المدرسة هي النقطة الأساسية لترسيخ نور الإسلام وتحفيظ الطالب القرآن الكريم بأكمله، وخلاوي تحفيظ القرآن الكريم في الصومال تسمي “الدكسي” ويعني المكان الآمن والدافئ الذي يحتمي به الإنسان.

وتعد هذه الخلاوي أهـمّ أكاديمية يتعلم فيها الأطفال الصوماليون منذ زمن بعيد، وهناك نظام وآداب توارثها الصوماليون جيلاً بعد جيل والفضل في ذلك يرجع إلي علماء الصوفية الذين كانوا يأخذون بأيدي طلبتهم إلى الأمام، ويربطون بين أبناء الشعب الواحد برابط الحلقة والعلم والقرآن.

ومن التكافل الاجتماعي الملحوظ في المدارس القرأنية في الصومال:

– الدعاء للوالدين إذا كان من المتوفين، وذلك بقراءة سورة الإخلاص 11 مرة.
– قراءة المدائح النبوية وإنشاد القصائد المولدية للرسول صلي الله عليه وسلم.
– زيارة المريض وقراءة الفاتحة ويس عليه طلباً للشفاء.
– بعض كبار الطلبة يساعدون معلمهم في الجمعة ويتولون حرث مزرعته أو حفر بئره.
– إذا كانت هناك ضالة منشودة يقرؤون الفاتحة ليردها الله لصاحبها.
– الدعاء للمعلم بالمأثورات المعروفة مثل (اللهم اجبر معلمنا ومعلمه ….)

ومن مظاهر التكافل الاجتماعي في الخلاوي القرآنية الصوفية في الصومال أن هناك وليمتان (وليمة صغري ووليمة كبرى، الوليمة الصغري فهي شاة يذبحها الوالد للمعلم على أن يشارك الجيران في الأكل، وذلك إذا وصل الطالب إلى آية (فصب عليهم ربك سوط عذاب) من سورة الفجر.

وأما الوليمة الكبري فهي عند آية (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (وتسمي وليمة التخرج (كسر القلم) حيث الطالب يكسر قلمه الخشبي الجديد مع تبادل الأدعية والتهاني

وفيما يتعلّق بدور الشيخ الصوفي في نشر العلم، فقد كانت هناك حلقات علمية كانت – ولاتزال- تدرس في المساجد والصوامع والمدارس الصومالية وكانت بمنزلة المعاهد والجامعات، حيث كان الشيخ الصوفي يتولي التدريس فيها لطلبة العلم، وكان طلبة العلم يأتون من كل حدب وصوب، من شتى المناطق الصومالية من دون وجود حدود جغرافية بينها.

كانوا يتلقون جميع الفنون العلمية الدينية من دون أجرة أو مقابل، وكانت جميع الطبقات الصومالية تحترم هذا الطالب الشرعي وتنظر إليه بعين الرحمة لأنه مستقبلها، وكان بعض التجار يتصدقون على طلية العلم وينفقون عليهم ومدينة (بارطيري) الصومالية هي أقرب الأمثلة لذلك.

وهناك مناطق اشتهرت بالتعليم الديني، فمثلا مدينة (عيل طير) تمثّل مركزا أساساً لنشر مفاهيم الدين بين أوساط المجتمع الصومالي، وكان يعكف فيها جحافل من العلماء المرموقيين في الفنون الإسلامية ممن لهم باع طويل في الفقه والنحو والتفسير والصرف وغيره من الفنون الإسلامية .

وقد تخرج في هذا المنبع جمع من العلماء المشهورين في نشر ونصرة الدين الإسلامي منهم العالم (الشيخ عثمان حدك) العالم الصومالي البارز والداعية الكبير، ورئيس لجنة الإفتاء والبحوث العلمية في المجلس الأعلى لعلماء أهل السنة والجماعة، ومازال علمها حتي الآن، وأثناء احتدام الحروب الأهلية كان لا يزال باب المدينة مفتوحاً أمام طلبة العلم .

وإذا رجعنا إلى الوراء فمن المعلوم أنّ الطالب الصومالي كان في أمسّ الحاجة إلى فهم الإسلام في غابر الأزمان، ومن هنا اخترع بعض جهابذة الصوفية طريقة تسهّل على الطالب الصومالي فهم القرآن وقراءته، ورحم الله شيخنا الفاضل يوسف الكونين الذي اخترع الأبجدية الصومالية وتهجّي الأحرف العربية، وهي طريقة (ألف لكرطبي)، فحل بذلك مشكلة كان من حقها أن تستدعي تدخل خبراء في اللغة وعلم الأصوات.

وبالنسبة إلى المصالحة الصومالية وجهود إعادة الاستقرار إلى البلد الذي كثر فيه التنازع القبلي، والتناحر العصبي، وتتعاقب فيه نوافذ ثقافة الجهل والثأر، لعب علماء الطرق الصوفية الصومالية دورهم المناسب في رأب الصدع ونبذ الخلاف والعنف، وتطبيق منهج المصالحة وطيّ صفحة الحقد والشنآن. ومن مظاهر ذلك أنّ الحلقات العلمية كانت ولا تزال تجمع بين طلاب العلم من مختلف القبائل ولا تفاضل بينهم على الإطلاق، لسانهم لسان رجل واحد والأيدلوجية التي توحدهم ما هي إلا نصرة للدين، تأصلت فيهم معاني الأخوة الإسلامية، فهم متحابون في الله، فتري طالبا ينتسب الي القبيلة الفلانية يراجع الدروس الدينية جنباً إلى جنب مع آخر ينتمي إلي قبيلة أخرى ربما توجد بين عشيرتيهما أحقاد ونزاعات سياسية.

وانطلاقاً من هذه التجربة فإنّ ملفّ الأزمة الصومالية في رأيي يجب إحالته إلى أرباب الصوفية، لاسيما أنّني ألاحظ بصيص أمل لقبول عام للطريقة الصوفية وتبنيها، بعد أن أثبتت المذاهب والحركات الأخرى في الصومال إخفاقاتها، والمفرح أن منهج الصوفية بدأ تطبيقه في بعض المناطق الوسطى.