قضية يونيو (٢٠١٠): أزمة الدستور الكيني الجديد: محاكم الأحول الشخصية للمسلمين في كينيا وصراعها من أجل البقاء

[download id=”9″]

تـمـهـيـد

تمر الأحوال السياسية في كينيا بحالة مخاض دستوري حيث الأنظار متجهة إلى يوم الأربعاء 4/8/2010م وهو موعد الاستفتاء الشعبي على الدستور الجديد المقترح الذي جرى العمل له من قبل القـوى المعارضة منذ أكثر من 25 سنة ومن الحكومة أخيرا بضغط من المجتمع المدني إضافة إلى المنظمات الدولية، والهيئات الغربية.

وبرزت قضية محاكم الأحوال الشخصية للمسلمين في كينيا والمسمَّـاة بـ (Kadhi Courts) كحدث رئيسي في اللعبة السياسية ما بين المؤيدين والمعارضين للدستور الجديد منذ شهور بعدما جندت القوى الكنسية المتشددة كل وسائلها المتاحة في الداخل والخارج من أجل إسقاط الدستور الجديد بحجة اشتماله على بندٍ برقم 170 يقرر استمرارية محاكم القضاة، وفقرة 4 من بند 26 والتي تسمح بجواز إسقاط الجنين عند ضرورية إجراء عملية علاجية، أو تعرضت حياة أمه للخطر بناء على تقرير خبير طبي مدرب، وهو ما اعتبروه تقنيناً للإجهاض وفسحاً له.

وتأزَّمت الأحداث أكثر فأكثر بعد أن أصدر ثلاثة قضاة في المحكمة العليا قرارا بتاريخ 24/5/2010م يقضي بعدم شرعية إدخال بند محاكم القضاة (Kadhi Courts) في الدستور الجديد بناء على دعوة تقدم بها للمحكمة العليا ستة من زعماء الكنائس المتشددة عام 2003م ضد إدخال بند المحاكم المذكورة في الدستور الجديد.

واستند القضاة الثلاثة وهم: القاضي جوزيف نيامو، والقاضي ماثيو أنيارا إيموكولي، والقاضية روزالين ويندوه – حسب رأيهم – في الحكم الصادر المذكور إلى أن إدخال محاكم القضاة في الدستور الجديد يقتضي تفضيل أحد الأديان على الأديان الأخرى، وعدم الفصل بين الدين وبين دستور الدولة، وترسيخ الطائفية والتمييز الديني بين الطوائف الدينية، وتكليف غير المسلمين بدفع الضرائب التي سيتم دفعها كرواتب لموظفي المحاكم المذكورة وتسيير أمورها.

فرح زعماء الكنائس بهذا القرار واستبشروا لكن معارضيهم من كافَّة الأطياف السياسية أجمعوا على أن القرار تعسفي وانتقائي تمَّ تدبيره من قبل القوى الرافضة للدستور الجديد، والتي ستفقد الكثير ممن المميزات والمصالح التي كانت تتمتع بها منذ الاستقلال لو تمت إجازة الدستور الجديد، وتبع ذلك توضيحات قانونية من المدعي العام وكبار المحامين بأنه ليس من صلاحيات القضاة في المحكمة العليا والمُعَـيَّـنِين بالدستور القديم الحكم بقانونيةِ أو بغير قانونيةِ بندٍ مّـا في الدستور الجديد، وإنما ذلك يرجع إلى البرلمان وإلى الشعب عبر اللجان التشريعية المكلفة بوضع الدستور الجديد، والتي قدمت المسودة النهائية له إلى البرلمان الذي أجازها بدوره لعرضه على الاستفتاء الشعبي في 4/8/2010م.
وعطفاً على الأحداث المتسارعة ذاتها فإن قاضياً آخر في المحكمة العليا بمدينة ممباسا الساحلية وهو السيد محمد إبراهيم أبطل بتاريخ 31/5/2010م دعوى أخرى تقدم بها ثلاثة من زعماء الكنائس في ممباسا ضد إضافة بند محاكم القضاة (Kadhi Courts) إلى الدستور الجديد بحجة أنه ليس من صلاحيات القضاء الأعلى التدخل في بنود الدستور العام للدولة.

خلفيات الدراسة

نظرا لما تعنيه محاكم القضاة للوجود الإسلامي التاريخي في كينيا، ولوجود تيار كَنَسي متشدد – مخالف لرأي الأغلبية الشعبية المسيحية- يعارض المحاكم المذكورة بتوجيه أطراف خارجية ظهرت أسماؤها في الصحف ووسائل الإعلام مؤخراً، ولجهالة كثير من الأطراف المتصارعة في هذه القضية للظروف التاريخية التي صنعت محاكم الأحوال الشخصية للمسلمين في كينيا، والمعاهدات التاريخية التي أبرمت بخصوص هذه المحاكم ما بين سلطان زنجبار والسلطة البريطانية عام 1895م، وما بين السلطان وبين حكومة الاستقلال الكينية بقيادة الرئيس جومو كنياتا عام 1963م، أحببت أن أشارك بهذا المقال التوضيحي لقراء العربية كالتالي:

لمحة تاريخية

تؤكد الآثار الجغرافية والمصادر التاريخية أن الإسلام وصل إلى ساحل كينيا منذ القرن الأول الهجري وبالتحديد في عام 65هـ وذلك في أيام عبد الملك بن مروان الأموي عن طريق بعض المهاجرين العرب الذين هاجروا من جنوب الجزيرة العربية لأسباب اقتصادية أو سياسية، كما تدل التواريخ المُدوَّنة قبل ألف عام على بعض المساجد الموجودة حتى الآن في (جيدي)، وجزيرتي (بَاتَيْ) و(لامُو) على وصول التجار العرب إلى تلك المناطق الساحلية من كينيا، حيث كانت سفن عرب جنوب شبه الجزية العربية تجول في المحيط الهندي وسواحله، والبحر الأحمر، تحمل البضائع من المراكز التجارية التي أنشئوها على امتداد الساحل الشرقي لأفريقيا إلى البلاد العربية.

ونتيجة لموجات الهجرة المتتالية تكونت إمارات إسلامية عديدة على طول ساحل شرق أفريقيا، كإمارة مقديشو، ومركة، وبراوة، وكسمايو (في الصومال)، وإمارة لامو، وماليندي، وممباسا (في كينيا)، وإمارة كِلوة، وبمبا، وزنجبار (في تنزانيا)، ونتج من تفاعل وتواصل القادمين إلى هذه المناطق بالمقيمين فيها قبلهم اعتناق المواطنين بالديانة الإسلامية، وظهور ثقافة إسلامية عربية سائدة على كامل ساحل شرق أفريقيا؛ تمثلت في بروز اللغة السواحلية التي جمعت ما بين الحضارة الإفريقية والإسلامية في مفرداتها وآدابها التي تعتبر من أغنى الأدبيات الإفريقية بالإضافة إلى تأسيس المحاكم القضائية الشرعية التي كان أغلب قضاتها على المذهب الشافعي.

وقد دوَّن الرَّحَّالة المغربي ابن بطوطة (ت 778هـ) في رحلته المشهورة (ص257) أنه مرَّ بساحل شرق أفريقيا في القرن الثامن الهجري، فزار مقديشو، ومُمباسا، وكِلْوَة، وغيرها من المدن الساحلية، وذكر أن سكان هذه المناطق كلها مسلمون، شافعيـو المذهب، أهل دين وصلاح وعفاف.

وصول البرتغاليين

بقيت المنطقة إسلامية يحكمها سلاطين وأمراء من أهالي المنطقة حتى جاء الرحالة المستكشف البرتغالي فاسكو دغاما عام 1498م ومعه بعثة كاثوليكية تبشيرية فنزل في ممباسا أولاً ثم في ماليندي وهناك صاحبه الملاج العربي أحمد بن ماجد النجدي واتخذه دليلا بحريا له إلى الهند، وقاده إلى مدينة جَوْاَ(Goa) في جنوب الهند، وبعد ذلك رجع فاسكو إلى البرتغال وقدم تقريرا مفصلا عن رحلته إلى ملك البرتغال يحثه فيه على الاتجاه نحو شرق إفريقيا لاستعمارها ونشر المسيحية فيها. وقد استجاب الملك البرتغالي لنصاح فاسكو دغاما فعلاً فأرسل خلفاؤه قوات بحرية استكشافية برتغالية أخرى إلى المنطقة في عام 1542م. وفي عام 1592م بدأوا ببناء قلعة المسيح (Fort Jesus)المشهورة في ممباسا كقاعدة بحرية وتبشيرية لهم، وانتهوا منها عام 1639م، وعلى إثر ذلك وقعت المنطقة في الاستعمار البرتغالي الذي استمر إلى عام 1740م عندما تمكن الممباسيون بمساعدة من السَّلاطين العمانيين في مسقط من إزالة الوجود البرتغالي في شرق أفريقيا نهائيا بعد 240 عاماً.

