[مختارات الشاهد] – أشارت التقارير الدورية التي تصدرها تباعا منظمة الشفافية الدولية  (Transparency International) ، والتي تعني بمتابعة ودراسة أوضاع الدول في تطبيق الحكم الرشيد ، ومحاربة الفساد المالي والإداري والسياسي ، بأن الصومال ضمن خمس دول الأكثر فسادا في العالم .

وإن كان هذا الكلام صحيحا بالنسبة لمن يتابع ويعرف الأوضاع الداخلية في البلد ، إلا أنه لم يُبْـن على قواعد صحيحة تتماشى مع المعايير الدولية في تقييم الدول والشركات ، والمؤسسات المالية التي تخضع لقوانين صارمة وشفافة في معرفة وتدوين الإيرادات والصادرات ، وكيفية اتخاذ القرار في الصرف والتمويل مع إبراز المستندات المطلوبة في حينها ، لأن الصومال لا يوجد فيه مؤسسات رقابية فاعلة ، ولا محاكم قادرة في البتِّ في قضايا الفساد المالي والإداري والسياسي .

والفساد يسري وينتشر في الجسم الصومالي كانتشار النار في الهشيم ، ويؤسس أركانه ويبني قواعده وينشر عيونه في جميع مرافق الحياة العامة سواء كانت حكومية أم في مؤسسات المجتمع المدني ، ولا ينجو من هذا الوباء القاتل إلا من رحم ربك .

ولم تكن هذه المشكلة وليدة اليوم بل ظهرت إلى العلن مع بداية الاستقلال ونشوء الدولة الصومالية الحديثة قبل نصف قرن وزيادة ، وإن كانت الحكومات السابقة متهمة برعايته والتستر عليه ، إلا أن الوضع كان أفضل بكثير مما وصلت إليه اليوم ، لأن الهيئات الرقابية والقضائية والمدعي العام وجهاز المحاسبة واللجان الحكومية المكلفة بتتبع الفساد والتحقق منه في إدارات الدولة كانت يُسمح لها بـمزاولة أعمالها ولو بقدر أقل، وكان المفسدون يلقون جزاء جرائمهم ولو من باب ذَر الرماد في العيون ، ولكن بعد سقوط الحكومة المركزية في عام ١٩٩١م ، انفلت العقد، وانـهدم البنيان ، وساءت الأخلاق ، وأصبح الفساد سيد الموقف ، وجاوز المفسدون المدى ، فأضحوا الرعاة والهداة ، ومن كان دليله الغراب فلا أفلح كما قيل :

إذا كان الغراب دليل قوم  ***  يـمرُّ بـهم على جيف الكلاب .

وقد تعالت في الآونة الأخيرة أصوات كثيرة تحذر من مغبة الاستمرار في سياسة نـهب المال العام والاستيلاء على الأراضي والمباني الحكومية من دون خوف أو وجل ، وآخر هذه التحذيرات أطلقها – عبر إذاعة صوت أمريكا الناطقة باللغة الصومالية – المدير العام لهيئة الرقابة الوطنية المسؤولة عن مراقبة تصرفات الحكومة المالية ومتابعة أحوال ممتلكات الدولة المنقولة وغير المنقولة ، ومراجعة مصروفات الحكومة والتأكد من مؤاومتها وموافقتها لقواعد الشفافية والمحاسبة الصحيحة ، ثم تلاها مجموعة من نواب البرلمان الصومالي أعلنت تخوفها من ظهور حقائق ودلائل كثيرة تشير إلى استيلاء على أراض حكومية ومرافق عامة وتحويلها إلى ملكية خاصة تورط فيها بعض كبار مسؤولي الدولة .

ولا ينتهي الفساد ما دامت الدنيا باقية ، والنفوس المريضة تتغذى به ، وقد يقل ويخبو في وقت ما لظروف معينة ، ويطل ويرفع رأسه في ظروف أخرى ، ولا يمكن التغلب عليه ومكافحته واقتلاع جدوره إلا إذا وجد نظاما إداريا صارما وإحداث عقوبات رادعة وتفعيل وتحديث آليات ومسؤوليات الهيئات الرقابية وتفويضهم باتخاذ اللازم بحق كل من تورط في هذا الفساد من دون النظر في موقعه ومكانته الأدبية والاجتماعية .

وهناك فساد آخر لا يقل سوءا عن الفساد المالي ، وهو الفساد السياسي والإداري ، ويمكن القول بأن الفساد المالي ما هو إلا النتاج الرسمي والمصير المحتوم والابن غير الشرعي للفساد السياسي والإداري ، لأن الذي أطلق عنان الفاسدين ومكنهم في مزاولة أعمالهم القدرة وسرقة أموال الأمة هو الفساد السياسي والإداري ، لأن العصا من العصية والحية لا تلد إلا حية، ومتى عفى الرأس من القاذورات استقامت الرعية عن بكرة أبيها ، وقد قيل من قبل ( عففت فعفوا ، ولو رتعت لرتعوا )، فما دام هناك فساد سياسي فلا تسأل ما يأتي بعده .

أسباب الفساد : يمكن تلخيص عوامل ومسببات الفساد في ما يلي :

ضعف الوازع الديني ، والاستبداد والحكم غير الرشيد ، وتولية غير الأكفاء ، وعدم توزيع العادل للثروة ، وتغييب الهيئات الرقابية ، والفساد في منظومة القضاء ، وضعف السلطات التنفيدية ، ومزاولة رجال الدولة الأعمال التجارية ، والمحسوبية في التوظيف ، وإبعاد المصلحين عن مراكز اتخاذ القرار ، وإطلاق أيدي القرابة والمؤيدين في الشأن العام ، وغلاء المعيشة وتدني الرواتب ، وضعف وانحسار المرافق العامة ، وغياب دور المجتمع المدني ، وانتشار الجهل بين الناس ، وانعدام التوعية من مخاطر الفساد ، وحصر التجارة في عدد من رجال الأعمال الدين لهم علاقات بمسؤولي الدولة ، وتحجيم دور الإعلام وتقييده من فضح ونشر الفساد والفاسدين ، وقصر المناقصات الحكومية في شركات بعينها ، وغير ذلك من الأمور التي يطول ذكرها .

وهذا الفساد السياسي والإداري والاجتماعي والمالي يمارسه كل عَلى قدره وقدرته ، من الأعلى إلى الأدنى ، لأنه كما قيل :

إِذا كانَ رَبُّ البَيتِ بِالدُفِّ مولِعاً  *** فَشيمَةُ أَهلِ البَيتِ كُلِهِمِ الرَقصُ

أثر الفساد ونتائجه على المجتمع :

للفساد أثر وخيم على الأمة جمعاء في جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والإدارية والاجتماعية ، ويؤدي إلى فساد الأخلاق وتحلل المجتمع وانتشار الجريمة ومزاولة الظلم والتعدي على الأعراض وانتهاك الحرمات ، ويؤثر سلبا على مقدرات البلد ، ويؤخر ازدهار الوطن وتقدمه ، ويقتل روح المنافسة ، ويـُمَكن القلة القليلة من التحكم في الأغلبية ، ويزرع الحقد والحسد بين أفراد المجتمع ، وغيره من الويلات والمآسي التي لا تعد ولا تحصى .

علاج الفساد :

أهم وأنجح علاج لفيروس الفساد هو ربط الناس بربهم سبحانه وتعالى وتخويفهم من عذاب الله تعالى وإشعارهم بالعواقب الوخيمة المترتبة عليه في الدنيا والآخرة .

تكليف الأمناء بتولي الوظائف العامة .

إنشاء وإصلاح المرافق العامة للخدمة .

إعطاء الموظفين رواتب مجزية حتى يستغنوا عن غيرهم .

تفعيل الهيئات الرقابية والقضائية .

وغير ذلك من الأمور والأساليب الناجحة في تقليل أو ازالة مضار الفساد بين المجتمع .

المصدر : موقع الإسلام اليوم [ نوافذ ]