حوار خاص مع المفكر الإسلامي الجيبوتي الشيخ عبد الرحمن بشير [2-2]

الجزء الثاني من الحوار :

الشاهد : فضيلة الشيخ – ككادر ومفكر حركي – في نظرك ما الذي ينقص الإسلاميين لكي يكونوا على مستوى التحدي والمسؤولية في منطقة القرن الإفريقي عموما ؟

الإسلاميون في القرن الأفريقي ليسوا كتلة صماء واحدة ، فهم من مدارس مختلفة وتوجهات معينة ، وفي الجملة نستطيع أن نجعلهم اتجاهين كبيرين ، اتجاه ينزع نحو الشمولية في القراءة والطرح ، واتجاه ينزع نحو التجزؤ في الاهتمام والطرح ، فيمثل الإخوان المسلمون والسلفيون في القراءة السرورية التوجه الأول ، بينما جماعة التبليغ وأطرافا من السلفيين يمثلون الاتجاه الثاني .

مرة أخري ، الإسلاميون ليسوا كتلة واحدة في القراءة والتجربة ، فهم من منطلقات مختلفة في الفهم والقراءة ، فالإخوان المسلمون يستلهمون تجربتهم من النسخة الإخوانية في العالم العربي ، ومن النسخة الإسلامية الحركية من شبه القارة الهندية ، بينما تستلهم الحركة السرورية ( الاتحاد سابقا ، والاعتصام لاحقا ) قراءتها العقدية من المدرسة الحنبلية التي انتهت في نسختها التيمية ، وفي قراءتها التي بلورها الإمام محمد بن عبد الوهاب ، كما استفادت من النسخة الأخيرة من القراءة السلفية المتأثرة بالفكر الإخواني من نسخته القطبية .

الإسلاميون في القرن الأفريقي ليسوا كتلة واحدة في قراءتهم للواقع المعقد ، وللتعامل مع هذا الواقع ، فقد تعاملت المدرسة الإخوانية الواقع المحلي بنفس إخواني مصري ، كما تعاملت المدرسة السرورية الواقع المحلي بنفس خليجي ، ومن هنا لم يكن حتى اليوم إنجازا سياسيا ، أو إنتاجا فكريا متكاملا للحركتين الكبيرتين في الواقع المحلي .

إنني لست في شك في أن الحركات الإسلامية في القرن الأفريقي حققوا إنجازات كبيرة في مجالات ثلاثة :

  • المجال الفكري والعقدي ، فقد نجحوا في تكوين أجيال مسلمة تقتنع بالفكرة الإسلامية ، وتؤمن بحتمية تطبيق المشروع الإسلامي ، بل وتجد لهذا التيار حضورا قويا في الشارع .
  • المجال التعليمي ، فقد نجح التياران في المنطقة تأسيس مشاريع تعليمية جيدة ، وخاصة بعد انهيار الدولة في الصومال ، فسدوا هذا الفراغ الهائل ، وأنشأوا مؤسسات تعليمية ذات جودة جيدة من الحضانة إلى الجامعة .
  • المجال الإغاثي والدعوي ، وهذا المجال من أعظم المجالات التي نجح فيها الإسلاميون بشتى توجهاتهم الفكرية ، واستطاعوا من خلال هذه التجربة الفريدة أن يكونوا في بعض المحطات قوة اجتماعية ، وسدوا كذلك الفراغ الهائل الذي أحدثه غياب النظام عن مناطق من الصومال في عقدين ونصف من الزمان .

إن هذه الإيجابيات الضخمة في هذه المجالات الثلاثة الهامة توازيها سلبيات كبيرة في مجالات عدة ومنها :

  • عدم قدرة الإسلاميين في القرن الأفريقي تحويل هذه القوة إلى مشروع فكري وسياسي متماسك كما فعل الأتراك في عهد أربكان سابقا ، ويفعلونه اليوم في عهد أوردوغان ، فإن القوة الإسلامية في القرن الأفريقي كبيرة ولكنها مشتتة ، وبالتالي تفقد التأثير والفاعلية .
  • غياب مشروع إسلامي منبثق من الواقع ، فجل الخطاب الإسلامي في القرن منفعل بالخطاب الموجود في منطقة الشرق الأوسط ، وهذا لا يدل على السلبية من حيث الإجمال ، فالأمة المسلمة تواجه في الجملة مشروعا واحدا يجعلها في ديمومة التخلف ، ولكن مما لا بد من القول : الفصل في هذا الموضوع ؛ لأن لكل منطقة خصوصية ، ولكل واقع تحدياته ، ولهذا لا نلاحظ في خطابات الإسلاميين فكرا إسلاميا يتم من خلاله معالجة الوضع المحلي ، ومن هنا نلاحظ الانفصام الفكري عن الواقع في الخطاب الإسلامي في القرن الأفريقي .
  • التحول من المشروع الدعوي والتبشيري إلى المشروع السياسي بدون إعداد أرضية فكرية ، ومن هنا يكون الإسلامي في العمل السياسي كغيره من السياسيين الذين لا لون لهم في العمل السياسي ، فالجميع هنا ينطلقون من المشروع القبلي ( السياسات الذرية ) ، وليس لدى الإسلاميين خريطة فكرية من شأنها وضع الكوادر الدعوية على الطريق الصحيح ، وهذه ليست آفة خاصة بالقرن الأفريقي ، وإنما هي آفة تكاد تكون عالمية ، ولكنها في القرن الإفريقي تكاد تقترب بالكارثة .
  • غياب القراءة الإستراتيجية عن الإسلاميين عموما ، وهذا المرض عام في الشعوب المتخلفة ، ولكن الأذكياء من علماء التغيير يشيرون بأن هذا النوع من المرض يكثر في الإسلاميين ، فهم عاطفيون في التعامل مع الملفات المختلفة ، وبهذا يتحولون من خلال المشاريع الكبرى بدون رؤى إستراتيجية .

القرن الأفريقي يقع في منطقة هامة من حيث الجغرافيا الإستراتيجية ، ومن حيث الصراع الحضاري ، فهو هام للقوي الكبرى ، وعلى مرمى الحجر من الأراضي المقدسة ، ومن هنا يكتسب أهمية خاصة في الصراعات العالمية ، ويتأثر في كل ما يجري في الكون من تدافع سياسي ، أو فكري ، ولهذا يجب على الدعاة وأصحاب المشروع الإسلامي أن يراجعوا أفكارهم من خلال الرسالة ، ومن خلال الواقع الذي يعيشون فيه .

لدي الحركات الإسلامية في القرن الأفريقي وفرة في مجال العلم الشرعي ، وندرة في مجال العلوم الإنسانية والفكرية ، وهذا أوجد في الساحة ما أسميه ( بالحالة العلمائية ) ، والإسلام مشروع حضاري ، ورؤية عامة ، ومن هنا نجد في الساحة الدروس العلمية في المساجد والمراكز ، ولا نجد كذلك الإنتاج الفكري الذي يوازي هذا التوجه .

لقد أوجدت هذه المشكلة حالة من التحول البطيء نحو علمنة الصحوة بدون وعي من الحركات الإسلامية ، ذلك لأن المشروع العلمي في المساجد تولاها العلماء الذين أتقنوا الفنون الشرعية واللغوية ، ولكن الساحة الفكرية بدأ يتولاها رجال ليسوا من الخط الإسلامي ، وذلك من خلال الإعلام التقليدي والتواصل الاجتماعي.

الشاهد : حركة الإخوان في منطقة القرن الإفريقي كانت موحدة ومتماسكة تنظيميا وحركيا؛ ثم حدث ما حدث من انشقاقات وانقسامات، أين الخلل ؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه لإصلاح ذلك الخلل ؟

الحركة الاسلامية في المنطقة ( الإصلاح ) مرت في رأيي بمراحل أربعة :

 الأولي : مرحلة البناء والتكوين ، وهي تبدأ في وسط الثمانينات من القرن العشرين ، وتم بلورة أفكارها وأهدافها رجال من أهل الخير والعطاء ، وتميزت هذه المرحلة بالبناء الفكري والعقدي ، وخاصة في المرحلة التي كان المجتمع يواجه المد الشيوعي والاشتراكي ، وامتدت هذه المرحلة حتى سقوط النظام في الصومال.

الثانية : مرحلة الانتشار والازدهار ، وقد تلت هذه المرحلة سقوط النظام في الصومال ، ووقوع هذا البلد الهام في الفراغ السياسي ، ومن هنا نشط الإسلاميون كلهم بشتى توجهاتهم في خفض المعاناة من الشعب ، وسد الفراغ ما أمكن ، وقد كانت الحركة الإسلامية ( الإصلاح ) من أنشط الحركات التي نجحت في ملء هذا الفراغ ، ودخلت الحركة في عصرها الذهبي ، بل ونجحت في إبراز وجهها الحضاري من خلال مفكريها وعلماءها ، وقد سطع في هذه المرحلة نجوم في داخل الحركة ، ومن هؤلاء الدكتور إبراهيم الدسوقي الطبيب المتخصص في أمراض الباطنية والذي برز كمحاضر ومفكر في الوسط الدعوي ، والشيخ الدكتور أحمد القطبي الذي برز كعالم شرعي وداعية له وزنه ، والدكتور عبد الرحمن باديو الذي برز في هذه المحطة كمنظر سياسي له خطابه وصيته في هذه المرحلة الدقيقة ، والدكتور علي الشيخ أحمد الذي رجع من المملكة السعودية ليكون من أبرز رجالات الفكر والدعوة في هذه المرحلة ، والدكتور محمد علي إبراهيم الناشط الدعوي ، والأكاديمي الذي تولي مكتب المراقب في هذه المرحلة الحساسة ، فانتشر الفكر من خلال الشريط المسموع ، والمرئي ، ومن خلال الكلمة المطبوعة من خلال الرسائل التي كانت تصدر من مراكز الدعوة في هذه المرحلة ، وامتدت هذه المرحلة حتى المنتصف من نهاية العقد الأخير من القرن العشرين .

الثالثة : مرحلة بناء المؤسسات ، وإيجاد المشاريع ، فقد بدأت إرهاصات هذه المرحلة في وسط العقد الأخير من القرن العشرين حيث بلورت قيادات الحركة التوجه نحو العمل المؤسسي ، ومن هنا بدأت الحركة تؤسس مشاريع ضخمة لتكوين مؤسسات تعليمية ، وإغاثية ، وصحية بالتعاون مع الإخوة في الخليج العربي ، وامتدت هذه المرحلة حتى وسط العقد الأول من القرن الواحد والعشرين .

الرابعة : مرحلة التراجع والتقهقر ، بدأت هذه المرحلة في وسط العقد الأول من القرن الواحد والعشرين ، وخاصة بعد أن نجحت الحركة في إيجاد مؤسسات نوعية في المجتمع ، ومن هنا بدأ الصراع ، وربما يكون التفسير الذي يؤكد بأن مشروع الدين ينجح من خلال الأفكار ، ويموت من خلال المؤسسات ، وهذا ما تنبهت لها دراسات كبيرة في الأوساط الغربية .

إن هذا التفسير يصح عند الإسلاميين عموما ، وعند الإسلاميين في المنطقة خصوصا ، وهو ما أشارت إليه اللفتة التربوية في قصة يوسف عليه السلام ، فنحن نلاحظ نجاح الإسلاميين بشكل منقطع النظير في زمن المحن ، ولكنهم في الأغلب يفشلون في زمن المنح والعطايا ، وبهذا كانت القصة التي وردت في سورة يوسف هامة لمن يحملون مشاريع التغيير ، فقد نجح يوسف في زمن المِحنة وبقي متماسكا إزاء المحن المتتالية ، ولكنه بشكل أروع نجح في زمن المنحة والعطاء ، وتماسك بكل قوة إمام إغراءات الدنيا .

في رأيي ، إن الخلاف الذي ظهر في الساحة ، وفي العشرية الماضية ليس ذَا بال فكري كما قلت في الجزء الأول من الحوار ، وليس له علاقة بالمنهج وتصويب العمل في غالب الأمر ، ولكنه متعلق بتسيير المؤسسات ، وإمكانية إخراجها من حيّز الشخصنة إلى باحة المؤسساتية ، ولكن الجميع يتحدث عن انحرافات فكرية ، وتساؤلات دعوية ، وأخطاء منهجية ، وهو ما لا يستقيم مع التفسير المنهجي للأحداث .

لا ينبغي أن ننسى بأن الحركة تعمل في مجال ملغوم بكل ما تعني الكلمة من معني ، والألغام هنا ليست في السطح فقط ، وإنما هي متجذرة في النسيج الاجتماعي ، فهناك القبيلة بسطوتها الفكرية والاجتماعية ، والفقر بحضوره الطاغي في الوسط الاجتماعي ، والأمية بكل تجلياتها موجودة في الساحة ، فهذه الألغام هي التي لعبت دورها في التفتيت بشكل واسع .

