حوار خاص مع الشيخ بشير أحمد صلاد رئيس هيئة علماء الصومال (الجزء الأول)

تمهيد:

ظهرت هيئة علماء الصومال في ظروف استثنائية مرَّت بها البلاد بعد تفَاقُم الخلافات والصراعات بين التيارات الإسلامية التي كانت تقاتل ضد الاحتلال الإثيوبي عامي 2007 و2008م في محافظات وسط وجنوب الصومال، وتصاعدت تلك الخصومات والتوترات حتى أدَّت إلى اقتتال مسلح بين معارضي اتفاقية جيبوتي بين جناح شريف أحمد وبين الحكومة الانتقالية الصومالية.

أجرى الحوار مع الشيخ بشير أحمد صلاد (يمين) أنور أحمد ميو ((يسار) (شبكة الشاهد)

أجرى الحوار مع الشيخ بشير أحمد صلاد (يمين) أنور أحمد ميو ((يسار) (شبكة الشاهد)

وفي ظل تلكم التعقيدات والأزمات الفكرية والسياسية برزت إلى العلن أسئلة حول مصداقية التيار الإسلامي المسلَّح، وتراجعت شعبيته بعد انتكاسة جهود العلماء في التوسط بين تلك الفئات وازدادت وتيرة القصف العنيف في أحياء مقديشو وضواحيها ومعاناة الشعب المنكوب الذي نزح إلى الضواحي والمخيَّمات، إلا أن جهود العلماء الصوماليون ما زالت متواصلة في كبح جماح الفتن والركض وراء الصراع المسلَّح وسفك دماء الناس.

وفي فبراير 2009م أعلن عن ميلاد هيئة علماء الصومال بعد مؤتمر موسَّع لعلماء الصحوة الإسلامية – وأغلبهم من التيار السلفي – بعد أن تراجع دور لجنة العلماء للتصحيح والمصالحة، وأصبح من الضروري تكوين مرجعية دينية لتلك التيارات وللشعب الصومالي بأكمله.

الشيخ بشير أحمد صلاد حاز على ثقة العلماء المجتمعين في المؤتمر وكلَّفوه بقيادة الهيئة، وهو ناشط وداعية إسلاميّ عمل في باكستان وماليزيا، ويشغل أميرًا لحركة الاعتصام بالكتاب والسنة كُبرى الحركات الإسلامية الصومالية، ورئيسًا لهيئة علماء الصومال، وهو حاصل على الماجستير في العلوم الشرعية، ويتحدَّث في هذا الحوار الخاص – الذي أجرته معه شبكة الشاهد – عن دور هيئة علماء الصومال في المجتمع الصومالي وعن إنجازات الهيئة وتأثيرها السّياسي والاجتماعي في كل من المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني، ويتحدث أيضا عن مصير الشيخ حسن طاهر أويس وقضيَّته، وقد أعددنا هذا الحوار المطوَّل في جُزءين، حيث يتحدَّث – بتفصيلٍ – في هذا الجزء عن أسباب تأسيس الهيئة ومراحل تطوِّرها وإنجازاتها.

وكان الحوار كالتالي:

الشاهد: نشكركم أولا على إتاحتكم لنا فرصة إجراء مقابلة خاصة معكم، رغم كثرة إنشغالاتكم ، في البداية نسألك عن ظروف نشأة هيئة علماء الصومال، وكيف تم اختياركم لهذا المنصب الكبير ؟.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: جزاكم الله خيرا على هذه الفرصة وهذا اللقاء، وبارك الله في جهودكم وجهود الآخرين لإصلاح الأمَّة ونشر الوعي بينها، في الحقيقة ظروف نشأة الهيئة تحتاج إلى أن نرجع قليلا إلى الوَراء، فأنتم تعرفون أن الصومال تعرَّض لكثير من الأحداث الخطيرة، وكان العلماء وأهل الصَّحوة يُحاولون دائما أن يكون لهم دَور في تحريك هذه الأحداث وتوجيهها، والمشاركة في توجيه مستقبل البلاد، وعندما تعرَّضت البلاد للغزو الإثيوبي كان العلماء أوَّل من تحمَّل مسؤولية الدفاع عن الوطن وإنْهاء الاحتلال وإخراج البلد من ذلك المأزق، وكان هناك ما يسمى بالتحالف من أجل إعادة تحرير الصومال، وهو عبارة عن مؤسسة سياسية ولها أتباع مسلَّحون في الداخل.

وبما أن التوجُّه العام كان توجُّها إسلاميًّا كان على العلماء مسؤولية خاصة تجاه كيفية الخروج من هذا المأزق، وشارك العلماء في إدارة عملية المقاومة والمساعي الحثيثة لتحرير البلاد، ولكن سرعان ما حَصل خلافٌ بين الإخوة الذين كانوا مشاركين في ذلك التحالف، ودبَّ بينهم نزاع في الرؤية وفي كيفية الخروج من هذا المأزق، وانقسموا إلى فريقين، وعندما ظهر هذا النزاع بين أصحاب البرنامج الواحد أراد العلماء أن يتدخَّلوا لحلِّ هذا النزاع، حتى لا يؤدّي إلى انتكاسة في محاولة مقاومة الاحتلال، وكان هناك – قبل ذلك – محاولة لعمل مرجعيَّة إسلامية لجميع التوجُّهات الإسلامية في الصومال، لأنه كان من الواضح أن البلد بالنسبة للمراحل التي مرَّ بها كانت هناك مرحلة أصبح الناس كلهم أو جلُّهم وراء أمراء الحرب الذين كانوا يرفعون شعارات قبليَّة وشعار ات انتقام وإقصاء وغير ذلك، وبعد ذلك تحوَّل الناس إلى شيء يمكن أن نسمِّيه بالمرحلة الجديدة، عندما انعتقوا عن القبليَّة وفقدوا الثقة في أمراء الحرب، وبحثوا عن قيادة جديدة لإخراج البلاد من هذا المأزق، وكان ذلك سببا في ظهور المحاكم الإسلامية، ثم سبَّب ذلك الغزو الإثيوبي وتأسيس التحالف الوطني للمقاومة، وعندما توجَّه الناس إلى العلماء أو بحثوا عن الإنقاذ تحت مظلة العلماء والتوجُّه الإسلامي كان لا بدَّ أن يكون هناك مرجعيَّة لهذا التوجُّه.

وعندما حصل الخلاف بين أعضاء التحالف ظهرت الحاجة ماسَّة لعمل لجنة من العلماء كي يحلُّوا مشكلة النزاع، وقبل ذلك كانت هناك (رابطة علماء الصومال) التي كان لها دَور كبير في توعية الناس ومواجهة بعض الأزَمات والكوارث الطبيعية، ومنذ ذلك كان دور العلماء في إنقاذ البلد يَرتفع ويَصعد، وكان لا بدَّ أن يقف العلماء موقفا موحَّدا تجاه الخلاف في أعضاء التحالف لتحرير الصومال، وحصل اجتماع للعلماء في مدينة برعو عام 2008م وعقدت جلسات متتالية، شارك فيها علماء كثيرون ولاسيما علماء الصحوة الإسلامية ، لأن المشروع الإسلامي الذي انبثقت منه المحاكم الإسلامية ثم تحوَّل إلى مقاومة الاحتلال الإثيوبي ثم نشأ عنه التحالف لإعادة تحرير الصومال، هذا المشروع كله كان مشروعا تتولَّاه الصحوة الإسلامية بتوجُّهاتها في العموم، وإن كان هناك علماء تقليديون من الطرق الصوفية شاركوا في ذلك، غير أن معظم مقاليد الأمور كان بيد الصحوة الإسلامية، وعَقد العلماء في برعو جلسات عدَّة للتباحُث في كيفية الخروج من هذا المأزق.

وكان هناك – قبل ذلك- أنَّ لجنة من العلماء جلسوا في صنعاء والتقوا بالجناحين المتخاصمين في التحالف، ولكنهم لم يتوصَّلوا إلى نتيجة، بعد ذلك جلسنا هذه الجلسة في برعو وتطارح بعضنا بعضا كيف يمكن أن نشارك في إزالة الخلاف أو في تخفيف آثاره، فاتَّفقنا على بعض النقاط منها: أن نتحرَّك من هناك ونأتي إلى مقديشو التي كانت الساحة الساخنة إذا صح التعبير، تحركنا من هناك في سيارات، وكان من بيننا الشيخ نور بارود، والشيخ عثمان إبراهيم، والشيخ نور علي جامع، وآخرون كثيرون، ومررنا بمعظم المحافظات وألْقَينا محاضراتٍ وكنا نركز على ضرورة الحفاظ على الوحدة بين أبناء الصومال عموما وبين أبناء التيار الإسلامي وأبناء التحالف لإعادة تحرير البلاد خصوصا، وكان تركيزنا على مواجهة ما لمسناه في ذاك الوقت من التوجه نحو التطرف الذي ظهرت بوادره في ذلك الوقت، وكان يميل إلى شيء من التكفير والاستهانة في إراقة الدماء، وكان الجميع يرتاحون لأطروحاتنا ويستجيبون لتوجُّهاتنا ما عدا جماعة الشباب الذين كانوا منذ ذلك الوقت يتعاملون معنا معاملة غير لائقة، حيث كانوا لا يستقبلون وفودنا ولا يحضرون محاضراتنا، وكان يظهر منهم منذ ذلك الوقت أنهم يتوجَّهون نحو الانفراد في السيطرة على المحافظات وإزاحة الآخرين حتى وإن كانوا من المحاكم الإسلامية، ونحن حملنا هذه الرسالة حتى وصلنا إلى مقديشو ، وفيها أنشأنا ما يسمَّى بلجنة العلماء للتصحيح والمصالحة، هذه اللجنة – كما يظهر من اسمها – كانت تركز على تصحيح الأخطاء، التي تقع في المقاومة وأسلوب القتال، وفي المعاملة مع الشعب، وأخطاء في الغلوّ والتكفير، وأيضا المصالحة بين فئات المقاومة، وجلسنا مع تلك الفئات ما عدا جماعة الشباب الذين لم يستجيبوا ولم يحضروا جلساتنا، وكان هذا في عام 2008م، وعَقدنا محاضرات وندوات في مسجد أبي هريرة في إنكار الغلوّ واستباحة الدماء وغير ذلك والتوجُّه نحو المصالحة.

بعد ذلك تطوَّرت هذه اللجنة إلى هيئة علماء الصومال، بعد أن عَقَدنا مؤتمرا للعلماء، ونجحنا في ذلك في شهر فبراير 2009م، وحضر ذلك المؤتمر عدد كبير من العلماء داخل البلاد وخارجه، وكان معظمهم من علماء الصحوة الكبار ، وعقدنا المؤتمر في فندق كبير ، وكانت الجلسات ومحاور النقاش تدور حول دور العلماء في حل المشكلة الصومالية، ودورهم في قيادة البلد وحلّهم للخلافات والنزاعات وغير ذلك، من هنا نشأت هيئة علماء الصومال بقرار من العلماء الذين اجتمعوا في ذلك المؤتمر، وكان عددهم قريبا من السبعين على ما أظنّ، وهم الذين شرَّفوني وكلَّفوني بأن أكون ريئسا لهذه الهيئة.

الشاهد: ما هي أبرز الإنجازات التي تحققت لهيئة علماء الصومال منذ تأسيسها في تلك الفترة التي ذكرتها؟.

في الحقيقة منذ تأسيس الهيئة كان لها أهداف، ممكن أن نقسّمها إلى أهدافٍ قريبة المدى ترمي إلى حلّ المشكلة الصومالية ومواجهة الأفكار المنحرفة المتطرفة، وأهداف بعيدة المدى من بينها تكوين مرجعيَّة إسلاميَّة دينية يقودها العلماء للبلد، وأن يكون للعلماء حضور في كافة الساحات في داخل البلد وخارجه، وتكوين ما يمكن تسميته بأرضية مشتركةٍ أو رُؤية موحَّدة للعلماء في مختلف مشاربهم وتياراتهم، والهدف منها أن يكون للعلماء مَوقف واحد من جميع الأزمات سواء كانت سياسية أو غير ذلك، ونجحنا بحمد الله في تحقيق معظم تلك الأهداف، ومن أهمّ تلك الإنجازات أننا استطعنا مواجهة الغلوّ والتطرف الذي كان يعتمد على تكفير الناس واستباحة دمائهم، وأوضحنا بأنه فكر خاطئ ومنحرف، ولا يمثّل العقيدة الإسلامية الصحيحة، وأن الإسلام والعلماء والدعوة بريئون من هذا الفكر، واستطعنا أن ننشأ مرجعية للشعب الصومالي، وحافظنا على كيَّان الدعوة وعلى مكتسباتها، حتى لا تذهب الدعوة ضحيَّة لتوجُّهات هؤلاء، واستطعنا أن نعمل – نوعا مَّا – أرضية مشتركة أو رؤية موحدة للعلماء حتى يتحرَّكوا مرة واحدة، ولاسيما في المسائل المشهورة التي يدور الجدل أو المشاكل حولها، مثل التكفير واستباحة الدماء ومسائل الجهاد ومسائل الولاء والبراء وغير ذلك.

وكان من أهدافنا أيضا أن نسعى لتكوين علاقات مع الروابط واتِّحادات العلماء بالخارج، ونجحنا في هذا إلى حدٍّ ما، وزرنا بعض البلاد والتقينا ببعض العلماء، وكان من أهدافنا أيضا عقد مؤتمرات للعلماء ، ونجحنا في عقد أربع مؤتمرات للهيئة، شارك فيها علماء كثيرون، وكان آخرها المؤتمر الذي عقدناه في شهر سبتمبر الماضي حول ظاهرة الغلو وعلاجها، وإن شاء الله نرجو أن تتكرر هذه المؤتمرات، وتستمر هذه الإنجازات.

%d مدونون معجبون بهذه: