قضية يوليو (٢٠١٠): خلافات دول حوض النيل بين التصعيد والتهدئة

لتنزيل ملف البي دي أف:
[download id=”10″]

تمهيد

قضية يوليو: خلافات دول حوض النيل بين التصعيد والتهدئة

اضغط على الصورة للتنزيل

ظهرت قضية المياه في الفترة الأخيرة لتكون من القضايا الإقليمية والدولية المهمة في العديد من مناطق العالم تسبقها عناوين كثيرة ” مثل حرب المياه” و” المياه حرب المستقبل” و”حروب المياه في الشرق الأوسط” و “مياه النيل الوعد والوعيد” وغيرها من العناوين المثيرة . وما اتفاقية 1997م الأممية التي جاءت لتنظيم “استخدام المجاري المائية في الأغراض غير الملاحية” إلا دليلا على بروز هذه القضية كواحدة من القضايا الملحة التي تحتاج إلى معالجة من المجتمع الدولي.

الخلافات بين دول حوض النيل

وقد شهدت الفترة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً فى الخلافات بين دول حوض النيل لتسيطر على اهتمامات أجهزة الاعلام المحلية والاقليمية والدولية خاصة بعد فشل اجتماعات وزراء الري في دول حوض النيل التى انعقدت فى أبريل الماضى بمدينة شرم الشيخ المصرية فى التوصل لاتفاق يقر التعاون بين دول الحوض بالإجماع نتيجة لتمسك دول المنبع السبع بموقفها الرامى لإلغاء الاتفاقيات السابقة والتى ترى أنها وقعت فى عهد الاستعمار، بينما ترى مصر والسودان في بقاء هذه الاتفاقيات حفظاً لحقوقها التاريخية ولن تتنازل عنها، وبعد تصاعد الخلاف وقّعت أربعة من دول منابع النيل على اتفاقية التوزيع المتساوى لمياه النيل في عنتيبي في أوغندا في العاشر من مايو 2010م.

وقد جَاءَ فشل أحدث جولات التفاوض بين دول نهر النيل -والتي استضافتها مدينة شرم الشيخ- وإعلان كثير من عواصم الحوض تصميمها على المضي قدماً في توقيع اتفاقيات جديدة لتنظيم الاستفادة من مياه النهر في سياق عدم اعترافها باتفاقيتي عامي 1929 و1959 والموقعة بين دولتي المصب مصر والسودان وبين بريطانيا قوة الاستعمار في أغلب دول المنبع، كثمرة من ثمار الفشل السياسي لمصر والسودان طوال العقدين، والقصور الشديد في التعاطي مع ملف حيوي وشديد التعقيد بشكل أعطى الفرصة لقوى معادية لهما للعبث بالمياه، واستعداء دول الحوض عليهما والعمل على فرض معادلة جديدة تقلِّص من حصص دول المصب وتحوِّل المياه لسلعة خاضعة للعرض والطلب.

ورغم أن هذه الخلافات بين دول حوض النيل ليست جديدة وإنما قديمة متجددة، ولكن يبدو أن الخلافات هذه المرة أخذت بعداً آخر فى التصعيد وتبايناً واضحاً فى المواقف والمصالح للدرجة التى دفعت بدول المنبع إلى توقيع اتفاق يستثنى السودان ومصر بأن وقعت كل من ( يوغندا واثيوبيا وتنزانيا وبورندى) من دول المنبع السبع اتفاقاً فى يوغندا بدون السودان ومصر(دولتي المصب) واللتين رفضتا هذا الاتفاق لكونه لا يعترف بالاستخدامات والحقوق القائمة التى نص عليها( بند الأمن المائى) ليتغير بذلك المشهد فى حوض النيل.

وقد بدأت الخلافات في صورتها الأخيرة في التصاعد بين دول حوض النيل منذ مايو من العام 2009م فى اجتماع وزراء الري بدول الحوض بالعاصمة الكنغولية كنشاسا واستمرت الخلافات فى اجتماعات الاسكندرية ليتدخل السودان ويطرح حلاً توفيقياً لتجاوز الخلافات بإعادتها للنقاش عبر لجنة فنية مشتركة على أن ترفع اللجنة بعد (6) أشهر مقترحاتها للاجتماع الوزارى فى شرم الشيخ لمناقشتها والتوصل إلى حل بشأنها، ولكن اجتماعات شرم الشيخ فشلت، ومن ثم تقدم السودان بمبادرة رئاسية للحل قضت بضرورة أن تتحول مبادرة حوض النيل إلى مفوضية وأن يصدر بذلك إعلان رئاسي بحيث تقوم المفوضية بدراسة مشروعات التعاون المتفق عليها والعمل على تنفيذها، ولكن بعد توقيع اتفاقية عنتبي من قِبَل تلك الدول الأربعة تغيرت المواقف، حيث تحول ملف المياه من وزراء المياه والرؤساء بتلك الدول إلى برلماناتهم .

وقد رفض السودان قيام المفوضية باتفاقية إطارية للتعاون لا تتضمن (بند الأمن المائي) والذى ينص على عدم إحداث آثار سالبة على الاستخدامات والحقوق القائمة لأي من دول حوض النيل بما فيها السودان ومصر. ورأى أن الحل يكمن فى مبادرة حوض النيل كأساس عادل لاقتسام المنافع والتى جاءت فى إطار خطة شاملة بما فيها مصر والسودان ودول المنبع.

ويرى البعض أن السودان كان يجب أن  يقف موقفاً مغايراً لموقفه الحالى باعتباره أقرب لدول المنبع من مصر، كدولة مصب، إذ تساهم أمطاره بنسبة عالية فى مياه النهر، فكان يجب أن يسعى لتأمين حاجته من  المياه مستقبلاً، ويقدر الخبراء أن السودان يحتاج الى 35 مليار متر مكعب ليقابل المشاريع المستقبلية حتى عام 2015، ولهذا كان الأجدى للسودان أن يقف فى خانه دول المنبع  ليطالب بزيادة حصته.

ومن المعروف أن موقف دول المنبع حيال اتفاقيات مياه النيل التي وقِّعت في العهد الاستعماري كانت غير إيجابية وترى أنها مجحفة في حقها، وأنها أعطت مصر حق”الفيتو” في أي اتفاقية لها علاقة باستخدام النيل، بجانب إعطائها نصيب الأسد. وهذا ما جعل دول المنبع تنظر إلى دول المصب على أنها تستهلك مياه حوض النيل أكثر من غيرها، وهي لا تساهم فيه بشيء وكانت تثار تلك القضية في دول المنبع من حين لآخر.

وفيما يتعلق باستخدام مياه الأنهار التي تمر بأكثر من دولة، فإن اتفاقية هليسينكي عام 1966 نصت على عدم الإضرار بمصالح الدول التي تصب بها الأنهار. وكان من بين بنود تلك الاتفاقية أن لا تتصرف دول منابع الأنهار أو التي تمر بها المياه، بطريقة تتضرر منها دول المصب التي تعتمد على تلك المياه. بمعنى ضرورة مراعاة احتياجات تلك الدول الواقعة في مصب تلك الأنهار، وعدم الإضرار بها. وتعتبر تلك الاتفاقية وثيقة قانونية دولية تحاول كل من دول المنابع ودول المصب التشبث بها وتفسيرها لصالحها. وفي عام 1992 اتفق وزراء الموارد المائية لدول حوض النيل على مبادرة تطوير وتعاون على التنمية المتساوية لجميع دول حوض النيل. وفي عام 1999 أقيمت سكرتارية لمبادرة جديدة “حوض النيل” في عنتبي- أوغندا.  وكان الهدف منها إيجاد إطار للتعاون فيما بين دول حوض النيل في اتخاذ القرارات المعنية بالمياه.

وقد أخفقت السكرتارية في حل المشكلات التي كانت تظهر بين دول المنبع ودول المصب من حين لآخر. وكانت دول المنبع تتهم مصر بأنها غير مستعدة للسماح بإقامة مشاريع مائية حول حوض النيل. وفي المقابل كانت مصر تجيب عن هذا الإتهام، بأن لدى دول المنبع موارد مائية أخرى في حين أن مصر تعتمد اعتماداً كلياً على مياه النيل.

وقد اعتبرت الدول التي وقعت على اتفاقية (عنتبي) أن التوقيع كان بمثابة “ثورة النيل” وأن الاتفاقية قد أزاحت عقبة كبيرة، وهي “الفيتو” المصرية. وقد اعتبرت مصر والسودان هذه الاتفاقية بأنها غير قانونية وليستا ملزمتين بما جاء فيها. ومع الهالة الكبيرة التي أضفاها إعلام تلك الدول على الاتفاقية إلا أنه يبدو من خطاب قادتها أنها ماتزال تعطي اعتباراً للتخوفات المصرية حيث أمهلت دول المنبع للدول غير الموقعة للاتفاقية لمدة سنة لتنضم إليها وذلك في الاجتماع الذي عقده وزراء الزراعة لدول حول النيل في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في يونيو 2010، والذي انتهى بدون نتيجة.

مبرات مطالب دول المنبع

وتتمثل الأسباب التي دعت دول المنبع إلى تلك المطالب القوية بحصتها من مياه النيل في الآتي:-

  1. إن سكان دول المنبع ازداد زيادة كبيرة عما كان عليه عشية توقيع اتفاقيتي عام 1929 وعام 1959. وهناك الآن ما يزيد مجموعه على 400 مليون نسمة لكينيا وإثيوبيا وأوغندا وتنزانيا وجمهورية كونغو الديمقراطية ورواندا وبوروندي مجتمعة. هذا إضافةً إلى أن تلك الزيادة السكانية عمقتها تذبذب الأمطار في المنطقة في السنوات الأخيرة، مما أدى إلى موجات جفاف دورية.
  2. إن بعض الدول في حوض النيل، مثل إثيوبيا وأوغندا وجمهورية كونغو الديمقراطية قد عانت وشهدت منذ الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي حروباً وصراعات داخلية أو مع بعض دول الجوار ولكنها أخذت في التهدئة في الآونة الأخيرة، ومن ثم بدا أن هناك اتجاها إلى إقامة بنية تحتية أساسها الطاقة والزراعة، وأخذت الدول تفكر في إقامة مشاريع مائية كبيرة للتنمية الزراعية والطاقة، كما تحاول تلك الدول تجاوز مرحلة الإغاثة إلى مرحلة الإنتاج وبناء السلام والاستقرار. وتعتبر إثيوبيا من أقوى المطالبين بمياه النيل ذلك أنها تشعر بنجاحها في تأمين جبهتها الشرقية (الصومال) إذ لا توجد حكومة صومالية تعكر صفوها سواء بالمطالبة بإقليم الصومال الغربي “أوجادين” أو بإيواء مجموعات ثورية معادية لها مثل ما كان يحدث للحكومات الإثيوبية المتعاقبة في السابق. ولذلك يبدو أن الحكومة الإثيوبية قد تفرغت للتصالح مع الجبهات الداخلية المسلحة ولتنمية البنية التحتية. وهذه الأمور بالاضافة إلى الكثافة السكانية تجعل إثيوبيا تطالب بإقامة سدود كبيرة ليس على النيل وحده بل على الأنهار الأخرى التي تنبع من المرتفعات الحبشية بما فيها نهري شبيلى وجوبا الصوماليين.
  3. ترى تلك الدول أن مصر في طريقها الآن إلى إقامة مدن معلوماتية بعد أن أقامت بنية تحتية زراعية وكهربائية وهذا مستوى أعلى من اقتصاديات دول حوض النيل. فدول  المنبع تجادل بأنها تريد إقامة مشاريع توفر لها أمناً غذائياً وأن على مصر أن تتفهم ظروفها، وقد بدأ الحديث يدور حول الأمن الغذائي لدول الحوض جميعاً وأن دول القرن الإفريقي وشرق إفريقيا تريد أن تتخذ احتياطات من المجاعات المتكررة في المنطقة.
  4. هناك عامل آخر يدفع دول المنبع إلى تبني ذلك الوقف يتمثل في أن نظرية رفض البنك الدولي والاتحاد الأوربي لتمويل المشاريع المائية حول الحوض المتنازع عليها، والصعوبات المحيطة بإقامة سدود على النيل الأزرق من الجانب الإثيوبي لتكلفتها وصعوبتها جغرافياً تكادان تنهاران. والسبب هو أن هناك الصين التي تبحث عن الطاقة؛ البترول والغاز في كل بيت إفريقي، ولها وجود قوي في شرق وقرن إفريقيا وتقيم فيها مشاريع كبيرة. فهي مستعدة لعمل أي شيئ من أجل الحصول على امتيازات في البحث عن الطاقة متخطية شروط  وتعقيدات المؤ سسات الغربية المانحة وعلى رأسها البنك الدولي والاتحاد الأوروبي. ثم إن هناك إيطاليا التي تمول سدودا حول حوض النيل الأزرق في إثيوبيا.

الموقف المصري من اتفاقية عنتيبي

ترى مصر التي تستهلك 80% من مياه النيل أن الاتفاقية الجديدة وتداعياتها سيضر بمصالها وبأمنها القومي في المستقبل القريب والبعيد، لأن النيل بالنسبة لمصر هو المصير وأن أي خلل أو تقليل لمنسوب المياه الذي يصل إلى مصر أمر لا يمكن التسامح معه. وتميل مصر إلى التأكيد دوماً بأن هناك قضيتان تمسان أمنها القومي: وهما الحدود الشمالية (إسرائيل) ، ومياه النيل. وقد صرح الرئيس المصري الراحل أنور السادات بعد توقيعه لإتفاقية “كامب ديفيد” مع إسرائيل في عام 1979، بأن المسألة الوحيدة التي ستأخذ مصر إلى حرب أخرى في المستقبل هي المياه، في إشارة إلى النيل.

وبعد عشرين سنة من ذلك التصريح أي في عام 1999 هدد الرئيس حسني مبارك إثيوبيا بضرب السدود إذا أقامتها حول حوض النيل  الأزرق وذلك لحماية الحق التاريخي لمصر في مياه النيل.
بعض دول المنبع قد تأخذ هذه التهديدات أو أخذتها بالفعل بجدية وخاصة بعد اتفاقية عنتبي في مايو 2010  إذ إن رئيس وزراء إثيوبيا مليس زيناوي قال ” إنه لسر مكشوف بحيازة مصر قوات متخصصة في حرب الغابات، وليست مصر معروفة بالغابات، إذاً فإنه من المحتمل أن هذه القوات  دُرّبت لتحارب في غابات شرق إفريقيا. وأضاف ومع أني لا أستبعد هذه التهديدات تماما،  فإني لا أراها خيارا يمكن تحقيقه، وإذا كانت مصر تخطط أن تمنع إثيوبيا من استخدام مياه النيل فعليها أن تحتل إثيوبيا، وهو أمرلم تقم به دولة من قبل على وجه الأرض”.

أما أوغندا فإنها طلبت شراء ست طائرات روسية من نوع سوخوي بمبلغ 1.2 بليون دورلار أمريكي وهو أمر استغربه المراقبون ونفته الحكومة الأوغندية في أول الأمر، لكن ناطقا باسم الجيش الأوغندي صرح بأن الأسلحة للدفاع عن النيل. هذا الاستعداد الأوغندي يأتي في ظرف رفضت فيه السودان التوقيع على الاتفاقية، وفي وقت تجري فيه الاستعدادات على استفتاء مصير إقليم جنوب السودان . وعلى العموم فإن هذه التصريحات والتصرفات تشير إلى استعدادات بعض دول المنبع لكل الاحتمالات بما فيها المواجهة العسكرية.

ومن هنا يبدو أن جيلا جديدا من السياسيين والحكام في قرن وشرق إفريقيا، الذين يواجهون مشكلات حقيقية من الانفجار السكاني والبطالة، هم الذين يتحدون مصر في حقها في مياه النيل. ويرون أن دول المنبع في حاجة إلي طاقة من أجل تنمية تواكب العصر وتفي بحاجات مواطنيهم.

ويرى بعض الخبراء والمراقبين أن مصر هي التي أهملت دول المنبع وولت ظهرها لها على الرغم من أنها أحسن حالاً من الناحية الاقتصادية والتقنية والتنمية البشرية من دول حوض النيل الأخرى. ويضيفون:كان يحسن على مصر أن تعمل الآتي:-

