حوار شامل مع السفير السوداني في الصومال (١-٢)

تمهيد :

ضمن سلسلة حوارات “سفراء العرب في الصومال(1)” استطاعت شبكة الشاهد الإخبارية أن تجري حوارا شاملا مع السفير السوداني في الصومال الأستاذ محمد يوسف إبراهيم، والذي لاحظنا من اهتمامه للقضية الصومالية و ترحيبه الحار لنا واستجابته السريعة لطلبنا… كم هو إنسان يحمل الكثير من صفات السوداني الأصيل من البساطة والكرم والتواضع والعاطفة الصادقة.

السفير محمد يوسف مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أثناء تقديم أوراق الاعتماد

السفير محمد يوسف مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أثناء تقديم أوراق الاعتماد

وفي هذا الحوار الذي يأتي في حلقتين يحدثنا سعادة السفير محمد يوسف جانبا عن الدور التنموي البارز الذي تضطلع به جمهورية السودان الشقيقة في الصومال، وعن علاقته السابقة بالصوماليين وانطباعه العام عن مقديشو قبل وبعد مجيئه إليها سفيرا، إلى جانب مواضيع أخرى، من بينها الآلية المتبعة لمراعاة حسن توزيع المنح الدراسية المخصصة للصومال سنويا ضمن المشاريع التنموية في مختلف المجالات.

نبذة عن السفير محمد يوسف :

  • الأستاذ محمد يوسف إبراهيم من مواليد عام 1959 بمدينة شندي – ولاية نهر النيل – السودان.
  • حاصل على بكالوريوس العلوم الإدارية من جامعة أمدرمان الإسلامية بالسودان ، و ماجستير الإدارة العامة من جامعة الخرطوم بالسودان ، وماجستير العلوم الإدارية من جامعة فيرلي ديكنسون بولاية نيوجيرسي بالولايات المتحدة الأمريكية ، إضافة إلى الدبلوم العالي في الإدارة العامة من جامعة الخرطوم ، والدبلوم العالي في الدبلوماسية البيئية من جامعة جنيف بسويسرا. وهو الآن طالب منتسب بالسنة الرابعة بكلية القانون جامعة النيلين بالسودان.
  • عمل معلما بالمدارس الثانوية بكل من السودان واليمن ، ثم ضابطا إداريا بمجالس الحكم المحلي بالسودان، ثم التحق بالسلك الدبلوماسي السوداني في درجة سكرتير أول ، وتدرج في السلك حتى وصل درجة سفير.
  • عمل دبلوماسيا بسفارات السودان في كل من جيبوتي ونيروبي ، ثم بالبعثة الدائمة لجمهورية السودان لدي الأمم المتحدة بنيويورك قبل تعيينه سفيرا للسودان لدي الصومال.
  • قام بتقديم أوراق اعتماده للرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ، سفيرا فوق العادة ومفوضا لجمهورية السودان لدي الصومال في الثامن عشر من أكتوبر 2014م

أجرى الحوار: حسن مودي

الشاهد: في البداية نشكركم سعادة السفير على استجابتك لطلبنا لإجراء حوار شامل معك؛ ونطلب من حضرتك أن تحدثنا أولا عن الانطباع العام الذي كان لديك عن مقديشو قبل وصولك إليها سفيرا، مقارنة بما رأيته على أرض الواقع بعد أن عايشت أهلها عن قرب؟

أولا اسمحوا لي أن أتقدم بشكري وتقديري لمركز الشاهد لإتاحته هذه الفرصة القيمة للإطلال عبر نافذته على الشعب الصومالي الشقيق مبتدرا خطا للتواصل مع هذا الشعب المعجزة الذي أثبت شدةً وقوة في وقت البأس وحكمة وهمة قياسا بغيره من الناس. كما يسرني أن أعبر لكم بأني كنت وما زالت أعتمد على مركز الشاهد وموقعه الإلكتروني كمصدر موثوق للمعلومات والأخبار عن الصومال ، فقبل حضوري إلى هذا البلد الطيب كنت استقصي أخباره عبر شبكتكم التي ما خذلتني يوما في الوصول إلى أي معلومة بحثت عنها أو أي خبر كنت أتطلع إلى تفاصيله الدقيقة لحظة حدوثه.

فيما يتعلق بمعايشتي للإخوة الصوماليين فهي لم تبدأ بوصولي لمقديشو ، ولكنها معايشة تمتد جذورها لعقود خلت ، فقد عرفت وعايشت الإخوة الصوماليين فترات طويلة سواء في السودان أو خارج السودان؛ حيث عملت في عدة دول التقيتُ فيها بالإخوة الصوماليين كزملاء عمل أو كمهاجرين ، وقد زاملت بعضهم في محطات عمل سابقة بل وتشاركنا السكن واقتسمنا اللقمة وتعارفنا عن قرب ، فوجدت في الصومالي نعم الأخ ونعم الصديق ، فهو المتدين الخلوق وهو الوفي الصدوق ، وهو باختصار مرآة تعكس كل حميد الصفات ورفيع الأخلاق.

هذا هو الانطباع الذي كان لدي عن الصومالي قبل أن أرى الصومال ، وبعد وصولي إلى مقديشو زادت تلك الانطباعات رسوخا ، فقد كنت اعتقد أن ما اعرفه عن الصوماليين كانت عبارة عن صفات تتميز بها الصفوة منهم والمتعلمين. أما الآن فأنا أعايش جميع طبقات الشعب الصومالي من سياسيين ودبلوماسيين ومثقفين وأدباء وتجار و أصحاب أعمال ، وكذلك أيضا أعايش بقية الطبقات بما فيها عامة الشعب. فتبين لي من هذه المعايشة إن ما كنت أعرفه وأطلع عليه من صفات عن الشعب الصومالي قبل حضوري إلى الصومال هي ذات الصفات التي يتميز بها كل صومالي ، بغض النظر عن مهنته أو مستواه التعليمي.

أما عن مقديشو الجغرافيا فإن الصورة التي كانت قد تشكلت في مخيلتي عنها فهي الصورة التي كانت ترسمها وسائل الإعلام سواء بالكاميرا أو القلم أو بهما معا، ومن إعلاميين صوماليين وغير صوماليين ، وهي صورة الدمار والخراب والخوف والفزع والبؤس والشقاء بقدر ما تحمل هذه الكلمات من معاني. وأذكر جيدا أني كنت قد اطلعت لوصف لمدينة مقديشو بقلم أحد الكتاب بجريدة الشرق الأوسط في العام 2010م نعتها بأنها مدينة تحتضر وسكانها يعيشون حياة بدائية لا ماء فيها ولا كهرباء ولا طرقات ، وأن بيوتها أصبحت خرابات بعد أن تهدمت بفعل الحرب وفر منها سكانها ، وأنه لا مجال فيها للتحرك بأمن وطمأنينة؛ حيث ستكون عرضة للنهب المسلح الذي يفقدك مالك ، بل وسيفقدك روحك إن دافعت عن مالك ، وقدم الكاتب مثالا على ذلك بأنك لا تستطيع مثلا حمل الجوال خارج دارك أو التحدث عبره ، وحتى نغمة الجوال كان محروما عليها البوح؛ لأنها ستكون دليلا للهجوم عليك ونهب ما عندك ؛ لذا كان الناس يضعون الجوال في وضع (صامت) عندما يتحركون خارج مساكنهم. هذه باختصار صورة مقديشو التي تشكلت لدي قبل وصولي إليها . أما بعد وصولي فقد بدت الصورة مختلفة منذ أول وهلة فقد كان واضحا.. العمران الجميل والشوارع المعبدة والحركة المنسابة وانسياب الناس في الطرق غدوا ورواحا، فقد بدت لي صورة مدينة ناهضة ودعت خوفها الطويل وسكونها القاتل ، عاملة بجد بأيدي بنيها ومساعدة أشقائهم على استعادة حياتها التي كانت.. وبريقها الذي كان يشع ، فحيثما نظرت وجدت حركة ونشاط في استعادة العمران والحياة المدنية ـ الأسواق عامرة بالعارضين والمتسوقين لجميع المنتجات المحلية والمستوردة والطرقات تحفل بالسيارات من كل نوع، والخدمات متوفرة على أفضل ما يكون ، فالماء موجود والكهرباء متوفرة على نحو لا يوجد في كثير من العواصم الأفريقية – فمنذ وصولي لم أشك من انقطاع للكهرباء – وهذه ميزة لا توجد إلا في العالم الأول. وكذلك الاتصالات المتمثلة في خدمات الهاتف والإنترنت فهي أيضا متوفرة بصورة قلما يوجد لها مثيل في أفريقيا كما أن الخدمات الفندقية الراقية متوفرة وبكثرة ؛ حيث يجد الزائر حميمية الاستقبال وكرم الضيافة وطيب الإقامة في الفنادق المقديشية بمختلف تصنيفات الفنادق المعروفة. وعموما فأنا قد وقفت فعليا على شواهد حية تؤكد جميعها أن مقديشو ستستعيد بريقها وجمالها الذي كانت توصف به كواحدة من أجمل العواصم في أفريقيا في فترة السبعينات والثمانينات إن لم تكن أجملها على الإطلاق كما سمعته من وصف من الدبلوماسيين والسفراء السودانيين الذين عملوا بمقديشو في تلك الفترات.

الشاهد: بما أن كل الدبلوماسيين الذين سبقوك في الفترة الماضية كانوا دون مستواك من حيث التمثيل الدبلوماسي حسب علمنا؛ فماذا يعني لك أن صرتَ أول سفير كامل الصلاحية في الصومال بعد أكثر من ٢٠ عاما ؟

بحمد الله فان العلاقات الدبلوماسية بين الصومال والسودان عريقة عراقة البلدين في الاستقلال والانعتاق من الاستعمار ، فقد كان كلا البلدين من طلائع الدول التي نالت استقلالها من القوى الأجنبية المستعمرة ، وشكل ذلك الاستقلال دافعا قويا لبقية الدول الإفريقية التي لم تكن قد استقلت حينها ، فزادت من وتيرة كفاحها ونضالها حتى نالت استقلالها أسوة بمن سبق. وتعود العلاقات الدبلوماسية إلى أوائل سنين الاستقلال. ورغم ما شهده كلا البلدين من تقلبات في أنظمة الحكم منذ الاستقلال فان العلاقات الدبلوماسية لم تنقطع يوما واحدا فظلت متصلة لا منفصلة بغض النظر عن أنظمة الحكم ، وذلك لأنها في الأساس علاقة بين شعبين، وما دامت الشعوب باقية فان العلاقات ستظل باقية. ولذلك فعندما غاب نظام الدولة عن الصومال منذ العام 1991م وغادرت البعثات الدبلوماسية الصومال عائدة إلى بلادها مؤثرة السلامة ، فان السودان لم يغلق سفارته ولم يجمد تمثيله الدبلوماسي ، بل كان الشعور لدي القيادة السودانية أن الصومال الشقيق وأبناء الشعب الصومالي الأعزاء هم أحوج ما يكونون إلى العون والمؤازرة والمساندة في تلك الأيام بالذات، فلم يكن من المقبول عند القيادة السودانية أن ترى أخاك وقد ألمت به محنة أن تهرب وتغادر وتتركه وحيدا يقاسي ما يقاسي ، بل كان قرار القيادة السودانية أن يظل الوجود السوداني حيث كان ، وأن تواصل البعثة الدبلوماسية عملها بالصومال محاولة التوفيق بين الإخوة الصوماليين ما استطاعت إلى ذلك سبيلا ، وفي نفس الوقت تقدِّم لهم ما تستطيع من معونات وخدمات إنسانية سواء عبر السفارة او عبر المنظمات الطوعية السودانية. ورغم محافظة السودان على وجوده الدبلوماسي بالصومال و استمرار بعثته الدبلوماسية في عملها كالمعتاد ، فقد كان مستوي التمثيل على مستوي القائم بالأعمال ، وليس على مستوي السفير ، وما كان ذلك إلا اتباعا للأعراف الدبلوماسية التي تستلزم أن يحصل السفير على موافقة رئيس الدولة التي يبعث إليها ثم يقوم بعد ذلك بتقديم أوراق اعتماده إليه لقبولها ومن ثم ممارسة عمله كسفير فوق العادة ومفوضا لبلاده ، وهذا ما يسره الله لي بعد أن قيض للصومال حكومة مركزية ،حيث جئت مبعوثا من قبل الرئيس السوداني عمر حسن أحمد البشير كسفير لجمهورية السودان لدي الصومال، وقدمت أوراق اعتمادي لفخامة الرئيس حسن شيخ محمود كأول سفير لبلادي لدي الصومال بعد غياب لمنصب السفير لما يزيد عن العشرين عاما. ويمثل هذا التكليف لي شخصيا مصدر فخر واعتزاز أن أكون أول سفير لبلادي بعد هذه المدة الطويلة ، ولدي هذا البلد الشقيق ، وهذا الشعب الطيب الذي أعتز بوجودي بينه وبين حكومته ، عاملا معهم لخير بلدينا وتعميقا لأواصر الإخاء وعلاقات التعاون والتضامن.

الشاهد : كيف ساعدك لون سحنتك المشابه للصوماليين في حرية التجول والتسوق كواحد من الصوماليين في بعض الأحيان ؟

كما ذكرت لك سابقا وحدثتك عن علاقتي السابقة بالإخوة الصوماليين ، فإن هذه العلاقات لم تكن من فراغ ، وإنما كانت نابعة من نقاط التلاقي والتشابه بين السوداني والصومالي، فنحن شركاء في العرق حيث تعود جذورنا للعروبة والأفريكانية ، وقد انعكس هذا في السحنة والهيئة ، كما أنه تجمعنا أخوة الدين؛ حيث كلنا ندين بالإسلام الذي حثنا على التعارف رغم أن الله قد جعلنا شعوبا وقبائل، ونعمة الإسلام هذه هي أعظم رابطة تجمع بين بني البشر فنحمد الله أن انعم علينا بها. فأوجه الشبه بين الصومالي والسوداني لا حدود لها إن عددتُها ، حتى جعلت من الشعبين شعبا واحدا ، فأنت لا تستطيع أن تميز بين الصومالي والسوداني إلا عندما يتحدث أحدهما فتلحظ عندها الفرق. وأذكر مرات عديدة عندما أكون متجولا في احدي المدن الأمريكية أو الأوربية أو في احدي المطارات الأجنبية ، فإني كثيرا ما ألاقي إخوة صوماليين أو أخوات صوماليات فيبتدرونني بالحديث باللغة الصومالية سائلين عن مكان أو عن طريق أو عن وسيلة مواصلات ، ظنا منهم أني صومالي ، ولكنهم يعرفون الحقيقة عندما أتحدث معهم وأخبرهم أني (سوداني) ، فكنت أراهم حينها تنفرج أساريرهم ويفرحون بكوني سودانيا ، أكثر من فرحهم بلقائي لو كنت صوماليا ، ونبدأ بعدها التفاهم بلغة مشتركة سواء كانت العربية أو الإنجليزية. وأذكر أني كنت أستمع إلى هذا التشابه معبَّرا عنه في أغنية يغنيها مغنّي صومالي كان مقيما بالسودان؛ حيث كان مطلعها (أنت صومالي واللا سوداني* أنت سوداني واللا صومالي * أنت واحد بس ماله ثاني). وهذا أبلغ تعبير ليس عن التشابه بل التطابق بين الصومالي والسوداني؛ لذا فإني أتجول في مقديشو بحرية مستشعرا بأني واحد من بنِيـها؛ وهي تستقبلني وتحتضنني بهذه الصفة ، فليس لدي أي شعور بالغربة أو التميز ، وبنفس القدر لا يكون هناك أي شعور لدي الصوماليين بأن الذي يمشي بينهم ليس صوماليا ، اللهم إلا عندما أرتدي الزي الوطني السوداني المكون من الجلابية والعمامة ، فعندها فقط يعلمون بأني سوداني.

الشاهد : كيف تقيم مستوى الوضع الأمني في العاصمة مقديشو بعد التحسن الذي شهدته مؤخرا، وما الذي ينقصها لتحقيق مزيد الاستقرار في نظرك ؟

لعلي قد تناولت هذا الأمر من بعض وجوهه عند إجابتي على سؤالك الأول ، حيث عقدت لك مقارنة بين الصورة التي كنت أحتفظ بها في مخيلتي عن العاصمة مقديشو وما رأيته بعد حضوري ، وفعلا ليس الشاهد كالسامع ، فقد تأكد لي أن وصف ما حدث في مقديشو في الناحية الأمنية بأنه تحسن لا يرقى إلى مستوى الحقيقة، ولا يعبر عن الواقع المعاش مقارنة بما قد كان ، فما تشهده مقديشو ليس تحسنا بل هو تحول كامل من الحرب إلى السلم ، ومن الخوف إلى الأمن ، ومن المرض إلى الصحة ، ومن المسغبة إلى الكفاية. فالأمن هو الركيزة الأساسية لأي تقدم ونماء ونهضة ، وما لم ترسَ أوتاد الأمن أولا فإن أعمدة التنمية لا يمكن لها أن تُرفع ، وهو – أي الأمن- نعمة من أعظمها فقد امتن الله سبحانه وتعالى بها على عباده بقوله (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) ، وقديما أدرك الناس ذلك فقالوا (متي يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم) وهذا تعبير عن الأمن في أبسط معانيه بأنه ليس هناك من يمنعك من البناء ، وإذا بنيت فليس هناك من يهدم بنيانك ، فالشعور بالأمن يفتح أبواب التنمية ليدخلها الداخلون ، فمتي توفر الأمن نشط رأس المال الوطني والأجنبي في إقامة المشاريع التنموية والخدمية وجاء المستثمرون من جميع الأحداب طالبين استعمال ثرواتهم واستغلالها بما يعود على البلاد بالخير والنماء وبما يعود على المستثمرين أنفسهم من أرباح وزيادة في رأس المال. وهذا هو ما تشهده مقديشو الآن؛ حيث انفتحت على المستثمرين بأن وفرت لهم الأمن فجاءوا إليها من المهجر ومن الدول الشقيقة والصديقة قاصدين كل القطاعات مستثمرين فيها أموالهم على نحو يجعل مقديشو تبتدئ من حيث انتهى الآخرون. إضافة إلى ذلك فإن ما نسمع عنه من حوادث أمنية متفرقة فهو يعد شيئا مألوفا في هذا العصر لا يقتصر على مقديشو وحدها، فأكبر الدول وأكثرها تحضرا بمقاييس العصر لا تخلو من مثل هذه الحوادث ، ولكن نسأل الله سبحانه وتعالي أن تتعافى مقديشو حتى من مثل هذه الحوادث الصغيرة و يكتمل لها عقد أمنها ويعود إليها بنوها من كل طيف مشاركين بجهودهم وعلمهم وخبراتهم في بنائها وإعادتها سيرتها الأولى حتى تكون نقطة انطلاق لاستعادة كامل التراب الصومالي لأمنه واستقراره وتحقيق تقدمه ورخائه.

الشاهد : السودان كدولة شقيقة لها دور تنموي كبير في الصومال، فهل يمكن أن تحدثنا عن أبرز المهام والتسهيلات التي تقدمها السفارة للصوماليين لتعزيز ذلك الدور الذي يوصف بأنه نموذجي في عدة مجالات ؟

السودان كما تعلم ليس من الدول الغنية ، فهو من الدول النامية ، بل وأكثر من ذلك فهو من الدول الأقل نموا في تصنيفات المجتمع الدولي للدول. ورغم هذه الحقيقة المعلومة فإن السودان لم ينقطع أبدا عن مد يد العون للصومال وظل يقاسمه بما لديه من موارد رغم محدوديتها وسيظل هذا نهجه أبدا ، والدور التنموي للدول ليس دائما حصرا على الحكومات فجميع القطاعات في أي دولة يمكن أن تقوم بأدوار تنموية ، ولنا أن نقول بأن الدور التنموي الذي يترتب على القطاعات غير الحكومية هو أكبر من الدور الذي تقوم به الحكومات عادة . فالحكومات دورها هو توفير المناخ الملائم لتحقيق التنمية في الدول المستقبلة بتوفير الأمن كما ذكرنا وتقديم التسهيلات وإزالة العقبات التي تنشأ غالبا أمام المشروعات التنموية. وكذلك الدول المرسلة لعناصر التنمية يقع عليها عبء تعريف مواطنيها وقطاعاتها التي يمكن أن تسهم في التنمية بالخارج بالموارد والإمكانيات الموجودة بالدول الأخرى والتسهيلات التي يمكن أن يتحصلوا عليها. وهذا هو ما تقوم به السفارة في مقديشو وما ستقوم به على نحو أكبر مستقبلا. فالسفارة تقوم باستكشاف فرص التنمية والاستثمار الواعدة في هذا البلد الغني بموارده وإنسانه وتبلغها إلى الداخل السوداني مستقطبة رواد التنمية والاستثمار في السودان ليأتوا بما لديهم من خبرات وإمكانات في جميع المجالات لاستثمارها بالصومال الشقيق ، وبنفس القدر فإن السفارة تقوم بتنوير الإخوة الصوماليين واطلاعهم على التطورات التي تحدث بالسودان وتفتح أمامهم الأبواب لزيارة السودان للوقوف ميدانيا على الفرص الموجودة هناك، وأفق التعاون بينهم وبين أشقائهم في السودان للدخول في مشروعات مشتركة يكون عائدها التنموي مفيدا للبلدين. و في هذا الإطار فان السفارة تسعي إلى إنشاء جهاز يجمع بين رجال الأعمال بالبلدين حتى يستطيعوا عبره أن يقفوا على الفرص التنموية والاستثمارية كل في بلد الآخر وآفاق التعاون المتاحة لهم . هذا إلى جانب الدور الذي ظل يقوم به السودان في مجال التنمية البشرية وبناء القدرات للإخوة الصوماليين عبر الفرص الدراسية والبرامج التدريبية بالجامعات والمعاهد العليا السودانية ، إضافة إلى الفرص التدريبية في المؤسسات الحكومية الأخرى في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والطبي البيطري وحصاد المياه وإنشاء السدود وغيرها من المجالات ذات المردود التنموي ، ولا أنسى كذلك الدور الإنساني الذي يقوم به السودانيون العاملون بالمنظمات الإنسانية العاملة بالصومال سواء كانت سودانية أو غير سودانية. وأشير أيضا إلى مجال الخدمات الطبية ؛ حيث ظلت أبواب السودان مفتوحة أمام المرضى الصوماليين الراغبين في العلاج بالسودان ، فالسفارة تقوم بكل سرور بمدهم بالمعلومات والاستشارات المطلوبة في مجال العلاج بالسودان وتيسر لهم الحصول على التأشيرات العلاجية متي ما كانت هناك توصيات من الجهات المختصة المعتمدة بالصومال لعلاجهم بالسودان. وقد توج هذا الجهد بإنشاء المستشفي الصومالي السوداني بمقديشو الذي تم افتتاحه مؤخرا، وهو مستشفي يتبع للقطاع الخاص الصومالي ، لكن السفارة تتشرف بأن يكون طاقمه من كبار الأخصائيين والاستشاريين السودانيين العاملين في مجالات الطب المختلفة بالسودان. فمثل هذه الجهود تجد من السفارة كل تشجيع وتقدير مادام هدفها خدمة المواطن الصومالي وتوفير الخدمات العلاجية له بالداخل توفيرا لماله وجهده ووقته.

%d مدونون معجبون بهذه: