إن الحديث عن المسائل الفقهيّة والوقوف على أسرارها، والتنقيب في ألفاظها ودلالاتها واستنشاق معانيها المقاصديّة وإنزالها على ميدان التطبيق العمليّ عبر العصور لأمرٌ في غايةٍ من الأهميّة؛ لذا جعله الفقهاء على عواتقهم، فكان ذلك شرفاً لهم، ولم يألوا جُهداً في رصد الأحكام والنوازل وتكييف وقائعها والحكم عليها بمقتضى النصوص والقواعد والكليّات العامة في الشريعة الإسلامية، و مع ذلك فقد تعددت المناهج المتبعة في عمليّة الاستدلال والاستنباط، والنظر في معاني الأدلّة مما يدل دلالة واضحةً على أن اختلاف الفقهاء- رحمهم الله تعالى- كان راجعا إلى الاختلاف في مناهجهم، وأن تلك المناهج تنقسم إلى قسمين رئيسين في الجملة هما: أولا: المنهج الذي يعتمد على ظاهر النص في لفظه ودلالته ومنطوقه فقط، ويُمثل هذا المنهج الإمام داود الظاهري. ثانيّاً: المنهج الذي يعتمد على علّة النص وحكمته والتنقيب في معاني الأدلة ونصوصها واستحضار مقاصدها والنظر في مآلات الأفعال، ويمثل هذا المنهج الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، وهذا هو المذهب الذي صار عليه أغلب الفُقهاء في عصرنا هذا في استنباط الأحكام ورصد النوازل الفقهيّة، ولعلّ د. محمد مُصطفى الشلبي هو أفضل من طرق هذا الباب في عصرنا الحاضر في رسالته الدكتوراه في الأزهر الشريف- تعليل الأحكام- في أواسط القرن الماضي على الأقل في باب العلل والتي تُعتبر أقوى وأعمق ما وصل إلينا في هذا الباب حتى يومنا هذا.

ثم إن قاعدة “لااجتهاد مع النص” لا تعني بأيّ حال من الأحوال عدم التعرض للنصوص جُملةً وتفصيلاً، لاسيما إذا كان ذلك النص المراد منه في مسألة ما غير واضح المعنى والدلالة تماماً، وربما يُصادم ذلك النص أحياناً مع نصوصٍ أخرى قد تكون أقوى دلالةً منه، وقد يتعارض معها تعارضا يزيد الإشكال في فهمه مما يتطلب التدخل السريع من قبل المختصين به لتوضيح الأمر، ولو كانت قاعدة “لااجتهاد مع النص” مُطردة في كل صغيرة وكبيرة لما استخرج الفقهاء لنا كثيرا من الدرر الفقهيّة بعد أن أجرو عمليّات قيصريّة بالنصوص مُستخدمين في تحقيق ذلك صلاحي العلل والمقاصد، وخاضوا حروبا لاهوادة فيها مع مناطات وحيثيات دلائل الأدلة وأحكامها.

وفي زمننا الحاضر يثور جدل كبير في أوساط طُلاب المعرفة وعلى مختلف تخصصاتهم ومشاربهم في جملة غير قليلة من المسائل ذات الطابع الاجتهادي المنشود، وهو ما يُعرف عند عُلماء الأصول ب” لاإنكار في مسائل الخلاف” واستمرّ ذلك الجدل على الرغم من أن قلوب فقهائنا كانت واسعة لبعضهم البعض غير أن الواقع أصبح على العكس تماماً فما كان سائغا عند فقهائنا لم يعد اليوم سائغا وأصبح هذا من كبريات الكبائر هذا في أحسن الأحوال وأقلّ التقدير، وهو ما يمكن أن يُتفادى منه إذا نضجت العقول ورسخت الأفهام، وفهمت علل النصوص ورُبطت دلائل الأحكام بمآلات الأفعال، وإلا كيف نُفسر تناول فقهائنا اليوم بمسائل لم يُسبقوا إليها، كمسألة طفل الأنابيب، وبنوك الحليب، واستئجار الرحم، وزراعة الأعضاء، والتداولات اليوميّة في البورصات الماليّة المحليّة والدوليّة وغير ذلك من المسائل ذات الطابع الاجتهادي المنشود، ولعلهم لم يُدركوا أن الله قد وزع العُقول كما وزع الأرزاق بعد أن تم تجاوز مرحلة الإقصائية الفقهية إلى مرحلة كونية الفقه!! كما لم يعد الفقه حكرا على مجموعة معيّنة من الناس جعلت نفسها حارسة الفقه عبر ترديد مُصطلحات ذات صبغة بوليسيّة معروفة سلفاً!! ( الكاتب يُشير إلى الصومال وما جاورها).

هذا ومن المسائل الاجتهادية التي كثر حولها الجدل بين أوساط طلاب المعرفة عموماً” مسألة مُصافحة المرأة الأجنبية” فأنقسم الناس حول تلك المسألة إلى قسمين رئيسين لاثالث لهما في الجملة مما استصحب بدوره إلى خلاف فكري عميق بين الطرفين حتى يومنا هذا، وانطلاقا من هذا كان ولابُد من توضيح المسألة مع إيراد أقوال الفقهاء وبكل إنصاف دون أيّ تحيّز لأيّ من الأقوال.

أوّلا: مُصافحة العجوز والصغيرة ذهب إلى جواز مُصافحة العجوز التي لا تُشتهى ولاتَشتهي كل من الحنفيّة والشافعيّة والحنابلة إلا أن الشافعيّة قيدوا ذلك بوجود حائل،(1) واستدلوا فيما ذهبوا إليه أن عبد الله بن زبير استأجر عجوزا لتمرضه وكانت تغمز رجله وتغلي رأسه،(2) فإذا جاز غمز الرجل بلمسها وتدليكها وتفلية الرأس، فالمصافحة جائزة من باب أولى ولأن حرمة المُصافحة لخوف الفتنة، فإذا كانت المُصافحة ممن لا يشتهي ولا يُشتهى فهي جائزة؛ لأن الفتنة هنا معدومة،(3) والمتقرر لدى الأصوليين ” أن العلّة تدور مع الحكم وجودا وعدما” كما يُستأنس في ذلك قول الله تبارك وتعالى ” والقواعد من النساء اللّاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهنّ جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وان يستعففن خيرٌ لهنّ والله سميعٌ عليم”(4) أما مُصافحة الصغيرة التي لا تُشهتى. فقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكيّة والشافعيّة، والحنابلة إلى جواز مُصافحة الصغيرة بشرط عدم وجود الشهوة، وحددوا ذلك لمن كانت دون سبع سنوات لعدم وجود الفتنة لأمثالها.(5)

ثانيّاً: مُصافحة المرأة الشابة الأجنبيّة– وهُو المقصود من المقال. لقد اختلف الفقهاء في ذلك إلى ثلاثة أقوال في الجملة.

القول الأول: حرمة مُصافحة المرأة الأجنبيّة ولو بحائل وهو قول المالكيّة والحنابلة وبعض الحنفيّة(6) والقرطبي( المفسر) والأ لوسي وابن الجوزي وابن عطيّة، والشيخ عبد العزيز ابن باز، وابن عثيمين، والصابوني (المُفسر)، وأبو بكر الجزائري، والشيخ عبد الله ابن جبر ين،(7) واستدلّوا فيما ذهبوا إليه بحديث” إني لاأصافح النساء، وحديث عائشة” والله ما مست يد رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- يد امرأة قط، وما بايعهنّ إلا بقوله، وحديث” لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس يد امرأة لا تحل له”.(8)

وجه الدلالة من تلك الأحاديث أنّها تدل على حرمة مُصافحة المرأة الأجنبيّة مُطلقا؛ً لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يفعلها، وقد أمرنا بإتباع الرسول والتأسي بهديه صلّى الله عليه وسلّم والمُخالف عن أمره مُتوعد بالعقاب قال تعالى: “فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تُصيبهم فتنة أو يُصيبهم عذاب أليم” النور”63″

ونوقش أصحاب هذا القول بعد التسليم فيما ذهبوا إليه أن قوله صلّى الله عليه وسلّم ” إني لا أصافح النساء” لا يدلّ على حرمة المُصافحة؛ لأنه من المقرر أن ترك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأمر من الأمور لايدل بالضرورة على تحريمه، فقد يتركه لأنه حرامٌ، وقد يتركه لأنه مكروه، وقد يتركه لأنه خلاف الأولى، وقد يتركه لمجرد أنه لا يميل إليه كتركه أكل الضب مع أنه مُباح، والقاعدة الأصوليّة تقول” إن مادخله الاحتمال سقط به الاستدلال، وهذا وحده كافٍ في بطلان الاستدلال به، وأن النهي الذي يدل على التحريم لابد وأن يأتي على واحد من ثلاث صيغ، النهي كقوله تعالى” ولا تقربوا الزنا”، ولفظ التحريم كقوله تعالى” حرمت عليكم الميتة”، أو ذم الفعل أو التوعد عليه بالعقاب نحو قوله صلّى الله عليه وسلّم ” من غش فليس منّا”، والترك ليس واحدا من هذه الثلاثة، فلا يقتضي التحريم، وحمل اللمس على المُصافحة غير مسلم لكم ” كما في حديث لأن يطعن أحدكم” السالف الذكر” لأنه يحتمل معاني كثيرة جدّا ومتنوعة.

القول الثاني: جواز مُصافحة المرأة الأجنبيّة عند توفر شرطين هما: أن يكون بينهما حائلٌ، وأن تؤمن الفتنة وهو قول الشافعيّة ،(9) واستدلوا فيما ذهبوا إليه بالأحاديث التاليّة وهي أحاديث ضعيفة بالنظر إلى آحادها ولكنها يقوي بعضها بعضاً فتكون الحسن لغيره وتصلح للاحتجاج بها، – من تلك الأحاديث، حديث “أن النبي – صلّى الله عليه وسلم كان إذا بايع لا يُصافح النساء إلا وعلى يده ثوب”، وحديث ” أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُصافح النساء من تحت الثوب”، وحديث” بايع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم النساء وفي يده ثوب قد وضعه على كفه”، وحديث عن طارق التميمي قال: جئتُ لرسول الله وهو قاعد في الشمس، وعليه ثوب أصفر قد قنع به رأسه فلما قام انتهى إلى بعض الحجر، فإذا ست نسوة، فسلّم عليهنّ، فبايعهنّ وعلى يده ثوب أصفر.(10)

ونوقش أصحاب هذا القول بأن أحاديثهم ضعيفة جدّا إضافة إلى أنها تعارض الأحاديث الأخرى المروية عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

وأجابوا عن هذه المناقشة من أن تلك الأحاديث وإن كانت ضعيفة بالنظر إلى آحادها إلا أنها يقوي بعضها بعضاً، وتصلح للاحتجاج بها ولهذا نجد أن حافظ ابن حجر سكت عنها، وأن المقصود بالمصافحة هنا هي المصافحة من وراء حائل.

القول الثالث. تحريم مُصافحة الشابة الأجنبيّة إلا إذا تحققت الشروط التاليّة، أن تؤمن الفتنة، وعدم وجود الشهوة، ووجود الحاجة،(11) ولقاعدة: ” أن ما حُرم سدّاً للذريعة يجوز للمصلحة الراجحة” وقد ذهب إلى هذا الرأي كل ٌ من العلامة د.يوسف القرضاوي، والشيخ عبد العليم محمد أبو سقة، ووافقه الشيخ محمد الغزاليّ( المُعاصر)، واستدلوا فيما ذهبوا إليه بالأدلة التاليّة حديث” كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تنطلق به حيث شاءت”(12) وحديث ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأطعمته فجعلت تفلي رأسه، فنام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثم استيقظ….. إلخ”(13) وحديث” عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلّم إلى قوم باليمن، فجئتُ وهو بالبطحاء، فقال: بم أهللت؟ قلتُ: أهللتُ كإهلال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: هل معك من هدي؟ قلتُ: لا، فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أمرني فأحللتُ فأتيتُ امرأة من قومي فمشطتني أو غسلت رأسي …” إلخ(14).

وجه الدلالة من هذه الأحاديث: تدل هذه الأحاديث بمجموعها على جواز لمس المرأة للحاجة مع أمن الفتنة ولوكان ذلك حراما لما فعله الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وإذا جازت الملامسة جازت المصافحة.

ونوقش أصحاب هذا القول من أن المقصود بالأخذ باليد هو الرفق والانقياد فقط ، وهو دليل لتواضعه صلّى الله عليه وسلّم، وأما أم حرام فقد كانت محرما للرسول صلّى الله عليه وسلّم ولهذا جاز لها أن تمس رأس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

وقد أجابوا عن هذه المُناقشة فقالوا: تفسيركم بالأخذ باليد الرفق والانقياد هو صرف اللفظ عن ظاهره، والأصل في الكلام أن يُحمل على ظاهره إلا أن يوجد دليلٌ أوقرينة تُصرفه عن ظاهره وهو مما لايوجد هنا، وأما إدعاؤكم بأن أم حرام كانت محرما للرسول صلّى الله عليه وسلم فهو لم يثبت بطريق صحيح يمكن الاعتماد عليه في هذه المسألة لان أمهاته من النسب اللّواتي أرضعنه معروفة للجميع وليس فيهنّ أم حرام.(15)

الحواشي.

(1) الإقناع للخطيب الشربيني،2/122،والإنصاف للمرداوي2،/32، والفروع لإبن مفلح،5/158، وبدائع الصنائع للكاساني،5/123، وحاشية ابن عابدين،6/368، وتبيين الحقائق للزيلعي6/18.

(2) نصب الرّاية للزيلعي،4/240.

(3) البحر الرائق8/219.

(4) النور الآية،6.

(5) المفصّل في أحكام المرأة د. عبد الكريم الزيدان،3/242، نتائج الأفكار للقاضي زاده،10/29، حاشية ابن عابدين6/368، منار السبيل لإبن ضويان2/141، كشاف القناع للبهوتي،2/154، مغني المحتاج للشربيني،2/135، حاشية الخرشي على مختصر خليل2/131.

(6) المبسوط للسرخسي،10/154، البحر الرئق لإبن نجيم8/219، والفروع لإبن مفلح،5/158، والإنصاف للمرداوي،8/32، والتمهيد لإبن عبد البرّ12/243، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدسوقي،1/215.

(7) تفسير ابن عطيّة 14/417، زاد المسير في علم التفسير8/245، والجامع لأحكام القرآن،18/71، وروح المعاني للألوسي،14/81، فتاوي ابن باز،1/185، رائع البيان تفسير آيات الاحكام،2/566، وأيسر التفاسير،5334.

(8) أنظر مالك في المؤطأ حديث2751، وابن ماحه حديث2874، والبخاري حديث رقم،2713،و5288، وأبوداود حديث رقم2941،والطبراني في المعجم الكبيرحديث رقم،486.

(9) الإقناع للشربيني2/122، ونهاية المحتاج للرملي6/191.

(10)أخرجه ابن عبد البر في التمهيد،12/244، والطبرني في الأوسط حديث رقم2876، وابن سعد في الطبقات8/6-7،و لكن هذه الأحاديث ضعيفة جدّا.

(11) فتاوي المرأة المسلمة د. يوسف القرضاوي، ص99-100

، وكتاب تحرير المرأة في عصر الرسالة للشيخ عبد الحليم أبوشقة2/93.

(12)صحيح البخاري حديث رقم 6072.

(13) صحيح مسلم حديث رقم4911،و البخاري رقم2788.

(14) أخرجه البخاري حديث رقم 1559.

(15) أنظر فتاوى المرأة المسلمة. د. يوسف القرضاوي،ص195،وأنظرفتح الباري لابن حجر11/80-81.