طرد البرتغاليين ووصول العمانيين

رجعت المنطقة إلى أيدي أصحابها السواحليين بعد طرد البرتغاليين من ساحل شرق أفريقيا، لكن نفوس العمانيين لم تستطع مفارقة المنطقة نظرا لجمالها، وكثرة الخيرات فيها، فكانت لهم صلات بَحْرية واجتماعية قوية بأهل المنطقة منذ ذلك الحين، وفي عام 1834 م قرَّر السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي نقل عاصمته من مسقط إلى زنجبار لينشأ هناك أقوى دولة فيما بعد سياسياً واقتصادياً في شرق إفريقيا، وهي سلطنة زنجبار المشهورة التي حكمت عُمان وإفريقيا الشرقية حوالي 130 سنة من خلال 12 سلطانا كان أولهم السيد سعيد بن سلطان المؤسس (ت 1856م)، وآخرهم السلطان جمشيد بن عبد الله البوسعيدي سلطان زنجبار الذي أطيح به في انقلاب دموي بقيادة عبيد كرومي وعناصر متحالفة مع رئيس تنجانيقـا آنذاك جوليوس نيريري في 12/1/1964م وذلك بعد حصول زنجبار على استقلالها من بريطانيا بثلاثة وعشرين يوما فقط ( كان ذلك في 19/12/1963م) لتنضم زنجبار إلى تنجانيقـا على رغبتهم ويتولَّد ما يعرف حاليا باسم (تنزانيا) المنحوت من كلمتي (تنجانيقـا) و (زنجبار).

اتفاقية سلطان زنجبار مع السلطات البريطانية عام 1895م

وصل الاستعمار البريطاني إلى سواحل كينيا عام 1884م، وفي عام 1895م تنازل السلطان حامد بن ثويني البوسعيدي لصالح بريطانيا عن إدارة شريط ساحل كينيا وهو10 أميال من البحر شرقا للداخل غرباً على طول ساحل كينيا بمعاهدة عرفت باسم Ten Mile Coastal Strip) Agreement) في مقابل تعهد بريطانيا بالاحتفاظ بالمحاكم القضائية الإسلامية كما كانت قبل الاستعمار، وحرية الشعائر الدينية، والإبقاء على الممتلكات، وشروط أخرى، على أن تبقى للسلطان السيادة القانونية الكاملة على الأراضي التي تنازل عنها إداريا لتكون محمية بريطانية، فوافقت بريطانيا على المعاهدة، وحافظت على الشروط المذكورة في المنطقة المحددة .

اتفاقية سلطان زنجبار مع حكومة الاستقلال عام 1963م

بقيت المنطقة الساحلية تحت سيادة سلاطين زنجبار المتعاقبين مع تبعيتها إدارياً للسلطة البريطانية، وفي عام 1961م وأثناء بداية المحادثات التي كانت تجريها بريطانيا مع وفود كينيا الطالبة للاستقلال في مؤتمر المحادثات الدستورية بدار لانكستر هاوس في لندن المعروف تاريخيا باسم (Lancaster House Constitutional Talks) برزت قضية مصير المنطقة إلى الواجهة، ونظرا إلى اختلاف المنطقة عن باقي المناطق الكينية الأخرى نظمت السلطات البريطانية محادثات منفصلة مع وفد المنطقة الساحلية بشأن تقرير مصيرها.

وعلى إثر ذلك اتفقت السلطات البريطانية مع سلطان زنجبار على تعيين مندوب سام يدرس القضية، فعينوا المندوب البريطاني جيمس. ر. روبرتسون لدراسة القضية والتشاور مع الأطراف المعنية، ورفع التقرير إلى السلطتين.

وبناء على ذلك قدم روبرتسون إلى السلطتين تقريره لاحقاً، وذكر فيه أن الآراء في شأن مصير المنطقة منقسمة ثلاثا؛ ما بين استقلال المنطقة، وإعادتها إلى سلطنة زنجبار، أو ضمها إلى الحكومة الكينية المرتقبة، لكنة أيد الرأي الأخير في تقريره، ونصح السلطات البريطانية به بشرط ضمان الحكومة الكينية المرتقبة بالاحتفاظ بمحاكم القضاء الشرعية المعمول بها في المنطقة، وتنفيذ جميع الشروط الواردة في المعاهدة البريطانية مع سلطان زنجبار عام 1895م.

وتنفيذا لذلك كتب رئيس حكومة الاستقلال: جومو كنيايا بتاريخ 5 اكتوبر 1963 رسالة إلى رئيس وزراء سلطنة زنجبار السيد محمد شمتي يتعهد فيها ما يلي:

  1. التزام حكومة الاستقلال بحفظ حرية الدين والعبادة للجميع وخاصة للمسلمين.
  2. الاحتفاظ بسلطة قاضي القضاة وقضاة المحاكم الشرعية في قضايا الزواج، والطلاق، والإرث بين المسلمين.
  3. تعيين الإدارايين المسلمين في المناطق ذات الأغلبية المسلمة.
  4. تعليم أولاد المسلمين للغة العربية لأهميتها الدينية لديهم، ودعم المدارس العربية والإسلامية.
  5. الاعتراف بحرية تملك صكوك الأراضي الساحلية التي تم تسجيليها سابقاً، وأخذ الخطوات اللازمة لتحقيق استمرارية إجراءات التسجيل لمُلاك الأراضي، وحفظ حقوقهم.
  6. في مقابل تنازل السلطان عن سيادته على الشريط الساحلي لحكومة الاستقلال.

وفي رسالة جوابية من رئيس وزارء زنجبار المذكور إلى رئيس حكومة الاستقلال السيد جومو كنياتا وافق السلطان جمشيد بن عبد الله البوسعيدي على ذلك؛ لتكون الرسالتان المتبادلتان اتفاقية بين السلطان وحكومة الاستقلال برئاسة عام 1963م كما صرح به جومو كينياتا في آخر رسالته المذكورة إلى السلطان.

وعلى ضوء هذه الاتفاقية حافظت الحكومة الكينية المستقلة على استمرارية محاكم القضاة في قضايا الزواج والطلاق والإرث للأطراف المسلمة التي تختار القضاء الشرعي في القضايا الثلاث المذكورة فقط مع إعطائها فرصة الاحتكام للقوانين المدنية فيها بدلًا من محاكم القضاء الشرعية، وصدَّق البرلمان عليها لاحقا ليتم إدراجها في البند الخامس من بنود القضاء في دستور الجمهورية الأول، والواقع الآن تحت المادة (66) من الدستور الحالي؛ لتكون محاكم القضاة جزء من النظام القضائي الكيني منذ ذلك الوقت تحت مسمى (المحاكم المساعدة).

ثم تتابعت الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال وحتى الآن على الاحتفاظ بمحاكم الأحوال الشخصية للمسلمين، ودفع رواتب القضاة والإداريين العامين معهم، وكان يوجد عند الاستقلال 3 قضاة فقط ، ثم ارتفع العدد إلى 6 في عام 1967م ليصل حاليا إلى 17 قاضيا موزعين في أنحاء الجمهورية.

بداية المشكلة وتصاعدها

كانت المحاكم المذكورة تعمل بصورة طبيعية في أنحاء الجمهورية منذ الاستقلال عام 1963م وحتى الآن في مجالها الطبيعي، ولم تحدث أية حساسية ما بين المسلمين وبين مواطنيهم من المسيحيين والوثنيين بسببها، ولم يسجل في تاريخ كينيا أي عنف ديني ما بين طوائفها الدينية كما يحدث في بعض البلدان الإفريقية.

وأول اهتمام بهذه القضية برز بعد تعيين الحكومة عام 2003م لجنة كتابة ومراجعة الدستور الجديد التي عرفت باسم (Constitution of Kenya review Commission)، وكان من مهمات هذه اللجنة عقد مؤتمرات وندوات عامة يتم من خلالها جمع أراء المواطنين في الدستور المقترح بالإضافة إلى الاستشارة مع المنظمات المدنية، والقانونية، والسياسية، والتجارية، والصحية، وتبادل الآراء مع الوفود الدولية التي دعيت من أجل تقديم أفكارهم ومقترحاتهم حول كتابة وصياغة الدستور الجديد.

وقد نظمت اللجنة عدة مؤتمرات عامة من أجل صياغة الدستور الجديد وما يوضع فيه وما يحذف، وقابلت أطيافا مختلفة من الشعب في جميع المحافظات الثمانية، وجمعت أراء كثيرة حول بنود الدستور المرتقب، ولم يحدث أن عارض شخص كيني استمرارية محاكم الأحوال الشخصية للمسلمين، بل طلبت بعض الشخصيات في المناطق ذات الأغلبية المسلمة بتقوية سلطة هذه المحاكم وإضافة بنود أخرى إلى مهماتها الرسمية حالياً لتشمل جميع قضايا المواطنين المسلمين.

غير أن الاعتراض الحقيقي على إدخال المحاكم المذكورة في بنود الدستور الجديد ظهر في مؤتمر بَوْمَاْس الدستوري (Bomas Constitutional Conference ) عام 2003م من خلال بعض الشخصيات الإنجيلية من اليمين المسيحي الأمريكي والتي حضرت المؤتمر كمراقبين دوليين؛ حيث أطلقت هذه الشخصيات حملة إعلامية شديدة ضد إدخال محاكم القضاة (Kadhi Courts) في بنود الدستور الجديد من خلال النشرات التي كانت تنشرها وتوزعها بالمجان على الوفود في المؤتمر المذكور ضد محاكم القضاة، لكن ذلك لم يؤثر على قرار اللجنة الذي رأى استمرارية سلطة محاكم القضاة تبعاً للدستور السابق، ونظرا للمصلحة الوطنية العليا.

ولما فشلت هذه الشخصيات في تحقيق أهدافها بدأت بتحريض الشخصيات الإنجيلية المحلية على وجود المحاكم في الدستور الجديد، فبدأت الكنائس المتطرفة بحملة إعلامية منظمة وسط الجماهير المسيحية من أجل إسقاط الدستور الجديد بزعم تضمنه بندا في محاكم القضاة ومزاعم أخرى، وامتد هذا التأثير أخيرا إلى أغلب زعماء الكنائس ومنظماتها الدينية حتى اتفقوا مؤخرا بقيادة المجلس الوطني للمسيحيين الكينيين (NCCK) – وهو أكبر تجمع للكنائس البروتستانتية في كينيا- على اعتراض الدستور الجديد بـ (لاْ) في الاستفتاء المرتقب عليه في الرابع من أغسطس 2010م.

دعاوى المنتقدين لمحاكم القضاة، والسبب الحقيقي

يزعم معارضو الدستور الجديد أن إدخال بند المحاكم في الدستور الجديد يستلزم رفع أحد الأديان على البقية، وإيهام أنه الدين الرسمي للدولة، ومخالفة الدستور الذي ينص على علمانية الدولة، والتمييز بين الطوائف الدينية، وتكليف غير المسلمين بدفع الضرائب التي سيتم دفعها كرواتب لموظفي المحاكم المذكورة وتسيير أمورها.

والجواب عن هذا أن إدخال بند محاكم الأحوال الشخصية في الدستور المقترح ليس فيه أدنى إشارة إلى التفضيل الديني أو الطائفي، أو المساس بعلمانية الدولة، بل هو عبارة عن بعض الحالات الخاصة بالمسلمين في قضايا معينة ضمن القضاء الكيني العلماني، كحال كثير من البنود الاجتماعية في الدستور القديم والجديد المبنية على التقاليد اليهودية – المسيحية والتي سرت إلى الدساتير الكينية من خلال القانون البريطاني الذي يعتبر أصلاً للقانون الكيني، وأما ما زعموه من الضرائب فإن المواطنين المسلمين يدفعون الضرائب للدولة كما يدفعها غيرهم.

وبالنظر في أصناف المعارضين للقانون الجديد وهي الشخصيات الإقطاعية، ومجموعات الكنائس يظهر أن السبب الحقيقي لمعارضتهم للدستور الجديد ليس هو أمر محاكم القضاة بالتحديد، وإنما هي قضية امتلاك الأراضي والاحتفاظ بها، فكثير من الإقطاعيين الرأسماليين والكنائس ورثوا آلاف الهكتارات والأفدنة من الأراضي الزراعية الذهبية من الاستعمار والبعثات التبشيرية، والتي لا يزال كثير منها معطلاً لكثرتها، على حين أن أغلب فئات الشعب لا تملك من الأرض شيئا، وتعيش متكدسة في مناطق شعبية غير مؤهلة للسكن، فبما أن الدستور الجديد في بنوده (60، 64، 66، 68) يقرر توزيع الأراضي والثروات على المواطنين بصورة متساوية، ومراجعة السياسات القديمة في امتلاك الأراضي، وحق المفوضية الوطنية للأرض في تحديد مقدار الأراضي المملوكة لأفراد، ظهر السبب الحقيقي لاعتراضهم على الدستور متسترين وراء قضايا افتعلوها من أجل إسقاط الدستور الجديد لتبقى لهم مصالحهم الإقطاعية.

السِّجال ما بين (نعَـم) و (لا ).

يقود رئيس الجمهورية السيد مواي كيباكي ورئيس وزرائه السيد رائيلا أودينغا فريق (نعم) الذي اتخذ اللون الأخضر شعارا له في حملته الإعلامية من أجل تأييد وحشد الدعم للدستور الجديد، بينما يقود وزير التعليم العالي السيد ويليام روتو من منطقة وادي الأخدود وزعماء الكنائس معسكر (لا) متخذين اللون الأحمر شعارا لحملتهم ضد الدستور الجديد.

وتدل آخر الاستطلاعات بتاريخ 4/6/2010م أن (نعم) لا يزال متقدما على (لا) في الجمهورية بنسبة 57% للأول، و 19% للأخير، مع ملاحظة أن تيار (لا) يتصاعد بنسبة متوسطة ثابتة، على حين أن تيار (نعم) مع أغلبيته يفقد كثيرا من أتباعه شهرا بعد شهر نظرا لتأثير الحملة الإعلامية من المعارضين على المواطنين.

والسؤال هو الآن: هل تقدر محاكم القضاة مجاوزة هذا الاختبار الحرج في هذا الفترة التاريخية الصعبة أم تكون تحت رحمة القضاء الأعلى في كينيا الذي أصدر قضائه مقدماً؟ ذلك ما سيتضح في يوم الأربعاء 4/8/2010م.

6 تعليقات

  1. مواطن من جمهورية الصومال الفدرالية

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بعد ماقريت اول مرة اعرف بهذا القانون الي يحافط على حقوق المسلمين في كينيا

    واتمنى لمن يريدون الخير للشعب المسلم كل خير بما فيه خير وصلاح لأمة

  2. لماذا لا نستقر على الشرع الاسلامي الذي كان يعمل به في زمن الحكومات العمانية
    نحن مسلمون ونتممتع بالدم العربي فلماذا لا ياخذون من عُمان شريعة الاسلام ونستريح والعلمانية لا تكن قبل الاسلام

  3. مرحبا بالدكتور محمد عليو وشكرا لكم بتقريركم الوافي رغم أشغالك الكثيرة وأعمالك الإدارية والشامل بالجانب التاريخي النشأة والتطوّر وفترة الاستقرار وكذا المشاكل الدستورية والمعارضة المتمثلة من قبل غير المسلمين ولقد أحسن الدكتور ذلك أيما إحسان فلطالما انتظرنا مشاركاتك على أمل أن يتوالى عطاؤك في الشاهد العربي لا حقا بإذن الله تعالى.

    عودة إلى التقرير
    إذا نظرنا إلى أهميّة القضاء الشرعي ودوره في الأقليّات الإسلاميّة فمن الممكن أن نقول إن القضاء الشرعي هو عمدة حياة المسلمين حفظا على هويتهم وهو الرابط الوحيد المتبقي لعلاقة المسلمين بدساتير دولهم.
    وفي تصوّري أن المشكلة لن تتوقف حتى ولوتم التصويت لصالح الدستور الجديد وذلك لتغلغل التيار الكنسي المتطرف في المؤسسات الدستورية الكينية وبقاء التيار المعتدل خارج تلك المؤسسات.

    أتمنى لك كل الخير في الدارين.
    آدم يونس.

  4. recieve humble regards dr alio… islam is islam khadis court were in exsistence along the east coast of africa long befor the coming of british colonialist in the 19th century. so we faces many chalenges from the enemy of islam.. and that why they refuse khadis court … thanks dr alio god bless you

  5. سلامي للزميل الدكتور محمد شيخ عليو على ما اتحفتنا به من السرد التاريخي المبنى على الحقائق والوثائق، ودقة التحليل لخفايا المعسكر الرافض للدستور الجديد، على أن محاكم (kadhi courts) – مع نقصها – تُعدُّ زمراً للتاريخ الإسلامي الطويل في كينيا، وسنداً قوياً للمسلمين، فعلى المسلمين في كينيا العمل الجاد لبقاءها واستمرارها.

  6. بارك الله فيك سعادة الأستاذ محمد شيخ علي تقرير جميل ومفيد للغاية ..أطال الله عمرك .. اللهم آآآآآآآآآآمين .

%d مدونون معجبون بهذه: