كانت الأجواء مستقرة ، وكانت نفوس العوام مطمئنة ، وكانت قلوبهم مرتبطة بمربيها ، ولم يكن من دأب العلماء ولا من شِيم العوام التشاجُر والتنازعُ في قضايا العقيدة ، ولم تحل كلمة اين الله ونظائرها (من المسائل الساخنة في العقيدة حاليا) حيز وجود في قاموس الصوماليين عواما وعلماء ، وظلّت دواعي فتن مسائل التوحيد والتدابر تتجنب عن مجالس النحارير ، ولم تكن هفوات العلماء تطال علي عمق مسائل معضلة في العقيدة صوناً للقلوب الضعيفة ولم يتعوّد المجتمع ثقافات الصراع العقائديّ كما لم يتعوّد من سماع مسائل من شأنها أن تفتح التشويش في المجتمع وتمدّ حبل التباغض وتفرّح العدوّ الدّاني والقاصي.

وحسبنا أن نقرأ أحداث البلد الصوماليّ لنُدرك ونَستوعب بداية تاريخ هذه الحركات الإسلامية إلى نهاية وخلاصة إنجازاتهم في ميادين السيّاسة والدّعوة وغيرها ، وهذه هي المهمة الفكرية التي تتطلع من خلال قلب صفحات مقالاتي حول الفكر الوهابيّ المُرمض في المجتمع الصوماليّ ويمكنني أن أقول بحق : إن هذه المهمة قد أصبحت أكبر ميزة خاصة لمقالاتي ، وهي تعمل على إبراز الحقائق المدسوسة في الحقل الوهابي في الصومال ، باحثا عن إبرز المواطن في كفاحهم المرير ، ويكون المقال من باب (وشهد شاهد من أهلها) والمقام ليس مقام تهنئة لأهنئ أبناء الصحوة بما أنجزوه على ظهر الأرض من الفوضى الحلّاقة بكل ما تحملالكلمة من معنى لأكون منافقا يُبدي خلاف ما يُكنّ قلبه ووعيه الاجتماعيّ بل المقام هو مقام عزاء وتعزية، ولن أتوانَى عن ذكر الحقيقة وتشخيص الدَّاء ليعرف الشعب المريض نوع مرضه والتاريخ الذي أصيب بهذا الداء؛ لأنه من المعروف في دوائر الاقتصاد أن الاحتكار إذا تحقق لمركز إنتاجي في سوق معينة فإن من المتوقع أن يبدأ المنتج في إفساد السلعة ، بتقليل جودتها اعتيادا على الاحتكار المتاح له وطمعا في ربح أوفر.

طبيعة الطرق الصوفية :

شعارهم هو {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون }

لم تشكل الطرق الصوفية يوما أي تكتل حركيّ سبّب في تفريق كلمة المجتمع الصومال ، ولم يوجّه طاقات الشباب نحو التباغض والتدابر والقطيعة المؤلمة ، والتحزب ، لكن الطرق الصوفية أدلت دلوها في الدّلاء بأساليب حكيمة ومن أجل رعاية مصلحة الأمة والبلاد ، ولم يرو الرواة يوما أنه حدث تفجير أو تكفير أحد من المجتمع الصومالي ، ولم يكن الشعب يوما ضحيا بسبب فتوى أصدره شيخ صوفيّ يعيق أمن المجتمع وتطوره .

من الدروس التي تعلم المجتمع الصومالي من الإسلاميين فن تجزئة الجزء الكبير إلى أجزاء وفن تضعيف حركة المذبوح وفن تفكيك الأسرة الواحدة ، ومن هنا نجد أن موضع الاقتداء بالجيل الأول رعيل الصوفية – أوسع بكثير مما قد يبدو عند الوهلة الأولى ، وأن قضايا كثيرة يلزمنا أن نرجع فيها إلى تلك الفترة ، نتدبرها ببصيرة مفتوحة ، ونستلهم منها طريقنا في الدعوة ، ونتطلع إلى فضل الله أن يلهمنا فيها الصواب.

لا شك أن شعار الطرق الصوفية في الصومال يلوّح ويناشد الألفة واجتماع القلوب ، والتئام الصفوف ، والبعد عن الاختلاف والفرقة ، وكل ما يمزّق الجماعة أو يفرّق الكلمة ، من العداوة الظاهرة ، أو البغضاء الباطنة ، ويؤدّي إلى فساد ذات البين ، مما يُوهن دين الأمة ودنياها جميعا. فلا يوجد دين دعا إلى الأخوة التي تتجسد في الاتحاد والتعاون ، والتضامن ، ويَشهد الواقع صدق هذا الشعار؛ حيث تكاتف المجتمع الصومالي تحت راية الصوفية ، وساد التآلف والتساند ، وصفهم القائل فيهم ، فقال :

هيْنُون ليْنُون أيسَارٌ بنو يَسَرٍ … سُوَّاسُ مَكرُمَةِ أبناءُ أيسَارِ

لا يَنطقُون بغيرِ الحقِّ إن نطقُوا … ولا يُمَاروُنَ إن مارَوُا بإكثَارِ

مَن تَلق مِنهُم تَقُل هذاك سَيِّدهُم … مِثلُ النُّجُومِ التي يُهدَى بها السَّارِ

مذهب الصوفية مبني على التسليم والصدق والتصديق ، مجلسهم مجلس حلم وعلم وسكينة ووقار ، إن تكلم كبيرهم أنصتوا فالأدب الذي ربّيناه صغاراً عند الصوفية كان ركناً عظيماً ، بل هو رُوح التصوف ، وقطب دائرته الصوفية على مجاهدة نفوسهم في مخالفة الهوى ؛ لئلا تميل بهم إلى شيء من السِّوى ، وتحرروا من رقّ الطمع ، وتوجهوا بمهمتهم إلى الحق وحده في صفة مشي الصوفية : أنهم يدبّون على أقدامهم دبيب النمل ، متواضعين خاشعين ، ليس فيه إسراع مُخل بالمروءة ، ولا اختيال مُخل بالتواضع أنهم هيّنون ليّنون كلَّفة حرير ، لا ينطقون إلا بالكلام الحسن ، ولا يفعلون إلا ما هو حسن ، ويفرحون ولا يحزنون وينبسطون ولا ينقبضون . من رأوه مقبوضًا بسطوه ، ومن رأوه حزينًا فرّحوه ، ومن رأوه جاهلاً أرشدوه بالتي هي أحسن . وهم متفاوتون في هذا الأمر ، مفضل بعضهم على بعض في الأخلاق والولاية ، فكل من زاد في الأخلاق الحسنة زاد تفضيله عند الله .

بصراحة لا أخفي :