لقد كتبتُ في الحلقة الماضية أمرين مهمين من أثر المسلم المغترب في محيطه، وها أنا اليوم ألحق بهما ثلاثة أخرى .

ثالثها : تحريم الغدر والخيانة

ومن فروض الأعيان على كل مسلم ومسلمة، الوفاء بالعهد، إذا عاهد مؤمنا أو كافرا، كما يجب عليه أداء الأمانة كاملة غير ناقصة إذا استأمنه أحد كائنا من كان، كما قال تعالى وهو يذكر صفات المؤمنين المفلحين يوم الدين ‘‘ الذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون” والآية عامة لم تخصص بعمومها، بل تظاهر القرآن على هذا العموم، قال تعالى:” يائها الذين أمنوا أوفوا بالعقود” “وذلك إذا واثقه على أمر وعاهده عليه عهدا بالوفاء له بما عاقده عليه، من أمان، وذمة، أو نصرة، أو نكاح، أو بيع، أو شركة، أو غير ذلك من العقود”

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أعد الخيانة من الأمانة، والغدر بالعهد من صفات المنافقين، وما كان من صفات المنافقين لا يجوز للمسلم أن يتصف به ومن هنا قال الرسول صلى الله وسلم:” لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له” أخرجه أحمد حسن.

وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود، وابن عمر، وأنس رضي الله عنه؛ قالوا: قال النبي صلى الله عليه وسلم:” لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان” متفق عليه.

وصاحب الغدرة يفضحه الرب أمام الأشهاد يوم القيامة، بل يمثله أمام محكمته حين توضع موازين القسط حتى ينصف للكافر ممن ظلمه وغدره وإن كان مسلما، لأنه صح عن النبي صلى الله وسلم فيما أخرجه البخاري في الأب المفر، وأشار إليه في صحيحه عن جابر بن عبد الله حدثه قال : بلغني عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه و سلم لم أسمعه منه قال : فابتعت بعيرا فشددت عليه رحلي فسرت إليه شهرا حتى أتيت الشام ، فإذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري ، قال : فأرسلت إليه أن جابرا على الباب ، قال : فرجع إلي الرسول فقال : جابر بن عبد الله ؟ ، فقلت : نعم ، قال : فرجع الرسول إليه ، فخرج إلي فاعتنقني واعتنقته ، قال : قلت : حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم في المظالم لم أسمعه فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : « يحشر الله العباد أو قال يحشر الله الناس عراة غرلا بهما قلت : ما بهما ؟ قال : ليس معهم شيء ، قال : فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ، وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة ، ولا ينبغي لأحد من أهل النار يدخل النار ، وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة ، قال : قلنا كيف هو ؟ وإنما نأتي الله تعالى عراة غرلا بهما قال بالحسنات والسيئات »

قال الشافعي: ” إذا دخل قوم من المسلمين بلاد الحرب بأمان؛ فالعدو منهم آمنون إلى أن يفارقوهم، أو يبلغوا مدة أمانهم، وليس لهم ظلمهم، ولا خيانتهم”

قال الماوردي ” وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان، أو كان مأسورا معهم فأطلقوه وأمّنوه؛ لم يجز أن يغتالَهم في نفس ولا مال، وعليه أن يؤمنهم”

قال النووي ” دخل مسلم دار الحرب بأمان، فاقترض منهم شيئا، أو سَرق، وعاد إلى دار الإسلام؛ لزمه رده، لأنه ليس له التعرض لهم إذا دخل بأمان”

رابعها: الكفار يملكون أموالهم ملكا صحيحا

ما يحوزه الكافر من المال فهو مالكه شرعا، فلا يجوز أن يسلب منه من جهة الخيانة وغيرها، إلا عن طريق شرعي نصه الكتاب والسنة، ومما يدل على أنهم يملكون أموالهم ملكا صحيحا، أن أموالهم أضيفت إليهم في كتاب الله وسنة رسول الله، والأدلة في ذلك طافحة، منها قوله تعالى ” فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم” وقال تعالى ” يحسب أن ماله أخلده” والإضافة تقتضي التخصيص أي أن المال خاص له يملكه ملكا صحيحا.وقد تعامل الرسول صلى الله وسلم الكفار على هذا الأصل، فلم يستبح أموالهم بعلة الكفر، بل استقرض منهم، وراهن درعه عند يهودي، وأكل طعامهم، ولم يستحل أموال أهل المكة وأماناتهم التي ودعوها عند الرسول صلى الله عليه و سلم، مع ما فعلوا فيه من إخراجه صلى الله عليه وسلم داره ووطنه الذي ترعرع فيه، بل نوب عنه ابن عمه علي ابن طالب ليؤدي عنه الأمانة إلى أهلها، وقد بوب البخاري في صحيحه ” باب: الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب”

ونقل الحافظ عن ابن بطّال أنه قال: ” البيع والشراء من الكفار كلهم جائز، إلا أهل الحرب لا يباع منهم ما يستعينون به على إهلاك المسلمين من العدّة والسلاح، ولا ما يقوون به عليهم”. وأخرج البخاري في صحيحه:” أن المغيرة بن شعبة كان قد صحب قوما في الجاهلية، فقتلهم، وأخذ أمولهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم “أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء“.

وعلق ابن القيم على هذا الحديث في ” زاده” ’’ الحديث دليل على أن مال المشرك المعاهد معصوم، وأنه لا يُملك، بل يرد عليه‘‘

قال الماوردي “الكافر صحيح الِملك كالمسلم لقوله تعالى:” وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم” فأضافها إليهم إضافة ملك”. وعلى هذا يجوز التعامل مع الكافر بالبيع والشراء، والاقتراض، والعطية والهبة، وفق الضوابط الشرعية كأن يكون المبيع حلالا، فلا بأس التعاون مع الكفار في مكافحة المخدرات، ومعالجة المرضى، ومكافحة انتشار الوباء والأمراض، وفي حفظ الأمن، وتنظيف الشوارع، وتجميل الطرقات، ودفع الظلم والعدوان.

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في هذا حلف الفضول :

” شَهِدْتُ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ [ يقصد حلف الفضول فهم في الأصل من جماعة المطيبين] مَعَ عُمُومَتِي وَأَنَا غُلَامٌ فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ وَأَنِّي أَنْكُثُهُ ” [ أحمد، برقم 1567، وهو في السلسلة الصحيحة].

وكان هذا الحلف في الجاهلية، وأشاده الرسول في زمن الإسلام لأنه كان يتضمن بنودا تتفق مع مقاصد الدين، وأهداف الشريعة، وما كان مثل هذا النمط يجوز التعاون مع الكفار.

خامسها: المسلم شكور لا كفور

المسلم مَن أسدى إليه معروفا كافئه، ومن أحسن إليه قولا جازاه، ومن أكرمه فعلا شكره، قال تعالى” وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان“، ولا يوجد إحسانٌ أعظم إحسانَ من آواك من الخوف، وأطعمك من الجوع، وأسقاك من العطش، وألبسك من العري؛ ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم:”من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه“. ولا أخال أنه يخفى عليك أنّ من ألفاظ العموم فتتناول المسلم والكافر، والقريب والبعيد، والرجل والمرأة.قوله صلى الله عليه وسلم “فادعوا له” يجوز الدعاء للكافر بالصحة والهداية، ، لا بالمغفرة والرحمة. وقال صلى الله عليه وسلم ” لا يشكر اللهَ من لا يشكر الناس“كل الناس.

ويجوز له تهنئة الكافر بالزواج والولادة، كما يجوز لعيادته إذا مرض، لأن أنسا رضى الله عنه قال : كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له : ” أسلم ” . فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال : أطع أبا القاسم . فأسلم . فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول : ” الحمد لله الذي أنقذه من النار ” . رواه البخاري.

كان نبينا صلى الله عليه وسلم قد ضرب لنا في حياته العملية أروع الأمثلة في الوفاء والاعتراف لصاحب الفضل عليه فضله، ومن أمثلة ذلك أنه بذل جميع طاقاته لإنقاذ عمله أبي طلب من النار، وسلك في ذلك كل الطرق، وركب في ذلك كل صعوب وذلول، إلى أن حضر عنده حين النزع وحاول حتى نزل عليه الوحي “إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء“، ومات وهو يقول: ” هو على ملة عبد المطلب”.

وما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم إلا شكرا بيده البيضاء عليه صلى الله وسلم في أحلك ظروفه وأصعب أوقاته. ولم يحرص على أبي لهب مثل هذا الحرص مع أنه شقيق والده، وصهر النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه ناوء الدعوة منذ الوهلة الأولى فتبت يداه في الجحيم معذبا. لم يتوقف وفاء النبي صلى الله عليه وسلم لعمه في الدنيا فقط بل تعدى ذلك إلى دار القرار، فقد أخرج الشيخان أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أغنيت عن عمك؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: ” هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار” وهذه الشفاعة خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم.

وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله وسلم قال:” لو كان المطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى؛ لتركتهم له” قال ذلك لما أُسر من أسر من المشركين في غزوة بدر، وذلك وفاء للمطعم بن عدي بمواقفه النبيلة تجاه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أجاره يوم الطائف.