حوار خاص وساخن مع السياسي الجيبوتي المعارض محمد طاهر روبله (2-2)

أبرز ما ورد في الجزء الثاني والأخير من الحوار :

  • في عهد جيله وصلت البطالة إلى أكثر من 70 % ، ووصل الفقر إلى 80 % ، والتعليم لم يتراجع فحسب وإنما في حالة انهيار.
  • إن جمهورية جيبوتي في نسبة الوفيات بين الأطفال والأمهات هي الأعلى عالميا؛ حيث تعد الدولة الثالثة عالميا، وإن سكان المقابر في جيبوتي أكثر نموا من سكان الأحياء.
  • أرفض بشدة تلك المقولة الممجوجة بأن الرئيس منح الإسلاميين بعض المناصب في جمهورية جيبوتي، والفرز والتصنيف بين إسلامي وغير إسلامي ربما لا يصلح كثيرا في الحالة الجيبوتية.
  • قصة الاختراق الأمني لمؤسسات المجتمع المدني مختلقَة، صحيح أن هناك من نشأ في أحضان الحركة الإسلامية فانسلخ عن قيمه الأخلاقية وباع ضميره للمال والسلطة ، لكنه خسر المجتمع الجيبوتي.
  • اسم تحالف المعارضة هو (التحالف من أجل الإنقاذ الوطني) ولم يكن شعارا بقدر ما هو رؤية نبتت من قعر المجتمع وحاجته لإنقاذ حقيقي من الإفقار والتهميش والتضليل الإعلامي والتباهي بمنجزات لا وجود لها في داخل الوطن.
  • كان الشعب الجيبوتي تواقا إلى توافق وطني تصاحبه ديمقراطية سياسية وتعقبهما تنمية مستدامة ، لكن كل هذه الآمال تبخرت لتعنت الرئيس جيله وإغلاقه كل الأبواب.
  • نأمل من الرئيس أن يخطئ هذه المرة من أجل المستقبل وأن يتنازل عن كبريائه طوعا قبل أن يجبره الشعب على المغادرة دون رغبته.

أجرى الحوار : حسن مودي

 الشاهد : يرى بعض المراقبين أن قادة المعارضة في جيبوتي قد تسرعوا في تحديهم للنظام القائم الذي تعاون مع الإسلاميين والإخوانيين منهم بالذات إلى أقصى درجة في الفترة السابقة؛ حيث تولى بعضهم مناصب حكومية عليا ، فما رأيك في ذلك ؟

يمكن القول بأن المعارضة الجيبوتية بفاعليتها الحالية تأخرت كثيرا عن التعاطي مع الوضع السياسي في البلد ؛ لأن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية كانت تتدهور بشكل سريع، فنسبة البطالة في آخر فترة للرئيس الراحل جوليد كانت أقل من 50% فقزت في عهد جيله تباعا حتى وصلت إلى أكثر من 70 % ، ووصل الفقر إلى 80 % ، والتعليم لم يتراجع فحسب وإنما في حالة انهيار ، حيث يدرس في الفصل الواحد في المراحل الدراسية الأولى أكثر من 70 طالب وطالبة في بلد تصل فيه درجات الحرارة في أربعة شهور من الدراسة فوق 40 درجة مع رطوبة تصل إلى 80 % ، إضافة إلى عدم تحسن رواتب المدرسين وزيادة التضخم خلال السنوات الأربع الماضية إلى 60 % تقريبا ، وأخيرا هجرة الكادر التعليمي إلى الخارج بأعداد مهولة ، مما أحدث فراغا في الكادر المؤهل، وقل في البيئة وانتشار الأوبئة والأمراض المعدية والأحواض النتنة التي تزكم الأنوف صيفا وشتاء ، والمجاري التي تملأ الشوارع ، وغياب الخدمات الأساسية مثلها، وأن الكهرباء لم تصل إلا 35 % من السكان رغم أن الرئيس وعد في حملته الانتخابية في عام 2005 م بأنه سيدخل خدمة الكهرباء لـ ( 17000 مواطن ) غير قادرين اقتصاديا على إدخال هذه الخدمة لمنازلها، لكن لم يتحقق شيء من هذه الوعود، كما أن جمهورية جيبوتي في نسبة الوفيات بين الأطفال والأمهات هي الأعلى عالميا، حيث تعد الدولة الثالثة عالميا، وأن سكان المقابر في جيبوتي أكثر نموا من سكان الأحياء، ولم تحدث في البلد حرب أهلية ولا طاعون فتاك،وإنما الناس يموتون بأعداد كبيرة ، وتقارير الأمم المتحدة يمكن الاستعاضة بها عن كل ما نكتب عن جيبوتي، كل هذه الأمور كانت تجعل المعارضة في جيبوتي تلملم صفوفها وتتحمل مسؤوليتها وتتصدى لهذه المهمة الصعبة والخطيرة في آن معا ، وأما قصة تعاون النظام مع الإسلاميين الذي يتم تسويقه بين الواقعية والوقوعية أود تصحيح مفهوم سياسي خطير تم الترويج له في ظل الأنظمة المستبدة ، وهو أن الحقوق السياسية لأي مواطن منحة من الحاكم وليس حقا سياسيا مكتسبا من الانتماء للأمة وتحمل المسؤولية الاجتماعية والاقتصادية فيها، فكما أن الحاكم اكتسب هذا الحق اكتسبه الإسلامي والمثقف وعامة المجتمع ، وعليه أرفض بشدة تلك المقولة الممجوجة بأن الرئيس منح الإسلاميين بعض المناصب في جمهورية جيبوتي، الشعب الجيبوتي كله مسلم ومتجانس اجتماعيا واقتصاديا، وهو شديد الولاء لدينه وتقاليده الاجتماعية الحميدة ، ويتمسك بإسلامه في أطار الفقه الشافعي والفرز والتصنيف بين إسلامي وغير إسلامي ربما لا يصلح كثيرا في الحالة الجيبوتية ، لأن الشعب نفسه لا يرى هذا التصنيف بهذه الصورة ولا من يوصفون بأنهم إسلاميون لا يرون الصورة بهذا الشكل ، وأبرز برهان كان عندما اعتقل سياسيا العلماء البارزون : الشيخ / عبد الرحمن سليمان بشير ، والشيخ الدكتور / عبد الرحمن برخد جود ، والشيخ / جيرة ميدل جيله ، وقف الشعب بكل فئاته معهم ، وكان محبسهم مزارا أيام الجمعة والمناسبات الوطنية، كانت المرأة العجوز التي لا تعلم الكثير عن السياسة تأتي من أقاصي البلد لتكتحل عيناها من تراهم بأنهم محرروها من الظلم الاجتماعي والاقتصادي والتهميش الذي واكب حياتها وحرمها من حقها كعجوز أن تجد الرعاية من حكومتها ، تلك هي نادرة وحكمة جيبوتية ربما لم يعرفها كثير من المتابعين للمشهد الجيبوتي ، لأن الرئيس جيله قرر أن تكون جيبوتي مجهولة عن العالم ، وأن إهالة التراب على الشعب ليموت موتا بطيئا هو الطريق الوحيد للاستمرار على السلطة ، لكن ربما هذا الرهان – بقدر كونه ليس صائبا سياسيا – لم يكن واقعيا بسبب المتغيرات الإقليمية والدولية التي حدثت في المنطقة والعالم بشكل عام، غير أن بعض الديناصورات السياسية لم تكن تستوعب دروس هذه المتغيرات ، وعليه انهدت عليها الجدران من كل حدب وصوب.

 الشاهد : كيف تأثر العمل الدعوي والتربوي والتعليمي في جيبوتي بما جرى من خلاف سياسي بين المعارضة والنظام القائم برئاسة إسماعيل عمر جيلي؛ وما مدى صحة ما يقال من وجود ضغوط متزايدة واختراق أمني ملحوظ في الهيئات والحركات الإسلامية في جيبوتي ؟

أي دعوة أو عمل دعوي هدفه إصلاح دين الناس ودنياهم ، وما لم يكن بهدا الفهم فإنه نوع من الطلاسم الذي لا يمت إلى الإسلام بصلة ، والعمل الدعوي في جيبوتي منذ باكورة تأسيسه قبل أكثر من ثلاثة عقود كان يهدف إلى تحقيق نقلة أخلاقية وتعليمية وتربوية للوصول إلى وعي شعبي نحو الانتماء لحضارة الأمة وثوابتها ، والتحرر من التبعية الفكرية لأي قوى أجنبية لا تحقق بالضرورة مصالح الشعب، والاندماج بين مكونات الشعب الجيبوتي عرقيا واجتماعيا ، وقد تحقق الكثير من هذه الأهداف بدليل تكاتف الشعب مع رموزه وقادته من العلماء والمثقفين حين تعرضوا للأذى السياسي ، وهذا دليل نجاح للدعوة في جيبوتي، أما التأثر من حيث المؤسسات والأشخاص فهذا صحيح إلى حد كبير ، حيث تم مصادرة كل المؤسسات الاجتماعية تعسفيا، وتم منع الخطابة من كبار العلماء بل وتم وضع بعضهم في السجون وتعرضهم لمحاكمات سياسية ، كما تم فصل آخرين من وظائفهم.

وأما تزايد الضغوط على العمل الدعوي فهذا – أيضا – صحيح ، لأن الهدف من الهجوم غير المبرر كان إجبار قادة المجتمع المؤثرين أي فصيل كانوا على الرضوخ للابتزاز السياسي من النظام ، لكنه تم فهم الدوافع والتعامل معها على هدا الأساس ، والحركة الإسلامية ستبقى وفية لشعبها وحقوقه وستكون عصية على كل المحاولات لفصلها عن شعبها ، وكل خطوة بهذا الاتجاه ستبوء بالفشل،كما فشلت الخطوات الأولى، والمجتمع الجيبوتي بإسلامييه ووطنييه ، كباره وصغاره في سفينة واحدة ربانها قادة التحالف الذين أثبتوا مسؤولية كبيرة في التعاطي مع الأزمة السياسية الراهنة، بشهادة الداخل والخارج معا ، وسنمضي قدما ونحن موحدون لمصلحة مستقبل الأجيال القادمة التي يحق أن تمهد لها جيبوتي مستقرة ومزدهرة لا يسيطر على قرارها قيصر ولا كسرى.

وقصة الاختراق الأمني لمؤسسات المجتمع المدني مختلقة ، صحيح أن هناك من نشأ في أحضان الحركة الإسلامية فانسلخ عن قيمه الأخلاقية وباع ضميره للمال والسلطة ، لكنه خسر المجتمع الجيبوتي، ولا يستطيع مواجهة أسئلة الزمان واللحظة، وهي سنة الحياة ، بأن الابتلاء يفرز الأفئدة ويكشف المستور من الأسرار ، وجيبوتي ليست بدعا من هذا.

 الشاهد : وأخيرا، ما هي رؤية المعارضة للوصول إلى حل توافقي بين الجيبوتيين في الداخل والخارج، حكاما ومحكومين؛ لتحقيق تنمية مستدامة وديمقراطية شاملة في البلاد ؟

كما شرحت مطولا رؤية المعارضة للوصول إلى حل توافقي يخرج البلاد من أزمتها الراهنة قد تم الحيلولة دونها ، وقد تمسكت المعارضة بآخر خيط رقيق لإنقاذ البلاد ، وحتى اسم تحالف المعارضة هو ( التحالف من أجل الإنقاذ الوطني) ولم يكن شعارا بقدر ما هو رؤية نبتت من قعر المجتمع وحاجته لإنقاذ حقيقي من الإفقار والتهميش والتضليل الإعلامي والتباهي بمنجزات لا وجود لها في داخل الوطن ، نعم كان الشعب الجيبوتي تواقا إلى توافق وطني تصاحبه ديمقراطية سياسية وتعقبهما تنمية مستدامة ، لكن كل هذه الآمال تبخرت لتعنت الرئيس جيله وإغلاقه كل الأبواب والإمكانية للوصول إلى ذلك الأمل الذي راود كل محب لجيبوتي ولشعبها ، ومع ذلك لا زالت المعارضة تدعو الرئيس جيله لتحكيم العقل والمنطق والتقاط اللحظة التاريخية قبل أن يرى جحافل الشعب تزحف على القصر كما حدث لأخيه / رئيس بوكينا فاسو ، ولإخوانه من مستبدي العرب الهاربين والقابعين خلف القضبان، أو الهالكين ، ومن يراودهم الأمل في العودة أو تخريب التحول السياسي ، لكن القطار قد فاتهم جميعا، وعليه نأمل من الرئيس أن يخطئ هذه المرة من أجل المستقبل وأن يتنازل عن كبريائه طوعا قبل أن يجبره الشعب على المغادرة دون رغبته، والاستفادة من دروس التاريخ القريب والبعيد. ونسأل الله التوفيق والسداد في الدارين. وشكرا لكم جميعا.

%d مدونون معجبون بهذه: