قضية نوفمبر (٢٠١٢): سجال الديمقراطية في بونتلاند وجذور الخلاف الدستوري الجديد

[download id=”44″]

المقدمة

اضغط على الصورة للتنزيل

في خضم الصراعات الدموية التي كانت تجري في الصومال، واستحالة توحيد صف الصوماليين في إطار حكومة صومالية مركزية تتولى شؤون إدارة البلاد بعد فشل مؤتمرات السلام والمصالحة التي جرت في الداخل والخارج.

وفي ظل أجواء الفوضى التي عمت ربوع وأصقاع الصومال، قرر سياسيو مناطق بونتلاند الصومالية تأسيس كيان سياسي يلبي احتياجات شعب مناطق شمال شرق الصومال، ويحافظ على تماسكهم الداخلي؛ خشية التشرذم والانزلاق نحو مزيد من إراقة الدماء والاقتتال الداخلي، مثلما أسس قادة وسياسو نظام أرض الصومال مع الفارق في الرؤية حول وحدة جمهورية الصومال نظاما خاصا بهم، وأسست مناطق بونتلاند حكومة إقليمية تقوم بمهمة إعادة الأمن المنفلت والسعي وراء بناء دولة صومالية موحدة من خلال هذا النظام، وقد نجحت الفكرة رغم بعض الإخفاقات التي واجهتها مناطق بونتلاند على مدار وجودها في المسرح السياسي في الصومال المضطرب ككيان سياسي يمثل شريحة واسعة من المجتمع الصومالي.

ويحكي الزعيم الراحل العقيد عبدالله يوسف أحمد الرئيس الصومالي السابق –رحمه الله- في مذكراته “النضال والمؤامرة” عن الظروف والمراحل التي مرت بها الولاية في تأسيسها فتحدث عما يلي:-

مرحلة انعقاد مؤتمر شيوخ وعقلاء بونتلاند

وتناول ذلك في فصل إرهاصات ميلاد ولاية بونتلاند، وذكر أنهم قاموا بتنظيم مؤتمر مع عقلاء القبائل التي تسكن الأقاليم الخمسة وهي “سول، سناغ، بري، نجال ومدغ” وشارك في هذا المؤتمر 29 من أشهر شيوخ القبائل في هذه المحافظات وتقرر في هذا المؤتمر تأسيس حكومة ولائية صومالية تضم هذه الأقاليم الخمسة لحفظ الأمن ورعاية شؤون الناس، وجرى عقد مؤتمر عام يجتمع فيه مندوبو هذه المحافظات لإجازة دستور للولاية.

مرحلة الإعداد للمؤتمر العام للقبائل

و عدّ العقيد -رحمه الله- هذه المرحلة من أصعب المراحل التي مرت بها الولاية؛ حيث حددت اللجان الفنية للإعداد للمؤتمر وذكر أن لجنة إعداد الدستور كان يقع على عاتقها أصعب المسؤوليات لغياب التسهيلات الفنية والمالية لعملهم الجبار؛ حيث اضطروا أن يؤدوا واجبهم تطوعا، وقاموا بإعداد دستور بإمكاناتهم الذاتية المتواضعة واستعانوا بالخبراء وكل من له رأي وفكرة وقدموه في موعده المحدد.

ذكر العقيد رحمة الله عليه أن انعقاد المؤتمر الذي يفترض أن يشاركه 600-700 مشارك لمدة شهر في مدينة جروي، وكان يحتاج لمبلغ قدره مليون دولار لتغطية تكاليفه، واستحال على القائمين بأمر المؤتمر جمع هذا المبلغ بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي كانت تمر بها الولاية في تلك الأيام، ومما زاد الطين بلة رفض الهيئات الدولية والمانحين تمويل المؤتمر بإيعاز من ولاية أرض الصومال، وختم بالقول “توكلنا على الله واتفقنا مع أصحاب الفنادق والبيوت والمطاعم أن نسدد لهم ما نستطيع من التكاليف وأن ندفع الباقي بعد ثلاثة أشهر”

مرحلة التنفيذ

وكانت مرحلة ساخنة وحافلة بالنقاشات الحرة للدستور وعدد من الأمور المصيرية، وبسسب ضغوط العمل يومها اضطر العقيد أن يذهب إلى نيروبي بسبب مضاعفات الجراحة التي أجريت له بتغيير كبده قبل عام من انعقاد المؤتمر؛ فأوصي القادة القائمين على أمر المؤتمر بمواصلته والعمل ريثما ينتهي من تنفيذ أهداف المؤتمر مهما تؤول إليه حالته الصحية.”[1] وانتهت المداولات والنقاشات بإجازة دستور للولاية واختيار العقيد الراحل عبدالله يوسف رئيسا لها وذلك في أغسطس 1998م.

بين الماضي والحاضر

مرت ولاية بونتلاند بمنعطفات تاريخية خطيرة أصعبها مرحلة 2001م و الخلاف الدستوري الذي انتهى بمواجهات عسكرية دامية بين العقيد يوسف والعقيد جامع علي جامع، الذي تصدر المشهد السياسي إثر تعيين أعضاء مجلس الوكلاء “البرلمان” رئيساً للولاية، مما عكر الأجواء في مناطق بونتلاند، وانتهى الخلاف باتفاق سلام تاريخي مشرف بين العقيد عبدالله يوسف و الجنرال عدي موسي؛ وذلك في مايو سنة 2003.

هذه المواجهات العسكرية تُعتبر نكسة وانحرافا واضحاً عن الأهداف التي أسست من أجلها الولاية، وتناسى المتصارعون في حلبة السياسة قيمة السلام والاستقرار والحوار كوسيلة لتسوية الخلافات.

اختيرت الحكومة الحالية سنة 2009م لتقود البلاد (4 سنوات)، وهذا ما أقسمت عليه دستوريا، لكنها أبدت رغبتها في قيادة تغيير تاريخي في الشهور الأخيرة من مدتها وتعتزم تمديد سنة في حكمها وتراه دستوريا يتماشى مع دستور البلاد وصلاحيات مؤسساته، وتؤكد حاجتها لهذا التمديد لتكملة تنفيذ وعودها وبالأخص تحقيق النظام الديمقراطي ذو التعددية الحزبية.

على الضفة الأخرى برزت معارضة تدعي أن لها ظهير مجتمعي وتشكك في نية الحكومة في إحداث تغيير للنظام التقليدي وتصف التمديد بالتحايل الذي يقصد منه تحقيق مصالح ومآرب شخصية، وتصفه بغير دستوري، و ترى أن الديمقراطية التي تعد بها الحكومة لم يحن وقتها بعد، و أن الحكومة تتدثر بها من أجل الاستقطاب وتمرير التمديد.

اليوم وبعد 14 عاما من عمر الولاية يتخوف المراقبون من غفلة قادة السياسة في أخذ الدروس والعبر عن تجارب الماضي المرير، خاصة إذا تمدد الخلاف ولم تتقارب وجهات نظر الفريقين، فهل يا ترى نغلب قيم الحوار والتنازل والتضحية للصالح العام؟ تلك القيم التي سادت في بدايات التأسيس الأولى للولاية.

جذور الخلاف الدستوري الجديد

لخص الأستاذ عبد الرزاق شولي مدير معهد تدريب المعلمين في جروي وعضو لجنة الانتخابات التي عينها الرئيس فرولي ورئيس مجلس الوكلاء بموجب الملحق الأول بالدستور جذور السجال الدستوري بين النظام ومعارضيه في نقاش أدارته إذاعة صوت أمريكا بالقول”مجالس حكومة بونتلاند مدتها 5 سنوات” هكذا نصت مسودة الدستور الأولى، وعليه ورثت حكومة بونتلاند الحالية (التي تم انتخابها 8 يناير 2009م) من الحكومات التي سبقتها مسودة دستور تنص على هذا البند، فأجازت الحكومة الحالية مسودة الدستور المعمول بها سابقاً كما كانت دون إضافة أو حذف، فظهر تناقض بين بند في الدستور الجديد يحدد مدة مجالس الحكومة بـ (5سنوات) وبين المدة الدستورية الأصلية لمجالس الحكومة الحالية التي أجيز عليها الدستور الجديد والتي انتخبت بدستور يحدد مدة مجالسها بـ (4 سنوات)، فعكف مجلس البرلمان خلال جلسة عقدت للتوفيق بين المدة الدستورية التي انتخب على أساسها الحكومة الحالية (وهي 4سنوات) وبين المدة التي ينص عليها الدستور الجديد المجاز (5سنوات) فأصدر الملحق الثاني بالدستور الجديد والذي ينص على أن مجالس الحكومة الحالية (5 سنوات) ليتوافق مع الدستور الجديد المجاز، وهذا هو موضع الخلاف.[2]

ويجادل المعارضون بعدم دستورية الملحقين اللذين أرفقا بالدستور الجديد بدعوى أن الحكومة الحالية انتخبت على برنامج سياسي مفصل أوكل لها العمل على قيادة بونتلاند إلى مرحلة التعددية السياسية في النصف الأول من مدتها، وهو مالم يحدث؛ حيث باشرت الحكومة هذه المهام قبل انتهاء مدتها الدستورية بثلاثة أشهر واعتبروا تمديد مجالس الحكومة تحايلا لمصالح شخصية وصرح النائب البرلماني عبدالولي موسي شري” أنه ليس هناك علاقة بين استفتاء الدستور الجديد وبين مجالس الحكومة الحالية، وأن المدة المنصوصة عليها في الدستور الجديد تنطبق على الحكومة التي تنتخب في 8 يناير 2013م، والمدة الدستورية للحكومة الحالية هي 4 سنوات، وليس من صلاحيات البرلمان أن يمدد مدته ولا أن يمدد للحكومة؛ لأن ذلك لو كان من صلاحياته لما كانت هناك حاجة لعقد الانتخابات ولمددنا لمجلسنا سنة بعد سنة، وصلاحيات البرلمان محددة بالمادة 64 في الدستور، ولا تجيز لنا التمديد، وينص الدستور الجديد في المادة 79 أن” مدة الحكومة هي 5 سنوات تبدأ من يوم إعلان النتائج” وتعني إعلان النتائج أمرا مستقبليا ولا علاقة لها بالحكومة الحالية.”[3]

أطراف الصراع الدستوري

من سلبيات العمل السياسي في الصومال وفي بونتلاند على وجه الخصوص أن المعارضة والحراك السياسي لا يتواكبان مع بداية العملية السياسية للحكومات، وليس غرضها التصحيح أو صياغة وعي المجتمع؛ إنما هي طموحات سياسية تبرز لدى البعض عندما يقترب موسم الانتخابات للاستقطاب واستعراض العضلات، والخلاف الدستوري الحالي برز بين مرشحي الرئاسة ومنهم السيد محمد علي يوسف (جاجاب) وزير المالية الحكومة السابقة والجنرال عبدالله سعيد سمتر وزير الأمن للحكومة السابقة والسيد عبدالرحمن شيخ محمد حسن (كبلح) وهو مثقف صومالي وبعض البرلمانيين والمسؤولين السابقين في الحكومة وبعض رجال وشيوخ وعقلاء بونتلاند ممثلين لقبائلهم، وتمثل الحكومة التي يرأسها السيد عبدالرحمن شيخ محمود (فرولي) الطرف الثاني للصراع ومعه عدد كبير من أعضاء حكومته العريضة، ويقول بعض المراقبين إن التعديلات الأخيرة للحكومة التي أجراها الرئيس يوم 15 سبتمبر 2012 قصد منها استقطاب عدد أكبر من القبائل لتمرير قرار فترة التمديد.

شكاوى المواطنين وأطراف جديدة في الصراع

أصدر رئيس الوزارء الصومالي السابق والنائب في البرلمان الصومالي الحالي السيد عبدالولي محمد علي (غاس) بيانا صحفيا بتاريخ 5/11/2012 م، تحدث فيه عن مشاهداته وانطباعاته التي استنبطها في لقاءاته الأخيرة مع المجتمع البونتلاندي ورموزه السياسية والشبابية وشيوخ القبائل في عدد من المحافظات والمناطق التي زارها.

وسرد شكاوى المواطنين ومعاناتهم، مثل غياب حرية الرأي والضغوط التي يمارسها النظام على حرية التعبير وطرح الأفكار السياسية، وأن الكبت السياسي وصل إلى حد منع الاجتماعات وممارسة الضغوط على أصحابها، وأن المحافظات التي توحدت على ولاية بونتلاند سنة 1998م بعض منها سقطت في أيدي أنظمة أخرى وبعضها أعلن انفصاله عن جسم بونتلاند.

وناشد النظام الحالي الذي يرأسه السيد عبدالرحمن شيخ محمود (فرولي) أن يخدم المجتمع في المدة التي أقسم عليها، وهي المدة التي بقي منها شهران فقط، ودعا غاس لفرولي أن لا يعمل بإدخال البلاد إلى نفق مظلم وخلل سياسي يمكن الاستغناء عنه، وأنه من الأفضل تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.[4]

وبهذا البيان يرى المراقبون أن السيد غاس دخل في خط الصراع وأعطى المعارضة السياسية للنظام الحالي دفعة جديدة وثقلا سياسيا سيزيد من حدة الاستقطاب الحالي، وفطنت الحكومة تحركات السيد عبدالولي من اليوم الأول، وحاولت تشويش جولته وتحفظ السيد عبدالولي على ذكر العقبات التي واجهته مكتفيا باعتراف وجودها.

وبعد صدور البيان سارعت الحكومة إلى نفي اتهامات رئيس الوزراء السابق السيد عبدالولي محمد علي (غاس) على لسان وزير الإعلام الذي وصف بيان عبد الولي بـ”المؤسف” الذي لا أساس له من الصحة، واتهمت الحكومة (غاس) بأنه عمل ضد مصالح بونتلاند طوال فترة رئاسته للحكومة الفدرالية الانتقالية، وأنه لم يقدم حتى “قرص واحد من الأدوية” على حسب تصريح لوزير الصحة البونتلاندي د. علي عبد الله ورسمي.

بين أشواق الديمقراطية وشكوك التمديد

صرح الرئيس البونتلاندي أكثر من مرة أنهم يسعون إلى التحول من النظام التقليدي الذي يقوم على اختيار نواب البرلمان بتزكية من زعماء العشائر إلى النظام الديمقراطي ذي التعددية الحزبية الذي يعتمد على المنافسة الحرة، وإتاحة الفرصة للمجتمع لاختيار قادته، وعبر الرئيس عن رغبته في أن يترك أثرا إيجابيا و تاريخا للمجتمع؛ وذلك بتحقيق النظام الديمقراطي التعددي في غضون سنة وبضعة أشهر، وبادر الرئيس بإعلان تدشين أول حزب سياسي في ولاية بونت لاند باسم (حزب هورسيد) وذلك في يوم 14-11-2012 م ويضم الحزب كلا من الرئيس ونائبه وأعضاء البرلمان (66 نائبا) و أعضاء الحكومة (61عضوا) حسبما صرح به الرئيس، ويرى بعض المراقبين أن هناك عزوفا واضحا عن مسعى الحكومة لتسجيل الأحزاب؛ حيث يأتي إعلان حزب الحاكم(أول الأحزاب السياسية في بونتلاند) بعد 64 يوما من اليوم الذي أعلن فتح باب التسجيل للأحزاب في بونتلاند؛ مما دفع الرئيس إلى تشجيع بعض الإسلاميين على فتح حزب جديد وتخفيض رسوم التسجيل 50%(من 15000$ إلى 7500$).

ويرى معارضوه أنه بغض النظر عن دستورية التمديد من عدمها فإن المدة التي يعدها النظام بتحقيق النظام الديمقراطي غير كافية لتنفيذ متطلباتها كتسجيل الناخبين وفق تعريف منطقي للمواطن البونتلاندي الذي يحق له التصويت، وكذلك تحديد الحدود الجغرافية للمناطق الـ 37 التي تجري فيها الانتخابات، ومن ثم تسجيل الأحزاب السياسية وإجراء الانتخابات المحلية وغيرها، علاوة على ذلك فإن أسئلة المواطن البونتلاندي لا تجد أجوبة شافية عن كافية إجراء الانتخابات الحرة في مناطق سول وسناغ الشرقية التي بسط نظام أرض الصومال نفوذه بها في السنوات الماضية.

الديمقراطية هي حلم المجتمع البونتلاندي وأرى أنها هي الوسيلة الأضمن للإصلاح السياسي في بونتلاند لكن النظام الحالي بتصرفاته السياسية البعيدة عن أدبيات الديمقراطية كالتضييق على الصحافة وحريات المواطنين بالحبس والتهديد والمخالفات الدستورية التي أبرزها تشكيل قوات “سارسن” بعيد عن أعين البرلمان والتحايل على المدة الدستورية التي أقسم عليها، وغير ذلك لا يؤهله ولا يجعله مؤتمنا بالتحول الديمقراطي المأمول.

إنه لمن المؤسف أن يعكر النظام تطلعات المجتمع للحرية والديمقراطية بشكوك التمديد، فالديمقراطية بحد ذاتها تحتاج إلى تسويق وتوعية مجتمعية لاستيعابها بما لا يخالف وشرع الله، وتولد الديمقراطية بولادة طبيعية وإلا ستنجب مشوهة تحمل في طياتها بذور الاستبداد، وحين تولد الديمقراطية فعليها أن تأتي عن طريق التوافق ولا ديمقراطية تفرض بالتهديد ومصادرة الحريات ولم تنجح مثل هذه التجارب، وما العراق منا ببعيد!!، وبونتلاند بحاجة ماسة إلى ديمقراطية يعتز بها أبناؤها ويدافعون عنها وإلا ستعلق في ذاكرة المجتمع صورة مغلوطة عن الديمقراطية كرديف للتحايل والتمديد أو الصراع الدموي المسلح، و إن الديمقراطية في غنى عن كل هذا، وهي ببساطة إرادة مجتمعية تتحقق بالتوافق و تعلي قيمة الحوار والسلام ورغبات المحتمع.

موقع الإسلاميين والنخب المثقفة في السجال السياسي

يرى الكاتب محمد عمر أن من أبرز مسببات التدهور أو الركود السياسي في بونتلاند ما يلي:

  1. ضعف الطبقة المثقفة التي تتهيب من طرح الرَّأي والمجاهرة به طالما فيه خير الجميع، ومعارضة السياسة الجائرة عبر إيجاد آليات تحريك الرَّأي العام من وسائل الإعلام، والمؤسسات البحثية مما يشكل وسيلة ضغط على مؤسسات الحكومة، ويدفعها نحو الفاعلية والالتزام.
  2. الفئة المتدينة من العلماء وأبناء الصحوة الإسلامية أصيبت بعُقْدة العزلة نتيجة لحروب خاضتها في المنطقة مازالت تلقي بظلالها السوداء على أداء القيادات هذه الصحوة، وعلاقتهم بحكام الولاية ومع المجتمع؛ حيث تصبح التهم جاهزة للاستخدام والتبادل بين الجانبين.
  3. على الصعيد المجتمعي فإن ثقافة الخضوع الناتجة عن طبيعة المجتمع هي السائدة، كما أن ضعف الوعي السياسي يجعل النظرة القبلية للحكام هي المقياس بدل الاعتماد على معايير الكفاءة والإصلاح الاقتصادي لتكون أسس اختيار المسؤولين.[5]

الإسلاميون شاركوا في تحرير مسودة الدستور واكتفوا بالسعي الحثيث لأسلمته، وكان لهم دور بارز في ذلك وجهود مشكورة، وذكر الشيخ محمود حاجي يوسف في حوار له لشبكة الصومال اليوم (أنه في شهر 6 من عام 2009، استدعانا أعضاء من لجنة صياغة الدستور وأخبرونا بإكمالهم صياغة بنود الدستور الجديد، وطلبوا من العلماء مراجعته لإزالة كل ما يتعارض مع الشريعة، فأجبنا إلى طلبهم وراجعنا مواد الدستور مادةً مادةً، وحصرنا البنود التي رأينا أنها تحتاج إلى إزالة أو تعديل، وكانت 16 مادة، بمساعدة بعض أعضاء اللجنة، وتم استضافتنا أخيرا في قاعة البرلمان وأجرينا معهم نقاشا حادا بقصد الإقناع والرد على استفساراتهم، وهدفنا من ذلك كان من باب تقليل الشر، وحصره بأضيق نطاق، فلو تركنا الأمر للهيئات الأجنبية ومناصريها من الداخل لوضعوا القواعد لحماية كل ما هو غير إسلامي؛ فرأينا أن المشاركة في صياغة وثيقة ” الدستور” أمر في غاية الأهمية بل هو أم المعارك؛ لأن ما بعده سينبني عليه) وذكر أن البرلمان وافق على تعديلاتهم ما عدا مادة واحدة ليس لها علاقة مباشرة بالمسائل الدينية حسب تعبيره، وهي (المادة الرابعة وتشير إلى أن بونتلاند سوف تدرس قرار الانفصال في حالتين : في حالة استمرار الأزمة في جنوب الصومال، وفي حالة تراجع الحكومة الصومالية عن النهج الفيدرالي الذي تم الاتفاق عليه).[6]

وبعد إجازة الدستور دافع الإسلاميون محاسن الدستور ونظروا له ولم يلتفوا إلى النقاشات السياسية كطرف مؤثر في بونتلاند، ويمكن القول أن الإسلاميين بكافة أجنحتهم لم تتبلور لديهم رؤية سياسية يعبرون بها عن أنفسهم إلى اليوم، وليس لديهم استعداد وعزم قوي لتوجيه الرأي العام بما يخدم مصلحته، الإسلاميون في بونتلاند يفتقرون إلى الثقة والجدية في باب السياسة، وكذا المرونة الفقهية لاستيعاب الوافد الجديد على الساحة ” الديمقراطية”، ولايخفي على المراقبين نذرة الكوادر الإسلامية التي لها ميول سياسية في بونتلاند فهل يراجع الإسلاميون أنفسهم قبل فوات الأوان؟.

الطبقة المثقفة في بونتلاند أيضا محبطة من الواقع السياسي ومن العجز العام الذي شتت شؤونها بين الكدح من أجل توفير لقمة العيش أو سيطرة خيارات القبيلة على بعض أفرادها أو استقطاب بعضهم واستيعابهم في صف الحكومة.

ومن المسلمات أن النخبة المثقة لايكون لها أثر البتة مالم تجاهر برأيها وتقدم التضحيات في سبيل ذلك، وتحتاج أيضا ان تترفع عن السعي وراء المناصب كي لاتكون طرفا في الصراع إن مهمتها الأساسية تكمن في صياغة وعي المحتمع ورصد مخالفات النظام والمعارضة وكسر حاجز الخوف لدى المجتمع والتأكيد على السلم والأمن والاستقرار والحرية والديمقراطية.

النخبة المثقفة تحتاج إلى إبداع وخلق آليات لرفع وعي المجتمع وعدم الاكتفاء بمشاهدة المسرح السياسي، ترى هل سيكون المثقفون الطرف المرجح في السجالات السياسية في بونتلاند بما فيه مصلحة المجتمع؟

أرى أن فعالية المجتمع وحيويته لن تبرز مالم يقم طرفان مهمان بمسؤولياتهما (الإسلاميون والمثقفون) أما الإسلاميون: الفاعلون الأبرز في خدمة المجتمع فعليهم أن يعرفوا أنفسهم من جديد بعيدا عن السرية والخطاب المبهم، وعليهم أن يخاطبوا الناس في أمورهم الدنيوية بنفس الحماس الذي يخاطبون الناس في أمورهم الأخروية.

السياسة ليست رجسا من عمل الشيطان، والمشاركة السياسية الفاعلة للإسلاميين ثبت خيرها في عدد من بلدان الربيع العربي، وهي وسيلة للنضج العقلي والحراك الثقافي والشرعي وبتفويت الفرص الحالية سيفوت خيرا كثيرا.

أما المثقفون فلأنهم يستطيعون الوصول إلى شرائح أعمق من الشرائح التي يمكن للإسلاميين أن يصلوا إليها، ولأنه بفضل استقلاليتهم وبعدهم عن الأطر الحركية والحزبية يستطيعون أن يصبحوا مجموعة ضاغطة من أجل الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في بونتلاند.

إن المجتمع البونتلاندي يحتاج إلى إسعافات أولية في حقوقه السياسية والاجتماعية، وإن شيوع ثقافة التساؤل والمناقشة والحوار وأدوات التعبير عن الرأي المجتمعي ومحاسبة المسؤولين كل هذا يحتاج إلى تنوير يقوده المثقفون ليكتسب المجتمع مناعة ضد الفساد والمغامرة على استقراره ومستقبله.

خطورة استخدام العنف والاستبداد في حل الخلاف

الظروف الأمنية والمعيشية التي تمرها بونتلاند لا تتحمل العنف والإستبداد، فتجارب العنف الماضية أثبتت أن لا غالب ولا مغلوب في الحرب الظالمة، وأن المجتمع لا يكن الود لمن حمل السلاح في وجهه، ويفترض أن يكون وعي الناس أكبر مما كان عليه في سنة 2001م، فعلى الأطراف المتصارعة أن تتذكر بجد أن أي خطوة نحو العنف ستكون بمثابة انتحار سياسي، وأن بونتلاند ستدخل في مستقبل مجهول يمكن تفاديه بالحوار والتفاهم.

ومثل ذلك الاستبداد السياسي فالوعي الذي نتج عن ربيع الحريات لا يمكن أن يسمح بمصادرة حقوق أفراد المجتمع معارضة كانوا أو غير ذلك؛ لأن أية ضغوط من هذا القبيل ستسحب بساط الشرعية عن النظام القائم، هذه من الدروس المستفادة من استبداد الأنظمة وثورة الشعوب في العالم من حولنا.

على المتصارعين أن يتذكرو أن جبهة جبال (جلجلا) ستكون المستفيذة الأكبر من أي خلل سياسي وأمني في هذه المرحلة، وهذا يعني أن الجميع حكومة ومعارضة سيكونون تحت رحمة عملياتهم النوعية التي ستستهدف الجميع.

ولا يمكن تجاهل جبهة نظام “أرض الصومال” الذي لا يخفي نيته في التوسع أكثر في محافظتي ” سناغ الشرقية وسول” وعليه سيكون للاستبداد والعنف آثار كارثية ستطال كيان بونتلاند برمته، وسيتقزم دور بونتلاند ونفوذها في بناء الحكومة الصومالية، مما سيؤثر على العملية السياسية في الصومال برمتها.

الصومال بحاجة إلى استقرار بونتلاند، وليس من المقبول بالنسبة لمن شاركوا خارطة الطريق ومؤتمرات المصالحة والسلام أن يزيدوا العبء الذي أقسموا على تخفيفه.

دعوة للمبادرة قبل فوات الأوان

  1. على شيوخ العشائر البونتلاندية، مثقفيها، علمائها، شبابها، نسائها، والمخلصين من أبنائها أن يعملوا في إرسال الرسائل التحذيرية للكل بأن استقرار بونتلاند وأمنها خط أحمر لا يجوز المساس به.
  2. لا بد من تحديد وتحرير موضع الخلاف السياسي، ففهم المشكلة جزء من حلها، ثم لا بد من إلزام أطراف الصراع بالجلوس في طاولة المفاوضات للتفاهم في مستقبل بونتلاند في المرحلة القادمة، وإذا تعذر ذلك لا بد من وساطة غير مباشرة بين الحكومة ومعارضيها ولابد من طرح المبادرات التي تقلل الفجوة بين الطرفين.
  3. على المنظمات الشبابية والنسوية والمثقفين أن يبلوروا رأي عام في المجتمع يدبن العنف ويبغضة، والجدير بالذكر أن الندوات العامة والبيانات الصحفية والدورات التثقيفية وغيرها هي مما يسهم في قيادة مثل هذه المبادرات.
---------------- هوامش -----------------------
  1. Halgan iyo Hagardaamo)258-261) []
  2. نقاش بثته إذاعة صوت أمريكا- في 10-2012 م حول مسودة الدستور الأولى. []
  3. المصدر السابق []
  4. جانب مقتبس من بيان رئيس الوزراء السابق عبد الولي غاس 5/11/2012م []
  5. في بونتلاند.. الإصلاح السياسي ليس صعبا مقال للكاتب محمد عمر منشور في موقع الصومال اليوم. []
  6. حوار منشور للشيخ في الصومال اليوم. []

4 تعليقات

  1. مواطن من جمهورية الصومال الفدرالية

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بونت لاند وصلت لمرحلة نضوج صعب العاقل ان ينساه كل انجازات الذي تحققت ويجعل السلاح هو حله الوحيد

    يكفي فقط يوم موافقة على دستور بونت لاند الجديد ظهرت شرائح معارضة في قاعة البرلمان وشيوخ كانو منحازيين فيما مضى للشق انفصالي وهاذي مؤشرات ايجابية

    أعلم تصريحات السياسيين الذي يطالبون حكومة فرولي بالتنحي حسب وقتها

    بالظروف الطبيعية لوافقت لكن هناك نقاط صعب الواحد يعارض الحكومة الحالية بقيادة فرولي وسأذكرها على شكل نقاط لأتية

    1. فرولي وعد الجماهير بعدم دخول إنتخابات بل فترة حكومته ستكون أخيرة له

    2.العالم كله ينظر لبونت لاند على انه الجزء لأهم في الصومال والذي يمثل مدى تطور شعب الصومالي وعدم حصول انتخابات برلمانية والبلديات واخيراً الرئاسية ستؤدي لنكسة كبيرة للعملية بونت لاند برمتها وتظهر صورة صومالي لاند بشكل أكبر على انها اقليم لأكثر تماسكاً وديمقراطية عن بونت لاند وبتالي تأكيد رواية انفصاليين ان الصومال فقط تعيقهم ولا يوجد ولاية تساوي بل تتعدى صومالي لاند كونه بونت لاند رمز تطور الصومال لم يتفاهمو بشكل حضاري

    وعلي هنا أن أذكركم بمشكلة حدثت في صومالي لاند بظل رئاسة ظاهر ريالي كاهن حينما اراد تاجيل انتخابات وتم موافقة عليه اربع مرات كونه أمن وأستقرار أقليم اهم من شخص معيين والذي سوف يرحل بنهاية المطاف

    الحمدالله ربنا انعمنا بنعمة العقل ولدينا شيوخ دين وأعيان قبائل يعلمون مالذي يفعلونه في الوقت المناسب نفس ماحصل ايام عدي
    موسى الذي اراد تمديد لكن واجه صعوبات عدة وبالنهاية تنازل عن فكرته فقط لانه شيوخ قالو كلمتهم
    وكلمتي للمعارضيين اعملو على بناء احزابكم السياسية ونافسو بشكل حر ونزيه بوقتها من اجل حفط الدماء بونت لاند من عواقب لا تحمد عقبها وتكسبون قلوب الجماهير لكي تصوت لكم في قادم انتخابات في سنة 2013
    واعلمو ان بونت لاند للجميع مهما ظال مدة حكم فرولي يوم او يومين او سنة يظل أفضل من الحرب أهلية ورفع سلاح ضد بعض ورجوع للوراء نفس حادثة 2001 الدموية

    3. الصومال تمر في مرحلة تغيير جذري عن ماكانت عليه وخصوصاً الساحة الجنوبية واعلان عن حكومة حمر تمثل مكونات الشعب في جنوب الصومال وخروج حركة الشباب من الساحة الصومالية الجنوبية وتنقلهم لبونت لاند لعمل المشاكل والبلبلة وكلنا يعلم مالذي حدث من قتل وتفجيرات وإلى يومنا الحاضر الدماء الضحايا لاتزال بذاكرتنا وبتالي اي فكرة لرفع السلاح ستعطي لهؤلاء ارهابيين فرصة وكلنا يعلم صومالي لاند تريد السيطرة على شرق سناج وجنوب صول واقليم عين لتحقيق حلمها انفصالي وهو تأميم الحدود للمستعمرة البريطانية وهذا كله توقف بأصرار شعب بونت لاند وتلاحمهم مع الحكومة بما فيه مصلحة بونت لاند

    هناك نقاط اخرى أريد تذكيرها لكن ذاكرتي خانتني

    بالختام بونت لاند وطن للصوماليين جميعاً وعلينا المحافطة عليه بتحكيم العقل والمنطق ولنثبت للجميع لماذا يعرف شعب بونت لاند بالشعب الحضاري عن سائر الصومال من شمال زيلع لجنوب كسمايو
    الذي يستطيع حل مشاكله بشكل متزن وموزون

  2. محمد عبد الرزاق

    سؤال مهم : من هو المواطن البونتلاندي الذي يحق له الانتخاب؟
    الجواب من مواد الدستور تشير إلى المواطن البونتلاندي هو الذي ولد في ولاية بونتلاند ، بهذا التعريف الجميل من فخامة الدستور نكتشف أن ما يقارب خمسين إلى ستين في المائة من أبناء قبائل ولاية بونتلاند لا يستطيعون الانتخاب ، لأنه ولد لسوء حظه في كينيا أو أثيوبيا أو مقديشيو أو أوروبا أو أمريكا أو جزر سيشيل ، ثم اذا كان هذا المعيار صحيحاً ومطبقاً في الأرض الواقع فأبناء الجالية الأرومية والأثيوبية والقوميات – بطريقة أخرى أبناء الجاليات المقيمة في بونتلاند – يستطيعون الانتخاب والمشاركة لأنهم في معيار دستور بونتلاند يعتبرون مواطنين بونتلانديين .
    فكيف يقوم أبناء القبائل بالدور الذي عليهم وهم خارج الحسبة واللعبة بحكم الدستور !
    السؤال المهم الثاني : تأسيس حزب هورسيد وهو بتعريف آخر الحزب الحاكم ، وهو يمثل البرلمان ستة وستين برلماني والوزراء أيضاً ، فهل الوزراء دخلوا في الحزب برضاهم أم غصباً عنهم ، علماً بأن الدستور يشير إشارة واضحة بحرية السياسية للفرد باختيار وترشيح الحزب الذي يمثله ؟
    السؤال الثالث : من البديهي الحزب الحاكم ينشأ بعد الانتخابات أي تقام الانتخابات ثم الحزب الفائز يصبح الحزب الحاكم
    فكيف ينشأ الحزب الحاكم قبل الانتخابات ؟
    السؤال الرابع : هل هناك خوف على استقرار الأمني لبونتلاند؟
    الجواب : لا أعتقد حيث مجرد اجتماع بين شيوخ القبائل سوف يحل أي اشكال ، والله الموفق

  3. شكرا أستاد فارح حقيقة مقال وضع الحروف فوق النقاط بكل حيادية ومهنية ونتمنى لأبناء بنت لاند التحكيم للعقل والحكمة كما كان ديدنهم في كل المشكلات السابقة . وانا شخصيا واثق بأن وعي الشعب سيمنع أي مغامرة من الساسة ويجب على الساسة الحفاظ على الوحدة والابتعاد عن كل ما يؤدي إلى الفتنة . والحقيقة ان شعب بونت لاند شعب طيب وميال للهدوؤ لكن مشكلة الولاية تكمن في قادتها مند تأسيسها ماوجدت الولاية ابنها لابر الدي يركز على التنمية بل كلهم جعلوها كبش فدء لمصالحم الخاصة ولطموحاتهم للوصول للسلطة في الصومال مما ورط الولاية في صراعات لا طائلة تحتها . أعتقد ان تترك الولاية تركيزها في أحداث الجنوب وتعمل على تطوير البنية التحتية وجدب الاستثمارات في الولاية على غرار صومال لاند مع إبقاء الوحدة والعمل على المصالحة وبناء الدولة الصومالية القوية ومسألة الجنوب واقتسام الكعكة لا زم تكون اولوية ثانوية ومشالك الولاية لازم تكون أولوية أي حاكم لأن بناء بونت لاند قوية وموحدة على أسس ديمقراطية بعيدة عن المحاصصة والمحسوبية تجعل الولاية أسوة للغير والكل سيأتيها حبوا

%d مدونون معجبون بهذه: