حسن مودي عبد الله (اليمين) يجري حوارا مع القيادي الإسلامي ووزير الإعلام الأسبق طاهر جيلي في منزله (اليسار).

الشاهد : أهلا ومرحبا بكم في شبكة الشاهد الإخبارية، وفي البداية.. كيف تقيم شخصية رئيس البرلمان الجديد البروفيسور محمد عثمان جواري، وماذا يترتب على فوزه بالنظر إلى نظام المحاصصة القبلية؟

الأستاذ طاهر محمود جيلي: بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله صلى الله عيله وسلم، وبعد: في البداية أشير إلى أنه ليست هذه هي المرة الأولى التي ألتقي فيها بشكبة الشاهد الإعلامية، والتي أكنُّ لها كل الاحترام والتقدير، و أتمني لها التوفيق والسداد.

أعتقد أن هذه الشخصية شخصية معروفة في المجتمع الصومالي، وسبق أن تقلدت مناصب قيادية ووزارية في عهد الحكومة العسكرية برئاسة اللواء محمد سياد برى، وبعد ذلك اشتغلت كشخصية علمية ثقافية قانونية، ويبدو أن جواري رجع للبروز مرة أخرى متمتعا بزخم كبير، ولاسيما بعد أن تولى رئاسة لجنة الخبراء القانونيين للمساهمة في تصحيح صياغة الدستور الصومالي الحالي.

هذه الشخصية العلمية المثقفة الخبيرة المطلعة علي مجريات الأمور حينما أن تتبوأ مثل هذا المقعد الرفيع أعتقد أن هذا سيخفف ولو جزءا قليلا من القلق الذي سببته عملية تمرير الدستور الأخير، حيث شابت تلك العملية عيوب وتحفظات كبيرة من قبل الشريحة المثقفة والمتعلمة حول مسألة تمرير الدستور مؤخرا في مقديشو …. هذه واحدة.

والأخرى، صار من المعروف، أننا في الأعوام العشرة الأخيرة وقبل العشرة الأخيرة كان عندنا نظام لتقاسم السلطة سبق وأن لقي شيئا من القبول؛ سيما من الأطراف السياسية في مختلف المستويات، هذا النظام هو ما نسميه 4,5 وهو نظام بمقتضاه يتم تقاسم المناصب الكبرى للدولة، أي يعني يجب أن يذهب رئيس البرلمان لصالح قبيلة من القبائل الأربعة، ورئاسة الجمهورية لغيرها، ورئاسة الحكومة لقبيلة ثالثة، وأخيرا منصب رئيس المحكمة العليا سيكون هو الآخر من نصيب قبيلة لم تتبوأ أيا من المناصب الثلاثة التي ذكرتها آنفا.

الشاهد : بالنسبة لرئيس البرلمان السابق شريف حسن شيخ آدم؛ فهل هناك تأثير خاص به باعتباره ينتمي إلى نفس القبيلة التي ينتمي إليها رئيس البرلمان الجديد؟

الأستاذ طاهر محمود جيلي: رئيس البرلمان السابق شريف حسن شيخ آدم طبعا ينتمي إلى نفس العشيرة، وهذه القبيلة لا يمكن أن تحصل علي منصبين قياديين في آن واحد، وبما أن البروفيسور جواري تبوأ مقعد رئاسة البرلمان، فبالتأكيد أن شريف حسن وغيره من القيادات التي تنتمي إلى تلك القبيلة تتضاءل فرصها، بل وتنعدم فرصها في تولي قيادة المؤسسات الرئيسية الثلاثة، ولكن هذا لا يمنع أن يتولي شريف حسن منصباً مهما، فيما يتعلق بوزارة أو حكومة إقليمية، وفيما يتعلق بأشياء أخرى.

على العموم عهدي برئيس البرلمان السابق شريف حسن شيخ آدم أنه شخصية سياسية يصعب تجاهلها، وبالتأكيد ربما يتغيب بعض الوقت عن منصب قيادي مرموق، ولكنه يظل موجودا في الساحة السياسية في الصومال، وعهدي به أنه لا يعتزل إطلاقا، بأن يبتعد عن الأضواء السياسية بحال من الأحوال، صحيح أن التقاسم الحالي وضع فعلاً أمامه سداً منيعا قد يجبره للانتظار لمدة أربع سنوات قادمة ليعود إلى هذا المنصب أو ليتولى منصبا آخر ربما رئيس وزارة أو رئاسة الجمهورية أو غيرها.

فليست المناصب القيادية حكرا على قبيلة دون أخرى، وأعتقد أن هذا لا يمنعه من الوجود في المشهد السياسي، ولكن بدون أن يتولى قيادة مؤسسة من المؤسسات الثلاثة (البرلمان، رئاسة الحكومة، رئاسة الجمهورية).

الشاهد : في نظرك -كسياسي مطلع على مجريات الأمور عن كثب- ما هي أهم العوامل التي ساعدت رئيس البرلمان الجديد على الفوز في ظل المنافسة الشديدة التي شهدتها العملية الانتخابية البرلمانية؟

الأستاذ طاهر محمود جيلي: أولا: بغض النظر عن انتمائه القبلي والأعراف السياسية المتعارف عليها في الصومال، وهي تبوؤ عشيرة معينة لمركز معين، إلا أن جواري شخصية تتمتع بثقة كبيرة في المجتمع الصومالي، سيما من الشريحة المثقفة والسياسية الموجودة داخل البرلمان الصومالي، وعلى هذا الأساس فهو يتمتع بفرص تنبع من تاريخه السياسي وثقافته، من خبراته، ومن أعماله السابقة.

ثانياً: المنافسة السياسية ربما تجعل بعض المتنافسين حلفاء، فبالتأكيد إنَّ تبوأه لهذا المنصب حال دون أن يمضي شريف حسن شيخ آدم في خطته نحو الترشح لرئاسة الجمهورية، وعلى هذا الأساس صحيح أن هناك عدد كبير من المترشحين من مختلف القبائل، ولكن بالتأكيد المنافسة الرئاسية سوف تكون محصورة بين قبيلتين أو على الأكثر ثلاث قبائل بدل أن تكون أربع قبائل أو خمس قبائل، فهذا الانتخاب كان ينصب في مصلحة العشائر الأخرى التي لا ينتمي إليها البرفيسور جواري، فعلى هذا الأساس يمكن أن يقال إن الآخرين تحالفوا فيما بينهم من أجل تخفيف المد التنافسي ومنع شخصية تنافسية معروفة (شريف حسن شيخ آدم) – بغض النظر عن مواقفه الشخصية- والذي كان بالتأكيد رقما صعبا ضمن المتنافسين لرئاسة الصومال، وعلى هذا الأساس يمكن أن يقال إن الآخرين قد تحالفوا ضده كما قيل، من أجل سده أو منعه من المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، (وإن كان قد أعلن ترشحه للرئاسة مجددا، وربما ينوي استخدام ذلك كورقة ضغط ومساومة لتحقيق مكاسب سياسية من نوع آخر)

الشاهد: هل التفاهمات التي أدت إلى فوز البروفيسور جواري يمكن أن تفضي مرة أخرى إلى فوز أحد المرشحين للرئاسة ممن ينسجم مستقبلا مع جواري تفاديا للخلافات التي كانت تحدث بين مؤسسة الرئاسة والبرلمان في السابق؟

الأستاذ طاهر محمود جيلي: طبعا الأسباب التي أدت إلى فوز السيد جواري لا يمكن أن تحدث مرة أخرى، لماذا؟ لسبب بسيط جدا، وهو أن المجموعة التي كانت في وئام واتفاق فيما يتعلق بمسألة انتخاب رئيس البرلمان ليكون فلان بن فلان لن تكون متوافقة فيما بينها بموضوع اختيار رئيس معين للبلاد، ولا سيما في ظل المنافسة الشديدة، بحيث يسعى الجميع لأن تبقى له القيادة القادمة.

وعلى هذا الأساس فأنا لا أتوقع تحالفات، ولكن من ناحية أخرى فإن تولي شخص “ما” رئاسة الجمهورية الصومالية معناه أنه تمتع بأكبر تحالفات داخلية صومالية، لأنه ليس هناك قبيلة أو قبيلتان بوسعهما تقديم مرشح أو إنجاحه، فلا بد أن يكون هناك تحالفات وتفاهمات بأي شكل من الأشكال، أما بمسألة “هل ستمضي في نفس المنوال” ؟ فأنا لا أتصور ذلك.

الشاهد : بالنسبة للمجتمع الدولي، ماهو تأثيره على ما يجري في الساحة المحلية من استحقاقات؟

الأستاذ طاهر محمود جيلي: المجتمع الدولي هو العنصر الداعم والضاغط فيما يتعلق بإنهاء المرحلة الانتقالية وتنفيذ خارطة الطريق، بل وإعداد خارطة الطريق واستكمالها وتوقيعها وإنهائها، ولذلك فإن دور المجتمع الدولي كان حازما، لم يكن مؤثرا فقط، و من المتوقع أن يستمر دور المجتمع الدولي وتأثيره في مجريات الأمور في الأعوام القادمة، خصوصا في العمل السياسي، أما فيما يتعلق فيما آلت إليه الأمور ومدى تأثيره، يمكن القول بأن تأثير المجتمع الدولي لم يكن العامل الوحيد، وإنما كانت هناك الرغبة الداخلية، وصراع داخلي، وتنافس داخلي، ورؤية داخلية واضحة، وإن كانت مختلفة ومتشعبة.

الشاهد : فيما يخص مسألة استكمال واختيار أعضاء البرلمان الصومالي الجديد، يقال إن هناك استبعاد مستهدف للإسلاميين، فما مدى صحة هذه المعلومات؟

الأستاذ طاهر محمود جيلي: أعتقد أن العناصر التي قيل إنها لن تشارك في البرلمان-وفق المعايير المحددة للعضوية في البرلمان، جلُّها حاليا دخلت في البرلمان، والباقي في طريقهم للدخول إلى البرلمان، إلا قلة قليلة قد لا تصل إلى أصابع اليد الواحدة يدور حولها الجدل بشأن أحقيتهم القانونية، ولكن إثارة هذا الموضوع اتسم …. لا أريد أن أقسو على اللجنة الفنية، ولكن بالتأكيد إنهم افتقدوا روح التواجد في الصومال، وخبرة التواجد داخل الصومال، وتاريخ الصراع في الصومال، والرؤية السياسية التي تنطلق منها للوصول إلى الأفضل، وعلى هذا الأساس حينما ظهرت بوادر أن هناك استهداف لعناصر إسلامية أو عناصر ما سموه بأمراء الحرب، فإن ذلك كان بعيدا عن الحكمة والفهم، وكاد أن يضع البلاد مرة أخرى في أتون حرب، لا أحد يعرف متى يمكن الخروج منها، و لكن -الحمد لله- ما زال العقلاء موجودين في داخل البلد، وفي مقدمتهم الرئيس (شيخ شريف شيخ أحمد) وما زال الجهد الكبير من المجتمع الدولي قادرا على الاستجابة لمتطلبات المرحلة الحالية، وعلى هذا الأساس تمت مناقشة هذه الأمور، وتمت قراءة الواقع الذي يمكن أن تفضي إليه، ونحن فعلا في الأيام الماضية أصبحنا أمام وضعية شديدة الخطورة، لأن منطلقات هذه اللجنة يمكن القول إنها افتقدت روح الاتفاقات التي أبرمت من أجل الخروج من النفق المظلم، وإذا كان هناك طرف منتصر وآخر منهزم، فإن الوزر أو المصيبة التي حدثت تحل على ذلك المنهزم المتضرر، وهذه مسألة لم تحدث في الصومال، وعلى هذا الأساس نحن تفادينا أن نتحدث عن جرائم حرب وتفادينا أن نحدد بعض الأطراف السياسية الذين يعتبرون أبطالا في قبائلهم وأفخاذهم أن نضع عليهم علامة استفهام أو علام استبعاد وأن نستهدفهم.

أما فيما يتعلق باستبعاد الإسلاميين فقد كان هذا الشيء أشبه باللعب في النار، لأن وجود الإسلاميين ووجود غير الإسلاميين في السلطة في الصومال هو ضمانة لتتمتع الدولة القادمة بثقة المجتمع.

والدولة التي لا تحظى بثقة الإسلاميين هي دولة في نهاية المطاف لن تتمتع لا بالاستقرار ولا بالأمن، وعلى هذا الأساس فوجود الإسلاميين ووجود غير الإسلاميين له أهمية بالغة فيما يتعلق بالمستقبل والاستقرار والتنمية والأمن والتطور في هذا لبلد، والاسلاميون عموما في الصومال يعرفهم القاصي والداني بأنهم موجودون في كل مفاصل الحياة والمجتمع، وعلى هذا الأساس بينما نختلف ونحاور ونرغب في استبعاد الإسلاميين من الساحة السياسية فكأننا نسعى إلى هدم المجتمع من جديد.

الشاهد: أخيرا، كيف تقيم مجريات الأمور، ونحن الآن على أبواب الانتخابات الرئاسية، وماهي متطلبات المرحلة؟

الأستاذ طاهر محمود جيلي: بصراحة إن الرئيس الصومالي المقبل منوط به عدد من المهام، وأعتقد أن نجاحنا كصوماليين يكمن في انتخاب شخصية سياسية قادرة على أن تلم الجميع حواليها، وسوف تكون تلك المسألة مفصلية، وإذا كانت هناك سياسة معقدة على وجه الأرض فهي السياسة الصومالية، لأن سياسة الصومال، كثيرون لهم تأثير فيها، وهذا التأثير ليس تأثيراً خفيفا، وإنما هو تحصيل حاصل… فهناك دول الجوار وهناك منظمات دولية لها باع طويل في الصومال، وهناك قوى عالمية، بالإضافة إلى أن هناك قوى داخلية، وصعوبات داخلية وأمنية واقتصادية وتنموية، بالإضافة إلى فكرة الدولة نفسها لدى الجيل الذي يمثل الأغلبية في الصومال لم يعاصرها بصورة جيدة، هذه الازدواجية مع كل المتناقضات الموجودة في الصومال…. والمستقبل الصومالي .. والنجاح في الحلحلة يعتمد بشكل شبه كامل على نوعية الرئيس، ومدى تمتعه بالمصداقية الداخلية والخارجية، وإمكانياته بالاعتماد على هذه المصداقية إذا كانت موجودة، أو البحث عنها والوصول إليها في حالة ما إذا كان شخصا غير معروف.