ألوان الغربة كثيرة وأوجهها متعددة فهي كثيرة التلون مثل الحرباء، فبعض المرات تتلون بألوان زاهية، وترسم للغريب لوحة جميلة من الحياة ومستقبل مشرق وحاضرمفرح، وبعد لحظة وفي غضون ثوان أودقائق تواجه الغريب بوجهها الحقيقي ودون أقنعة مزيفة وتسفر بوجهها الكالح وألوانها السودءا القاتمة؛ فتحجب الرؤيا والطموح والتطلعات عن الغريب، وتغيب عنه الحلول ويمر به أصعب الأوقات وأحلك الظروف، وتزداد الصعوبة تعقيدا إذا كان الغريب شابا غضا طريا في مقتبل العمر وغير متمرس بمواجهة عنفوان الحياة وقسوتها، ويحتاج إلى جدار يسند إليه ظهره ويقويه وأهل وقرابة يسدي إليه النصح والمشورة؛ لأن حياته غير آمنه بسبب الظرف الدقيق الذي يمره وحديث تجربته بالناس وبالدنيا، والظروف القاهرة والحياة الصعبة تحتاج إلى حلول متأنية  وغير متسرعة ومدروسة بدقّة وخطوات جريئة وحازمة لمواجهة المشاكل والمصاعب التي تفرشه الغربة في طريقها الوعر ودروبها المقفرة.

تختلف الأراء والأفكار حول السفر والترحال والغربة! فالإعلانات التابعة للشركات السياحية العملاقة التي تجني الملايين من الدولارات والأرباح المشبوهة برحلاتها العابرة للقارات يصور السفر والغربة وكأنها نوع من السياحة وضرب من النزهة والإستجمام والتنقل برشاقة وخفة بين المدن والعواصم  والحدود بلا وجع أو تقييد.! والبعض يصور وكأن الغربة أحزان تتكلّم في داخل الغريب وجروح نازفة تتألم في وجدانه! ولكن المصاعب والمتاعب التي تحمل الغربة في طياتها لا يعرفها إلا الغريب البعيد عن وطنه وأهله، وكنا نسمع ونحن صغار أهل العلم يقولون: (فقد الأحبة في الأوطان غربة، فكيف إذا أجتمعت الغربة وفقد الأحبة

والسفر إلى خارج الديار بعضه ممتع وجذاب وشيّق تأنس إليه النفوس ويطمئن إليه البال وتستقر به الجوارح لسحر الطبيعة أو لعبق الأرض و بشاشة الناس وخفة دمهم وكرمهم وفخامة التراث وكثرة الحضارة والثقافة وطلاقة وجه المواطنين واحتفائهم للغرباء، ويتحول من سفر  إلى سياحة يجد الإنسان منه المتعة والإستجمام، وبعضه أي السفر مملّ ومعقد ومتعب، وقد يكون محنة ومشقة لما يصاحبه من عناء و وعثاء السفر وعدم اليمن.

 وكلا الحالتين مرتبطان ويتأثران سلبا أو إيجابا بالظروف والأحوال التي تحيط الإنسان أثناء السفر  استعداداته قبل السفر، و ربما تفكيره وتصوراته لما بعد السفر، ولكن يتفق الجميع أن الغربة ليست هي اختيار الإنسان في معظم الأحيان، فالبشرية مجبولة بحب أهلها والتشبث بوطنها وأصلها وأحبابها وتاريخها؛ وبالتالي لا يرغب أحد ولا يفكر أن يبتعد عن أهله ووطنه وأن يكون جسما غريبا بين مجتمع لا يعرفهم ولا يعرفونه؛ بل يطلقون عليه ألقابا و أوصافا فرض عليه الواقع، وهذا لا ينفي وجود شريحة اختارت الغربة وركبت موجتها بسبب الظلم الحاصل في البلد أو ضيق المعيشة أو مخافة بطش السلطان ولسان حاله: (والله إنك لأحب الأرض إليَّ ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت).

قد تطول الغربة أو تقصر وقد يلطف بنا القدر ويبتسم لنا الحظ ويوهب لنا الزمان هدية العمر التي لم تطرأ يوما في حسباننا ولم تخضع لتدابيرنا ولا لتخطيطنا البشري القاصر؛ فتنير حياتنا وتنعش آمالنا وتنسينا الغربة وهمومها وبعدها عن دفء الوصال وعيون الأحبة التي كان الغريب يؤنس بجوارهم ويعيش بين أكتافهم ويشارك معهم الأتراح والأفراح وكل وجوه الحياة المختلفة ومناسباتها المتعددة، وما أكثرها!ــ وقاسمهم البسمة قبل اللقمة والضحكة قبل الدمعة،و ربما وفي طبيعة البشر الكنودة لايشعر المرء النعم التي حباه الله بها إلا إذا فقدها، والإنسان بطبيعته لا يشكر بنعم الله الكثيرة وفضائله الجزيلة جل جلاله وآلائه المتعددة إلا إذا صلبت منه؛ لأن المرء إذا كان متلبسا بثوب النعمة  قد لا يشعرها ولا يؤدي واجبه الديني والأخلاقي تجاه هذه النعمة التي سربلها الله به، فالمواطن الذي يعيش في بلده بين أهله وأحبابه ربما لا يقدر هذا النعمة ولا يشكر المولي وقد لا تخطر على باله إطلاقا؛ لأنه لم يجرب الغربة في حياته ولم يكتو نارها ولم تمر عليه أيام وليالي لم يكتحل النوم من أجل أحباب فارقهم وخلان ابتعد عنهم ورفاق في حدقات عيونه أجبرته الظروف ألا تقر أعينه برؤيتهم صبح كل يوم!.

ولو أن التكنولوجيا الحديثة والتقدم الهائل والآلات الإعلامية الضخمة وعصر التنوير المعرفي الذي وصل إليه العالم الحديث ساهم حسب رأئي تخفيف الغربة وجعلت الكرة الأرضية قرية صغيرة أو قل إن شئت شاشة صغيرة بفضل هذا التطور الهائل الذي خطت به البشرية، وأصبح إيجاد الخبر وإتصال الأحباب ومعرفة ما يجري في العالم في متناول الجميع، والعالم لم يعد اليوم  ذلك العالم الرحب الواسع المترامي الأطراف الذي يصعب على المرء أن يتيح له معرفة ما يدور في قارته أو في وطنه وبلده؛ بل أصبح عالما مترابطا متواصلا ومكشوفا للجميع، فالتظاهرات العالمية والمناسبات أو المؤتمرات الأممية أو الحروب والكوارث الطبيعية التي تحدث في أقصى الشرق يصل إلى أقصى الغرب بغضون دقائق وربما ثواني بفضل التقدم التقني والتكنولوجي الحديث.

 أحلام المرء وطموحاته لنيل مآربه وآماله وتطلعاته لحياة كريمة واستشرافه لغد أفضل كثيرة ومتعددة ومتشابكة لا يحدها حد ولا يعيقها عائق ولا تنتهي أبدا، وهكذا يجب أن تكون.

 فالإنسان ينسج في مخيلته ويبني في خياله مستقبلا باهرا ويعقد للمستقبل آمالا جساما ويحلم بأحلام وردية ويزرع بذور الأمل في أعماق قلبه ويستمد معظم هذا الأفكار من خياله الواسع والثنائيات المتناقضة المجتمعة في ذهنه من سعادة وحزن وأفراح وأتراح ونكد العيش والمغامرات والطاقات الهائلة والأفكار الجميلة المتمكنة في شخصية الغريب والمستوحاة من فقه الواقع ومدرسة الحياة ونظرة الغريب المتفائلة أو المتشائمة للمستقبل والحياة، فالغريب يحن ويشتاق ويخطط لعودته المرتقبة، ويسعي بدون ملل أو كلل ليعود إلى وطنه العزيز و إلى مسقط رأسه، ومن جهة أخرى يفكر كثيرا ويقلب الأمور ماذا في جعبته… ماذا يرجع إلى أهله وإلى بلده؟ وماذا بحوزته كي يرجع هل حصل علما أو جمع ثروة…أو…أو…فيؤنب ضميره ويعاتب نفسه ويشحذ همته ويسعى مجددا للوصول إلى هدفه بهدوء وثبات وبغير تضعضع، ويركب الصعب والذلول ويجد الذكريات الجميلة حافزا قويا وشحنات تزيده قوة وعزيمة وإصرارا؛ لتحمل مصاعب الغربة، ويدرك جيدا أن رسم مستقبله مرهون وبدرجة كبيرة بمجموع الخطوات ولو كانت بسيطة والقرارات التي يتخذها اليوم، ولأن مسيرة مليون ميل تبدأ بالخطوة الأولي فلا بد أن يشمرالإنسان ساعد الجد ويستثمر أوقاته وينجز مهامه بأقل تكلفة وأقصر زمن.

العيش في أرض الغربة وبزمن طويل ومتواصل يحتاج إلى صبر ومثابرة وربما لا يستطيع الغريب مواصلة السير ويتعثر مرارا في وسط الطريق وفي أتون الغربة، ويعتقد -ولو ساذجا- أنه فشل في مشروعه ووصل إلى طريق مسدود، ولكي يتفادى الإنسان هذه المؤثرات كلها لابد أن يجعل للعقل مساحة أكبر من العاطفة؛ لأن العاطفة الجيّاشة والذكريات الجميلة التي يحلم بها الغريب إن لم يستفدها لصالحه قد تؤثر حياته وتقود به إلى فشل ذريع وأشياء هو في غني عنها وكفيلة بتدمير  مستقبله المهني أو التعليمي أو الوظيفي، ولا طائل من تشريح جثة التاريخ والبكاء على الماضي والأطلال، وهل يوما نفع البكاء ولا العويل؟! ولكن ازرع بذور الأمل في أعماق قلبك وتوكل ربك وتطلع إلى ذلك اليوم الذي تنجز فيه مهامك كم تكون الفرحة طاغية في وجهك، وكم تكون مسرورا.

طفح السرور عليَّ حتى إنني *** من عظم ما قد سرني أبكاني

وكيف يقدرك الأهل والأصحاب إذا رجع الغريب إليهم مالا حلالا كسبها بطرق مشروعة ومباحة ومشروعة وبعرق الجبين والكد والكدح،أو شهادة علمية مرموقة (والشهادة العلمية ليست ورقة مكتوبة بل قيمة في ثنايا النفس وتلافيف العقل تعطي الثقة وتجلب الاحترام وتشكل إذا تأزمت الأمور بديلا).

أما إذا فشل ولم ينجح في مخططه ولم يصل إلى أهدافه ثم رجع إلى بلده بخفي حنين يسقط في أعين الناس ويعيش صغيرا مغمورا لا ذكر له؛ بل يمكن أن يصبح غريبا بين مجتمعه ووسط خلّانه وأهله، وهذا لعمري عين الغربة الحقيقية ومن المرجح أن يضيع صوته وكيانه في هدير الدوامة التي لا يكاد الإنسان أن يجد طريقا يسمع حتى صوته ولا يستطيع وجود أبسط أنواع حقوقه فتضيع أحلامه وسط هذه الأمواج العاتية المتلاطمة ويتبعثر آماله ويتبدد طموحاته.

الوطن له قيمة كبيرة وانتمائه شرف وعزة  (و الوطن ليس بيتا أو أرضا أو حديقة أو عملا … الوطن حياة وانتماء وهوية وإيمان) وكل شيء جميل في بلدك بداً من الناس والتربة والجو والأشجار  والطيور وحتى الجمادات والحشرات، ولقد أصاب السيّاب كبد الحقيقة حين قال (الشمس أجمل في بلادي من سواها) ورغم أننا نحس في صوته شجو الحنين ولوعات الغربة إلا أن الوطن ليس له بديل وحبه ليس له حدود.

آه يا بلدي … يا مسقط رأسي وقرة عيني يتقطع كبدي لوعة بفراقك حزين بمغادرتك متأثر ببعدك مشتاق برؤيتك ،آه يا قسوة القدر  لقد تركت بلادي والتي كانت تمثل لي كل شيء وأهلي وأصحابي والذين تدمع مقلتي بفراقهم.

هل يعلم الصّحبُ أني بعد فرقتهم

أبيت أرعى نجوم الليل سهرانا

أقضي الزمان ولا أقضي به وطراً

وأقطع الدهر أشواقا وأشجانا

ولا قريب إذا أصبحت في حزنٍ

إن الغريب حزين حيثما كانا

وطني العزيز أنت كبير وشامخ وجدير أن يحترم بك وبتاريخك الإبريزي …وطني جربت كل الأكناف كنف الغربة كنف الحياة بعيدا عنك فلم أجد كنفا أهنأ وأنعم من كنفك….وطني قطعت المسافات وتجاوزت الفيافي والمفاوز وركبت  الطائرات والقطارات وغامرت عباب البحر  والمحيطات وما زلت أهفو  وأحن إلى عتبات بيتنا المتواضع  وإلى رفاق الحي وإلى أزقات حارتنا الضيقة وإلى أمتي الصومالية التي لم تسمع الدنيا بمثلها كرما وشجاعة وأصالة( وكريم الأصل كالغصن كلما حمل ثمارا انحنى) وإلى وطني العزيز الذي وإن جارت عليه أبناؤه لم يبخل عنهم يوما بخيراته المدرار  ودرره ومكامنه العجيبة.

ورغم تغير الزمان وتنكر السنين وجفاوة الأبناء وجحود الأحفاد تبقى درة ورمزا وفيّا نفتخر أن نكون من أبنائه، ومهما طال الفراق وتحشرنا الغربة إلى أقصى الزوايا وأبعد الحدود حبك لا يتبدل ولا يتغير ، وسيأتي ولا محالة يوما أقبّل ترابك الزكبة وارتوي من هواك الطلق ومائك العذب الزلال.

قد تطول بنا الغربة فلا تطأ أقدامنا قريبا فوق تربتك الحريرية وزيارة مناطقك الجميلة ومناظرك العجيبة وأنهارك الجميلة الواسعة وشواطئك النظيفة الممتدة على طول البلاد كأنها تحميه المكروه وتقيه الشر وتحفه بالنعم وجبالك الشاهقة وهضابك وغاباتك الكثيفة الباسقة وكل شبر من تربتك الطيبة الطاهرة وطبيعتك الخلابة…. ولكن أتنفس بحبك وما زلت اشتاق إلى شعبي… إلى أبناء وبنات بلدي بجميع شرائحهم ومشاربهم  وأفكارهم المختلفة…أرنو الحياة ببينهم، فحبهم عمّ فؤادي وملأ وجداني … وما أنس إلا أنس طيبتهم الأصيلة وحسن معشرهم وكريم أرومتهم وتسامحهم، رغم كثرة الجراحات وقسوة الزمان وتغير السنين… بلدي يبقى عزيزا عليّ لا يفارق طيفه في حدقات عيوني وحبه في وتين قلبي، وطني روحي وجسدي، و بقية الأماكن مجرد ذكريات تمكث في الذاكرة برهة من الزمن ثم ترحل عنها غير مأسوف بها، ذكريات وطني وحبه حفرت في ذاكرة الوجدان وكتبت بأحرف من الذهب الخالص على صفحات قلوبي ودفاتر وجداني يستحيل أن يمتد إليها أو أن يعروها دجي النسيان.

حبي لكم طبع بغير تكلف *** والطبع في الإنسان لا يتغير.

سيأتي ذلك اليوم الجميل الذي تنقشع فيه السحابة السوداء والظلال الأسود والشبح المخيف الذي عم الوطن…ونجد حلا لجميع المصاعب والمصائب ويتوقف رحى الحروب المشؤومة، والذي فرّق الأحبة وشتت الأسر ولم يرحم لأحد من أبناء الوطن.

لقد عز الانتظار وكثر الشوق وزاد الحنين وتداهمني موجة عارمة وسيل جارف من الشوق والهيام إلى وطني … ولكن لكل بداية له نهاية، وأحس أن نهاية غربتي قد أوشكت وزاد التفاؤل، وأتذكر أن الأفضل لوطني ولأمتي قادم لا محالة بإذن الله، وأن المشاكل والصراعات العبثية سحابة صيف عن قريب ستنقشع، وسيعم السلام والمحبة ويسود الوئام والتسامح وتختفي الضغينة والحقد والحسد والكراهية بلا رجعة، وسيخرج المواطنون إلى الشوارع والطرقات متلألئة وجوههم باسمة ثغورهم راضية نفوسهم مطمئنة قلوبهم يلوحون علم الوطن والأغصان الرطبة احتفاء بالنصر العظيم واليوم الأغر، وفي مشهد بهيّ وفريد وتاريجي يجتمعون في رحاب الوطن يتطلعون إلى مستقبل مشرق مليء بالأفراح والمسرّات.