حوار مع مَهد فارح شاعيه – مدير مدارس معاصر الأهلية – حول التعليم الأهلي في الصومال

أجرى الحوار مع مهد شاعيه (يمين) أنور أحمد ميو (يسار)

أجرى الحوار مع مهد شاعيه (يسار) أنور أحمد ميو (يمين)

بعد انهيار الدولة في الصومال مطلع التسعينات من القرن الماضي واجهت التعليم في الصومال تحديات جسيمة من أهمها انهيار المؤسسات التعليمية التي كانت تدعمها الحكومة العسكرية في الصومال، إلا أن التعليم الأهلي في الصومال قد قطع شوطا كبيرا منذ منتصف التسعينات، ويُعتبر قطاع التعليم أكثر القطاعات التي ازدهرت بعد الحروب الأهلية، حيث تم افتتاح العشرات من المؤسسات التعليمية في جميع مناطق الصومال، وتم تأسيس رابطة التعليم النظامي الأهلي في الصومال ورابطة سيف للتعليم الأهلي اللتان وحَّدتا مئات المدارس المنتشرة في مناطق كثيرة بالصومال.

واستطاعت تلك المؤسسات الأهلية أن تحل محل وزارة التربية والتعليم برهة من الزمن تربو على العشرين عاما.

شبكة الشاهد التقت مع أحد المدرسين ومؤسسي المدارس الأهلية النموذجية والذي تخرج من المدارس الأهلية وعمل فيها لمدة طويلة، الأستاذ مهد فارح شاعيه مدير مدارس معاصر الأهلية في مقديشو، وكان الحوار على النحو التالي:

الشاهد: في البداية حدّثنا عن خلفيتك التعليمية؟.

بسم الله الرحمن الرحيم، أولا: أشكر لشبكة الشاهد على إتاحة هذه الفرصة الطيبة، أما خلفيتي التعليمية فأنا كنت ممن كان يدرس في المدارس الحكومية فترة الحكومة المركزية ولم يتم إكمال دراستي الثانوية، وبعد الحرب الأهلية تخرَّجت من المدارس الأهلية، وأصحبتُ مدرسا في المدارس الأهلية، ثم التحقت بجامعة في اليمن، وتخصصتُ في علوم الكمبيوتر، ثم أصحبت محاضرا في كل من معهد سيمد وجامعة بنادر في الفترة ما بين 2004-2006م، ثم أسسنا مدارس معاصر الأهلية في عام 2012م، من أكبرها مدرسة معاصر للعلوم والتكنولوجيا، وعملت مع رابطة التعليم النظامي الأهلي في الصومال، حيث كنت من مؤسسي معهد تدريب المعلمين باللغة الإنجليزية التابع لها، وكنت في واقع التعليم الأهلي في الصومال في مدة خمسة عشر عاما الفائتة.

الشاهد: هل يمكن أن تعطينا فكرة عن كيفية بدء التعليم النظامي الأهلي في الصومال وتطوُّره؟.

كان التعليم ازدهر في الصومال بشكل عام في عهد الحكم العسكري، سواء في المدارس الأساسية والثانوية أو في التعليم العالي، وموَّلت الحكومة المؤسسات التعليمية بسخاء بالتعاون مع دول أخرى، أما التعليم الأهلي أي التعليم غير الحكومي فقد بدأت من المدارس الأساسية غير الثانوية بعد ضعف النظام المركزي وانحسار التمويل الحكومي للمدارس، وفكَّر المدرسون في إنفاق طاقاتهم في مرافق تعليمية جانبية، وفي عام 1987 تقريبا بدأ ظهور المدارس الأهلية، وكانت مدرسة الإمام الشافعي من أوائل تلك المدارس الأهلية، وما زالت هذه المدرسة تعمل في الساحة، وعمرها 25 سنة.

وبعد سقوط الحكومة المركزية في الصومال بدأ الناس بتأسيس المدارس الأهلية وذلك بتمويل وإشراف من الهيئات والجمعيات العربية، واليونيسيف وغيرها، وأصبحت تلك المدارس رائدات في التعليم مثل مدرسة أحمد غري، ومجمَّع أم القرى، ومدرسة عبد الله عيسى التي تحولت إلى مدرسة الحكمة، وهذه المدارس كانت تعمل منذ عام 1996م وحتى 2000م، ومعظم الموظفين والمدرّسين في مقديشو هم من خريجي تلك المدارس، ويمكن القول إن التعليم اليوم  في جميع المستويات في الصومال هو تعليم أهلي بامتياز، والذي يعتمد على دعم قطاعات الشعب وجهودهم.

الشاهد: ماذا كانت التحدّيات التي واجهت التعليم الأهلي في الصومال؟.

كانت التحديات كثيرة، من أهمها انهيار النظام التعليمي في الصومال وبدئه من الصفر، ولم يكن هناك استيعاب لتكلفة المدرس واحتياجه، ولم تكن أيضا هناك أسسا تربوية قائمة في ذلك الوقت من إيجاد معلمين ومدرسين مؤهَّلين ومدرَّبين ومناهج مجهزَّة، وكان إخضاع التلاميذ وأهاليهم للوائح المدرسية لم يكن على ما يرام نظرا لانعدام القانون وسيادة الفوضى.

وكان التعليم التي تقدمها المدارس الأهلية بمثابة إسعاف، وليس لها أسسا تربوية قوية بنسبة مائة في المائة، إلا أنها كانت المصدر الوحيد في التعليم، وقد قيل: ما لايدرك كله لا يترك بعضه، أضف إلى ذلك أن التربويين الذين أسعفوا المدارس الأهلية في البداية بخبراتهم قد أدركتهم الشيخوخة ومات كوادرهم، وقلَّ المبتعثين في مجال التربية، فمعظم الطلاب الذين درسوا في الخارج لم يتخصصوا في التربية، وهذا أكبر تحدٍّ حتى الآن.

الشاهد: ما هي أسباب الانتقال من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية في التدريس في المداس الأهلية ؟.

حقيقة الصوماليون يحبون اللغة العربية ويقدّرونها، لكن هناك حقائق ملموسة في أرض الواقع، فبعد تخرُّج الطالب من الثانوية يلتحق بالجامعة، وليست هناك جامعة لغة تدريسها باللغة العربية، ما عدا من يتخصص باللغة العربية والشريعة الإسلامية، لكن من يريد التخصص في الطب والهندسة والحاسوب والإدارة والاقتصاد وغيرها فلن يجد مناهج مكتوبة باللغة العربية في الجامعات المحلية.

بالإضافة إلى أن الخريج من الجامعة سيذهب إلى سوق العمل، واحتياجات سوق العمل هنا في العاصمة مقديشو إنما هو للهيئات والشركات والتجارة وازداد أيضا توظيف الوزارات الحكومية في الآونة الأخيرة، وأغلب متطلباتهم باللغة الإنجليزية بعد اللغة الصومالية، فالطالب المتعلم بالثقافة العربية الذي لا تغطّي مهاراته الذاتية احتياجات سوق العمل ستواجهه مشكلة مستقبلية، فهذه الأمور هي التي أدَّت  إلى التركيز على الإنجليزية كلغة تدريس في المدارس بدلا من العربية في الآونة الأخيرة، أضف إلى ذلك أن دعم المؤسسات العربية مثل دول الخليج ومصر والسودان للمدارس الأهلية بدأ يتضاءل شيئا فشيئا.

الشاهد: ما هي علاقة المدارس الأهلية بوزارة التربية والتعليم في الحكومة الفيدرالية؟.

طبعا التعليم الأهلي في الصومال قد قطع شوطا كبيرا، وتأسست روابط وحَّدت شهادات المدارس ومناهجها وعامها المدرسي وغيرها، وهذه الروابط لعبت دور وزارة التربية والتعليم قبل أن توجد حكومة فاعلة في الصومال، وبعد أن قويت الوزارة واهتمَّت بالتعليم عملت اتصالات مع تلك الروابط التعليمية الأهلية، وتخطط الوزارة توحيد المناهج وطباعتها في جميع المستويات، وأصدرت أيضا شهادة معتمدة لدى العالم لتكون بديلة عن شهادات الروابط التعليمية.

وباختصار تتعامل الوزارة مع تلك الروابط الأهلية في كيفية توحيد الامتحانات والمناهج والشهادات، ونطمح إلى أن يصبح هذا التعاون أكثر فاعلية في المستقبل القريب.

الشاهد: ماهي التجربة التي اكتسبتم من افتتاح مدارس أهلية نموذجية في مقديشو؟.

كانت الحاجة إلى تغيير النظام التعليمي التقليدي تتزايد شيئا فشيئا، وهو أن يتلقى الطالب الثانوي موادا عامة، ثم يذهب إلى الجامعة ليتخصص فيما يريد، من غير النظر إلى خلفية الطالب في تلك التخصصات في المستقبل.

نحن عندما أسسنا مدارس معاصر خططنا في أن تكون المواد عامة حتى الفصل التاسع، وفي التعليم الثانوي يتم التركيز على مواد العلوم، ليتأهل الطالب الذي يريد أن يتخصص في كافة المواد ذات الصلة بالعلوم، ومعظم الطلاب يرغبون في التخصص بمواد العلوم المختلفة في الجامعات، لكنهم يحتاجون إلى أساسيات العلوم، وتضطر الجامعة إلى تدريسها لهم، هذه التجربة هي الذي أضافت مدارس معاصر إلى الساحة.

%d مدونون معجبون بهذه: