حوار خاص مع الباحث والكاتب الصومالي الدكتور عبد القادر معلم محمد جيدي [2-3]

الجزء الثاني من الحوار مع الباحث الصومالي الدكتور عبد القادر معلم محمد جيدي :

 الشاهد : استنادا إلى بعض منشوراتك في مواقع التواصل الاجتماعي فإنك تحذر دائما الشباب من التأثر بالنعرات القبلية والمناطقية؛ فكيف لنا الخروج من ذلكم المأزق الخطير؟

أخي الكريم هنالك اليوم تحديات كبيرة أمام الصوماليين، لا يمكن لهم أن يتجاوزوها على شكل قبائل أو عشائر. صارت لدينا اليوم أزمة هوية، بالأمس كنا نفتخر بأننا أمة صومالية تتميز بوحدة التجانس المشترك ( دين واحد، ولغة واحدة، أصل واحد وتاريخ مشترك، تقاليد وثقافة مشتركة إلى آخره) وهذا رأس مال ثمين كانت تعتز به أمتنا – ولا زالت – لكننا اليوم بالفعل نعيش أمام تحديات كبيرة تهدد هويتنا الموحدة، إذ صار هنالك مسلمون وغير مسلمين، بل هنالك من يدعو إلى أديان ومذاهب جديدة، هنالك من تنصروا ويدعو إلى التنصير ويتبجح بسب الدين الإسلامي أمثال المارقة أيان حرسي، وهنالك من يدعو إلى التشيع. إضافة إلى فكر التكفير وغيره من الأفكار والأيدلوجيات الهدامة !!!.

أما ما يتعلق بجانب اللغة الموحدة: اللغة الصومالية في خطر، ولم تعد هي اللغة التي يتحدث بها كل الصوماليين في العالم، وهنالك من يخاف من انقراضها بعد أن تم استبدالها بلغات أجنبية متعددة، فملايين الصوماليين الذين هاجروا إلى الخارج تربى أبناؤهم على ثقافات ولغات أجنبية، وهنالك جيل صومالي كامل في المهجر ، فاقد لهويته وثقافته الصومالية، اللغة الصومالية واللغة العربية تاريخيا كلاهما تعايشا، وكلتاهما في خطر ماحق في الصومال بعد أن استبدالهما بالانجليزية على الرغم من أنهما اللغتان الرسميتان دستوريا في البلاد.

أما النعرات القبلية التي ذكرتها في سؤالك، فالقبلية والجهوية يهددان اليوم وجودنا كدولة في منطقة القرن الأفريقي، ونكاد نفقد أهم مكتسبات دولتنا، وهي الحرية والاستقلال والوحدة ووجودنا كدولة في الخريطة السياسية، لأسباب داخلية من بينها النعرة القبلية وأسباب أخرى بسبب الأطماع الخارجية الأجنبية الذين يستغلون من ضعف وهشاشة وضعنا الداخلي.

لا أنكر أن للقبيلة دورا اجتماعيا يتمثل في التكافل الاجتماعي، ومساعدة ذووي القربى وصلة الأرحام، وتشجيع المصاهرة، ودفع العلاقات الإيجابية بين العشائر المختلفة، لكن القبيلة لا تصلح لأن تملأ مجال السياسة، وإدارة الدولة، وتحقيق المصلحة العامة،

إن العشيرة الواحدة حتى ولو اجتمعت عن بكرة أبيها، لا يمكن أن توفر الخدمات الأمنية والصحية والاقتصادية والتعليمية التي يحتاج إليها فرد واحد في المجتمع، خذ مثلا الخدمات الأمنية التي يحتاج إليها كل فرد منا، هل يمكن للعشيرة أن توفر الأمن الداخلي لفرد واحد ( الأعمال الشرطية والمخابراتية التي يحتاجها الفرد مثلا ) أو توفر الأمن الخارجي الذي يحتاج إليه كل فرد في المجتمع ( دور الجيش في الدفاع عن الوطن من العدو الخارجي)، هل يمكن لعشيرة واحدة أن توفر تلك الخدمة لشخص واحد؟ لا وألف كلا.

اما في مجال الخدمات الصحية، فهل يمكن لعشيرة واحدة أن توفر الخدمات العلاجية التي يحتاج إليها شخص واحد في العشيرة. مثلا: هل تستطيع عشيرة واحدة أن توفر التخصصات الطبية التالية التي يحتاج إليها كل فرد منا في حياته: تخصصات العظام ، المخ، الأعصاب، الأنف، الحنجرة، الأذن، العيون بمختلف تخصصاتها، القلب ، الدم ، المناظير، الباطنية بمختلف تخصصاتها، الأمراض الجلدية وغيرها من التخصصات التي يحتاج إليها الفرد، هل يمكن لعشيرتي أن توفر لي كل ذلك، وقل مثل ذلك في التخصصات العلمية التي تحتاج إليها كل أسرة لتعليم أبنائها في مجال التعليم. إذا كانت العشيرة لا تسد حاجة فرد واحد، فهل يمكن أن توفر حاجات ومتطلبات مجتمع بأكمله، يتكون من أكثر من عشرة ملايين نسمة؟!، لا وألف لا،،،،

الانتماء للقبيلة هو انتماء طبيعي، لا دخل للإنسان فيه، فالله هو الذي جعلك صوماليا أو سودانيا أو مصريا، أو من قبيلة فلان أو عشيرة علان، أو جعلك من إفريقيا أو من آسيا أو من أوروبا، هذه أمور من أجل التعارف لا دخل للإنسان فيها، إذن كسبك هو ما تكتسبه أنت بغض النظر عن عشيرتك، قال تعالى في محكم تنزيله: ” وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) ” [سورة النجم] وقوله تعالى : ” كل نفس بما كسبت رهينة” في سورة المدثر، فأنت أيها الإنسان في الصومال عليك أن تختار عضويتك وعليك أن تختار حزبك وولاءك بعقل وحكمة، وعليك أن توسع دائرة اختيارك وخياراتك، حتى تلقى جزاءك ، وتكتسب ما ينفعك في دنياك وفي آخرتك بناء على هذا الاختيار!!!.

 في الصومال نحن في حاجة إلى حركات اجتماعية تربوية ناضجة تربي الشباب على حسن الاختيار، وفي السياسة نحن في حاجة ماسة إلى عقد اجتماعي سياسي شامل، يحقق مصالح الجميع ويلبي طموحات الجميع بإذن الله تعالى.

الشاهد : يا دكتور أنت كباحث وكمحلل سياسي، كيف تقيم الوضع السياسي في الصومال، وخاصة فيما يتصل بالنتائج المتوقعة من الانتخابات غير المباشرة المراد إجراؤها قريبا ؟

لا ينبغي أن نيأس من روح الله تعالى، لكنني خائف من النتائج التي ستنتج من الوضع السياسي الانتخابي الذي يركز فيه المرشحون على الرشوة وشراء الذمم بالمال، واختيار النهج القبلي والعشائري كمعايير في اختيار من يمثّل الشعب الصومالي في المستويات المختلفة من الانتخابات في هذه المرحلة، إذ يمكن لكل من هبّ ودبّ أن يتنافس بالطريقة التي يريدها، في غياب أي شروط أو معايير وضعتها الحكومة الاتحادية أو لجنة الانتخابات في ظل هشاشة القوانين الحاكمة للوضع برمته، وكان المطوب هو أن يتعلم الصوماليون من الظروف التي مرت وتمر بها بلادهم ، ويخرجوا بنتائج تتناسب مع التحديات التي تمر بها البلاد طولا وعرضا، من استباحة لسيادتها ووحدتها وهويتها وأمنها السياسي والاقتصادي إلى غير ذلك من المشكلات التي تتطلب حلا عاجلا.

الشاهد : بالنظر إلى الفوضى السياسية، وحالة الاختناق السياسي المتكررة في البلاد، أين يكمن الخلل في نظرك كمتخصص في العلوم السياسية ؟

هنالك عدد من الأسباب وراء الحالة السياسية المرتبكة في الصومال، من بينها: ما نشترك به مع أزمة الدولة في العالم العربي، وهو أننا لم نتمكن من أن نطور مفهوم الدولة عندنا انطلاقا من النموذج الإسلامي الذي يتوافق مع هويتنا الإسلامية، ” حراسة الدين وسياسة الدنيا به” كما يقول الماوردي وغيره من العلماء، كما أننا لم نخلص في اتباع مفهوم الدولة القطرية بناء على الإرث الأوروبي ولكننا استوردنا مفهوما أوربيا مشوها. فنحن أصلا نعاني من أزمة الشرعية في دولنا كشعوب إسلامية عربية! ، فحكومتنا تستلهم شرعيتها إما من القبلية أو من الخارج الذي يوفر لهذه الدولة الدعم السياسي والمالي.

أما يتعلق بمفهوم الدولة عند الصوماليين فالخطأ جاء في كيفية التحول من الحالة الرعوية القبلية المتشرذمة إلى حالة الدولة المدنية التي تؤكد مفهوم المصلحة العامة المشتركة وترسخ مفهوم المواطنة الذي لا يفرق الناس على أساس قبلي عشائري وإنما كان على الدولة الصومالية أن تعامل الناس على أساس حقوق وواجبات وتوفير فرص متساوية وتقسيم عادل للسلطة والثروة وهو ما لم يتحقق حتى الآن!.

 أما أسباب الارتباك في الحالة السياسية الراهنة فيعود إلى أن الصوماليين لا زالوا يبحثون العلاج من خلال الداء الذي أودى بحياة دولتهم وأدى إلى انهيارها، وهو داء القبلية، وذلك على مثل قول القائل ” وداوني بالتي صارت هي الداء”، وكذلك الاعتماد على أساليب الرشوة والمحسوبية وأساليب الفساد الأخرى في اختيار القيادات، في ظل غياب معايير نزيهة في اختيار الكفاءات التي يمكن أن تخرج البلاد من وهدتها.. ومما يربك الساحة كذلك محاولة تطبيق الفيدرالية الغامضة والقائمة على المحاصصة القبلية.!!

 الشاهد : بصفتك كاتبا يكتب باللغة العربية، فمن البديهي أنك تحمل جزءا من هموم حاملي الثقافة العربية، فما الذي يخطر بالك حاليا بشأن ذلك؟

وجود اهتمام في البحث العلمي لدى بعض النخب الصومالية هو أمر يدعو إلى التفاؤل، ولكن المطلوب هو أن تكون هنالك استراتيجية قومية للدولة في الصومال في مجال الدرسات والبحث العلمي في مختلف المجالات، فنحن لا زلنا نجهل خيرات بلادنا وإمكاناتها الكبيرة، ولعل هذا هو ما يجعل الشباب يفضلون الهجرة نحو العالم المتقدم في رأيهم، لأنهم يجهلون منافع وخيرات بلادهم وطرق الاستثمار والاستفادة منها، وهذا ما يتطلب جهودا كبيرة من الدولة الصومالية، فما يسمى بالدولة الصومالية منذ الاستقلال لم تعط الاهتمام اللازم في مجال البحث العلمي.

الشاهد: على الرغم من التحديات الكبيرة أمام اللغة العربية في الصومال، ما رأيك يا دكتور في النشاط الثقافي العربي الذي بدأ يظهر في الساحة الصومالية من خلال ظهور مواقع صومالية عربية ومراكز بحثية متعددة المشارب والاتجاهات دون وجود إطار عام يجمعها ويوجهها نحو المصالح العليا للبلاد ؟ .

 بالنسبة للغة العربية وحامليها فهنالك تحديات كبيرة في هذا الجانب، فعلى الرغم من أن اللغة العربية دستوريا هي اللغة الرسمية في البلاد مع اللغة الصومالية، إلا أن الواقع والممارسة تكذب وتفند هذا الادعاء. فالتجارب تعلمنا في أن اللغة العربية تزهر في ظل غياب الدولة أكثر من وجود الدولة الصومالية، ففي فترة ما قبل الاستقلال كانت العربية هي اللغة الرسمية لدى المجتمع الأهلي في الصومال وبعد مجئ الاستعمار فرض الاستعمار لغته، وبعد انهيار الدولة عام 1991م عادت اللغة العربية من جديد، والآن بعد عودة الدولة رغم هشاشتها دخلت العربية في مأزق، وإن كانت هنالك بعض الأنشطة التي تدعو إلى التفاؤل، ومن ذلك ظهور عدد من المواقع الصومالية التي تستخدم اللغة العربية وبزور كمية كبيرة من الشباب والنخبة المثقفة التي بدأت تؤلف وتكتب باللغة العربية، وكذلك عقد معارض للكتاب في الصومال بصورة سنوية. كل ذلك يمثل خطوات مهمة نحو الأفضل، لكن الأمر يحتاج إلى اهتمام وتطوير وتشجيع من الدولة الصومالية فلا يكفي الادعاء أننا عضو في الجامعة العربية، فغياب الدور الحكومي يجعل النشاط الثقافي العربي مشتتا وغير هادف. كذلك يجب أن يكون هنالك اهتمام للغة العربي في الصومال من الدول العربية وجامعتهم التي صار دورها محدودا في هذا البلد، فإن أخفق العرب في الملف السياسي في الصومال، فلا أقل من ألا يفشلوا في المجال الثقافي والعلمي، وأتساءل كذلك أين دور النشر في العالم العربي في معارض الكتب الصومالية ، نحن نحتاج إلى توفير الكتاب العربي في الصومال بأرخص الأثمان، كما نحتاج إلى دعم عربي كبير للغة العربية في الصومال.

إن أمر اللغة العربية في الصومال يتطلب إجراء دراسات منفصلة قد لا تناسبها مثل هذه المقابلة المقتضبة…وإن شاء الله سيكون لدينا مزيد من البحوث والدراسات في هذا المجال مستقبلا، كما أدعو النخبة الصومالية بتطوير اهتماماتهم باللغة العربية في بلدهم؛ لأن ذلك يمثل جزءا أصيلا من هويتهم العربية والإسلامية. كما أدعو الدول والمؤسسات في العالم العربي بدعم تلك الجهود…

%d مدونون معجبون بهذه: