[download id=”29″]

تقديم

ظهرت هذه المقالة في جريدة الجارديان اليسارية البريطانية الذائعة الصيت في 12 سبتمبر 2011م، وقد انبهرت من رصانتها، وقوة تحليلها بعمق لحقيقة المشكلة الصومالية بإيجاز جامع مانع، ورأيت في ترجمتها فائدة للقارئ الصومالي، علّها تساعد على فهم كل أبعاد القضية،وأهمها البعد الدولي والإقليمي والعمل على النضال من أجل التغلّب على تجاوز المحنة وتحقيق التطلّعات.

وإذا كان لي أن أعلق على هذه المقالة، فإنني أود أن أقول متفقا مع الكاتبة مادلين، أن الحرب الأمريكية على الإرهاب هي وراء هذه المجاعة الرهيبة التي يعاني منها الصومال الآن، ليس ذلك فحسب، بل إنّ السياسات الأمريكية كانت وراء كلّ مآسي الصومال منذ إعلان الاستقلال حتى اليوم. لقد كانت الولايات المتحدة وراء دفع وزج الصومال في الحرب ضد إثيوبيا، ثمّ وضعه في مأزق افتقاد مصادر السلاح، فنزعه، وأخيرا بفرض العزلة الدولية عليه وتجفيف كل منابع المساعدات الدولية عنه. ولقد كان هذا العامل، إضافة إلى العوامل الداخلية الأخرى، وحرب الاستنزاف الإثيوبية هي التي أدّت إلى انهيار الدولة.

وإثر انهيار النظام فرضت على الصومال سياسة التعتيم الإعلامي واللامبالاة وعدم الاكتراث من المجتمع الدولي بالتزامن مع اشتداد مصادمات المليشيات القبلية، وذلك لإتاحة الفرصة للسياسة المرسومة والتي كان يجري تحقيقها على الأرض لكي تمر. وأخيرا، تدخلت الولايات المتحدة بكل جبروتها وترسانتها العسكرية لتعيد مجد الامبراطورية الجديدة الظافرة، إثر حرب الخليج الأولى، لكنها بسرعة رجعت بخفي حنين مهيضة الجناح. وقررت أن تثأر من المهانة التي تعرضت لها، التي انعكست لدى الرأي العام الأمريكي بتفشي مشاعر الحقد والكراهية تجاه الصومال التي لا تزال أصداؤها تتردد حتّى اليوم، والتي جسدت في فيلم أمريكي شهير عن كارثة سقوط الطائرة في مقديشو وما أعقبه من صور مروعة عن مقتل الجنود الأمريكيين. فما كان منها إلاّ أن أعطت الضوء الأخضر لإثيوبيا لتستبيح حرمة وسيادة الصومال في فرصة تاريخية لتصفية الحساب الأخير معه، فتعيث قواتها المسلّحة فسادا في الأرض في كل أقاليم البلاد دون استثناء لتمويل وتسليح وتدريب وتحريض المليشيات القبلية بعضها ببعض وتخلق الحقائق السياسية على الأرض في كلّ الأقاليم، ولاسيما في صوماليلاند وبونتلاند وجوبا السفلى ومناطق باي وبكول وجيدو، وكانت المخابرات هي التي تدير وتسيطر على دفة القيادة في مقديشو وهرجيسة وبوصاصو. ثم اصطنعت المخابرات المركزية بالتعاون مع المخابرات الغربية والإثيوبية والكينية تحالفا مع أمراء الحرب تحالفا شهيرا أطلق عليه في حينه «تحالف محاربة الإرهاب واستعادة السلام». ولمّا هزم هذا التحالف في يونيو 2006م، وانتصرت حركة اتحاد المحاكم الإسلامية، وتمكنت من هزيمة شرذمة المرتزقة والعملاء، وعادت الوحدة الوطنية إلى البلاد، والأمن والطمأنينة، وخبرت البلاد ستة أشهر من الاستقرار والحرية وازدهار التجارة، ما كان من الولايات المتحدة إلاّ أن قامت مرة أخرى بدفع وتمويل وإدارة ومساندة الغزو الإثيوبي للصومال واحتلاله والاستمرار في سياسة التفتيت والتفكيك والتمزيق والتهجير والنزوح، وأخيرا، بخلق الظروف التي تسبب المجاعات.

وحتّى المصالحة مع الرئيس شيخ شريف شيخ أحمد لم تتم معه إلاّ بعد موافقته علي السير في نفس الخط الذي رسم لأسلافه من أمراء الحرب.

إن السياسة الأمريكية ضد الإرهاب في الصومال التي بدأت في 11/9، هي نفس الخط السياسي الذي كانت تنتهجه منذ 1990 إزاء الصومال، مع فارق بسيط أنّ هذا الشعار يشكل أكبر تضليل إعلامي ودبلوماسي لإقناع الرأي العام الأمريكي والدولي بمواصلة هذا التوجه العدواني، ويمنحها القدرة على حشد أكبر تحالف دولي ضد الصومال.

تحية إجلال، لهذه الكاتبة القديرة التي كتبت من منطلق موضوعي في أمر يحاول الكثيرون التعتيم عليه، وإنزال اللوم على الصوماليين واتهامهم بالعجز.

وقد أثبتت الأيام أن الشعب الصومالي أصلب عودا وأشدّ بأسا مما يعتقد خصومهم، وأنه صمد أمام كل المحن ماكان غيره من الشعوب ليصمد لو تعرض لكل هذه التحديات على مدى عشرين عاما. لقد صمد كالجبل الأشم راسخا لايتزحزح، واثقا من قدرته على تجاوز كل المحن. والنصر آت قريبا، إن شاء الله.

محمد شريف محمود

نص المقالة

وصل مائة وخمسون ألفا من الناس في الأشهر الثلاثة الأخيرة إلى مخيم «داداب» في شمال كينيا، 80% منهم من النساء والأطفال. وقد تحمل أكثرهم 100 كيلومتر للوصول إلى هذا المخيم المكتظ الذي يضم 440000،ويعتبر الآن المدينة الكينية الثالثة الأكثر ضخامة. هذا هو كلّ ما نستطيع مشاهدته من المجاعة في الصومال- الذين تمكنوا من الخروج. أمّا أولئك الذين يعانون في الصومال فإنهم بدرجة كبيرة محجوبون عن وصول كاميرات التليفزيون إليهم، كما أنّ الحظر ينطبق على وكالات الإغاثة. هذه هي الكارثة التي يجد العالم سهلا عليه أن ينساها.

في الأسبوع الماضي، ارتفع العدد المتوقع إلى الرقم المروع 750000 الذين قد يموتون في الصومال قبل نهاية هذا العام، وهذا أكبر من ضعف العدد الذي مات في أوائل 1990 في مجاعة سابقة، كما يرويها في يأس مارك برادبوري، الخبير في الشئون الصومالية في معهد الأخدود العظيم (ريفت فالي). ويضيف قبل عشرين عاما كان الصراع في الصومال أشدّ احتداما، ويطرح سؤالا مهما، لماذا العدد المحتمل للوفيات سيكون أكثر ارتفاعا اليوم؟

بعد المجاعة في إثيوبيا في منتصف 1980م، كانت هناك بيانات متعددة من الوعود بألاّ يتكرر هذا أبدا. ومنذئذ أنفقت الملايين في رصد وإنشاء نظم للتنبؤ. إن هذه المنطقة مهددة بخطر عدم الأمن الغذائي، لكن الدرس الذي تم تعلمه في إثيوبيا منذ ربع القرن الماضي، أنه ليست الكوارث الطبيعية كالقحط هي التي تسبب المجاعات، وإنما العنصر الإنساني هو الذي يؤدي إلى تفاقمها واشتدادها بسبب النزاعات.

إنّ وكالات العون تولول وتلطم صدورها شعورا منها بالذنب والألم. إنه انهيار مأساوي للمسئولية الجماعية للعالم في العمل»، طبقا لرواية أوكسفام. ولكن نظام الإنذار المبكر قد أدّى مهمته. إنه حذر من المجاعة القادمة منذ عام. وعلاوة على ذلك، فإن الاستجابة العامة للاستغاثة كانت سخية- ولاسيما من قبل الحكومة البريطانية- لماذا، إذن، أزمة الغذاء هذه ستكون الأسوأ في تاريخ الصومال؟.

إنّ نسبة الوفيات المتوقعة لم تتصدر النشرات التليفزيونية الأسبوع الماضي. وكانت الأضواء مسلّطة على الذكرى العاشرة لـ 11/9، ولكن ما يتم غض الطرف عنه بصفة دائمة- ماعدا لدى البعض من المراقبين الدائمين للصومال- إنّ مأساة الصومال متصلة اتصالا مباشرا بـ 11/9 والطريقة التي صاغت بها السياسة الخارجية الأمريكية الحرب ضد الإرهاب . وفي الواقع، عندما سيكتب المؤرخون عن العقود الأولى للقرن الواحد والعشرين، سيرون أنّ الصومال بجانب أفغانستان والعراق قد دفعوا ثمنا باهظا من الأرواح البشرية كنتيجة لحرب الولايات المتحدة ضد الإرهاب. لقد تم إزهاق الأرواح في العراق بالقنابل، أمّا في الصومال فقد تم بالتجويع، وكلاهما نتيجة مباشرة للغلو في التطرف الناتج عن العدوان الأمريكي.

إنّ الكارثة الصومالية ناجمة عن الإخلال بمبدإ «الفضاء الإنساني» وهو الحياد، اللازم للتدخل الفعال-الذي أهدرته السياسة الأمريكية منذ 11/9. وهذا هو الفرق الرئيسي عن مجاعة 1990 عندما كانت القبائل المتحاربة تعترف بحيادية المعونة الإنسانية بدلا من النظر إليها كأداة للسياسات الإستراتيجية الغربية. أمّا اليوم فإنّ الشرذمة الإسلامية المتشددة الهامشية من مليشيا الشباب، التي تسيطر على أجزاء كثيرة من الصومال لا تسمح لوكالات المساعدات الغربية بالوصول إليها. لقد فرض على برنامج الغذاء العالمي الانسحاب في عام 2009، وقطعت المساعدات الغذائية عن الآلآف الذين كانوا يعتمدون عليها لسد رمق الحياة. ولقد دفع موت عمال الإغاثة معظم وكالات المعونات الغربية الامتناع عن العمل في البلاد. وكانت النتيجة أنه ليس هناك من يستطيع إدارة هذه المهمة اللوجستية الضخمة المتطلبة لتوفير الغذاء الذي يحتاج إليه الناس.

إنّ نفور «الشباب» من المعونة الغربية معروف لدى وسائل الإعلام التي تتناول موضوع المجاعة، الذي يتم تقديمه في إطار الصورة النمطية للعنف الوحشي الأحمق في النزاعات الإفريقية المجهولة. ولكن ما يتم إغفاله عادة هو، لماذا تعادي حركة الشباب الغربيين؟- الاستثناء الوحيد الجدير بالاحترام هو الصحفي الأمريكي جيريمي سكاهيل الذي اكتشف مراكز وكالات الاستخبارات المركزية في مقديشو. وتتابع تقاريره جذور شكوك حركة الشباب في خبرات عقد من المراوغات والمناورا ت الأمريكية. لقد كان الصومال في المشهد الجانبي للحرب على الإرهاب. وأنا أختار هذا التعبير عمدا. أنظر إلى كمبوديا وقصفها من قبل الولايات المتحدة أثناء الحرب ضد الإرهاب أثناء الحرب الفيتنامية.

منذ البدء، زج بالصومال في الحرب ضد الإرهاب، كلاعب سيئ الحظ يقوم بدور صغير في مسرحية كونية أكبر. إنّ وجود عدد ضئيل من الأشخاص ذوي ارتباطات مع القاعدة كانت كافية لاستثارة قلق الولايات المتحدة بأن البلاد قد تكون ملاذا آمنا لأعضاء القاعدة الذين قد يفرّون من أفغانستان. وفورا بعد أحداث 11/9 جمدت الولايات المتحدة أصول وممتلكات أكبر وكالة تحويلات مالية للصومال «البركات» التي كانت دعامة الاقتصاد. وخسر الكثيرون في هذه العملية أموالهم. وكان الإجراء الآخر المناوئ للإرهاب هو تجريم المنظمات (الخيرية)التي قد تكون مساعداتهم تصل إلى أولئك الذين قد يكون لهم ارتباطات بالإرهاب. وهذا ما جعل مفاوضات وكالات المعونة مع الشباب في المناطق الخاضعة لسيطرتها صعبة جدّا.

وفي غضون ذلك، قامت الولايات المتحدة- بمرافقة الصحفيين- بغزو أفغانستان والعراق، الأمر الذي استحوذ على اهتمام العالم. أمّا العمليات السرية التي كانت تدار من القاعدة الأمريكية في جيبوتي فقد كانت جارية على قدم وساق في الصومال المضطرب. وفي حالات متعددة أخذ أمراء الحرب المحليون والحكومات في المنطقة تبالغ مستغلّة مخاوف الولايات المتحدة من القاعدة لخدمة مصالحها. وقامت الولايات المتحدة في الصومال باغتيال وتسليم واستجواب والقصف بالطائرات، أولئك الذين كانت تتصور أنهم أعداءها، بينما كانت تمول أولئك الذين كانت تعتبرهم حلفاءها في حربهم لها بالوكالة. وتحول الأعداء إلي حلفاء والعكس صحيح في دوامة معقدة. إنّ الرئيس الحالي المسنود من الغرب، هو عدو سابق الذي طرد بالغزو الإثيوبي المؤيد من قبل الولايات المتحدة في 2006.

إنّ أسباب صعود حركة الشباب تعود إلى سوء التقدير الكارثي من قبل الولايات المتحدة (بتأييد من الإتحاد الأوربي) لمساندة الاحتلال الإثيوبي للصومال بالضربات الجوية وإقصاء اتحاد المحاكم الإسلامية المعتدل نسبيا، رغم أنّه كان الوحيد الذي حقق درجة من الاستقرار خلال العشرين عاما الماضية. إنّ العداء التاريخي المستحكم بين الصومال وإثيوبيا سنح للشباب الفرصة لاستثمار الغضب الشعبي الواسع الانتشار لكسب النفوذ.

ويعلق سكاهيل في انزعاج «بعد عقدين من سياسة أمريكية كارثية، انتهت في نهاية المطاف بتقوية نفس التهديد الذي كانت رسميا تريد سحقه». ويضيف ما يحبط أكثر، أنّ أوباما بدلا من أن يضع حدّا للحرب على الإرهاب، قد كثف من توسيع نطاق انتشارها وترخيص و»تطبيع» عمليات العنف حيثما ترى الولايات المتحدة مناسبا التي ترتب عواقب وخيمة لعدم الاستقرار.

ولكن ليست هناك وكالة إغاثة تريد تعقيد الأمر بالتدخل في السياسة، وأنّ وكالة مثل أوكسفام تفضل التركيز على ذكر أنّ هذا هو أسوأ قحط منذ 60 عاما بدلا من الدخول في جدل شائك بنقد الولايات المتحدة وبريطانيا. وتحصل أوكسفام على مبالغ طائلة من مساعدات المملكة المتحدة مقابل عملياتها في القرن الإفريقي. ومنظمة أطباء بلا حدود فقط هي التي انتقدت علنا سياسة الولايات المتحدة التي أثارت اقتناع الشباب بأن هذه المساعدات وسيلة لتحقيق سياسات غربية، وقد استخدمت لهذا الغرض في أفغانستان والعراق.

إنّ تعريف المشهد الجانبي للحرب هو ليس ذلك الذي يكون في بؤرة اهتمام صانعي السياسات أو أولئك الذين قد يضعونهم في موضع المساءلة في وسائل الإعلام. وبهذا النوع من الإهمال، تضلّ السياسات، التي تصنع عادة على عجل وبقدر ضئيل من الوعي الاستراتيجي أو التحليل العميق. إنّ سياسة الولايات المتحدة لم تكن ضارَة ضررا بالغا فحسب، بل كانت غير مسئولة جدّا. وكنتيجة لذلك، فإنّ المشهد الجانبي- كما اكتشفت كمبوديا بصعود الخمير الحمر ونتائجه الكارثية- يمكن أن يكون أكثر وحشية من الجبهات الرئيسية للحرب. والمأساة هي ما تعانيه الصومال.

مادلين بانتنج
جريدة الجارديان البريطانية 21 /9/ 11