  1. دعوة إثيوبيا إلى اتفاقية أديس أبابا 1959 التي صارت بديلة عن اتفاقية 1929. فإثيوبيا كانت دولة غير مستعمرة، فكان يمكنها أن تحضر ذلك الاجتماع. ويرون أن انفراد مصر والسودان، وهما من دول المصب لم يكن حكيماً.
  2. كان ينبغي لمصر دعم دول المنبع ببعض من مواردها وبخبراتها من التقنيات الزراعية والري وحفظ البيئة ومكافحة التصحر وتدريب الخبراء الزراعيين والري، وكان بإمكان مصر أن تقدم خبرتها إلى دول الحوض خاصةً وأن حاجة تلك الدول مازالت قائمة. والدليل على ذلك أنه بعد اتفاقية مايو 2010 في مدينة “عينتبي” اليوغندية، زار رئيس الوزراء الكيني “رايلا أودينغا” مصر وطمأن المسئوليين المصريين بأن دول المنبع لم تنو الإضرار بدول المصب. وسربت الصحافة الكينية المحلية أن الحكومة المصرية عرضت على كينيا المساعدة في إقامة مشاريع، منها مشاريع حفظ البئية، حفظ مياه الأمطار، حفر الآبار، وبناء السدود. وهذا  جيد ولكنه يعطي انطباعاً بأن مصر التي ربما يئست من تخفيف المواقف الإثيوبية،  بدأت تعول على كينيا. ولكنه انطباع غير صحي ينبئ بأن مصر يمكن استخراج المساعدات منها عندما تهدد وتخاف على مصالحها القومية “الأمن الغذائي”.
  3. استثمار العلاقات التاريخية – السياسية والثقافية – التي تربط مصر بدول قرن وشرق إفريقيا. فالوجود المصري في القرن التاسع عشر في أجزاء من إثيوبيا والتغلغل الأنجلو-المصري لأجزاء من شرق إفريقيا، والعلاقات الأخوية التاريخية مع الصومال قبل وبعد الاستقلال، كل هذا لم يعطه المصريون الحاليون ما يستحقه من الاهتمام لأجل المصالح الاستراتيجية المشركة بينها وبين شعوب المنطقة. إن الإسلام الموجود في شرق ووسط إفريقيا، وإن كان جزء كبير منه جاء عن طريق سواحل شرق إفريقيا إلا أن جزء من ذلك الإسلام جاء من الشمال. وتشير كتب التاريخ وجود علماء أزهريين في بلاط ملك كاباكا ملك “بوغندا” أوغندا الحالية. والسؤال هو أين المراكز الثقافية العربية المصرية في المدن الكبرى في المنطقة ؟ وأين الأساتذة المصريون في جامعات المنطقة، ولا يعني ذلك أساتذة في اللغة العربية والدراسات الإسلامية والحضارة فقط، بل أعني الأساتذة في مجالات المهندسة والزراعة والطب والجيولوجية في جامعات المنطقة. لماذا لا تمسك مصر قلوب هذه الشعوب بل وقلوب الساسة الذين وقفوا معها  في حرب حزيران 1967 وحرب أكتوبر 1973؟.
  4. إن مصر كانت رائدة في دعم معظم حركات التحرر الإفريقية بما فيها حركات شرق إفريقيا، وذلك في خمسينات القرن الماضي أثناء السعى الإفريقي للاستقلال، لماذا لم تستثمر مصر هذا الرصيد؟ ليس قفط في شعارات سياسية بل في إطار خطة حكيمة  تستهدف تقوية أواصر العلاقة بين شعوب وادي النيل منبعا ومصبا.
  5. الدفع باتجاه تعزيز التعاون العربي الإفريقي ، فهناك صناديق تعاون عربية إفريقية معنية بالتنمية، وهناك دول خليجية تنفذ مشاريع كبيرة وضخمة في بعض دول حوض النيل. فكان يتوقع أن تساهم مصر بجدية وأن تنسق مع هذه الدول أثناء تنفيذ تلك المشاريع، أن تسوّق المشاريع الإنمائية والزراعية لدول المنبع لدى الدول العربية الغنية، وتشارك في تنفيذ تلك المشاريع بخبراتها.

يرى الكثير من  المراقبين  للشأن  الافريقي  أن مصر ساهمت بنسبة كبيرة  فى تأزيم  الموقف بينها وبين  دول المنبع  مشيرين إلى نقاط عدة  يمكن اجمالها فى الآتي:-

  1. لم تنظر مصر  بجدية لمطالب دول المنبع.
  2. تراجع الاهتمام  المصرى بالشأن الافريقى، مما أحدث  فراغاً ملأه لاعبون آخرون كإسرائيل بدعم من الولايات المتحدة .
  3. تغيرت الخارطة السياسية فى أفريقيا، ولكنها لم تتعامل بجدية مع ذلك المتغير.
  4. لم تتطور لهجة المفاوض المصرى لتستوعب المستجدات على الساحة   الدولية، فظهرت الفجوة الكبيرة بين لغة الخطاب  المصري وبين  المواءمات السياسية .
  5. استخدمت  مصر لغة التهديد والوعيد، وهو ما فهم منه إمكانية اللجوء إلى  العمل العسكري لتحافظ على حقوقها فى مياه النيل، بدلاً عن اعتماد العمل  الدبلوماسي والحكمة فى إدارة الأزمة .
  6. يرى البعض أن مصر انتهزت تلك الخلافات وعملت على توظيفها فى سبيل إدارة أزمتها الداخلية ، ولم تكن جادة  فى الوصول إلى  اتفاق مع دول المنبع، فلجأت إلى لغة الوعيد والتهديد والنبرة العالية فى خطابها للفت نظر الشارع  المصري للخارج واقناعه بأن الخطر الذي يتهدده يأتيه من الخارج وليس من الداخل.
  7. النظرة الدونية من مصر لدول حوض النيل الأخرى وعدم إدراكها أن شعوب تلك الدول قد وصلت  لدرجة من الوعى تجعلها تطالب بحقوقها، كما أن مصر تناست أن الساحة الإفريقية مفتوحة من المجتمع الدولى.

إسرائيل وخلافات دول حوض النيل

تستند الحركة الصهيونية منذ بازل 1898م إلى استراتيجية محددة تضع المياه في رأس قائمة أولوياتها، باعتبار أهميَتها القصوى في هذه المنطقة من العالم المتَّسمة بالجفاف، فبدون المياه تستحيل الزراعة في مستوطناتها، ويتعذَّر تنفيذ برامج استيعاب المهاجرين إليها في الريف والحضر، عدا ما تتطلَّبُه الصناعة وخطط تنميتها، ووضعت إسرائيل خريطتها مبكراً على أساس التحكُّم في مجمل المصادر الطبيعية للمياه في المنطقة؛ بل وتغيير خريطتها الطبيعية لحسابها، ووضعتِ النيل ضمن حساباتها، وهي لا تضع خططها على الورق، بل تعمل فوراً لتنفيذها بشتَّى الطرق، غير مبالية بالحقوق التاريخية، أو الاتفاقيات القانونية الدولية.

وإذا كانت استراتيجية إسرائيل ترتكز على التهجير، الزراعة، واقامة المستوطنات، فإنها تُوَظف سياستها المائية لتحقيق مجموعة من الأهداف، والمقاصد التي يمكن حصرها فيما يلي:-

  • التحكم في مصادر المياه.
  • مضاعفة مواردها المائية بشتى الطرق.
  • تنمية مواردها من المياه الجوفية.
  • تدبير الموارد اللازمة لقنوات استهلاكها.
  • تحقيق مشروعها بسحب مياه النيل إلى النقب.
  • العمل على إنشاء سوق للمياه في المنطقة.
  • الإدارة المركزية المشتركة لمياه المنطقة.

وفيما يتصل باستراتيجيتها الخاصّة بمياه النيل، فهي تعود إلى عام 1903م أي إلى مشروع تأسيس الوطن القومي لليهود في سيناء، وتتبناه الآن في إطار فكرة محورية تستبدل بها برامجها لنقل السكان إلى المياه بأخرى هي “نقل المياه إلى السكان”، ويتحدَّد مشروعها بالنسبة للنيل في أنَّه يُمكِنُ لنسبة قليلة من مياهه (لا تتجاوز 1 % من جملتها في مصر، أي من أصل الـ 55.54 مليار م3) أن تحل مشاكل إسرائيل المائية ولفترة طويلة مقبلة، وأن ذلك مجدٍ من الناحية الاقتصادية لها ولمصر، حيث ستدفع إسرائيل ثمن ما تشتريه من مياه  وقد برزتْ فكرة إنشاء سوق للمياه في المنطقة في ندوة عقدت في جامعة تل أبيب (إبريل – مايو 1994م)، وفيها طُرِحت أفكار متعددة حول تكلفة توفير المياه من مصادرها المختلفة، واستبعدت التحلية لارتفاع التكلفة، وطرح اقتراح شراء المياه بواسطة سوق للمناقصة، وتناولت الندوة موضوع جدوى جلب المياه من مصر أو تركيا؟ وحسبت تكلفتها من النيل حتَّى قطاع غزة والنقب، وتكلِفَتها من تركيا (الفرات) إلى طبرية، وتبيَّن أن جلبها من مصر أفضل اقتصاديّا (مشروع ترعة السلام).

ولولا النقب لما كانتْ هناك – في الواقع – مشكلة مياه في إسرائيل بعدما وضعت يدها وسرقت ونهبت معظم مصادر المياه في المنطقة من حولها، والنقب صحراء تبلغ مساحتها نصف مساحة فلسطين تقريبًا، وتشكّل القسم الجنوبي منها، وهي في حاجة ماسة للماء ليس فقط لكونها صحراء جافة؛ بل أيضًا لملوحة تربتها.

ولا شك في أن إسرائيل حاضرة وبقوة في الخلافات والاختلافات التي تصاعدت إعلامياً وسياسياً في الفترة الأخيرة بين دول حوض النيل، ولا غرابة في ذلك، فإسرائيل في بداية الستينات، ومع استقلال معظم دول الحوض كانت موجودة حول منابع النيل. وكانت تبدي استعدادها لمساعدة دول المنبع في مشاريع تنموية زراعية وغير زراعية بل كذلك في برامج أخرى فنية خارج إطار قضية المياه. ولكن في فترة الستينات والسبعينات لم تكن حاجة دول المنبع إلى مياه النيل كبيرة، وذلك لوفرة الأمطار، وقلة عدد سكان منطقة شرق إفريقيا آنذاك، ولانشغال بعض الدول إما بصراعات داخلية أو إقليمية. أما في الوقت الراهن فإن هناك حاجة كبيرة لمياه النيل كما ذكرنا آنفاً، وبالتالي فإن إسرائيل قد تكون جزءاً من دول أخرى تريد أن تمول أوتقيم سدوداً حول منابع النيل للري أو  للطاقة الكهربائية سواء بنفسها أو عبر دفع وتشجيع دول أخرى لها خبرتها في هذا المجال.

اعتماد مصر والسودان على تأييد القانون الدولي

من البديهيّ التأكيد في هذا الصدد على أن تأييد القانون الدولي لمصر والسودان وجدارة الاتفاقيات الموقَّعة حول الأنهار الدولية ومبدأ التوارث ليس كافياً لجلب الطمأنينة لكل من السودان ومصر، بل إن أمام الدولتين تحديات ضخمة للوصول لتسوية الأزمة، عبر مراجعة الطرفين –خاصةً مصر- لمواقفها تجاه دول “الأندوجو” والبحث عن سبل إعادة هندسة الدور الإقليمي لها وتطويق أخطاء استراتيجية وقعت فيها خلال العقود الثلاث السابقة، على رأسها النظر إلى علاقاتها مع دول المنبع من منظور ضيق بها، واقتصارها على ملف المياه واستخفافها بحجم المخاطر المحيطة بها، وتجاهل مشاكل هذه المنطقة بشكل أسهم في خلق فراغ نتيجة غياب الدور المصري، مما أعطى فرصة ذهبية لبلدان مثل إسرائيل لملء هذا الفراغ ، والتي كان آخر محاولاتها الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان لدول الحوض خلال العام 2009م.

ومما يفاقم من وضع مصر في هذا الملف المعقد افتقادها لأوراق مهمة بيدها تستطيع استخدامها أو التلويح بها، فهي لا تقدم دعماً أو مساعدات فنية أو حتى تعليمية وثقافية ذات قيمة لتلك الدول ، ولا تمارس أي نوع من الدبلوماسية السياسية، ولا حتى الشعبية، ولا تمتلك حزمة من الاستثمارات الاقتصادية تستطيع مقايضة دول المنبع بها في حالة تأزم الأوضاع، بل إن قدرة مصر على التلويح بالقوى العسكرية لحماية مصالحها في دول الحوض تكاد تكون معدومة في ظل التطورات الدولية، فضلاً عن أنها لا تفضل اللجوء لهذا الخيار إلا إذا أوصدت في وجه التسوية جميع الأبواب.

فرص التسوية والتهدئة

رغم قتامة الأوضاع وتأخر مصر والسودان في محاولات تسوية هذا الملف الشائك، إلاّ أن فرص التسوية لا زالت قائمة بشرط تبني الدولتين لحزمة من السياسات الدبلوماسية والتنموية، يأتي في مقدمتها توجيه خطاب واضح للدول الإفريقية بعدم وجود تضارب في المصالح بين دول المنبع والمصب، وإمكانية الوصول لتسوية للقضايا العالقة تحافظ على حقوق جميع الأطراف، وتعطي فرصة للاستفادة القصوى لجميع دول الحوض من مياهه، بشكل لا يضر بحصص دول المصبّ، بل يمكن زيادة هذه الحصص في حالة تبني مشاريع فنية توقف الهدر الكبير لأكثر من 1000 مليار متر مكعب سنويًّاً، فضلاً عن ضرورة المضي قدماً في إتمام مشروع قناة جونجلي التي تضمن لمصر والسودان أكثر من 10 مليارات متر مكعب.

وفي نفس السياق يجب على مصر والسودان فصل ملف مياه النيل عن علاقاتها بدول الحوض عبر تبني استراتيجية شاملة وعبر تفعيل الدور الدبلوماسي بشكل يجعل السودان ومصر قادرتين على صيانة مصالحهما حتى لو تطلب ذلك نوعاً من المواجهة من الدول المعادية لها، وإيجاد نوع من الذراع الاقتصادي والاستثماري مع هذه الدول يخلق نوعاً من لغة المصالح بالإضافة لتنشيط التبادل التجاري، واستعادة زخم الروابط الشعبية والضرب على وتر العلاقات التاريخية والتضحيات المشتركة لهذه البلدان من أجل إزالة الحقبة الاستعمارية.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فالقاهرة مطالبةٌ باستعادة ما يطلق عليه “القوة الناعمة” في القارة السمراء، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية والانخراط بقوة في حلّ مشاكل وتفكيك الأزمات في هذه البقعة الحيوية، والظهور في مظهر من يهتم بمشاكل الأفارقة، وليس في مظهر الرجل الأبيض المتعالي عليهم، وهي نظرية لعبت إسرائيل دوراً كبيراً في تكريسها منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى الآن، عبر الوسائل الدبلوماسية والإعلامية، واختراق هذه المجتمعات بسلاح المعونات والدعم السياسي والعسكري لأنظمتها، لدرجة أن هناك اعتقاداً جازماً بأن إسرائيل قد غدت الدولة الحادية عشرة من دول حوض النيل.

ولأن الأبواب الموصدة تلين بالطرق فيجب على كل من مصر والسودان إعادة فتح هذه الأبواب عبر زيارات على مستوى القمة لهذه البلدان، فيكفي أن نذكر أن الرئيس مبارك لم يقم بزيارة لإثيوبيا منذ ما يقرب من 15عامًا عقب تعرضه لمحاولة اغتيال في أديس أبابا عام 1995، واكتفت مصر بزيارة يتيمة لرئيس الوزراء أحمد نظيف، وقد ساعد في إيجاد نوع من الجفوة مع دولة المنبع الأهم التي وقعت اتفاقية مع مصر عام 1992 تحافظ القاهرة بموجبها على حصتها في مياه النيل، وهو ما يعضد من موقف مصر والسودان على حد سواء، وكذلك ينبغي تكرار نفس الخطوات مع كل من أوغندا وكينيا وتنزانيا، سواء بلقاءات القمة أو بإيفاد مبعوثين رفيعي المستوى لإيصال رسالة للقاصي والداني بنهاية عصور التخبط والارتجال الذي سيطر على سبل تعاطي بلدي المصبّ مع دول المنبع طوال العقود الماضية.

ختاماً

إن موقف مصر والسودان والمستند لقواعد القانون الدولي ومبدأ التوارث والحقوق التاريخية والتعقيدات الخاص بالتوقيع المنفرد لدول المنبع والصعوبات الكبيرة التي تواجه عملية بناء السدود في دول المصب لا يقدم تسوية للأزمة، ولا يجب أن توجِد نوعاً من التراخي للدبلوماسية العربية في هذا الملف، بل إنها قد توفر أجواء من المعالجة الهادئة لملف شديد التعقيد تتجاوز خطايا الماضي الاستراتيجية، وتؤسس لعلاقات متينة مع دول الحوض قد تقنعها بالقبول بحل وسط في النهاية وتفرغ الخطط المدفوعة من الخارج من مضمونها، وهي خطوات تحتاج لجهود شاقة وسياسات طويلة الأمد تخلط بين سياسة العصا والجزرة وتكرس نوعاً من القوة الناعمة والقدرة على ردع الأعداء في زمن وسد فيه القانون الدولي والمعاهدات الموقعة التراب، ولم يعد فيه مكان إلا للأقوياء، وهي رسالة ينبغي على الدبلوماسية المصرية والسودانية أن تفهم مغزاها جيداً وبسرعة.

%d مدونون معجبون بهذه: