حوار شامل مع السفير السوداني في الصومال 2-2

الجزء الثاني والأخير من الحوار  الصحفي مع السفير محمد يوسف:

 الشاهد : أحيانا نسمع شكاوى من بعض الأقاليم الصومالية بشأن المنح الدراسية التي تقدمونها لأبناء الشعب الصومالي، فما هي الآلية المتبعة لمراعاة حسن توزيع المنح على مختلف فئات المجتمع الصومالي في جميع الأقاليم ؟

تعلم أخي ويعلم الصومال حجم التعاون الثقافي والتعليمي بين السودان والصومال وما يقدمه السودان من فرص تعليمية للإخوة الصوماليين سواء عبر المنح أو عبر الفرص التعليمية في الجامعات والكليات الخاصة. فقد كانت سياسة السودان منذ الأيام الأولى للمحنة التي مر بها الصومال ، كانت سياسته ألا يراقب من على البعد ما حل بالإخوة الصوماليين متحسرا على حالهم ومتأسفا على مالهم ، بل ألزم على نفسه ألا يكتفي بلعن الظلام الذي حل بهم ، وإنما كنا نحاول قدر الإمكان أن نستبدل ذلك بشموع تنير بلادهم ، وذلك من خلال تقديم ما لدينا من خبرات لإخواننا الصوماليين، وأن نفتح أمامهم أبواب المدارس والمعاهد والجامعات ، وقد قدر الله سبحانه وتعالى أن يتزامن ذلك مع ثورة التعليم العالي في السودان في بداية التسعينات، حيث أنشئ عدد كبير من الجامعات بعد أن كان عدد الجامعات في السودان لا يتجاوز خمس جامعات ، وبالتالي أصبح عدد الجامعات الحكومية ما يزيد على خمسين جامعة تستوعب كل منها عشرات الآلاف من الطلاب ، هذا بخلاف الكليات والجامعات الخاصة والتي تزيد على ثلاثين جامعة. فهذه الثورة التعليمية المباركة أتاحت للطلاب السودانيين الذين كانوا يدرسون بالخارج فرص العودة لبلادهم لمواصلة دراستهم في الداخل، وفي نفس تخصصاتهم وبذات الجودة والامتياز في نوعية التعليم الذي كانوا يتلقونه بالخارج ، إن لم يكن بأفضل منه. وقد قدرت القيادة السودانية في ذلك الوقت ألا تكون ثمرة هذه الثورة التعليمية المباركة حكرا على السودان فقط ، وقررت أن تشرك الإخوة الصوماليين في قطافها ، وقد تم ذلك بحمد الله وظل الطلاب الصوماليون يتوافدون على السودان منذ ذلك الوقت ، ولا يقل عدد الذين يدرسون الجامعات والكليات والمعاهد السودانية في كل عام عن ستة آلاف طالب. ليس هذا فحسب … فقد عرف السودان التحاق الإخوة الصوماليين منذ السبعينات بالمدارس الثانوية السودانية ، وقد التقيتُ ببعضهم حيث أخبروني أنهم من خريجي مدرسة “خور طقت” الثانوية بالسودان حين كان عدد المدارس الثانوية بالسودان لا يتجاوز عدد أصابع اليدين. وأيضا أعرف شخصيا بعض الأسر الصومالية التي تقيم الآن بالسودان لغرض واحد فقط هو أن يتلقى أبناؤهم العلم والتعليم بالمدارس السودانية منذ المرحلة الابتدائية وحتى الجامعية. وأشهد شخصيا للطلاب الصوماليين بالجد والاجتهاد والنبوغ والتفوق في دراساتهم ، إضافة إلى اندماجهم في المجتمع السوداني ومع الطلاب السودانيين وأسرهم.

فيما يتعلق بتوزيع المنح ، أحب أن أؤكد أن المنح الدراسية المقدمة من السودان هي للصوماليين ، جميع الصوماليين ، فنحن في السودان نتعامل مع الإخوة الصوماليين كشعب واحد بلا اعتبار للتصنيفات أو فئات قبلية كانت أو سياسية أو غير ذلك من التصنيفات سوى شرط واحد هو استيفاء المعايير الأكاديمية لكل تخصص وفق ما تحدده الجامعة المعينة إضافة إلى شرط اللياقة الطبية. أما كيفية الوصول إلى هؤلاء الذين تنطبق عليهم الشروط وترشيحهم للاستفادة من هذه المنح فهو إجراء تقوم به الحكومة الصومالية وليس للسودان أي دخل فيه. وتعلم أنه قبل استعادة الصومال لحكومته المركزية ، كان الوصول إلى الطلاب الراغبين في الاستفادة من تلك المنح الدراسية يتم بواسطة بعض المنظمات الطوعية التي كانت تعمل بالصومال في مجالات العون الإنساني والخدمات الأساسية ، ونعلم جيدا أن هذه الجهات كانت تعمل في ظروف يصعب فيها التواصل بين أجزاء الوطن الواحد ؛ لذا لابد أن تكون جهودها محدودة بحدود النطاق الأمني الذي كان متوفرا وحرية الحركة التي كانت متاحة ، فصعوبة المواصلات والاتصالات في ذلك الوقت لم تكن تمكّن كل راغب ومؤهل للاستفادة من تلك الفرص أن ينال مبتغاه، وعليه؛ ربما كان هذا هو سبب الشكاوى التي ذكرتها وليس أي سبب آخر.

أما الآن فإن الوضع يختلف تماما عن ذي قبل ، فالصومال قد استعاد حكومته المركزية ، وأصبح التعامل معه يتم عبر مؤسسات الدولة في جميع المجالات وعلى رأسها مجال التعليم؛ حيث تقوم الحكومة السودانية بتوفير وتخصيص المنح الدراسية للطلاب الصوماليين من حيث العدد والتخصص ، وتحدد الشروط التي ينبغي توفرها في من يتم ترشيحهم لهذه المنح ، ويتم تسليم ذلك كله للحكومة الصومالية التي تقوم عبر وزارة التعليم بإعلانها للطلاب على مستوى الدولة وفحص أوراق ومستندات ومؤهلات المتقدمين وإرسال الترشيحات عبر القنوات لوزارة التعليم العالي بالسودان؛ حيث يتم هناك إخضاعها للفحص والتقييم وبالتالي واتخاذ القرار بواسطة هيئة القبول للجامعات السودانية بالقبول المبدئي لمن تنطبق عليهم الشروط وفقا لما توفر لديها من مستندات. ويتم إرسال كشوفات أو قوائم المرشحين للقبول لوزارة التعليم الصومالية التي تقوم بإخطار الطلاب المرشحين واستكمال إجراءات سفرهم إلى السفارة. وبعد وصول الطلاب إلى السودان يقوم كل منهم باستكمال إجراءات قبوله بالجامعة والكلية التي يرغب فيها ، وإذا كان مستوفيا للشروط المطلوبة يتم تسجيله وينخرط في الدراسة مثله مثل الطالب السوداني بلا أي تمييز ، إلا أن يكون تمييزا إيجابيا في صالح الطالب الصومالي ، كتوفير الإقامة بالمدن الجامعية، وهي ميزة لا تكون متاحة لكل الطلاب السودانيين.

وعند وصولي إلى مقديشو كانت إجراءات ترشيح الطلاب الصوماليين للدراسة بالسودان بواسطة وزارة التعليم الصومالية، وقد تابعت بنفسي إجراءات سفرهم من حيث منحهم التأشيرات وإخطار الجهات السودانية لاستقبالهم ، وقد سافر هؤلاء الطلاب بحمد الله إلى السودان كدفعة واحدة برفقتهم ممثل لوزارة التعليم الصومالية. وأسأل الله تعالى أن يكونوا الآن مستمتعين بالدراسة مع إخوانهم السودانيين ومتفاعلين مع المجتمع السوداني ومندمجين فيه ، كالعهد بهم دوما ، حتى يعودوا منارات علم وحملة مشاعل ورصيدا بشريا عالما وعاملا ومنتجا تفتخر بهم بلادهم ويعتز بهم السودان.

ورغم ما ذكرته لك من تسلسل الإجراءات والدور المحوري فيها للحكومة الصومالية ، فإن هذه الإجراءات لا تعدو في النهاية أن تكون سوى جهدا بشريا ، وكل جهد بشري يتوقع أن تكون فيه بعض الهنات و شيء من الهفوات حتى مع صدق النية. فنأمل يتم عبر التجربة والممارسة التغلب على أي صعوبات و تدارك أي إخفاقات سعيا نحو الكمال الذي يظل هدفا لا يدرك تماما ما دام الساعون إليه بشرا.

الشاهد : إلى جانب المجال التعليمي الذي تفوقت به السودان عن مثيلاتها من الدول العربية، فهل هناك مجالات أخرى تنشط فيها دولة السودان الشقيقة لمساعدة إخوانهم في الصومال ؟

تفوق السودان عن غيره من الدول العربية ، شهادة من مركز الشاهد نعتز بها ونفاخر ، حيث لا ننسب لأنفسنا التفوق لكن إن جاء من الآخرين فإننا نقدر شهادتهم؛ لأن السودان مهما قدم للصومال فهو يحس بأن ما يقدمه محدود بحدود إمكاناته وقدراته ، فهو يقدم للصومال الشقيق ما يستطيع وليس ما يود ويرغب ويتمنى. ورغم محدودية الموارد فإن التعاون بين الصومال والسودان يتعزز ويتعمق كل يوم في مختلف المجالات خاصة ما ذكرت لك سابقا مثل المجالات التي يملك السودان فيها خبرة نحسبها مقدرة في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية وإنشاء وإدارة السدود ومشاريع حصاد المياه ، وللسودان خبرة كذلك في مجال البترول استقاها من احتكاك بنِيه بالشركات البترولية العاملة في السودان. فتشكل لديه رصيد من المقدرات في هذا المجال استكشافا واستخراجا ومعالجة ونقلا وتوزيعا وإدارة ، وهي خبرات متاحة للكوادر الصومالية للاستفادة منها عبر دورات تدريبية ، خاصة وأن الصومال كما نعلم له رصيد كبير من المخزون البترولي الذي يبشر بمستقبل زاهر لهذا الشعب الكريم. كما تراكمت لدي السودان خبرات في مجال التنقيب عن المعادن خاصة الذهب ، وهذا مجال يمكن أيضا للصومال الاستفادة من الخبرات المتوفرة لدي السودان. وعموما فإن مجالات التعاون لا تحدها حدود ، فكل يوم يستكشف الشعبان والبلدان كل ما لدي الآخر من خبرات ومجالات للتعاون والتكامل فيما بينهما لصالح الطرفين.

 الشاهد : مع تزايد الدول المهتمة بالصومال بدأت بعض الدول تعليم الناس لغاتها عبر مراكز تعليمية وبرسوم رمزية مع تشجيع وتحفيز كبيرين لدارسي تلك اللغات، مثل اللغة التركية التي يتزايد من يتقنها يوما بعد يوم بفضل تلك السياسيات الإيجابية، فهل لدى سفارة السودان مركز ثقافي ولغوي لتعليم الناس اللغة العربية، وبشكل عام هل تنوون سد هذا الفراغ بالتعاون مع الدول الأخرى ؟

أهمية اللغة العربية تكمن في أنها لغة دين ولغة دنيا ، وبدونها لا يتأتى للمسلم أن يمارس عباداته ، لذا حق على كل العرب والمسلمين بذل أقصى ما يملكون من جهد من أجل نشرها وتعليمها ، للمسلمين ولغير المسلمين . وتعليم اللغات ليس بالأمر الهين فهو يحتاج للإرادة والإمكانات والوقت. وهذه عناصر يصعب توفيرها بجهود الأفراد وحدها – وإن ساهمت فيها – فالعبء الأكبر يقع على الحكومات – خاصة حكومات الدول العربية – ممثلة في جامعة الدول العربية التي يجب عليها الاهتمام بهذا الجانب وتنسيق جهود الدول العربية لنشر وتعليم اللغة العربية ، خاصة في الدول الإسلامية التي يتوق أبناؤها إلى تعلم هذه اللغة.

بالنسبة للصومال اعتُمدت اللغة العربية كواحدة من اللغات الرسمية للدولة الصومالية وفق الدستور المؤقت. وهذا موقف يجب أن يجد كل التقدير وكل العون من الدول العربية لمساعدة الصومال حتى يتمكن من استخدام اللغة العربية على المستوى الرسمي استيفاء لما نص عليه الدستور. أما عامة الشعب في الصومال فإن الكثيرون منهم يتحدثون العربية ويحتاجون إلى قليل من العون والمساعدة لاستكمال تعليمها ، خاصة وأن الشعب الصومالي شعب ثقافته قرآنية وسلوكه قرآني ، ومادام مرتبطا بالقران فهو لا شك مرتبط باللغة العربية ، فإن وجد العون والمساعدة في مجال تعلمها وإتقانها سيكون بلا شك متمسكا بأصولها ومتقنا لفروعها. وهذا ما نأمل أن يتوفر له في المستقبل القريب.

بالنسبة للسودان فإن كثيرا من الجامعات لها مراكز لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها ، وهي مراكز يؤمها الراغبون في تعلم اللغة العربية من جميع أنحاء العالم ، وتشهد هذه المعاهد أقبالا من الطلاب الصوماليين الذين يلتحق الكثيرون منهم بهذه المعاهد في دورات إعدادية قبل انخراطهم في الدراسة بالجامعات. كما أن هناك كثير من الصوماليين يذهبون إلى السودان فقط بقصد الالتحاق بهذه المدارس وبهدف تعلم اللغة العربية فيها. ونأمل أن تتوفر لنا الإمكانات حتى نتمكن من إنشاء مركز ثقافي بمقديشو يعمل كحاضنة ثقافية ومركزا للتدارس والتعلم والتلاقح الفكري ، وقاعدة لتعليم اللغة العربية على نسق ما هو معمول به في مراكز تعليم اللغة العربية في السودان ، ومنارة تشع من مقديشو على بقية المناطق في الصومال.

 الشاهد : وأخيرا، بناء على الخبرة التي اكتسبتموها في هذا البلد، هل من توصيات أو إرشادات تودون تمريرها عبر شبكة الشاهد الإخبارية لمختلف فئات المجتمع، مما قد يساهم في حل مشاكل تواجهكم كدبلوماسيين أو تواجه الشعب الصومالي بشكل عام؟

كما ذكرت لك أخي العزيز فإن الصومال دولة ذاخرة بالموارد البشرية والطبيعية ولا يحتاج سوى أن يسوده السلام والاستقرار وتتحقق الوحدة الوطنية ليتوجه بنو الصومال جميعهم وبعون أشقائهم وأصدقائهم نحو رفعة بلدهم وتنميته على نحو يسرهم ويسعدهم ، وليس لي من إرشادات أقدمها لهم ، فالكل أدري بأعراض الداء ومواطن الدواء . ولكني فقط أتمنى من صميم قلبي وأدعو الله مخلصا أن يهديهم إلى ما فيه خير بلادهم عبر الوحدة والتماسك والتكاتف ونبذ الجهوية والقبلية – إلا من باب (لتعارفوا) وأن يسود الأمن والاستقرار حتى يسير الراكب في هذه البلاد من أقصاها إلى أدناها لا يخشي إلا الله ولا يرجو سواه.

كما أرجو أن تسمحوا لي أن اكرر شكري وتقدير لشبكة الشاهد على هذه الفرصة التي أتمنى أن يجد المطلع على ما ورد فيها من حوار ما يدفع نحو تعميق العلاقات بين الشعبين والارتقاء بها إلى أعلى المستويات ، آملا أن يستمر التعاون بيننا فالهمّ واحد والهدف واحد وليعيننا الله الواحد.

تعليق واحد

  1. هذا سفير يفهم الصومال ويساعد مكسب للصومالين للاستفادة منه . لو كل سفرا العرب وجامعة العرب مثل سفير سودان الصومال يتقدم كثير. نرحو الشاهد فرصا لجميع صوماليين للقاء هذا السفير في محاضرات عامة

%d مدونون معجبون بهذه: