حوار خاص مع الكاتب والمؤرخ الصومالي الدكتور محمد حسين معلم

 dr mohamedتمهيد :

في إطار مساعي شبكة الشاهد الإخبارية لتغطية تطورات الحياة العلمية للشخصيات البارزة في الصومال كان لنا هذا اللقاء الصحفي – الذي أجريناه عن بعد – مع الكاتب والمؤرخ الصومالي الدكتور محمد حسين معلم، والذي يقيم منذ فترة في النرويج.

 ويشمل هذا الحوار العديد من الفقرات الهامة حول آخر التطورات في حياة الدكتور محمد ككاتب يكتب بعدة لغات، وقد ركزنا على الجائزة التكريمية التي فاز بها الكاتب مؤخرا في القاهرة، وفي ختام حديثه معنا يحدثنا الدكتور محمد بشكل أكثر صراحة عن رأيه حول الجدل الذي أثار مقاله الأخير المنشور تحت عنوان “ردة لا أبا بكر لها” مؤكدا أنه كان هدف ذلك المقال تنبيه الجميع على خطورة الموقف ، وأنّ الأمر يتعلق بدم شخص مسلم تربى في الصحوة الإسلامية وصار كاتبا معروفا عاش في رحاب الحرمين الشريفين ردحاً من الزمن.

 نبذة موجزة :

د. محمد حسين معلم علي ، ويلقب بمحمد ديق منذ صغره، ولما انضم إلى الصحوة الإسلامية وعمره 14 سنة صار الإخوة ينادونه بمحمد يري – أي محمد الصغير- ليس لصغر سنه فقط وإنما كان أصغرهم في تلك الفترة نهايات السبعينات من القرن المنصرم. وهو من مواليد عام 1964م في حي عبد العزيز بمقديشو، وترعرع عند والدته وأخواله في العاصمة؛ حيث أتم فيها المراحل التعليمية الأساسية و الثانوية ، ثم التحق بالخدمة الوطنية بعد تخرجه من الثانوية، أما مراحل التعليم العالي كانت كل من السعودية والسودان والنرويج. وبعد مكوثه في السعودية أكثر من  15 عاما رجع إلى الصومال، وانضم لهيئة التدريس في الجامعة الإسلامية بمقديشو، وبعد فترة وجيزة استأنف الهجرة إلى الخارج، ولكن هذه المرة إلى القارة الأوربية وتحديدا النرويج التي يعيش فيها ويحمل جنسيتها، وهو كاتب ومؤرخ صومالي معروف، وله عدة مؤلفات بلغات مختلفة. ويعمل حاليا في إحدى دوائر التعليم الرسمي الإقليمي في النرويج، كما أنه متعاون كمحاضر مستقل مع بعض الجامعات والمراكز الثقافية في النرويج.

أجرى الحوار : حسن مودي

 وفيما يلي نص الحوار :

 الشاهد : في البداية نشكركم على تكرمكم باستجابة طلبنا لإجراء حوار خاص معكم حول آخر التطورات في حياتك العلمية ككاتب ومؤرخ صومالي يكتب بعدة لغات، ويسعدنا أن نبدأ بسؤال حول الجائزة التكريمية التي منحك إياها اتحاد الصحفيين العرب بمناسبة مرور 50 عاما على تأسيسه، كيف تم اختياركم للجائزة، وماذا تعني لك شخصيا ؟

كما ذكرتَ يا أخي حسن فقد تم تكريمي – ولله الحمد – بجائزة قيمة من قبل اتحاد الصحفيين العرب بمناسبة احتفاله باليوبيل الذهبي بعد مرور 50 سنة على تأسيسه ، كما تمّ تكريم في تلك المناسبة المقامة في القاهرة ما بين 19 – 21 أكتوبر 2014م ، كوكبة من النشطاء الذين ساهموا بشكل فاعل في الصحافة العربية المقروءة والمسموعة والمرئية، وكذا بعض الكتاب الذين لهم دور في نشر الثقافة العربية والبحث العلمي ، وأبلغني الاتحاد بأن الترشيح أو الاختيار جاء بناء على الكتب والبحوث والمقالات التي أنجزتها، ولا شك أنه كان تنسيقا بين الاتحاد وجمعية الصحفيين الصوماليين، والتي هي عضو فاعل في الاتحاد العام للصحفيين العرب.

ومما هو في غاية الأهمية في هذا السياق إن الجائزة تعني الكثير بالنسبة إليَّ؛ لأنها – باحتصار – وسام شرف يعتز الفائزون به من الكتّاب في مختلف المجالات، وتحمل هذه الجائزة في طياتها دلالات ومعاني لكل الفائزين بها في الأقطار العربية عموماً وفي قطرنا الصومالي خصوصاً، وهي بمثابة تشجيع لأصحاب الأقلام العربية بهدف دفعهم إلى المضي قدما في سبيل الإنجاز العلمي والثقافي ، وما أحوجنا إلى ذلك نحن كصوماليين في ظل غياب مؤسسات ثقافية تستوعب أو تتبنى المواهب في مختلف المجالات باستثناء بعض الجهود الرائعة في مؤسسات القطاع الخاص وبعض الإدارات الإقليمية في الصومال.

الشاهد : في نظرك ما هي أبرز الجهود والأعمال التي تعتقد أنها أهلتكم للوصول إلى هذا المستوى العالي، الذي يفتخر به معك جميع الكتَّاب الصوماليين ؟

إذا أنت تقصد بالميدالية والجائزة التكريمية الممنوحة لي وغيري من زملائي في الوطن العربي أعتقد أنهم لم يخفوا ذلك بل أشاروا إلى أسباب منها : المجهود العلمي والثقافي قرابة 20 سنة، وكانت دهشتي كبيرة لمتابعة الإخوة في هذا المضمار وإلمامهم بها؛ بحيث كانوا على علم بالإنتاج العلمي والثقافي من الكتب والبحوث التي أنجزتها بفضل الله في الفترة الأخيرة، وكذا الأنشطة الثقافية السنوية والموسمية. وأنا معك فيما طرحت بشأن كون الجائزة فخر للجميع ، وبالفعل ينبغي أن نفتخر جميعا بذلك ونشارك مع عالمنا العربي الهموم والأفراح .

الشاهد : من بين إصداراتك المتوقعة كتاب جديد تحت عنوان “مصادر مراجع تاريخ الصومال وحضارته – عرض ونقد” فهل لك أن تعطينا فكرة عامة عن هذا الكتاب، و متى يمكن أن ينزل إلى السوق، وماذا تفكر في المستقبل بشكل عام في هذا الصدد؟

الفكرة لهذا الكتاب قديمة ومرتبطة بمعاناتي الشخصية عندما كنت طالبا في الدراسات العليا ؛ حيث كان يتحتم عليّ اختيار موضوع لنيل درجة الماجستير في تاريخ العصر الإسلامي ، وقد عرضتُ على مشرفي عدة عناوين لها علاقة بالتاريخ الصومالي وحضارته مثل : الحياة العلمية في مدينة زيلع ” وكذلك ” انتشار الإسلام في بلاد الصومال خلال القرون الثلاثة الأولى” غير أن أستاذي كان يقول في كل مرة هات خمسة من المصادر الأولية للموضوع قبل أن نقرره وإلا سوف تتحمل المسؤولية في ذلك، وبحكم أن بضاعتي في المصادر الأولية كانت مزجاة وخبرتي في التعامل مع مثل هذه الحالة كانت أيضاً معدودة ومحدودةً اضطررتُ الجنوح عما كنت أرغب في إنجازه، بل وعدلتُ إلى التاريخ الإسلامي العام في صدر الإسلام ولاسيما في الخلاقة الأموية، وحتى لا يتعرض غيري من أبنائنا من طلبة العلم وغيرهم أعمل لإنجاز هذا المشروعالذي يسهل للباحثين في تاريخ الصومال بعصوره المختلفة، أما متى يمكن أن ينزل إلى السوق فأرجو من أخوتي الدعاء بأن يسهل الله لي الأمر وأن يلبسنا لباس الصحة والعافية، والحق فأنا لا أخفي عنكم فإن الأعباء كثيرة والمسؤوليات كبيرة جداً مع طموحاتنا البحثية والثقافية ، وأسأل الله التوفيق والسداد. أما من ناحية التفكير فأفكر كما يفكر غيري من الباحثين والكتاب في إنجاز مشاريع بحثية وثقافية كبيرة، وخاصة أن الصومال بحاجة إلى مثل تلك المشاريع البحثية ضمن الجهود الرامية إلى النهوض بالمستوي العلمي والثقافي مع عودة الهدوء النسبي وانتعاش الحياة العادية في مقديشو وكبرى المدن الصومالية.

الشاهد: بماذا تنصح الكتاب الصوماليين الناشئين ممن يفكرون في أن يحظوا بمثل مقامكم في المستقبل؟

قبل أن أنصحهم أودّ أن أجه نداء إلى المؤسسات العلمية والثقافية في مختلف أقاليم الصومال وكذا الرموز الفكرية وأحثهم على تشجيع الشباب وتسهيل سبل العلم والمعرفة ماديا ومعنويا لطلاب العلم. وفيما يتعلق بالشباب أنصحهم بالقراءة والتنقيب بموروثنا الغالي الذي هو عبارة عن بحر لا ساحل له؛ لاسيما أننا ننتمي إلى أمة “اقرأ” وأمة “ن والقلم وما يسطرون”..، وأنه مما لا شك فيه فإنّ تطلعهم إلى حياة كريمة مرتبطة بالعلم والبحث الجاد، ومن هنا ينبغي التطلع إلى مراكز ومستويات عليا ، ولا يتم ذلك إلا عن طريق العلم والنبوغ في تخصصات متنوعة تخدم أمتنا. وعلى الشباب والوجوه الجديدة في مراحل الدراسات العليا ألا أن يكونوا عالة على غيرهم مكررين ما سبق من النتائج والأقوال ، وإنني – شخصياً – أرى أن روادنا السابقين في هذا المجال مثل الشيخ جامع عمر عيسى ، والشريف صالح محمد على ، والبروفيسور محمد حاج مختار وغيرهم قد تركوا بصمات واضحة وتعاملوا مع عصرهم وظروفهم بشكل جيد ، وعلى الباحثين الجدد أن يأخذوا دورهم ويستفيدوا من واقعهم المعاصر الذي يتميز بالتطور والتقدم الحضاري والانفتاح الثقافي ، بل عليهم أن يضيفوا إلى الساحة العلمية إنجازات جديدة لم يتم التطرق إليها من قبل، مع العلم أن المشروع الثقافي والحضاري يتجدد كلما تجددت الحياة وتغيرت الظروف والأحوال والبيئة؛ لأنه كما يقال إن الباحث بمثابة القاضي.

الشاهد : كيف تقيم الوضع الثقافي في الصومال، وهل تتوقع أن يتم تكريمكم بدرع تكريمي محلي مماثل عبر وزارة الثقافة والإعلام الصومالية في المستقبل القريب ؟

حينما انهار الصومال سياسياً أدى ذلك إلى انهيار البنية التحتية للبلاد بما فيها المؤسسات العلمية والثقافية ، وكلنا نتذكر ما حصل في المكتبات والمؤسسات العلمية في الصومال ، وفي أكثر من مرة أشرتُ إلى ما كان يعج بأكاديمية العلوم والآداب والمتحف الوطني من الكنوز الثقافية والميراث الثمين، وكذلك المكتبة الوطنية وغيرها من المكتبات العامة والخاصة التي كانت متناثرة في جميع أرجاء الوطن ، وثم إننا نعلم ما حصل بعد ذلك من التدمير والسرقة والإتلاف المقصود وغير المقصود، بالإضافة إلى هجران العلماء ورجال الفكر والدراية إلى المهجر فراراً من جحيم الحرب التي ما فتئت تتلون بألوان مختلفة في كل مرة ، بل وتلبس لباس مزخرفة جوفاء من القبلية والفكرية والعقدية والإقليمية والحزبية … حتى وصلنا إلى ما نحن فيه؛ حيث صارت بلادنا عرضة لكل الذئاب والأسود المفترسة ولكن بأسماء رنانة ومستعارة. ولا شك أنه بسبب عودة الهدوء النسبي للبلاد وخاصة في القسم الجنوبي تنفست الأمة الصعداء بل وبدأت تلملم حالها ، وعلى جنبات ذلك برزت صروح علمية من المدارس والمعاهد والجامعات أخذت على عواتقها مسؤولية نشر العلم والمعرفة حسب قدراتهم ، وكثرة المعاهد والجامعات لا شك أنها ظاهرة صحية في ظل هذه الظروف الصعبة ، ومن هنا ينبغي أن ترفع الحكومة الفدرالية يدها عن هذه الجهود المضنية و ألا تحاول السيطرة عليها أو إملاء الشروط والتعليمات لها حتى تستقر الأوضاع بشكل كامل. أما الشق الثاني من السؤال فكل مواطن له الحق في أن يُكَرم في موطنه الأصلي ومن قبل دولته، وإذا كان هناك تكريما فمن الأفضل أن يُكَرم أولئك الجنود الصامدين داخل البلاد، والذين ما زالوا يقدمون إبداعات وتضحيات كبيرة في مختلف المجالات الثقافية والاجتماعية.

الشاهد : وأخير؛ نود أن نسمع منك رأيك بشأن الردود المتباينة المثيرة للجدل؛ والتي أثارها آخر مقال نشرته في مواقع مختلفة تحت عنوان “ردة لا أبا بكر لها” ، مع العلم أن بعض الكتاب اتهموك بأنك كتبت كتابة سطحية دون قراءة متعمقة للكتاب (موضوع النقد)، ما رأيك في ذلك ؟

أوافق معك يا سيدي بأنّ المقال قد أثار ردود فعل متباينة وبعيدة عن مقصده الأول، وكان هدف المقال واضحا بحسب لغته ومحتواه، وهو رفض التحريض ضد أخينا عبدي سعيد عبد إسماعيل، وأن لا يرتكب أحد من أهلنا حماقة القتل والجريمة مستفيدا من أقوال بعض إخواننا ودعاتنا عند ردهم وتفنيد ما ورد في الكتاب، وكلنا نعرف أن هدف المشائخ كان ينصب في دفاع الإسلام وعقيدته، فأردنا أن ننبه خطورة الموقف وأنّ الأمر يتعلق بدم شخص مسلم تربى في الصحوة الإسلامية قبل انسحابه من الحركة الإسلامية في القرن الإفريقي في منتصف التسعينيات، وعاش في رحاب الحرمين الشريفين ردحاً من الزمن طالبا في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، ولديه إلمام بأصول الدين والفقه المقارن، وله عدة مؤلفات أصدرها في منتصف التسعينات عن “العولمة” و”المديونية … أسبابها وعلاجها” ، كل ذلك باللغة العربية، كما أصدر من قبل كتباً مكتوبةً باللغة الصومالية في تخصصه، ونحن لا نزكي على الله أحداً.. والله حسيبه، وقد قرأتُ كتابه أكثر من مرتين، ونختلف معه في بعض الأفكار التي طرحها في الكتاب كما يحصلذلك مع أي كاتب؛ لأنّ الكمال لله سبحانه وتعالى ، ولمن يدّعي العصمة في زماننا هذا فقد جانب الصواب. وبالتالي فإن ذلك لا يترتب عليه رفع راية التكفير ضد الكاتب، بل وحسب رأيي لا يستحق الكتاب بكل ما جرى من التشنجات والكراهية بشأن مضمونه، وقد حدث ما كنا نخاف منه ، حيث أنه ما من يوم إلا ونقرأ عبر وسائل التواصل الاجتماعي من يجهر بالتكفير ويتوعد بالقتل وحرق الأخ عبدي سعيد عبد إسماعيل، وأكثر من ذلك هو أن البعض شبهه بسلمان رشدي، إنها مصيبة كبيرة … أن نرى قليلي الخبرة من شبابنا يتباهون في ذلك، بل إن هذا انحراف واضح عن المسار الصحيح، ومن هنا يجب على المشايخ أن يوضحوا لأتباعهم ومحبيهم أهمية الابتعاد عن ذلك إذا كانوا يهتمون بالدعوة إلى الله ومصلحة الإسلام. وشكرا لكم جميعا.

تعليق واحد

  1. الدكتور / فوزي بارو ( فوزان )

    السلام عليكم ورحمة الله
    بعد تحية الله العاطرة ، نهنئ الأستاذ الدكتور محمد حسين معلم على هذا الإنجاز العظيم ، والاعتراف العالمي تكريماً لمجهوداته العلمية والثقافية التي قدمها للأمة الإنسانية جمعاء . وله منا كل التقدير والاحترام .
    وأخيراً نتقدم أطيب شكرنا لشبكة الشاهد على تقديم هذا الحوار لقرّائها . …… وشكراً على كل حال .

%d مدونون معجبون بهذه: