حوار خاص مع المفكر الإسلامي الجيبوتي الشيخ عبد الرحمن بشير [1-2]

تمهيد

في إطار مساعي شبكة الشاهد الإخبارية لاستضافة رجال الفكر والسياسة المؤثرين في منطقة القرن الإفريقي تمكننا من إجراء حوار خاص وشامل مع فضيلة الشيخ عبد الرحمن بشير سليمان كواحد من أبرز قادة الفكر في جيبوتي بل في المنطقة عموما.

وإن أقل ما يوصف بهذا الحوار هو أنه حوار شامل وعميق نعرف من خلاله الأفكار السياسية لهذا المفكر الإسلامي الفذ، ولاسيما فيما يخص بمراحل تكوينه الفكري والتجارب التي اكتسبها في مسيرة حياته السياسية والدعوية؛ إلى جانب رؤيته في إصلاح الواقع بمختلف جوانبه.

 وهو رجل غاية في النضج السياسي و الفكري ، ويدعو إلى التآلف لإنقاذ جيبوتي قائلا : ” أرى أن يتحول الجميع من المربعين السياسيين ، مربع الموالاة ، ومربع المعارضة ، وأن نصطف معا في مربع إنقاذ الوطن الذي يشكو من حالة الترهل السياسي ، والتآكل الاجتماعي ، والتراجع الاقتصادي”

ويلاحظ أيضا كعادته في جميع كتاباته بأن الشيخ عبد الرحمن يتميز في إجاباته بالدقة والوضوح، حفظه الله ورعاه، ونفع به الإسلام والمسلمين.

نبذة عن الشيخ عبد الرحمن :

  • الشيخ عبد الرحمن سليمان بشير، من مواليد عام 1964م، وهو جيبوتي الجنسية، وناشط سياسي ودعوي وفكري معروف،
  • خريج ثانوية المعهد الإسلامي التابع لجامعة محمد سعود الإسلامية في جيبوتي. حاصل على شهادة بكالوريوس في الشريعة القانون من جامعة العلوم والتكنولوجيا باليمن، وماجستير في الأحوال الشخصية من جامعة النيلين بالسودان.
  • بدأ نشاطه كمدرس لغة عربية، وعلوم الشريعة بمدارس الحكومة في جيبوتي. ثم أصبح مستشارا للقضاء الشرعي، ثم مديرا لإدارة الأوقاف في وزارة الشئون الدينية، ثم مستشار في المحكمة العليا بالأحوال الشخصية. كما صار قاضيا في المحكمة العليا ( دائرة الأحوال الشخصية ) و مستشار الشرعي والقانوني لوزير الأوقاف – وعضوا في المجلس الأعلى للقضاء .
  • كان له منذ فترة طويلة نشاط دعوي في الخطابة والإمامة، ودروس إذاعية وحلقات تلفزيونية، ومقالات في جريدة القرن الصادرة في جيبوتي.
  • وهو أيضا كاتب مقالات في المواقع والمجلات الوطنية والعربية ، ومساهم في برامج تلفزيونية في الإعلام الوطني والعربي ( الجزيرة نموذجا )، وما لا يعرفه البعض هو أنه مدرب في السعادة الزوجية عبر وسائل التواصل الاجتماعي .
  • مؤسس ومشارك في العديد من الجمعيات الإسلامية من بينها جمعية البر وجمعية الأمل الخيرية وجمعية الأقصى، وغيرها. وهو الشخصيات الدعوية النادرة في المنطقة والتي تجمع بين الفقه الشرعي والعمل الدعوي والخبرة في مناحي الحياة.
  • كان والده – رحمه الله – مناضلا يؤمن بوحدة الصومال ، فسجن في جيبوتي إبان الاستعمار الفرنسي مرات عدة ، آخرها كان عام ١٩٧٣م ، وذهب إلى جنوب الصومال ، وكينيا ، وأخيرا لم يعثر له مكان؛ حيث اختفى عن الأنظار في عام ١٩٧٩م ، أما والدة الشيخ فهي سيدة فاضلة ، غير متعلمة ، ولكنها مثابرة عملت لأجل إسعاد أولادها ، وخاصة بعد فقدان الوالد ، حفظها الله ورعاها.
  • ولدى الشيخ عبد الرحمن أخ واحد توفي قريبا – رحمه الله – وأختان ، توفيت إحداهما هي الأخرى قبل شهور – رحمها الله – وهو متزوج ، وأب لأربعة أولاد ، ثلاثة منهم ذكور ، وبنت واحدة ، ومقيم حاليا في كندا .

أجرى الحوار [ عن بعد ] : حسن مودي

وفيما يلي الجزء الأول من الحوار :

 الشاهد : في البداية فضيلة الشيخ نشكرك ونرحب بك في شبكة الشاهد الإخبارية ، ونود أن تحدثنا أولا عن ما مررت به من مراحل من ناحية التكوين الفكري، وهل من قناعات جديدة لديك على ضوء التطورات الجديدة في حياتك وخاصة فيما يخص بالتقيد بالأطر التنظيمية الحركية بعد انتقالك إلى كندا وزيادة أنشطتك الفكرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي ؟

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وبعد؛ أشكر موقع الشاهد باستضافته لي في هذه المقابلة لأجل أن نتواصل مع جمهوره ، كما أثمن بشكل خاص هذا الموقع في رسالته الاستثنائية في هذه المرحلة الاستثنائية ؛ لأن أمتنا تعيش مرحلة مخاض ، وبهذا فهي بحاجة إلى فكر قوي يتناسب مع المرحلة ، ومن هنا أجد الموقع يلعب دورا استثنائيا ، ونحن أيضا كشعوب مسلمة في القرن الأفريقي نعاني من أزمات مركبة ، أقلها الصراع في مجال الهوية ، هل نحن أفارقة أم لا ؟ أم نحن عرب ؟ أم لدينا هوية مركبة من العربية والإفريقية ؟ ما هي أولوياتنا الثقافية في المرحلة الراهنة ؟ هل يجب أن ندخل العصر بأدوات دينية ؟ أم يجب أن ندخل العصر بأدوات الحداثة ؟ ولهذا أؤكد دوما بأن دور المثقف محوري في صناعة المرحلة الآتية ، ومن أهم أدوات المثقف الكتابة والحوار ، وبهذا صار لهذا الموقع ( الشاهد ) أهله من المثقفين والمفكرين والباحثين ، وجمهوره المتفاعل مع الفكر والثقافة .

أما فيما يتعلق بتكويني الفكري والعلمي ، فهو فيما يبدو لي حتى اللحظة ، فقد مر بمراحل خمسة :

 ١- مرحلة التنشئة ، وهي المرحلة التي بدأت أتلقي المعرفة الأولية من الكتاب ( الملعامة ) باللهجة الصومالية في منطقتنا ( الدوكسي) باللهجة الصومالية في أغلب المناطق الصومالية ، وقد تعلمت مبادئ الكتابة والقراءة على يد بعض المشايخ التقليديين الذين ساهموا في تكويننا العلمي ، جزاهم الله خيرا ، ولكن المحطة المهمة في هذه المرحلة كانت بيد الشيخ حسن بن علي – رحمه الله – مؤسس مدرسة الفلاح الابتدائية عام ١٩٤٩ م ؛ حيث انتظمت فيها منذ أن كان عمري السابعة ، فدرست أساسيات العلوم العربية والدينية ، ومن ثم واصلت العلوم الأساسية مدرسة النجاح الابتدائية في جيبوتي بعد أن انتقلت إلى بلدي جيبوتي عام ١٩٧٤م .

٢- مرحلة التكوين العلمي والتربوي ، وهي المرحلة التي بدأت أفهم المحيط ، وأعي ما يدور حولي ، وأصفها دوما بمرحلة ( الوعي الذاتي ) ، وتبدأ هذه المرحلة بانتسابي للمعهد الإسلامي التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، والذي تأسس في جيبوتي عام ١٩٨١م ، ومن أجواء هذا المعهد الذي تم فتحه في البلد في مرحلة خاصة ، مرحلة ما بعد الاستقلال من الاستعمار الفرنسي الذي حاول طمس الهوية الجيبوتية بشكل خاص ، ونشر ثقافة التجهيل ، فقد حصلنا من المعهد معرفة جيدة وهامة ، وكانت جلها في مجال الشريعة واللغة ، وكانت فعلا دراسة مركزة أفادتنا في مسيرتنا الحياتية ، وتم اللقاء في هذه المرحلة أساتذة من المملكة العربية السعودية ، ومن جمهورية مصر العربية ، ومن الصومال ، فقد استفدنا من هذه الكوكبة العلمية العلوم والسلوك معا .

٣- مرحلة التكوين الفكري ، وبدأت هذه المرحلة في حياتي في نهايات التخرج من المعهد السعودي ؛ لأنني وجدت سيلا من الكتب ، وأمواجا من المعارف الدينية والفقهية والفكرية ، فقررت حينها أن أكب على الكتب قراءة ودراسة ، فقرأت جل ما وصلني من الكتب في هذه المرحلة المبكرة من حياتي ، قرأت كتب العقيدة والفلسفة بشكل جيد ، وقرأت كتب الفكر والدعوة والحركة بشكل قوي ، بل وكنت أحاول أن أقرأ كل شيء في هذه المرحلة حتى قرأت كتب الشكاكين من العرب والغرب ،

٤- مرحلة التردد والبحث عن الذات ، وهي المرحلة التي تلت إثر تخرجي من المعهد السعودي ، فقد عشت لحظة قاسية في حياتي ، لم أفهم مجرياتها إلا مؤخرا ، لماذا عشت هذه القسوة المنهجية والفكرية ؟ وقد علمت كذلك مؤخرا بأني لو لم تكن لي هذه المرحلة لما تبلورت شخصيتي الحالية ( الشخصية المستقلة فكريا ، والمنتمية منهجيا ) ، فهذه الشخصية المركبة تحددت معالمها في هذه المرحلة ، فقد ذهبت إلى القاهرة ، فرجعت منها سريعا بعد أن لم أحصل ما كنت أرغب فيه ، ثم ذهبت إلى السعودية ملتحقا بكلية الشريعة بجامعة الإمام ، ولكني عدت بعد سنتين منها إثر خلاف إداري جري بيني وبين أحد الإداريين ، وبقيت في جيبوتي مدة طويلة ، لم أذهب إلى الجامعة ، ولكني دخلت جامعة الحياة متعلما منها دروسا كثيرة ، فقد التقيت في هذه المرحلة وقبلها رجالا ثلاثة تعلمت منهم الكثير ، فمن هؤلاء فضيلة الشيخ موجة درر سمتر رحمه الله ، القاضي الأسبق للمحكمة الشرعية ، والوزير الأسبق للأوقاف ، فكان رجلا لا مثيل في الوطن من المعرفة العميقة للفكر الإنساني ، فكان دارسا جيدا للفكر الماركسي ، وقارئا رائعا للفكر الديني ، وصاحبته مدة طويلة في حياتي ، وخاصة في هذه المرحلة ( البحث عن الذات ) وأهدى إلي مكتبة كاملة ، فرحمه الله ، أما الرجل الثاني الذي تأثرت به فهو الشيخ مصطفي حاج إسماعيل ، الداعية المعروف بين الصوماليين بمحاضراته الدعوية والفكرية ، فرأيت في هذا الرجل قراءة عميقة وواسعة للفكر الإسلامي ، ودراسة قوية للفكر الغربي ، ونظرة فاحصة للتراث الفقهي ، فصاحبته سنين عددا ، وتعلمت منه كيف أتعامل مع التراث الديني والفكر الإسلامي ؟ أما الرجل الثالث الذي لا أنسى صحبته في حياتي هو الشيخ حسن ذهيية ، الداعية الصومالي المقيم حاليا في مدينة بورما ، فقد كان آية في الثمانينيّات من القرن العشرين في القراءة والبحث والدعوة ، فكان يقرأ علينا القضايا الشائكة في العقيدة ، ولم أر له مثيلا في القرن الأفريقي في فهمه للعقيدة بشكل علمي ومؤصل .

٥- مرحلة الوعي والإدراك ( مرحلة النضج ) وهي المرحلة التي قررت أن أعود إلى الدراسة الأكاديمية ، واخترت الشريعة والقانون عن وعي ، ذلك لأنني فهمت أن الصراع في العالم الإسلامي حضاري من الدرجة الأولي ، والذين يستطيعون فهم الصراع ، وبالتالي ينجحون في إدارة الصراع هم الذين يفقهون بشكل جيد آليات الصراع ، ومن أخطر آلياته ( الهوية والمرجعية ) وبهذا اخترت هذه الكلية ، والحمد لله ، التحقت كلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء ، وبعدها بجامعة العلوم والتكنوجيا بصنعاء .

في هذه المرحلة تكونت لدي قناعات جديدة ، واتضحت لدي مفاهيم جديدة ، واستطعت أن أتجاوز بعض القناعات ، ولكنها كانت مدفونة في الذات ، لا أستطيع أن أبوح بها لأسباب فكرية متعلقة بالآخرين ، ولكني اليوم بعد أن وجدت نفسي في مكان بعيد من الضجيج الاجتماعي ، بدأت أعلن بعض قناعاتي ، ذلك لأن المحيط الاجتماعي الذي عشت فيه لم يكن لصالح المفكر المستقل ، وهذا ما تنبه له مؤخرا الدكتور أحمد الريسوني في مقال له بعنوان : فكر الحركة ، وحركة الفكر .

في هذه المرحلة الجديدة ، أعيش في الانتماء المنهجي ، وفي الاستقلال الفكري ، وهذا يبدو من السطح متناقضا ، ولكنه يشكل شخصيتي الحقيقية ، فأنا لست ابنا لفكر معين ، ولكني ابن بار لمنهج الحركة الإسلامية المنفتحة ، ومن هنا ، أختلف مع كثيرين ، ولكني لست بدعا في الطريق ، فقد سبق بي في هذا الطريق العشرات من العلماء ، ومن خلال هذه الرؤية اتضح لي أن الطريق بدأ مسدودا أمام الحركة الخاوية من الفكر ، ولهذا يكون من الضروري بمكان إنتاج فكر جديد يتناسب مع التحديات الجديدة .

 الشاهد : في الآونة الأخيرة بعد خوض فضيلتكم غمار السياسة بشكل عملي، ترتب عن ذلكم مضايقات، وملاحقات أمنية أدت إلى دخولك في السجن، فما طبيعة هذه الحادثة المؤلمة، وما هي أهم الدروس التي تعلمتها من تلك التجربة ؟

السياسة هي فن العمل الممكن في المرحلة المناسبة ، وليس هي فن العمل المثالي في المرحلة المثالية ، فهذا النوع من التفكير الدقيق غائب عن الساحة الإسلامية لأسباب منهجية ، ولهذا تجد الكثير من أبناء الصحوة ينتظرون مرحلة مثالية لا وجود لها في الواقع ، فالحياة ابتلاء بالمفهوم القرآني ، والإنسان في كل مرحلة يواجه ابتلاء من نوع يناسب المرحلة ، واستدعاء السيرة النبوية لتوجيه الحياة الواقعية بكل تعقيداتها ، وتنزيل وقائعها على الحياة المعاصرة تمثل ردة فقهية وفكرية ، ومن هنا تكون القراءة على الأوضاع المختلفة بنموذج تفسيري واحد خطيئة منهجية في علم الاجتماع السياسي .

نحن دخلنا السياسة باعتبارنا مواطنين ، لا باعتبارنا أعضاء في حركة دينية لها مشروع خاص بها ، ولدينا مسؤولية تاريخية باعتبارنا نخب علمية وفكرية يعيشون في مرحلة استثنائية يمر بها الوطن ، وقد لا يعقلها من لا يفهم السياسة باعتبارها مسؤولية ، لا باعتبارها لعبة في سوق الخسارة والربح .

السؤال ، لماذا السياسة ؟ ولماذا في هذه المرحلة ؟ ولماذا لم نكن جزءا من السلطة ؟ ولماذا تم انحيازنا للمعارضة ؟ فمن صنع تلكم القناعات ؟ للجواب عن هذه الأسئلة سنحتاج إلى كتاب كامل ، وأنا الآن في إعداد هذا المشروع ، ولكن مما لا بد من القول به في هذا المجال ، أن ثمة قناعة كاملة لدي ، ولدى بعض المثقفين من أبناء الوطن والحركة تكونت مفادها ، أن سفينة الوطن في خطر ، وأن الرجل الحاكم قد أعد مشروع دستوري يجعله حاكما وإلى الأبد كزملائه من حكام العرب والأفارقة والمسلمين ، وبهذا يتم من خلال هذا المشروع ( شخصنة الدولة ) وبالتالي فإن مصير الدولة في جيبوتي سيكون مجهولا ، وهو ما أعتقده أنه هو الصواب حتى اليوم .

نحن هنا أمام مسؤولية تاريخية ، إما أن نكون مع الحق والصواب ، وهو الدولة المستقلة عن الشخصنة ، أو أن نسكت عن الخطيئة التاريخية ، ونكون جزءا من اللعبة التي لا يعرفها إلا العلماء والمفكرون ، ومن هنا بدأنا نفكر في تحرير رسالة إلى الحاكم ، وقررنا أن نكتب له رسالة سياسية وفكرية ، وضحنا فيها رؤيتنا لجملة من الأخطاء المنهجية التي سوف تجعل الوطن الصغير ، والموجود في موقع غير مستقر خبر كان ، ولكن الرجل رفض أن يقبل النصيحة ، بل وقال : إن جيبوتي تعيش في أحسن أيامها ، ومن هنا عرفنا بأن الرجل الحاكم يعيش عالمه الخاص ( هستيريا الحكم ) ، وينفصم عن واقعه بشكل كامل .

أما كوننا نتعرض لظلم ، ففي رأيي يشكل أمرا طبيعيا ، ذلك لأنك تناضل لأجل أفكار سياسية ، ومكافحة الفكر السياسي المغاير في العالم المتخلف طبيعي جدا ، ولكن الذي لن يكون طبيعيا هو أن تناضل لأجل التغيير ، وتتعايش مع من لا يرغب التغيير بدون تصادم ، فنحن دخلنا السجن بعد معركة سياسية عادية بين أطراف سياسية طبيعية ، فهناك من يفوز ، ومن يخسر ، فقد فازت المعارضة التي تحالفنا معها بشكل واضح ، وخسر الحزب الحاكم في المعركة ، ولكن الرجل الحاكم تساءل بمرارة ، من وراء هذا النجاح ؟ فعرف من خلال التجربة السياسية بأن المثقفين والعلماء الذين انحازوا للمعارضة خوفا من شخصنة الدولة وذهاب أمرها ( صوملة جيبوتي ) وراء النجاح الكبير ، ومن هنا تعرضنا لسجن ظالم دام أكثر من عام ونصف ، ولكننا تعرضنا لتصفيات معنوية قبل ذلك بسنين عدة ، فقد تم إيقافي من الخطابة في المساجد في عام ٢٠٠٥م ، كما تم إيقاف برامجي الدينية والفكرية من الإذاعة والتلفزيون في العام ذاته ، وهذا جاء بعد أن رفضت دعمي للرئيس في الانتخابات الرئاسية التي قاطعتها المعارضة ، وبهذا فالنظام الحاكم لم يبدأ معركته ضد المثقفين والعلماء يوم دخولنا للسياسة بشكل عملي ، كما صادر بشكل تعسفي رواتب بعض المثقفين ، وكنت من هؤلاء ، كما أن الدكتور “جود” تعرض للتصفية المعنوية أيضا .

تمثل هذه المرحلة بالنسبة لي من أفضل المحطات ، ومن أهم السلم الفكرية والسياسية ، فقد استطعت أن أفهم السياسة من الباب العملي ، وليس من الباب النظري فقط ، والسياسة هي عمل مركب ، وليس قراءة في الكتب والأبحاث كما يفعله الأكاديميون فقط ، ومن هنا عرفت أسرارا كثيرة في هذا الباب ، فقد كنّا قبلها نعيش مراهقة سياسية قد تصل درجة البراءة ، ومن خلال الجلسات السياسية مع الساسة الجيبوتيين ، والدوليين ، واحتكاكنا اليومي بالناس عرفنا أصناف الناس ، وأنواع الناس ، وتوصلنا من خلال التجربة الذاتية بمرها وحلوها ما يجب فعله ، وما لا ينبغي فعله في السياسة .

عرفنا من خلال هذه التجربة قوة الخطاب الإسلامي في الحضور الشعبي ، ولكني لاحظنا من خلال الممارسة ضعف الأداء السياسي لدى الإسلامي ، وهذا ما عرفناه عن كثب ، ووصفته في بعض الأحيان بالطفولة السياسية والفكرية ، ذلك لأن السياسة ليست مجالا للأعمال الخيرية والدعوية ، وإنما هي مجال للتدافع والتصارع ، وهذا النوع من الضعف ، ليس خاصا بتيار معين ، وإنما هو أمر عام ، لأن الحاكم نجح في استئثار القوة عنده فقط ، القوة في مجاليها ، القوة الناعمة والقوة الصلبة .

عرفت من خلال التجربة بأن الشعب مع من يحمل همومهم ، وخاصة إذا شعروا منك بأنك ليس من وراء عملك أهدافا خاصة ، ومن هنا رأينا تلك القاطرات البشرية التي لم تتوقف لحظة واحدة من الزيارة الأسبوعية للسجن المركزي ( جبود ) وهو ما لم يحصل في تاريخ النضال السياسي الجيبوتي من لحظة الاستعمار حتى اليوم ، ومن هذا الدرس استخلصنا قاعدة سياسية ( كن للشعب في الرخاء ، يكن معك في الشدة ) .

عرفت أخيرا من التجربة بأن الناس معادن ، ومن كان يرفع صوته في وقت الراحة ناقدا للدولة ، اختفي من الخريطة كليا ، ومن كان هادئا ، ولكنه عرف معني النضال الوطني في المرحلة المناسبة ، ظهر ولم يتردد ، وما زالت الدروس تترى ؛ لأن التجربة ما زالت طرية ، وما زال الصراع السياسي قويا لم ينته بعد .

الشاهد : كيف تقيم واقع الحركة الإسلامية في جيبوتي، وما رأيك فيمن يقول إن الحركة انقسمت ولا أمل لتوحيد الصف من جديد ؟

في نظري ، العالم الإسلامي يعيش مرحلة جديدة ، وهي مرحلة ما بعد الدولة الفاشلة ( دولة ما بعد الاستعمار ) ، والحركة الإسلامية عالميا تمر بأزمة فكرية عميقة مفادها ، أنها لم تقم بإعداد الجواب الكافي للسؤال المحوري ، ما الدور المطلوب منها في معالجة الوضع الحالي ؟

الناس تجاه هذا الأمر أصناف ثلاثة :

صنف يرى في الحركة جسما لا يتغير ، وفكرا راكدا لا يتحرك ، فهؤلاء إن لاحظوا في مكان ما ، حراكا ما يخافون منه ، ويرون في الحراك الطبيعي شرا ومصائب جمة .

– صنف يرى في الحركة خلاصا دينيا ، فإن ذهبت الحركة ، تذهب من بعدها الأمة ، فهؤلاء يخلطون بين الفكرة والحركة ، وبين الأشخاص والمنهج .

– صنف يلاحظ في الحركة العمل البشري ، ويعرف أنها قدمت الخير الكثير للأمة ، وقدم غيرها الخير الوفير للأمة ، وهي كغيرها من التنظيمات البشرية تتعرض للأزمات ، فإن قامت بما يجب من المراجعات الفكرية والتنظيمية ، فإنها تخرج من الأزمة سليمة بإذن الله ، وإن رفضت وتمادت في الغي فإنها تخرج من فعل التاريخ ، وتكون عبرة لغيرها .

نحن لا نختلف هنا عن غيرنا ، ولكن الخلاف هنا مركب ، وليس بسيطا ، فالأزمة العالمية موجودة ، وهي هل نحن مؤهلون للبقاء والاستمرار ؟ أم نحن نحاول أن نكون موجودين بأدوات العصور الماضية ؟ هذا هو السؤال الصعب ، ولكن أغلب الناس لا يتنبهون لخطورته ، أما الجانب المركب ، هو فعل ما وراء الحدود في الداخل ومآلات هذا الفعل في الواقع ، هناك صراع الجغرافيا في الخفاء ، وليس لدينا صراع الأفكار والأجيال .