في الآونة الأخيرة ، أفكر في أمرين ، الأول يتمثل في صناعة الفكر الإسلامي الذي يقود الحركة ، وليس العكس هو الصحيح ، وإن كان هو الغالب في الساحة من كل مكان ، فالحركة هي التي تقود الفكر ، ومن هنا رأينا صمت الفكر وأهله من القضايا الساخنة في الساحة ، بل ونلاحظ اختفاء ظاهرة المفكرين في داخل الحركة ، وهذه كارثة دعوية يجب معالجتها بسرعة ، أما الأمر الثاني هو كيف نفك ما بين المؤسسات والأشخاص ، وفي هذا يكون نجاح الدعوة والمشروع على المستوي البعيد ، ولاحظت في متابعتي وقراءتي وأسفاري أن أساس المشكلات في داخل الحركات هذا الخلط البين ما بين المؤسسة والأشخاص .

إن الزمن الذي نعيشه يحتم علينا أن نقوم بتثوير أفكارنا بشكل كبير ، فإن لم نفعل ذلك فإني على يقين بأن الأمر لن يكون لصالح الحركات التي ترفض المراجعة الفكرية لأجل التصويب والتطوير .

الشاهد : البعض يعتقد أنه لولا الشيخ ملاحقا من قبل النظام الجيبوتي، لكان شخصية إسلامية محورية، ولبلور مبادرات فكرية ملموسة من خلال زيارات ميدانية ولقاءات شبابية عامة في منطقة القرن الإفريقي، فما مدى صحة ذلك ؟

للإجابة عن هذا السؤال المحوري نحتاج إلى تجلية أمرين :

  • أعيش في هذه المرحلة في كندا ، واخترتها من بين الدول ذلك لأن زوجتي حصلت التأشيرة من السلطات الكندية للسكن الدائم في كندا باعتبارها ممرضة ، وقد انتقلنا إلى كندا عام ٢٠١٢ م ، وما زالت العائلة مستقرة حتى اللحظة، وبهذا ليس صحيحا ما يقال بأنني ملاحق من النظام الجيبوتي ، ولكن النظام بشكل تعسفي لا يتناسب مع القوانين الدولية ، والأعراف العالمية احتجز جوازي للسفر حتى اليوم في السفارة الجيبوتية في الولايات المتحدة ، وذلك بعد أن طالبت تجديده لي من السلطات المعنية .
  • المسألة ليست مرتبطة بشخص مهما علا مقامه ، ونضج فكره ، ذلك لأن الخلاف أخذ مساحات ، ودخل في العمق ، ولهذا فهو يحتاج إلى زمن حتى تهدأ النفوس ، وألاحظ من خلال أحاديثي لبعض الناس بأن النفوس بدأت تهدأ ، وقد علم الجميع بأنه ليس هناك من يملك عصا سحرية لحلحلة المواقف كما حسب البعض في البدايات ، ولكنهم لاحظوا مع الزمن بأن الجميع في الهم سواء ، وأنه لا أحد يمكن له حلحلة المواقف ، بل الحل موجود في الداخل ، أي في داخل النفوس ( إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ) .

لقد توصلت مؤخرا قناعة تامة بأن مرحلة فكرية انتهت ، وأن ثمة مرحلة جديدة بدأت تظهر في الأفق ، ولهذا فإن الخطاب الذي ساد في المرحلة الماضية لن يكون له حضور في المرحلة القادمة ، كما أن الأنساق الفكرية ، والأساليب الدعوية التي كانت الحركة تنتهجها في المراحل الماضية لن يكون لها قبولا في الواقع ، ومن هنا يجب أن لا نغرق أنفسنا في الخلافات التي جرت بين الكبار ، فقد انتهي صلاحيات الكثير منهم لأسباب نفسية وفكرية ، ولهذا يجب علينا الاستعداد للمرحلة القادمة بكل عنفوانها ، وهي مرحلة ستكون قاسية كما نلاحظ من بداياتها في الساحة الدولية والإقليمية .

في العالم الإسلامي ، ومنه منطقتنا ، سوف تختفي خرائط سياسية ، وتتشكل خرائط سياسية جديدة ؛ لأن الجغرافيا السياسية ما زال مستمرا في التشكيل ، ولم نصل بعد نهاية الجغرافيا كما زعم البعض ، وبالتالي سنشهد عما قريب نهاية خرائط فكرية ودعوية ؛ لأننا لا نؤمن بنهاية التاريخ الفكري عند جماعة معينة ، وهذا ليس بصحيح عقيدة ومنهجا ، ومن هنا ، يجب على قادة الفكر في الحركة والمنطقة التجدد الذاتي ، والتطوير اللازم للخطاب ، ولا يمكن ذلك إلا بالمراجعة العميقة للأفكار والمشاريع ، ومن نجح في هذا ، فإنه يمكن له الخروج من الوقوع في شيخوخة الأفكار .

الشاهد : تحدثت في بعض منشوراتك عن ضرورة مراعاة خصوصيات المنطقة، وأن تكون الكيانات الإسلامية ذات طابع محلي، [ إن صح التعبير ] فماذا يعني ذلك ؟

في – ظني – الحركات الإسلامية ناجحة في تأجيج العواطف ، ورفع الشعارات الجميلة ، ولكنها ليست ناجحة في كل حين في بناء العقل ، وتقديم المشاريع ، وطرح البدائل ، والمشكلة تكمن دوما في تقديم الخطباء والوعاظ والتنفيذيين على المفكرين وأصحاب الرؤى ، وبهذا وجدنا ابتعاد العقول الكبيرة عن ساحات الحركات حتى ولو كانت متقاطعة معها في الفكر .

لدي الحركات في منطقتنا مشكلة ثانية تتمثل في استنساخ المشاريع من وراء الحدود ، وهذه ليست آفة خاصة بأبناء الحركات الإسلامية ، وإنما هي آفة للشعوب المغلوبة على أمرها ، ولهذا لاحظت في خطاب جميع الإسلاميين في منطقتنا العموم والتجريد من جانب ، والاستنساخ من البلاد الأخرى من جانب آخر ، وهذا أيضا يعود إلى أمرين :

  • اتباع سياسة التقليد في المنهج الحركي والدعوي ، وخلط الثوابت والمتغيرات في المشروع الدعوي ، وعدم الفك ما بين ما هو عالمي ومحلي ، فهذا النوع من السياسة تساهم بشكل مباشر قتل الإبداع في داخل الحركات الإسلامية .
  •  عدم فهم الواقع وربطه بالرسالة ، فهذا الخلط المنهجي أدي إلى نوع من الخلط ما بين الفكرة والحركة ، فالحركة يجب أن تكون عالمية في التصور والرؤية ، ويجب أن تكون محلية وإقليمية في الطرح والمعالجة ، ولهذا رأينا التخبط في مسار الحركات التي رفضت هذا المسار ، بينما لاحظنا نوعا من التألق في مسار الحركات التي انتهجت هذا المسار ، والحركة في منطقتنا نموذج للمسار الأول ، بينما الحركة الإسلامية بكل مدارسها في تركيا تمثل نموذجا للمسار الثاني .

لدي ملاحظتان على الحركة في تعاطيها للملف الإقليمي والمحلي ، الأولى تتمثل في استيرادها للأفكار والطرائق كما هي إلى المنطقة دون غربلة ، فنلاحظ هذه الآفة في كل الحركات ، ومن أغرب ما لاحظت في الحركات في المنطقة استنساخ الأفكار والآليات كما هي ، وكأنها وحي من السماء ، فما ذكرت سابقا بأن الأعضاء في جماعة التبليغ لهم سمت الهنود ، كما تلاحظ في التدين السلفي سمت الخليج ، وتجد التدين الإخواني الذوق المصري ، فهذا النوع من التأثر يدل على الخواء الفكري ، وغياب منهجية التعامل مع الأفكار ، أما الثانية فهي عدم التعاطي بشكل جيد مع التحديات الموجودة في المنطقة ، فيعرف الإسلامي في المنطقة مشاكل العالم والشرق الأوسط ، ولكنه يجهل بشكل رهيب منطقته ، والصراع الدائم فيها .

ليس لدى الحركات الدعوية مشروع فكري ودعوي في التعامل مع ظواهر ثلاثة موجودة بقوة في القرن الأفريقي ، ومنها الحركة الإسلامية ( الإصلاح ) وهي ظاهرة تعاطي القات ، ولسنا فقط بحاجة إلى معرفة حكم المسألة شرعا ، ولكننا نلاحظ في العقدين الماضيين بأن تعاطي القات تحول من مسألة موجودة في حيّز جغرافي معين إلى مسألة حضارية ، والظاهرة الثانية تتمثل بالبعد القبلي ، وكيف يجب أن تتعامل معها الحركة الإسلامية القاصدة في إقامة المشروع الحضاري ؛ لأننا لاحظنا في العقد الماضي كيف استوعبت القبيلة المشروع الحركي ؟ بل ونري بشكل واضح نهاية المشروع الحركي في أحضان القبيلة ، أما الظاهرة الثالثة تتمثل في التعامل الفكري مع الدولة ، ما شكل الدولة التي نريد إقامتها ؟ هل هي دولة إسلامية بالمعني النبوي والراشدي ؟ أم هي دولة للشعوب القاطنة في المنطقة ولكنها ليست إسلامية ، ولا تعادي الإسلام ؟ بل ولا نجد في الخطاب الإسلامي في المنطقة ذكرا في كيفية التعامل مع الحدود الجغرافية.

ليس لدي حتى اليوم سوى خطابات من بعض العلماء ، ومن بعض الرموز الفكرية حول هذه الأمور ، ولكن أن تجد لدى الحركات أفكارا واضحة ، وخططا في كيفية التعاطي مع هذه الأمور ، فهذا لا وجود له في الساحة ، وهذا دليل قوي بأن الحركة الإسلامية عالمية الهوى ، ومن هنا نرى أتباعها يتحولون منها عند العمل إلى التنظيمات الأخرى ، والتي تستوعبهم لصالح أفكارها .

هناك ظاهرة رابعة ، أخشي أن أنساها ، وهي أيضا تحتاج إلى طرحها في سوق الفكر بعمق ، كيف نتعامل مع الدولة المحورية في المنطقة ( إثيوبيا ) ؟ هل هي ظاهرة استعمارية ؟ أم هي ظاهرة سياسية طبيعية ؟

في الخطاب السياسي في المنطقة خلاف شديد حول تفسير هذه الظاهرة ، ولكن الخطاب الحركي لا رأي له في هذا الشأن ، ولكن الأيام تؤكد لنا بأنه لا بد من القول في هذه المسألة ، كيف بجب أن نتعامل مع هذه الدولة المحورية ؟ مع العلم بأن أثيوبيا لا تعني القوة المسيحية كما هو شائع في الخطاب الديني التقليدي ، وإنما تعني هذه الدولة التي يعيش فيها عشرات الملايين من المسلمين وغيرهم ، وفيها كذلك قوي إسلامية تقليدية وحديثة ، وهذا يحتم على الحركات الإسلامية مراجعة أفكارها حول هذه الدولة .

الشاهد : وأخيرا … شيخنا الفاضل.. يلاحظ في خطاباتك اهتمام كبير للشباب الصاعد، فهل من كلمة أخيرة تود أن تقولها لهم ولمتابعي شبكة الشاهد الإخبارية بمختلف انتماءاتهم الفكرية والسياسية في المنطقة والعالم أجمع؟

الشباب هم عماد النهضات ، وبناة الحضارات ، بهم تقوم الحياة ، وتسعد الأمم ، ولهذا تهتم الأمم الناجحة في بناءهم بشكل سوي وصحيح ، وحين تفشل الأمم في توجيه الشباب توجيها صحيحا ، فإنها تخرج من الفاعلية ، وتدخل في حيّز ( الكَل ) ، والكل بفتح الكاف ، وكسر اللام ، يدل على عدم الفاعلية ، وهو لفظ قرآني ( وهو كل على مولاه ) .

الشعوب المسلمة في القرن الأفريقي حية ، ولها خصوبة عالية ، في حين تعاني الشعوب الغربية حالة التآكل وانعدام الخصوبة البشرية ، يعيش عالمنا حالة من الخصوبة البشرية عالية ، وتوصل بعض الهيئات نسبة الشباب في شعوبنا إلى أكثر من ٧٠٪ ، وهي حالة تشير إلى قوة بلادنا العددية ، ولكن المشكلة تكمن في عدم استغلال هذه القوة العددية ، وهذه الطاقة الشبابية لصالح الأمة .

ليس من الفطنة أن تكون هناك فجوات كبيرة ما بين شيوخ العمل وشبابه ، وما يقال في الصراع ما بين الأجيال في عالمنا يأتي دائما من الفراغ الثقافي ، ومن غياب التجدد عند الكبار ، والتوقف في محطة فكرية معينة ، وذهاب الشباب بعيدا عن الحضانات الحقيقية ، ولهذا أدعو إلى تصغير الفجوة ما بين الأجيال ، وهذا يتحقق الحوار الحقيقي ما بين هذه الأجيال ، ومن خلال الحوار يتم توريث الفكر إلى الأجيال الصاعدة ، ولكن لا ينبغي أن يتم هذا الحوار بالاستعلاء عليهم ، وإنما بإشعارهم الحنو والرعاية .

نلاحظ في الجيل الجديد زهدا في المجال الفكري ، ولهذا رأينا اليوم حتى في العالم العربي كتابا كثيرين ، وقراء قليلين ، وهذه هي الأزمة الفكرية ، وهي في بلادنا أشد ، ومن هنا أدعو هذا الجيل الجديد ليأخذ دوره في استئناف العمل وذلك في أن يقرأ كثيرا ، وبشكل مركز .

في بداية الأوبة الفكرية لي ، كنّا نقرأ الأفكار من خلال الكتب المركزة ، ومن خلال المجلات العلمية والدعوية ، ولكن الشيء المهم بالنسبة لنا ، أن القراءة صنعت لنا خياراتنا ، وكونت توجهاتنا ، بينما اليوم تصنع الخيارات من خلال الإعلام والتواصل الاجتماعي .

من خلال موقعكم ، ومن خلال صفحتكم المتميزة ، أدعو الشباب في هذه المرحلة الهامة إلى ما يلي :

  • القراءة المنهجية للأفكار الكبيرة ، ودراسة العلوم الشرعية ، والبحث الدقيق للمسائل ، وإعداد النفوس والعقول للمستقبل .
  • عدم الخوف من أخذ المبادرات ، فإن المترددين لا يصنعون الحياة أبدا ، ومن يحاول أن يثنيكم عن أخذ المبادرات في حياتكم فلا تستمعوا له .
  • السعي للتميز ، لا تحاولوا أن تكونوا نسخا مكررة للجيل السابق ، ولكن استفيدوا من عطائهم ، وكونوا أبناء لحظتكم ، وضعوا لأنفسكم أهدافا كبيرة تستحق أن تعيشوا لها .
  • يجب أن يتعلم الجيل الصاعد ، ويتدرب على التعايش ، كفانا هجرا بسبب الانتماءات الفكرية والثقافية ، وبسبب اختلافاتنا العرقية والقبلية ، فهذه السدود الفكرية المصطنعة ، والجدران الثقافية والحركية يجب إزالتها وإذابتها عن واقعنا ، ولهذا أدعو هذا الجيل أن يتجاوز العقد الفكرية التي صنعتها ظروف مغايرة ، قد لا تكون موجودة في زمانكم .

لقد دخل العالم مرحلة خاصة ، وهي تتميز بالتصادم الحضاري ، ولهذا يكون الشباب المسلم مدعوا إلى الاعتزاز بانتمائه الحضاري ، وأن يعي دوره في هذه المرحلة مستصحبا قوله تعالى في سورة ( الكافرون ) : قل يا أيها الكافرون . لا أعبد ما تعبدون . ولا أنتم عابدون ما أعبد ، ولا أنا عابد ما عبدتم ، ولا أنتم عابدون ما أعبد . لكم دينكم ولي دين ) .

في السورة أمران هامان :

  1. التميز عن الآخرين بالانتماء الحقيقي ، وليس فقط بالانتماء الشكلي ، وهي ما أكدته السورة في البداية ، وفي الآيات الأربعة التي كررت عدم مشاركة المسلم في العبادة مع غيره .
  2. قبول المسلم اختلاف الآخر عنه ، وهذا ما أشارت إليه الآية الأخيرة من السورة لتقرر الحقيقة التي لا يعرفها الكثير من الناس ( لكم دينكم ولي دين ) .

نحن نعاني في هذه اللحظة أزمة القيادة ، والسبب الأساسي لهذه الأزمة هو غياب الهمة ، فالهمة العالية هي التي أوجدت الروح الوثابة لصلاح الدين الأيوبي ، وسيف الدين قطز ، والسيد أحمد قرن ( چري ) .

وأخير ، وليس آخرا أتقدم بالشكر الجزيل للموقع وقرّائه ، راجيا من الله تبارك وتعالى أن يجعل أعمالكم في ميزان حسنات القائمين به ، وأن يكون الموقع دائما منارة للإشعاع الحضاري .

%d مدونون معجبون بهذه: