حوار فكري شامل مع الداعية الصومالي الدكتور عبد الباسط شيخ إبراهيم [2-2]

القسم الثاني من الحوار الفكري مع الدكتور عبد الباسط :

[أجرى الحوار: حسن مودي ]


الشاهد: بحكم انتمائك إلى التيار السلفي، كيف تقيم واقع السلفيين في الصومال؟


– السلفية ليست مذهبا لجماعة أو حزب أو بلد ، أو أمة دون أمة ، بل هي طريق معبد لأهل القبلة قاطبة ، وهي الانتماء التام إلى القرون المفضلة ، وجميع أهل السنة والجماعة بمفهومه الشامل ينتمون إليها ، كُلُّ بحسبه ، سواء تسمى بها أم لا ، ولا يوجد على ظهر الأرض من يملك تفويضا شرعيا يدخل من يشاء في حيطانها ، ويخرج ويطرد من يشاء عن حياضها .

ولا تعني السلفية الانشغال والاهتمام بجانب معين من الدين والإغفال أو التساهل في جوانب أخرى ، أو الاحتكار بالغيرة على الدين واتهام الآخر بالغواية ، أو الغلظة والفظاظة في التعامل مع المخالف إن وجد ، بل هي عقيدة وعبادة وسلوك وأخلاق ومعاملة وحب وإحسان واحترام وتوقير وتشريف .

وأما التيار السلفي الصومالي بمفهومه الحركي ، فقد ظهر إلى العلن في الثمانينيّات من القرن الماضي بعد تأسيس حركة الاتحاد الإسلامي ؛ فانتشرت الحركة في ربوع التراب الصومالي كانتشار النار في الهشيم ، وهيمن نشاطها في الساحة الدعوية ؛ فأضحى دعاتها ماليء الدنيا وشاغل الناس ، فازدهرت الدعوة وامتلأت المساجد ، وسجلت حضورا ملفتا للنظر في محاضن العلم من المدارس والجامعات ، وظهر أثرها في الشارع الصومالي ، وانضم إلى صفوفها أعداد كثيرة من أطياف المجتمع الصومالي.

ولكن أصيبت الحركة بفاجعة شتت شملها ، وفرق جمعها ، وحوّل نصرها ومجدها إلى مسبَّة ، أو التنكر لفضلها وسابقتها ، وهذه المصيبة هي بحملها السلاح ومشاركتها في القتال الذي نشب بين الصوماليين بعد سقوط الحكومة المركزية في أوائل عام ١٩٩١م ، وما أعقبها من خلاف ونزاع بين أبناء الحركة ، قاعدة وقادة حيال هذا التصرف ، فأصبح أبناء الحركة منقسمين على أنفسهم ، متفرقين ومتشتتين ، حتى وصل بهم الحال إلى التنابز والتقاطع والتدابر .

ولا يزال دعاة التيار السلفي ينشط في مجالات كثيرة في الساحة الصومالية ولكن بصورة شبه فردية أو جهوية من غير رابط رسمي يجمع بين أبنائه .

ولكن أعتقد وأؤمن بأن للتيار السلفي الصومالي مستقبلا باهرا في الصومال بشرط توحيد صفوفهم وتخطيهم بالخلاف والنزاع الهامشي الذي لا طائل تحته ، وتأسيس نظام إداري لا يقصي أحدا ، ويجعل الكفاءة معيار التقدم .


الشاهد : كيف تقيم مشاركة الإسلاميين بمختلف توجهاتهم في حكم الصومال ؟ .


– ليس لدي معرفة كاملة ولا اطلاع واسع في مجريات العمل في داخل الحركات الإسلامية الصومالية ، ولا أعرف كثيرا عن كيفية إدارتها ولا كيف يفكر قادتها ، ولا يوجد في الساحة منشورات أو مطويات تعرض مرئياتها في حلحلة الوضع الصومالي ، ولكن أعتقد بأن الكلام الذي يردده كثير من الناس أو يشاع بين الحين والآخر بأن التيار الإسلامي الصومالي هو الفاعل الأكبر في كواليس الحكم ، فهو كلام مبالغ فيه يكذبه الواقع الملموس .

نعم ، هناك شخصيات محسوبة على التيار الإسلامي تولوا أو ما زالوا يتولون مناصب عليا في الحكومة الصومالية الفيدرالية أو في إدارات الحكومات المحلية المؤسسة على منطق القبيلة ، سواء كانوا وزراء أو نواب في البرلمان أو سفراء في الخارج أو مستشارين في القصر الرئاسي أو قد تولوا أعلى منصب في الدولة ( الرئيس ) ، ولا أظن بأن الحركات الإسلامية الصومالية بكل فسيفسائها المختلفة هي التي أوصلت أو مكنت أفرادا من أبنائها إلى هذا المنصب ، بل وصل من وصل من منتسبي التيار الإسلامي إلى موقع مرموق من مناصب الدولة على أساس واعتبار قبَّليِّ بحت ؛ لأن منطق تقاسم السلطة في الصومال يعتمد على حصة القبيلة والعشيرة ، فكل من تولى فيها ولاية عامة أو خاصة لا يخرج عن هذا الإطار .

وثمَّ مشكلة كبرى تواجه الحركات الدعوية في الصومال وتكون شبه اتفاق بين صناع القرار السياسي الصومالي وهو عدم اعتبار حركات الإسلام الساسي جزءا مستقلا في ذاته يستطيع من خلال الأطر الحزبية المشاركة في إسهام الوضع السياسي في البلد في الوقت الحاضر ، بل إذا أراد مشاركة ومزاولة العمل في داخل الحكومة يجب على أفراده التعاضد مع قبيلته والتقيد بمصالحها ، وأن يكون تحت سمعها وبصرها ؛ لأن القانون الذي ينظم عمل الأحزاب السياسية لم يتشكل بعد .

ولأجل هذا المنطق المعوج يصبح كل من انضم إلى الحكومات – إلا من رحم ربك – ممثلا لقبيلته وعشيرته لا لحركته وجماعته في داخل الحكومة .

والغريب في الشأن الصومالي بأن الإسلاميين الذين دخلوا في كواليس السياسية الصومالية تنكروا للمبادئ والقيم التي كانوا يتظاهرون بها قبل انضمامهم إلى الحكم ، مما جعلهم مثار جدل ونكت بين الشعب الصومالي .

وهناك أمر آخر له أهميته ومكانته في عالم السياسة اليوم ، ولكن لم تقرأه معظم الحركات بصورة صحيحة ، وهو (كيفية إدارة العلاقات الدولية في زمن هيمنة القوى الكبرى في جميع مجالات الحياة) ؛ لأن الفهم الصحيح لهذه المسألة تستطيع الحركات الإسلامية فهم موقعها الحقيقي في مجال الحكم .

ولا أتوقع في المدى القريب بأن يكون للتيار الإسلامي الصومالي الحضور الفاعل والمتميز في الساحة السياسية الصومالية كحزب أو ككتلة إسلامية تنطلق من مرجعية شرعية تريد الحكم على هذا الأساس ؛ لأن البلد لم تيأهل بعدُ بقبول أحزاب فكرية تعتمد على المواطنة والمساواة والكفاءة والمبادئ السامية .

ولكي يستطيع التيار الإسلامي الصومالي في وضع بصماته على خارطة الحكم يجب عليه التوافق على برنامج عملي يقدم من خلاله الأولويات ، ويقوي المشتركات والمتفق عليه ، ويظهر الصورة اللائقة للمتدين الحريص على مصلحة أمته ووطنه ، ويصحح الصورة النمطية المشوهة للإسلامي الذي لا يتحرك إلا لمصالحه الشخصية والحزبية .


الشاهد : وأخيرا، هل من توصيات تود تقديمها للجيل الصاعد فكريا ودعويا في الصومال ؟


– الرصيد الأكبر لكل الأمم هم الشباب ؛ لأنهم قادة المستقبل ، ولذا يجب توجيههم إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم ، ويشكل الشباب الصومالي الفئة العمرية الأكثر تعدادا في البلد ، ولكن لم يجد من يرعاه ويتعاهد عليه بالنصح والتوجيه ، بل استُخدم كوقود لا ينضب في تأجيج مشاكل الصومالية في كل الميادين .

ومع الصورة القاتمة للوضع الصومالي إلا أن هناك جيلا ساعدا في كل ميادين الحياة ، فوصيتي لهم الاهتمام بالعلم والعمل ، وأن يكونوا عضوا صالحا في المجمتع ، والابتعاد عن كل ما يسيء إليهم وإلى أمتهم ، والحذر عن كل الأمراض التي فرقت الأمة الواحدة .

وأخيرا ، أشكر الأخوة في موقع شبكة الشاهد الإخبارية لإتاحة الفرصة ، وتقبلوا تحياتي وتقديري.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

تعليق واحد

  1. محمد ياسين عبد الواحد

    نشكر للاخ الغاضل عبد الباسط بن الشيخ ابراهيم على اجوبته المصيبه والمتزنة وتصويره لواقع الحركات الاسلامية الماضي والحااضر بانصاف وبون تحيز وتطرف

%d مدونون معجبون بهذه: