في هذا الزمن الذي يتصارع كل شيء ، حتى أصبح العالم قرية واحدة ، وحتى بات الخبر يصل إلينا بثوان .
مع تطور العلم ، وتكيف الناس ، ومع الازدهار الملحوظ ، ظهرت الكثير من المشاكل التي سببها معاملات بعض الناس ، والتي فيما بعد أصبحت قاعدة حياتيه أو حقيقة لا مفر منها .

من تلك المشاكل أن ينظر إلى الإنسان الطيب ، الذي يخدم الكل برحابة صدر، والذي لا ينتهج الصراخ والغضب طرق حياتيه على أنه ضعيف شخصية ، فمتى ما كان أحدنا حسن المشعر ، بعيدا عن المشاكل ، فإن الآخرين ينظرون إليه بنظرة شفقة ، أو بنظرة عدم المبالاة وعدم الثقة به .

أما العكس ، من كان يكثر الصراخ والصياح ، والغضب لأتفه الأشياء ، فإن الكل يتجنبه ، ويطلب رضائه ، بل ويثني عليه ، وينظر إليه على أنه رجل فاق الرجال ، أو أن له الشخصية القيادية .د

أذكر أن إحدى بنات عمي ، وكونها طالبة طلبت مني أن اكتب لها تلخيص في مادة من المواد ، حينها كنت مشغولا بأمر ما ، ولأني لم أتعود أن أرفض لأي إنسان أمرا أستطيعه ، قبلتُ طلبها ، وأخذت منها تلك المادة ، وفي ظهيرة اليوم الثاني بدأت أنفذ طلبها ، إلا أنني لم أستطع أن أحل كل الأسئلة ، فأرسلت لها الملخص مع بعض الأسئلة غير المحلولة ، وفي اليوم الثاني وعندما حضرت إلى بيتهم ، وجدتها تلومني ، كنت أنتظر منها الشكر ، على الأقل في الكم الهائل من الأسئلة التي وضعت لها أجوبة ، إلا أنها بدأت تصرخ ، وتلوم ، فحاولت أن أمسك غضبي ، ولكنها ما زالت تمارس طقوسها الغريبة ، عندها نظرت إليها نظرة الغضب وقلت لها ” صحيح كلامك ، لستِ من أخطأ ، أنا الذي أخطأت ، ولكن المرة القادمة سيكون خير ” ، ثم ذهبت من عندها .
البعض قد يقول ، لم تحكم على الآخرين من تلك التجربة ، صحيح قد ينظر أحدنا أنها تجربة واحده ، إلا أنني اقتنعت مما أرى حولي أن الإنسان كلما كان طيبا وسمحا في هذا العصر كلما كان مهمشا ، وضعيفا ، ومظلوما ، ومنتقصا قدرة .

حتى في عالم النساء ، تجد الإنسانة التي تنتهج الغضب والصراخ ، ولا تعير الآخرين أي اهتمام تحظى الكثير من الاهتمام ، والقبول ، والاحترام القسري ، وهناك ثانوية للبنات في مدينتي ، تجد المديرة تمتاز بالصراخ ، والنرفزة ، فتجد كل الطالبات يحترمونها ، ليس لأي شيء ، وإنما ليتجنبوا أذيتها ، وعقابها ، ولسانها الحاد ، فبعض الناس لا يعرفون شيء اسمه احترام ، لهذا تنفع معهم تلك الطريقة اللانسانية .

أذكر عندما كنا أطفال كان في حارَّتنا رجل حاد الطباع ، ولكي لا نتلقى منه الكلمة أو الفعل السيئ دائما ما كان الأهل يؤكدون علينا بعدم الاقتراب من مسكنه وكل ما يجاوره ، ولكثير ما تسألت : ما كل هذا التخوف منه ، ولماذا يهتم بأمره ، مع أنه رجل سيء الطباع …؟.

حينها لم أجد أي تفسير ، حتى أنه تولد لدي معتقد أن من يفضل الهجوم على الآخرين هو من يلقى الاهتمام والاحترام ، وهذا ما نراه سلوكا عند بعض الأطفال ، فالطفل المشاكس ، والمشاغب ، يعامل معاملة تختلف عن تلك التي يعامل بها الطفل الهادي ، الحسن المعشر .

قبل أيام كنت أتحدث مع ابن عمي ، وفي حديثنا تطرقنا مسألة خطيرة جدا ، وهي أن بعض النساء لا تحب الرجل الطيب ، الرجل الهادئ ، الرجل الذي لا يرفض لها طلب ، والذي يتودد لها دوما ، وإنما تحب من يهملها تارة ، ويقربها تارة أخرى ، بمعنى أخر ، بعض النساء تعشق من يذلها ، ويحقرها ، ويصرخ بها ، ويلعنها ، ويهملها ، فنظرة بعض النساء على ذلك الصنف من الرجال أنه رجل قيادي ، رجل بمعنى الكلمة .
وهذا ما يؤكده مؤلف كتاب ( رجال سيئو الطباع ) حين يقول واصفا اؤلئك الرجال : ” إن للمحقرين قدرة على بخس قدركِ بصورة ماكرة، وأحيانا بصورة ناعمة حتى إنكِ لا تشعرين بما يطرأ عليك. قد يعمد إلى ما يطلق عليه أسلوب الشد والجذب، بحيث يعمل على إذلالك وإحباطك عندما لا تلبين رغباته، ويثني عليك عندما تلبينها.

لقد كان هتلر مولعا بالتحقير من شأن الآخرين، والذين ينتهجون نهج (هتلر) لن يألوا جهدا في السيطرة عليك ” انتهى كلام المؤلف .

حتى لو نظرنا إلى معتقدات الدول الأخرى نجد في أهل الشام يعتقدون اعتقادات غريبة جدا ، فالشاب أول ما يتزوج ، وقبل ليلة الدخلة ، ينصحه الكل بأن يجلب معه في غرفة العمليات قطة ، وقبل مباشرة العمل يأتي بالقطة ويقطع رأسها أمام العروس ، وهذا الفعل كما يعتقدون يجعل المرأة تهاب زوجها ، وتنظر له أنه رجل ، بل وتطيعه طاعة عمياء .

فالعنف في حياتنا هو السبب الذي يجعل الآخرين ينظرون إليك نظرة الاحترام ، فالعنف اللفظي مفتاح الاحترام ، والعنف الجسدي يوطد علاقتك مع الآخرين ، بل ويجعلهم يهابونك إلى ما شاء الله ، وهذه القاعدة مستخدمة بوفرة في أنظمتنا العربية .

إذا لم تخني الذاكرة كانت هناك مباراة بين نادي تونسي ونادي سوداني ، وقبل أن تنتهي المباراة نزل أحد المشاغبين إلى الملعب ، فكان من الأمن أن يطارده ليخرجه من الملعب ، وأثناء ذلك وقع على عيني أن الأمن كلهم يحملون عصي ، بل ويحاولون استخدامه ، عندها قلت لأخي : انظر ، كيف العنف في حياتنا ، هناك في ملاعب الغرب نجد الأمن لا يحمل أي أداة للعنف وإنما يحلون الأمور بالعقل ، فإن دخل أحد المشاغبين في الملعب ، فإن الأمن يحاول مسكه فقط دون أن يبطشوا به، هنا قال أخي :نحن شعب غجر ، وما تراه وسيلة ناجحة لتفادي العنف .!

فالعنف في حياتنا ، ومن ينكر ذلك فإنه لا يعيش في كوكبنا ، فالاحترام أصبح مرتبط بالعنف ، والرجولة أصبحت مرتبطة بالعنف ، والقيادة أصبحت مرتبطة بالعنف ، حتى صارت حياتنا لا تنتج إلا عنفا في عنف .
لهذا ، إن وجدت نفسك في هذا الكوكب فعش كما يعيشه أهل هذا الكوكب ، ولكن كن وسطيا ، وعادلا ، وأعطي كل إنسان ما يريده ، وما تربى عليه ، فهناك من يؤمن بالاحترام ويحترمك ، وهناك من لا يؤمن بالاحترام بقدر ما يؤمن بالعنف ، فهو لا يهتم بما تدَّعيه ، وبما تؤمن به ، بقدر ما يفهم العنف ، لهذا إن وضعك القدر أمام هؤلاء حاول قدر المستطاع أن تتمالك نفسك ، وتذهب إلى حال سبيلك وأنت تردد : لا تهتم .