في – ظني – لا يوجد خلاف منهجي ما بين الأطراف المتصارعة ، ولهذا فلا أرى ثمة خلافا ذَا بال في جيبوتي ، وحتى الخلاف الذي جري في الصومال في العشرية الماضية ليس ذَا بال فكري ولا منهجي ، ولهذا أؤكد دائما بأن الحركة في منطقتنا يجب أن تغير مسارها الفكري الذي كان شعاره ( من العالمية إلى المحلية ) ليصبح الشعار الجديد ( من الفكرة الإسلامية لتصحيح الأوضاع المحلية ) .

الشاهد : وفيما يخص بالأزمة القائمة بين الإسلاميين و النظام الجيبوتي برئاسة الرئيس إسماعيل عمر جيله، البعض يعتقد أنكم انخدعتم برياح الربيع العربي في ظل ظروف مغايرة وغير مواتية، والآن بعد إسكات صوت المعارضة بشكل عام، فهل هناك أمل في انفراجة ومصالحة بين الطرفين ؟

هناك قراءتان للأزمة الجيبوتية ، وكل قراءة تنطلق من منهجية معينة ، ولهذا سنحتاج إلى إبراز قراءة ثالثة لها منهجية في التحليل والتفسير ، وإشكاليتنا في المنهج التفسيري ، وليس في فهم الواقع فقط .

١ – القراءة الأولي تنطلق من أروقة النظام الحاكم ، وهي أرادت أن تسوق للعالم بأن الأزمة السياسية في جيبوتي هي بين إسلاميين متطرفين ، ونظام علماني عميل للغرب ، ومن هنا يجب على الغرب أن يختار بينهما ، وقد فشل النظام الحاكم في تسويق هذه القراءة ، ذلك لأن المشكلة السياسية في جيبوتي ليست دينية ، وليست كذلك مرتبطة في مجال الهوية ، وإنما هي متعلقة بإدارة الوطن حسب الدستور والقوانين المعمول بها في الوطن .

٢- القراءة الثانية تنبثق من أروقة الإسلاميين في خارج حدود جيبوتي ، وهؤلاء نشروا في بعض مجالسهم الخاصة بأن ثمة صراع سياسي ما بين إسلاميين وما بين النظام الحاكم ، وهذا النوع من الفهم صنعه وهم تاريخي لا وجود له في جيبوتي ، فهو استنساخ المعارك التي تجري في خارج حدود جيبوتي .

لقد حاول النظام الحاكم ، وما زال يحاول إقناع الأطراف الخارجية في قراءته ، ولهذا حاول أن يستولي جمعيات خيرية تابعة لبعض الجهات الإسلامية ، وطرد بعض الشباب الذين لهم ميول إسلامية من الأعمال والوظائف ، فعل ذلك كله لإقناع الرأي العام ، وهو ما لم يستطع النجاح به إلى اليوم .

هناك جهات إسلامية تحاول أن تسوق القراءة ذاتها لسبب بسيط ، إنها تربت على الصراع الديني العلماني فقط ، فهي لا تعرف وجوها أخري للصراع السياسي ، فما هي القراءة الثالثة ؟

لدينا قراءة ثالثة للأزمة السياسية في جيبوتي ، تؤكد هذه القراءة بأن الأزمة وطنية صرفة ، فهناك وطن يعاني من أزمة دستورية ، ودخل في مرض الموصوف من قبل المفكر المصري طارق البشري ( شخصنة الدولة ) ، ومن خلال هذه الأزمة طرأ في الساحة من يحاول معالجة هذا المرض بفكر وطني ( حركة الخلاص الوطني ) ، وهناك من لا يرى في هذه الخطورة فهو يعيش في وهم القوة متمثلا بالنظام الحاكم .

في الصف المعارض بكل تجلياته سياسيون لهم مرجعية إسلامية ، وآخرون لهم مرجعية وطنية ، وبينهما رجال آخرون لا لون لهم ، وجمعهم الحس الوطني ، فهذه القراءة هي الأقرب إلى الواقع الجيبوتي .

هل هناك علاقة ما بين الربيع العربي والأزمة السياسية في جيبوتي ؟

أنا لست من الذين يقرؤون الأوضاع السياسية من خلال الأحداث ، ولكني دائما أقرأ من خلال الأفكار ، فقد رأيت كثيرا من الرواد في الاتجاه الإسلامي في الصومال ، كانوا مع الربيع العربي ، وفرحوا به ، بل رأيت شيوخا من التبليغ باركوا الربيع ، لأنهم حسبوه ربيعا إسلاميا ، ولهذا تراهم اليوم يتوجسون خيفة من الربيع العربي ؛ لأنهم يحسبون من خلال الثورة المضادة أنه انتهي وتحول إلى شتاء ، وهؤلاء لا يفهمون مسارات الثورة في التاريخ العالمي، لأن الربيع العربي ليس أشخاصا يمكن التخلص منهم ، وليس حركات سياسية أو دينية يمكن التجاوز عنها ، وإنما الربيع مثل أفقا فكريا ، ظهر من خلال الركام ، ولكن أصحاب الثورات المضادة يحاولون وأده ، وما ذلك بممكن في المرحلة القادمة ؛ لأن الثورة لا تموت ، وإنما قد تختفي لأسباب موضوعية .

الربيع العربي فكرة رائعة ، وليست ثورة همجية كما تصورها وسائل الأعلام السلطانية في العالم الثالث ، الربيع العربي يعني رفض السلطان الأبدي ، والاستبداد السياسي الذي تحول فيروسا قاتلا للإرادات الشعبية ، واستعادة السلطة من الطغاة ، فهل التأثر بهذا النوع من الفكرة انخداع ؟ ومن أعطي البعض حقوق الحكم والكلام في مصائر الشعوب ؟

العالم اليوم تحول إلى قرية ، والتأثر في الربيع قد يكون موجودا نوعا ما ، ولكنه لم يكن تأثيرا كاملا ، فإن الحراك السياسي في جيبوتي بدأ في وقت مبكّر ، وملاحقة بعض المثقفين جاء في مراحل متلاحقة ، وليس في مرحلة واحدة كما يحسب البعض من الذين يقرؤون الأحداث التاريخية بعيدة عن سياقاتها .

أما قولك في ظروف مغايرة ، وغير مواتية ، فقد أجاب عنها رئيس جيبوتي في مقابلة له مع شيوخ وعقلاء جيبوتي ، حيث سأله أحد الشيوخ قائلا : ماذا أنت فاعل يا فخامة الرئيس حتى لا نقع في ما وقعت فيه الأنظمة العربية ؟ فأجاب الرئيس : نحن ليس لدينا مشكلات تلك البلدان من استئثار الحكم ، ومن تدخل العائلات الحاكمة للدولة ، ومن إسناد أبناء الرئيس وأصهاره مناصب الدولة .

هذه كانت إجابة الرئيس الذكية ، ولكن الواقع يقول : بأن في الحكومة الحالية وزيرين لهما صلة صهر مباشرة مع الرئيس ، وجعل بنته الكبرى مستشارته الخاصة في الشأن المالي ، وأصبحت شركة الملاحة الجيبوتية الوحيدة ملكا لزوج ابنته ، وهذا الأمر بدأ يستفحل الآن بقوة ، فإن كانت هذه الظروف غير مواتية لصناعة تيار شعبي يطلب حقه ، فما هي الظروف التي تكون مواتية ؟

أما فيما يتعلق بمآلات العمل السياسي في ما بعد تفتت وحدة المعارضة ، والتي بقيت فيما تشبه المعجزة السياسية في التاريخ السياسي الجيبوتي موحدة ، وعصية على التفتيت لسنوات ثلاثة ، ما العمل الممكن ؟ وما دور المثقفين الإسلاميين في المرحلة القادمة ؟ ماذا يجب على السياسيين في الساحة بعد وقوع نوع من الخلاف السياسي بين الأطراف الرئيسة للمعارضة ؟

هنا حقيقة يجب تجليتها ، لدينا من يخوض معاركه السياسية لتنحية الرئيس جيلة من السلطة ، فهذا النوع من السياسيين خانهم الحظ ، فالنظام الحاكم ما زال متشبثا بالحكم ، ولهذا رأينا بعضا من هؤلاء يتهافتون عليه مرة أخرى ، فهم كما ذهبوا إلى صف المعارضة حين حسبوا بأن سفينة النظام الحاكم تكاد تغرق ، فإنهم الآن ، وفي الحسابات الخاطئة نفسها ، بدؤوا يتهافتون عليه ، فهذه ليست الحقيقة الوحيدة في الساحة ، فالبلد ما زال يعيش في الخطورة السياسية التي أدت إلى إيجاد تحالف المعارضة كخلاص وطني ، بل وأشد .

لا شك في أن المصالحة ما بين الفرقاء مطلب وطني ، ولكن المصالحة لا تعني التنازل عن القيم التي لأجلها خاض الجميع معاركهم ، ولكن العمل في خفض التوتر السياسي لمصلحة قومية ووطنية مطلب هام من مطالب المعارضة ، ولكن هل تم إسكات المعارضة ؟ لا أظن ذلك ، فالبلد يعيش في مرحلة توصف اليوم ما قبل العاصفة ، فكل المؤشرات تؤكد بأننا في مرحلة حرجة جدا ، فهناك تحركات عسكرية في شمال البلد ، وغليان اجتماعي مضغوط ، وخروج جماعي ، وخاصة من القول العلمية عن الوطن ، وأزمات اقتصادية قوية على الأبواب ، وذكرت جميع المؤسسات المالية بأن جيبوتي ستدخل عام ٢٠١٧م مرحلة صعبة ، وتؤكد جهات محايدة بأن اقتصاد جيبوتي أسوأ من اقتصاديات دول الواقعة تحت نيران الحروب ، فإن الذين يعانون سوء التغذية في جيبوتي تجاوزوا أكثر من ٣٦٪ ، بينما لم تتجاوز النسبة في الصومال ٢٥٪ ، وتتجاوز نسبة البطالة بين الشباب في جيبوتي أكثر من ٧٠٪ ، وهذه الأرقام قابلة للازدياد ، وبالتالي تجعل البلد فوق فوهة من البركان .

أنا أرى أن يتحول الجميع من المربعين السياسيين ، مربع الموالاة ، ومربع المعارضة ، وأن نصطف معا في مربع إنقاذ الوطن الذي يشكو من حالة الترهل السياسي ، والتآكل الاجتماعي ، والتراجع الاقتصادي .

الشاهد : بحكم صلة القرابة بينك وبين الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلي؛ إلى أي مدى ساعدك ذلك في صعود نجمك السياسي من جهة ، وفي تخفيف الضغوط ومدة عقوبة السجن عنك وعن زملائك ؟

هناك علاقة قربي بيني وبين الرئيس الجيبوتي عن طريق أمهاتنا ، وسطع نجمي في الوطن قبل أن يتولي الرئيس أمر الوطن ، بل وقبل أن يقرر الحكم في ذلك ، في بداية التسعينيات من القرن العشرين ، وكان لي في التلفزيون الجيبوتي برنامجا خاصا له شعبية كبيرة مع الشيخ جمعالي إبراهيم ( في رحاب الإيمان ) ، وكان لي خطبة أسبوعية في المسجد الكبير ( حمودي ) ، وتم تعييني في ذلك إثر خلاف جري بين فضيلة القاضي موجي درر رحمه الله ، وبين الخطيب الأسبق لهذا المسجد ، وكان ذلك في زمن الرئيس الراحل حسن جوليد الذي قبل تعييني خطيبا ، ولكن السيدة الأولي عائشة بقري ، حرم الرئيس الراحل كانت وراء هذا التعيين ؛ حيث كانت تلك السيدة من المتأثرات بخطبي ومحاضراتي.

لا شك في أن الرئيس قدم لي بعض المساعدات ، وذلك قبل أن يكون رئيسا ، فهو الذي كتب لي عريضة القبول للجامعة إلى رئيس جامعة صنعاء من خلال السفارة الجيبوتية في اليمن ، وحاول كثيرا أن يستغل حضوري القوي في الوسط الشعبي ، ولكني كنت يقظا لذلك ، وكان هو الآخر يعرف يقظتي ، فكانت أزمتنا تكمن في هذه المعرفة المتبادلة ، فقد كنت عصيا في السقوط في المصيدة السياسية ، ومن هنا كان يسطع نجمي من خلال الخطب التي تحمل هم الشارع الجيبوتي ، والهم العالمي للدعوة الإسلامية ؛ لأنني استطعت أن أحافظ استقلالي الفكري والمنهجي ، فأنا لست سهل الانقياد للآخرين .

نحن دخلنا السجن لعام ونصف ، ولا يوجد معارض سياسي بقي في هذه المدة في السجن السياسي في عهد جيلة ، فهذا هو أطول العهود ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على استياء الرجل منا ، ومن معارضتنا ، كما أنه قد نقل منه حرفيا بأنه قال : لو كان القانون الجيبوتي يسمح الإعدام ، لقمت بإعدام العلماء والمثقفين ، وسحب كما تعلمون الجنسية الجيبوتية بقرار تعسفي لا يستقيم مع القانون المحلي والعالمي الجنسية من المواطن الجيبوتي الأستاذ محمد طاهر روبله ، الذي اكتسب الجنسية عبر الأطر القانونية ، وبالتالي قام بطرده عن الوطن في ليلة ظلماء ، ووضعه في خارج الحدود ، ويتم كل ذلك بدون علم أسرته ، بل وما زال الرجل مطاردا في كل مكان ، وهذا يتناقض الأعراف الوطنية ، والقيم الدينية ، وجميع الشرائع السماوية والوضعية .

في هذا البلد الصغير يدعي الرئيس أنه صنع الجميع ، ففي مقابلة خاصة لجريدة (jeune Afrique ) الفرنسية قال بالحرف الواحد : لقد صنعت الشيخ عبد الرحمن بشير ، كما قال في مقابلة أخرى بأنه كان هو السبب في ظهور السيد وزير الصحة الحالي ، فهذه العبارة تتقاطع بادعاءات الرجل في صناعة الأبطال والنجوم ، ولا أظن أن ذلك يصح في عالم الفكر والقيادة .

ومن جهة أخرى ، أريد أن نفرق بين أمرين أساسيين وهما ، القدرة على التطور الفكري والعلمي ، والاستفادة من الإمكانيات لتخلق لنفسك مساحة ، والأمر الثاني هو الاستفادة مما يتاح لك في الحياة الإدارية ، فهما أمران مختلفان جدا ، فأنا استطعت بفضل الله ، ثم بقدراتي الذاتية أن أتقدم فكريا ودعويا ، وهذا النوع من التقدم لم يكن في لحظة ما مقبولا في الساحة الدعوية ، وهذا النوع من التفكير ليس عطاءا من أحد ، بل هو اجتهاد خاص ، وجهاد ذاتي ، ولهذا يكون سؤالكم متقاطعا مع رأي الرئيس ، وهو أمر يتقاطع كثيرا مع قول حاكم مصر في زمن موسي عليه السلام إذ قال : [ألم نربك فينا وليدا ، ولبثت فينا من عمرك سنين] .

%d مدونون معجبون بهذه: