يوم اللاجئ “والناجون من الموت”

يوم اللاجئ يوم تتمثل فيه ذكرى الأوجاع بصورة متكاملة في عقل اللاجئ.. تصحو في داخله ذكريات مرة صادفها في مرحلة كان يبحث فيها عن أمن وأمان حين ترك خلفه وطنا يحترق و آباء وأبناء وشبابا وأطفالا وأمهات تموت تحت الأنقاض وتخترق أجسادهم الرصاص وشظايا القنابل أجساد تحترق مع احتراق الوطن.. كل تلك ذكريات رسمت لوحة سوداء في عقل وفكر كل لاجئ.. وفي يوم اللاجئ تعود كل تلك الذكريات لتصاغ من جديد وتعيد الوجع أقوى وأمر مما كان، فأشد من الوجع ذكر الوجع، فالذكرى تعود لتحمل معها أنين الوجع وحنين العودة لما كان قبل الرحيل.

قبل أيام قليلات احتفل العالم باليوم العالمي للاجئ الذي يصادف الـ 20 يونيو من كل عام.. وهو يوم خصص للاحتفال والتخفيف عن لاجئين خسروا الوطن وخسروا أنفسهم وكرامتهم حين هجروا أوطانهم غصبا وهرباً من جحيم الشر ومن رائحة الموت..كثيرون هم من فقدوا الوطن وخسر كل مالهم في الدنيا، وأصبحوا بين عشية وضحاها مشردين معاقين منبوذين بلا وطن!.. بلا مستقبل!.. أناس ضاع الأمل منهم، وأصبحوا يستنشقون رائحة الموت في كل ربوع الوطن، ورائحة الذل أينما رحلوا وحلوا.

أوطان كثيرة ضاعت بفعل فاعل وكان الفاعل واحدا في كل وطن عربي وإسلامي عبث فيه فاسد أجنبي سانده في فعلته ابن الوطن.. من باع ضميره للشيطان تناسى مكانة وقيمة الوطن ومثله العليا تناسوا الانتماء للوطن حين فضلوا اللهث خلف سراب السلطة والمال، وبحثوا عن جاه الدنيا ومفاخرها ومفاتنها، ورفعوا راية الإسلام وهم يعيثون في الأرض فسادا ونهبا وقتلا ليسوا إسلاميين بقدر ما هم قتلة مرتزقة.

ربما لا أبالغ لو قلت: “إن أغلب الشعوب العربية والمسلمة لاجئون بأشكال مختلفة”.. الشيء الذي يعمق معانات الوجع للاجئين بأن من يتلقفهم ويرحمهم ويفتح لهم وطنه كوطن بديل لا ينتمي لدينهم، وما يحز في أنفسهم أن من شردهم من وطنهم ومن يرفضهم ويغلق دونهم أبواب أوطانهم هم عرب مسلمون من جمعتهم معاً كلمة “لا إله إلا الله محمد رسول الله”!.. وما يخفف عنهم صدمتهم فيمن جمعهم الدين بأنهم وجدوا فيمن تلقاهم بعضاً من خصال المسلمين “الرحمة والتعاطف”وإن لم يكونوا مسلمين!؟.. إن الذين تقبلوا اللاجئين كانوا هم بصيص الأمل لحياة أفضل.. وكأن لسان حال اللاجئ يقول “ليكن ما يكون خلف هذا القناع فأنا لا أبحث إلا عن أمان وطن يضمني حتى لو كان أمان زائف مقنع.

إن اليمن هي الدولة الوحيدة من الدول العربية والمسلمة وهي من الدول الفقيرة ورغم ذلك فتحت أبواب وطنها للاجئين من كل مكان.. ففي اليمن لاجئون وأعني لاجئو القرن الإفريقي وخاصة الصومال تجدهم في كل محافظات اليمن، لذا تتناقض الإحصائيات حيت تشير إحصائيات الحكومة اليمنية أن عدد اللاجئين في اليمن يتجاوز الـ800 ألف لاجئ، فيما تبين إحصائيات المفوضية السامية لشئون اللاجئين أن عدد اللاجئين في اليمن لا يتجاوز 175 ألف. وأكاد أجزم أن أضعافا مضاعفة من تلك الأرقام أصبحت أجسادها وجبات دسمة لأسماك القرش حين كانت تفر بحياتها من شبح الحرب، وأضعافا أخر لم تستطع الفرار فجمعت أشلاء ما تبقى من أجسادها مقابر جماعية في أرض الوطن.. إن هؤلاء الناجين من الموت – اسمحوا لي بأن أسمائهم “الناجون من الموت” – احتفلوا مع سائر البشر بيوم اللاجئ ، حيت نظمت المفوضية في عدن حفلا فنيا في محاولة منها لإعادة الاعتبار لتلك الفئة ورسم البسمة في الوجوه.. ولكن يا ترى من يشفي جرح القلوب وجرح الكرامة؟!.

في الحفل الذي حضره عدد من الضيوف كل ينتمي للجهة ويمثلها، وكان الضيف الأكثر حضورا والذي اتخذ مقعده في مقدمة الصفوف “دمع حار” اتخذ مقعده في أعين الحاضرين ممثلا للألم حين قام أفراد فرقة الصومال باستعراض أبريت غنائي، وقامت فرقة جمعية التضامن التنموية بتقديم مسرحية قلبت المواجع فكلاهما أعادتا للأذهان رحلة خروجهم من أوطانهم وركوبهم البحر.. بكى الجميع وشعروا بالألم وتعاطفوا مع اللاجئ في حين كان اللاجئون يتوجعون بصدق فبكوا وأبكوا فذكرياتهم موجعة، فهم وحدهم من خاضوا رحلة الموت، وهم وحدهم من عانوا من فقد الأحباب عندما التهمهم فك سمك القرش أمام أعينهم، فهم وحدهم كانوا في دائرة الوجع بينما كنا جميعا خارجها لا نملك غير دمع يعبر عنا.

ومن المفارقات الموجعة أن يوم اللاجئ للصوماليين أشد وجعاً، فهم يحتفلون بالذكرى الــ20 لكونهم للاجئين في الوقت الذي يصادف الأول من يوليو الذكرى الـ50 لاستقلال وطن كان لهم الأمن والأمان.

جاء العيد الوطني الـ50 للصومال وهو ممزق وأبناؤه مشردون في بقاع الأرض.. السؤال الذي يفرض نفسه بقوة إلى ذمة من ما يجري في الصومال؟.. يا ترى من فيهم يتجرأ ويقف بثبات يوم الحساب أمام الله ويتحمل كل نفس من كل هؤلاء البشر من مات إثر الصراع الدامي في الصومال الذي أصبح وطن الصراعات، يعبث فيه العابثون باسم الدين والدين بعيد عنهم ومتبرئ منهم، فالدين نصيحة يقولها المؤمن لأخيه المؤمن لا رشاشات وقنابل وقتل أبرياء.. ولهت خلف السلطة .

عيد بأية حال عدت يا عيد؟

2 تعليقان

  1. هل بيك اخي شافعي وشكرا لتواجدك بين حروفي عن وضع اللاجئين كتبت حتى كاد ان يجف حبر قلمي
    ومن حيث الأحصائية عجزت في تحديدها منظمة شئون اللاجئين والحكومة البمنية لانه من الصغب حصر الصومالين لكن سوف اعمل ما في وسعي لتقديم العون لهذا الفئه

  2. اختاه فردوس العلمي تقرير جميل ومفيد .. لوتكتب تقريراً عن وضع اللاجئين الصوماليين في اليمن من حيث الظروف التى تواجههم في المجالات الحياة من التعليم والصحة والاقتصاد .. واعداد احصائية عامة حول الفئة الصومالية المقيمة في اليمن .. فهذا جميل ..ألف شكر على جهدك لكتابة هذا التقرير

%d مدونون معجبون بهذه: