل معالم البساطة إلا أنني لم أصدم بل كنت فرحة طوال الوقت في طريقي من المطار إلى المنزل ولم أتوقع الكثير بل تركت لنفسي فرصة استكشاف الوطن من جديد، وما هي أحواله دون اي أفكار مسبقة، وكم أحببت تلك الزيارة. لأنني وجدت أناساً متمسكين بالأمل والإيمان بغدٍ أفضل رغم صعوبة وضعهم، ومقتنعين بما لديهم من قليل حققوا فيه الكثير من السّلام والوئام وأنا هنا أتحدّث عن الشّطر الذي زرته -هرجيسا- داعية الله القدير أن يمنّ على الصومال أجمع بالأمن والسلام ومستقبل أفضل، ووجدت كذلك شباباً يملؤه الطموح في أن يعيش كغيره من الشباب في العالم، يودّ أن يتعلّم ويعمل ويرتحل ويسافر ويجرب حظّه في هذه الحياة وهذا ما ترتب عليه عمليات مستمرة وكبيرة لتهريب البشر من بلادنا إلى أوروبا التي يحلم بها معظم شبابنا لسوء الأحوال الاقتصادية هناك وهو ما أحزنني كثيراً.

الشاهد: سُعدنا بلقائك يا رندة وفّقكم الله في إنجاز المزيد من أعمال الخير.

تعليق واحد

  1. إذا نشر في الجزيرة تولك .. فلماذا نشرتم في هذا الموقع .. أليس من المهم أن نحفظ معايير الخصوصية .. وأين ذهب رجال الموقع ؟؟ لاجراء حوارات مع صناع القرار ..مراقب

%d مدونون معجبون بهذه: