حوار فكري شامل مع الداعية الصومالي الدكتور عبد الباسط شيخ إبراهيم [1-2]

تمهيد :

في محاولة لرصد الواقع الفكري والدعوى لدى الجالية الصومالية في المهجر كان لنا الحوار التالي مع الدكتور الشيخ عبد الباسط شيخ إبراهيم أحد أبرز الدعاة الصوماليين المهتمين بالمشاكل الفكرية والدعوية التي تعاني منها الجالية الصومالية في المهجر وفي بريطانيا تحديدا.

الدكتور عبد الباسط داعية وكاتب صومالي مقيم في بريطانيا، من مواليد مدينة بيدواه جنوب غرب الصومال، حاصل على درجتي ليسانس وماجستير من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهو حاصل أيضا على الدكتوراه في مجال التربية والدعوة من جامعة المدينة العالمية في ماليزيا.

 وفيما يلي الجزء الأول من الحوار :

أجرى الحوار : حسن مودي

الشاهد : في البداية نشكرك على تكرمكم بقبول طلبنا لإجراء حوار خاص معكم، أولا.. فهل لك أن تحدثنا عن التوجهات الفكرية والشخصيات التي أثرت في حياتك الدعوية والفكرية؟

بسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد ؛ فإن أول شخص يعود إليه الفضل في تكويني – بعد الله تعالى – هو والدي الشيخ إبراهيم مَيْلو – رحمه الله تعالى – فأنا حسنة من حسناته وثمرة من ثماره المباركة، كما كان لعمي الشيخ حسن مَيْلو الدور الكبير في توجيهي وتقويمي ، ثم لا أنسى أساتذي في كتاتيب القرءان الكريم ، كما يجب التنويه والتذكير دور استاذي الأول في المدرسة الابتدائية الشيخ عبد الستار بن الشيخ عبد السلام بن الشيخ حسن بَرْسَنه – عضو البرلمان الصومالي الحالي ، وهناك علماء وشيوخ في الداخل الصومالي قد استفدت من علمهم وتوجيهاتهم أو حضرت في حلقاتهم العلمية الخاصة أو العامة ، ومنهم على سبيل المثال الشيخ حسن عبدالرحمن ، والشيخ عبدالسلام شيخ إبراهيم والشيخ محمد ياسين ، والشيخ عبدالقادر نور فارح ، والشيخ محمود عيسى ، والشيخ محمد أحمد بقلصوم ، والشيخ شريف عبدالنور ، والشيخ عمر الفاروق ، كما شرفت الجلوس بين يدي عدد من علماء المدينة النبوية سواء في المسجد النبوي الشريف أو في الفصول الدراسية في الجامعة الإسلامية واستفدت من علمهم ، ومن هؤلاء الأكارم فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد ، والشيخ عمر بن محمد فلاته ، والشيخ عطية محمد سالم ، والشيخ صالح السحيمي ، والشيخ علي ناصر فقيهي، والشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي ، والشيخ أبي بكر جابر الجزائري ، والشيخ صالح العبود ، والشيخ إبراهيم الرحيلي ، كما حضرت بعض الدروس العلمية التي كان يلقيها الشيخ محمد بن صالح العثيمين عند زيارته في المسجد النبوي الشريف أو حلقاته العلمية في المسجد الحرام في العشر الأواخر من شهر رمضان ، كما حضرت بعض الدروس العلمية للشيخ عبد العزيز بن باز في مساجد مكة ، وفي مدينة الطائف ، كما حرصت الحضور في المحاضرات العامة التي كان يعقدها الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في فترة زيارته في المدينة النبوية .

وقد زاملت عددا من الدعاة والعلماء الصومالين الذين لهم بصمات واضحة في ميدان العلم والدعوة وإن كانوا أكبر مني سنا وأكثر مني علما وفقها وديانة وتقوى ، ولكني قد لحقتهم في أروقة جامعتي الإسلامية في المدينة النبوية وأم القرى في مكة المعظمة ، ومن هؤلاء الأجلاء الشيخ الدكتور أحمد حاج ماح ، والدكتورعبدالقادر محمد عبد الله ، والدكتورأحمد طاهر أويس ، والدكتورأحمد عبد الطيف ، والدكتور عمر علي عبد الله ، والدكتور أحمد حاج عبد الرحمن ، والدكتور عثمان معلم محمود ، والدكتور أحمد الإمام ، والشيخ أبوبكر علي مدح ، والشيخ أبوبكر قَيْلِيه وغيرهم كثير ، رحم الله تعالى الأموات منهم ، وبارك الأحياء منهم .

كما لا أنسى عددا من الزملاء والأقران الذين توثقت الصِّلة بيننا في المرجلة الجامعية ، ويقومون الأن بمهمة التعليم والدعوة في أماكن كثيرة في داخل الصومال وخارجه ،سدد الله تعالى خطاهم وبارك في جهودهم .

الشاهد : بما أنك تعيش في أروبا ، وخاصة في بريطانيا ..كيف تقيم الواقع الدعوي لدى الجالية الصومالية في المهجر ؟

يعود مجيء الجالية الصومالية إلى الغرب بعد سقوط الحكومة المركزية في عام ١٩٩١م ،وتحتضن بريطانيا أكبر جالية صومالية في أوروبا ، وتنتشر في معظم مدن المملكة المتحدة كالعاصمة لندن ، وبرمنغهام ، ومانشستر ، وبريستول ، وشيفلد، وليستر ، وغيرها من المدن.

وتمتلك الجالية مساجد ومراكز كثيرة في معظم المدن ، وهناك عدد لا بأس به من الدعاة الصوماليين الذين يقيمون بمهمة الدعوة والتعليم سواء كان في داخل المراكز الصومالية أو المساجد الأخرى ، ولكن تعاني الجالية عجزا ملحوظا في الكوادر الدعوية ؛ لأن العدد المؤهلين لميدان الدعوة والتوجيه لا يُلبي عُشْر احتياجات الجالية العلمية والدعوية ، كما أن الخطاب الدعوي المقدم للجالية لا يتماشى مع متطلبات العصر الذي تغير كثيرا من ناحية أسلوب مخاطبة الناس وتوصيل المعلومة إليهم .

كما تعاني الدعوة في أوساط الجالية القصور وعدم الاهتمام أو التساهل في موضوع الناشئة الصومالية التي ترعرعت في المهجر أو ولدت فيه ، ويواجه هذا الجيل صعوبة في فهم دينه وثراثه الصومالي .

الشاهد: في نظرك ما هي أهم المشاكل الفكرية والدعوية التي تعاني منها الجالية الصومالية في المهجر وفي أروبا تحديدا ؟ 

في نظري فإن أخطر وأصعب مشكلة تعاني منها الجالية الصومالية في المهجر ، سواء كانت في قارة العجوز ( أوروبا ) أو في الشمال الأمريكي ( الولايات المتحدةالأمريكية وكندا) ، فإنها حملت معها الأمراض والأوجاع التي قسمت بلدهم إلى كانتونات قبلية وإقطاعات عشائرية ، وتولد منها عدم الثقة بالآخر ما دام لا يشاركه في العرق والجهة المصطنعة من قبل الانتهازيين وباحثي الشهرة والمال على حساب الثكالى والمستضعفين .

وهذا المرض العضال أثر سلبا في جميع نواحي الحياة في وسط الجالية ، مما جعل أبناءها لغمة سائغة وسهلة لكل الأفكار المخالفة للنهج الصحيح والفطرة السليمة .

وأما المشاكل في الساحة الدعوية فحدث عنها ولا حرج ، فكل حركة مراكزها ومساجدها ودعاتها الخاصة ، وحُوِلت الحركات إلى غايات وأهداف في ذاتها بعد أن كان الأمل في تأسيسها وتكوينها لأول مرة بأن تكون وسيلة للتعاون والتكامل بين الدعاة وأهل العلم ، ولا تكون حجر عثرة أمام توحيد الكلمة ورصِّ الصفوف .

وتعاني الساحة الدعوية الصومالية في المهجر صنوفها من الأمراض التي لا أول لها ولا آخر ، وأشدها خطرا وتدميرا هي القبلية والحزبية العمياء والمصلحة الشخصية .

الشاهد : استنادا إلى كتاباتك ومقالاتك، فأنت شديد المعارضة للتحزب والانتماءات الحركية والولاءات والطاعة العمياء لمؤسسي وقادة الحركات الإسلامية، فما رأيك في ذلك بالنظر إلى التجربة الصومالية ؟

لست من معارضي الحركات الدعوية أو بالأحرى ليس بيني وبين التيار الإسلامي الصومالي بكل أطيافه ومدارسه المختلفة خصومة ، ولكن غلب علينا بسماع الإطراء والمدح المفرط للحركات ، والتستر أو الإنكار للأخطاء والإخفاقات ، أو تحويل الهزائم والنكبات إلى إنجازات ، كما هو الحال بالنسبة إلى الأنظمة والحكومات التي تحكم بلادنا ، ولأجل ذلك لا تستطيع الحركات السماع لكل صوت يخرج عن المألوف ، فضلا عن مطالبة التصحيح والمحاسبة والشفافية في أعمالها ، ولا ينقضي عجبا عندما أرى أناسا كانوا يتولون مناسب قيادية عليا في الحركات ويناصبون العداء لكل من لا يشاطرهم في الرأي والمشرب ، ويضعون الحركة وقادتها في مصافِّ العظماء والقادة الفاتحين ، يتغير مزاجهم ورأيهم في شؤون الحركة ، بعد أن فقدوا مصالحهم الشخصية ، يعلنون النكير عليها ، ويفشون الأحوال التي كانوا يصنفونها بالأمس القريب من أسرار الحركة وتميزها عن غيرها .

وليس في كتاباتي القليلة في الحركات الدعوية الصومالية بما يمكن وصفها بأنها من باب النقد ، بل لا تعدو كونها ” توصيف حال التيار الإسلامي الصومالي وسرد بعض التجارب الشخصية لبعض الأخوة الذين لا يزالون يحتفظون بطاقة العضوية للحركة أو تَرَكُوا عنها طواعية ” .

وأما الولاء الضيق والطاعة العمياء فهي من المصائب التي ابتليت بالحركات ، وهو أمر مناف للفطر السليمة قبل الشرع الصحيح الذي جعل الولاء الكامل لأهل الإيمان وجعل الطاعة في الحق فقط ، ولأجل ذلك تنشطر الحركة الواحدة إلى جماعات وحركات جديدة.

والتيار الإسلامي الصومالي جزء من الحركات الإسلامية في العالم أو بالأحرى بأنه وكيل للحركات الدولية في التراب الصومالي ، فإذا مرض الأصل والرافد والمتبوع ، عاني التابع والوكيل من أعراض سيده .

%d مدونون معجبون بهذه: