قراءة في تحذيرات المنظمات الدولية من شبح المجاعة في الصومال

المقدمة:

تقع الصومال في منطقة القرن الإفريقي، ويحدها من الشمال الغربي جيبوتي، وكينيا من الجنوب الغربي، وخليج عدن من الشمال والمحيط الهندي من الشرق وأثيوبيا من الغرب. وتمتلك أطول حدود بحرية في قارة أفريقيا. وتتسم تضاريسها بالتنوع بين الهضاب والسهول والمرتفعات، مناخها صحراوي حار على مدار السنة مع بعض الرياح الموسمية والأمطار غير المنتظمة.[1]

يركز هذا التقرير على طبيعة التحذيرات التي أصدرتها هيئات الإغاثة الدولية والمحلية من كارثة إنسانية تواجهها الصومال بعد أقل من ثلاث سنوات بسبب موجات الجفاف التي ضربت مناطق في وسط وجنوب الصومال نتبجة قلة الأمطار الموسمية بالإضافة إلى الحروب المستعرة بين الحكومة الصومالية وحركة الشباب.

ومعلوم أن اقتصاد الصومال يعتمد على قطاعي الزراعة وتربية المواشي، على الرغم من استفادتهما خلال العقدين الماضيين لم يكن على المستوى المطلوب، نتيجة الأوضاع المتردية وغياب النظام الحكومي الذي كان من المفترض أن يعمل لحماية اقتصاد البلاد. ولذلك لا شك أن الزراعة والمواشي كلاهما يتأثران سلبا بغياب الأمطار الموسمية أو تأخرها عن موعدها أو نقص كمياتها (التغيرات المناخية) في الصومال وفي منطقة القرن الأفريقي، ويمكن أن يؤول الأمر في النهاية إلى نفوق المواشي وضعف أو وقف الإنتاج الزراعي وهجرة السكان من مناطقهم الأصلية والأرياف إلى المدن، مما سيؤدي إلى انهيار موارد الاقتصاد التي اشتهرت بها الصومال منذ مئات السنين.

ويعتقد البعض أن التطورات الميدانية التي تشهدها بعض محافظات الصومال حاليا تعيد إلى الأذهان ما حدث في عامي 2010 و 2011 بالفعل، حين منعت حركة الشباب الهيئات الإغاثية من العمل في مناطق سيطرتها، ما أجبر آلاف صوماليين على مغادرة مناطقهم الأصلية إلى العاصمة مقديشو وبعض دول الجوار بحثا عن لقمة العيش. ويبدو أن المنظمات الإغاثية تعتمد في تحذيراتها من ظهور مأساة المجاعة مجددا في الصومال على عوامل كثيرة، من بينها؛عدم هطول الأمطار، تصاعد العنف، ونقص أموال المساعدات.

وهذه العوامل الثلاثة نفسها كانت مقدمة للمجاعة في الصومال عام 2011، على الرغم من أن الجفاف كان أشد في تلك الفترة كأحد مسببات المجاعة وقتذاك، ولذلك يرى بعض المحليين أنه يجب التيقظ وعدم الاستهانة بالتحذيرات لتدارك الموقف قبل فوات الأوان، من أجل انقاذ المواطنين في القرى والأرياف من شبح الهلاك بسبب الجفاف.

 بين الجفاف والمجاعة

القحط أو الجفاف معاناة منطقة معينة من نقص في الموارد المائية، ويرجع سبب ذلك إلى استمرار انخفاض هطول المطر عن المعدل الطبيعي له، وقد يكون بسبب تدني مستويات مياه الأنهار لعدم هطول الأمطار عند منابعها.[2] أما المجاعة فتختلف عن ذلك ولها تعريفات عدة تشمل نقصا واسعا في الغذاء، يؤدي إلى ارتفاع كبير في معدلات الوفيات.[3] وقد تكون المجاعة في بعض مناطق العالم بفعل التقلبات المناخية الطبيعية وبفعل ظروف سياسية متطرفة مثل حكومة مستبدة أو الحرب.[4]

الجفاف في الصومال

وفق ما ورد في بحث عن المجاعة في الصومال للكاتب بسام حسن المسلماني “تكرر الجفاف في الصومال في القرن الماضي أكثر من عشر مرات على مدى عشرة عقود تقريبًا، ومن أشهر أعوام الجفاف التي لا ينساها الصوماليون في تاريخهم الحديث ذلك الذي حدث عام 1964، والذي أطلقوا عليه (عام جفاف المعكرونة)، نسبة إلى المعكرونة التي كانت توزع علي المتضررين في ربوع الصومال. وبعد عشر سنوات ضربت موجة جفاف جديدة البلاد عام 1974، وعُرفت محليا أيضا بالجفاف “طويل الأمد”، ولكن تم آنذاك التغلب على آثاره بفضل وجود الحكومة المركزية، والتي أنقذت كثيرا من المواطنين ونقلتهم من الأقاليم الوسطى إلى الأقاليم الجنوبية حول ضفاف نهري جوبا وشبيلي.[5]

وفي عام 1992 وقعت أسوأ موجة جفاف في القرن العشرين في الصومال، (والذي تحول إلى مجاعة) ويُقدَّر عدد من قضوا نحبهم بسببها بأكثر من 300 ألف نسمة، وقد خيّم الجوع آنذاك علي أجزاء واسعة من البلاد، وهي الموجة التي جاءت على إثرها قوات أمريكية وأممية في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه بموجب قرار دولي من أجل حماية وتأمين وصول الإغاثة للمتضررين. وتوالت بعد ذلك على الصومال سنوات أخرى من الجفاف اتخذت طابع الاستمرار، فبعد أن كانت تلك الموجات متباعدة (كل عشر سنوات تقريبا) صارت في الأعوام الأخيرة شبه متواصلة.[6]

وفي عامي 2010 و 2011 شهدت محافظات في الصومال موجة من الجفاف تحول فيما بعد نتيجة التغيرات السياسية والأمنية إلى مجاعة رهبية، أودت بحياة بحياة 260 ألف شخص حسب تقرير صادر عن منظمة الغذاء التابعة للأمم المتحدة وشبكة أنظمة الإنذار المبكر للمجاعة. [7]

وقفة مع التحذيرات من شبح المجاعة

منذ سقوط الحكومة العسكرية برئاسة اللواء محمد سياد بري عام 1991م عانى الصومال من مشاكل سياسية وأمنية واجتماعية التي أثرت سلبا على الحياة العامة، وفي الأسابيع الماضية دقت عدد من منظمات الإغاثة جرس الإنذار من أن الصومال تتعرض لخطر المعاناة مرة أخرى من أزمة شديدة، وذلك بسبب عدم هطول الأمطار وتصاعد العنف ونقص أموال المساعدات.[8]

من جهتها وافقت الحكومة الصومالية على هذه التحذيرات، وأعلنت ظهور أزمة نقص غذاء ومياه بسبب الجفاف في مناطق بالصومال، كما ورد في بيان صحفي صدر عن مجلس الوزراء الصومالي في الثامن من شهر مايو الماضي. وقال مجلس الوزراء الصومالي في ذلك البيان إن محافظات بكول وهيران وجلجذود في وسط وجنوب البلاد تعتبر من المناطق الأكثر تضررا حاليا من أزمة الجفاف.[9]

ومعلوم أن المناطق التي وصفت بأنها الأكثر تضررا من الأزمة هي المناطق التي أصبحت مسرحا لعمليات عسكرية ومعارك ضارية بين قوات الحكومة الصومالية وقوات الاتحاد الأفريقي من جانب ومسلحي حركة الشباب من جانب آخر منذ شهر فبراير الماضي.

أسباب المجاعة في الصومال

بناء على التحذيرات تتمثل أسباب المجاعة في الصومال فيما يلي:

1- الجفاف الناجم عن التغيرات المناخية:

التغير المناخي هو اختلال في الظروف المناخية المعتادة كالحرارة وأنماط الرياح والهطول التي تميز كل منطقة على الأرض، وكذلك ارتفاع حرارة الغلاف الجوي المحيط بالأرض بسبب تراكم غاز ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز .[10]

وتحدث بسام حسن المسلماني في بحث له تحت عنوان (المجاعة في الصومال .. الأسباب والآثار) عن طبيعة أحوال الطقس في الغالب بالصومال، وذكر أن الحرارة مرتفعة في جميع الفصول وتتراوح ما بين 15 – 30 درجة مئوية في معظم المناطق والساحلية منها خاصة، بينما تصل إلى 40 درجة في بعض المدن كزيلع وبربرا وبندر قاسم (بوصاصو) مما يدفع سكان تلك المدن الهجرة إلى النواحي المرتفعة في الداخل. أما الأمطار فيتميز القرن الأفريقي عموما بأمطاره القليلة وغير المضمونة، إضافة إلى أنها زوبعية (تأتي لفترات قصيرة وفي مساحات محدودة).

وعلى العموم فإن الأمطار في الصومال موسمية، تهطل معظمها في فصلي الربيع والخريف، إضافة إلى كميات قليلة في الصيف وفي المناطق الساحلية فقط، وتتراوح كميات الأمطار في البلاد بين 50 مم – 800 مم. وتزداد هذه الكمية كلما اتجهنا من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.[11]

ومن الملاحظ أن التغير المناخي وآثاره قد أصبح الشغل الشاغل للعالم هذه الأيام، فالكوارث الطبيعية كالجفاف الشديد والمجاعة في الصومال والقرن الإفريقي والإعصار الذي ضرب المكسيك أخيراً وبلغت سرعته 256 كم/ س وموجة الحر الشديدة في الولايات المتحدة الأمريكية، وغيرها من المظاهر كلها مؤشرات على حدوث التغير المناخي.[12]

من المتوقع أن تؤثر التغيرات المناخية على إنتاجية الأرض الزراعية، فالزيادة المتوقعة في درجة الحرارة وتغير نمطها الموسمي سيؤدي إلى نقص الإنتاجية الزراعية لبعض المحاصيل وحيوانات المزرعة، وتشير بعض الدراسات إلى أن الزراعة في العالم العربي معرضة بدرجة كبيره للتغير المناخي مع خطر انخفاض إنتاج الغذاء بمعدل 50% إذا استمرت الممارسات الحالية بما لهذا من آثار كارثية على الأمن الغذائي.[13]

وقد أصدر مجلس الأمن الدولي، في شهر شباط/فبراير عام 2012، قراراً بحظر استيراد الفحم النباتي الصومالي، باعتبار أن هذه التجارة تشكل تهديداً للسلام والأمن والاستقرار في الصومال.[14] وتشير بعض التقارير إلى أنه يتم كل عام تصدير كميات كبيرة للغاية من الفحم تصل إلى ربع مليون طن من الصومال إلى دول الخليج. ولإنتاج هذه الكميات، يتم قطع 4.4 ملايين شجرة ويتم تجريف 72900 هكتار من الأرض. وفي بلد مُعرَّض بالفعل للكوارث الطبيعية كالجفاف والفيضانات، فإن تأثير ذلك على البيئة الطبيعية والأشخاص المعتمدين عليه في معايشهم يعتبر مدمراً. بالإضافة إلى ذلك، أصبح الفحم أكثر السلع المرغوبة لدعم اقتصاد الصراعات؛ حيث تحقق المليشيات إيرادات تتجاوز قيمتها 15 مليون دولار سنوياً من عمليات تصدير غير شرعية وفقاً لتقرير مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لعام 2011. وعلى ذلك، أدى إنتاج الفحم في الصومال إلى تهديد ثلاثي كبير يشمل التدهور البيئي غير القابل للعلاج والصراع الدائم والاعتماد الواسع على سبيل عيش غير مستدام.[15]

لقد زاد نشاط إنتاج الفحم من سرعة عملية التصحر وقلل مساحة الأرض المستخدمة للزراعة أو الرعي وأخرج السكان المحليين من مناطق سكنهم التي لم تعد صالحة لذلك بعد إزالة مُنتجي الفحم لجميع أشجارها. كما قللت ممارسات إزالة الأشجار هذه من التنوع البيولوجي نظراً لأن الأنواع التي تعتمد على أشجار السنط لم تعد قادرة على الحياة بعد إزالتها.[16]

2- استمرار أعمال العنف

وتأتي تحذيرات الهيئات الإغاثية في وقت تستعر معارك بين قوات الحكومة الصومالية التي تدعمها بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم) وبين حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة في محافظات وسط وجنوب البلاد، منذ إعلان الحكومة الصومالية عن حملة عسكرية هادفة إلى القضاء على حركة الشباب شهر فبراير الماضي. على الرغم من أن الحكومة الصومالية حققت إنجازات كبيرة منذ تلك الفترة وبسطت سيطرتها على مدن استراتيجية في وسط وجنوب البلاد، ومن مدينة بولوبردي في محافظة هيران ومدينة عيل بور في محافظة جلجذود كلاهما وسط الصومال ومدينة حُدُرْ حاضرة محافظة بكول جنوب غرب البلاد.

ويرى المحللون المراقبون “أن سقوط عدة مدن في وسط وجنوب البلاد في يد الحكومة الصومالية يؤشر إلى تحقيق الحكومة بعضا من أهدافها التي هي بث نفوذها في محافظات الصومال بالكامل ودحر عدوها، غير أن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، حيث إن سقوط هذه المدن في يد الحكومة أحدثت أزمة إنسانية في تلك المدن التي أصبحت محاصرة من قبل حركة الشباب التي تمركزت في الطرق المؤدية إليها، ومنعت من نقل البضائع والمواد الغذائية إليها، مما أثر سلبا على حياة المدنيين الذين كانوا يعانون في السابق من موجة الجفاف والضغوط عليهم من قبل حركة الشباب. ولم تصل أي مواد غذائية إلى هذه المدن برا منذ عدة أشهر، ما سوى كميات قليلة من المواد الغذائية على متن طائرات أرسلتها الحكومة الصومالية إلى مدينتي بوروبردي في محافظة هيران وحدر في محافظة بكول جنوب غرب البلاد”.[17]

وفي ظل الأزمة السياسية والأمنية التي تزيد الطين بلة، اتهم الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في مقابلة مع وكالة رويترز للأنباء عناصر حركة الشباب بمحاولة خلق أزمة نقص الغذاء في “المناطق المحررة” حديثاً لتأليب السكان المحليين على الدولة.

3- نقص المساعدات لمواجهة الأزمة

قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة الـ”يونيسيف” نهاية شهر مايو الماضي إنها تلقت 15 مليون دولار فقط بعد مناشدتها الدول المانحة لتقديم 150 مليون دولار لتوفير الخدمات الصحية الحيوية لأكثر من ثلاثة ملايين امرأة وطفل فى الصومال هذا العام، أي ما يوازى 10% فقط لما تحتاجه الصومال. وأشار مسئولون بالأمم المتحدة إلى أن نحو 200 ألف طفل دون سن الخامسة فى الصومال معرضون لخطر الموت بسبب سوء التغذية الحاد بحلول نهاية العام الجاري، ما لم تتلق المنظمة الدولية تمويلا طارئا لتفادى المجاعة.[18]

وفي السياق ذاته “قال منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة لدى الصومال فيليب لازاريني في إعلان خطّي من جنيف متحدثا عن نقص الموارد لدى الهيئات الإنسانية: “الأمر لا يتعلق بنداء عادي لجمع الأموال، فبعض المنظمات غير الحكومية والوكالات (الإنسانية) ليس لديها ما يكفي من الموارد لدرجة أن مشاريع أساسية تساهم في إنقاذ أرواح مهددة بالإغلاق”.وأضاف: “إن لم نتلقَّ أموالا خلال أسابيع، فقد نضطر إلى وقف خدمات العناية الصحية الأساسية التي يستفيد منها ثلاثة ملايين شخص بينهم العديد من النساء والأطفال”.[19]

و أرجع إبراهيم على حسين مدير عمليات الإغاثة في بعثة الأمم المتحدة لدى الصومال إلى ازدياد المناطق المنكوبة في العالم والتي تحتاج إلى مساعدة إنسانية دولية، إلى أن هناك منافسة حادة من جانب بلدان منكوبة أخرى في إفريقيا و العالم، حيث يقلص ذلك من قدرة وكالات الإغاثة الدولية على تلبية احتياجات الصوماليين من الغذاء، وذكر أن مناطق في جنوب السودان و سورية و إفريقيا الوسطى تواجه الجوع بالقدر ذاته بل ربما أكثر مما تواجهه الصومال، وكلها تحديات ليس بالإمكان غض الطرف عنها من جانب وكالات الإغاثة الدولية، وكشف المسؤول الدولي عن أن مناشدات التمويل الإغاثي الصادرة عن الأمم المتحدة لنجدة الصوماليين للعام 2014 لم تأت سوى بنسبة 12 في المائة من المستهدف منها.[20]

من جهته عبر نيكولاس كاي ممثل الأمم المتحدة الخاص في الصومال عن قلقه من أن الصومال يفقد الاهتمام والموارد لصالح دول أخرى تمر بأزمات مثل جنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى ومالي وأوكرانيا. وقال إن التمويل للأنشطة الإنسانية في الصومال تراجع على الرغم من أن مسؤولا كبيرا بالأمم المتحدة حذر من “أوجه تشابه مقلقة” بين الوقت الحالي وعام 2010 ، وهو العام السابق لمجاعة قتلت مئات الآلاف.وقال كي إن الصومال يدخل مرحلة خطيرة، وإنه من السابق لأوانه خفض الجهود الدولية لمساعدته.وأضاف “خفضها الآن يمكن أن تكون له عواقب إنسانية وأمنية خطيرة على المنطقة”.[21]

ومما نلاحظه هنا أن الأزمات الراهنة في مناطق أخرى في العالم تلعب دورا كبيرا في غياب قدر كبير من الأموال المخصصة لتنفيذ المساعدات الإنسانية في الصومال، ولذلك من المهم أن يعمل المجتمع الدولي لوضع استراتيجية واضحة لإنقاذ ملايين من البشر في الصومال وفي مناطق أخرى في العالم من خلال تسوية الأزمات السياسية والأمنية، والتي يقال إن لها دورا فعالا في تفاقم المعاناة والأزمات الإنسانية في العالم ككل.

بداية سمات الأزمة

قال جينو ثيوفلو ممثل منظمة أوكسفام العالمية للإغاثة و الأنشطة الإنسانية في الصومال إن 50 ألف طفل صومالي هم الآن على أعتاب الهلاك جوعا بسبب أزمة غذائية طاحنة توشك الصومال أن تقع فيها ولا تقل ضراوتها عن كارثة الجوع الذي شهدها هذا البلد الإفريقي في العام 2011. و أشار مسئول أوكسفام إلى أنه مما يفاقم من آثار الكارثة الإنسانية في الصومال نزوح 1ر1 مليون من المزارعين عن قراهم بسبب الاشتباكات الدامية فيها و عجزهم عن إنتاج الغذاء فباتوا أسرى قوافل الإغاثة التي عادة ما تنهبها المليشيات المسلحة للاستيلاء على ما فيها.[22]

وكما ورد في البحث الذي أعده الكاتب بسام حسن المسلماني عن أسباب وآثار المجاعة في الصومال “تحصد المجاعات في العادة الأطفال وكبار السن، لكنها نادرا ما تؤثر في معدل نمو السكان لأكثر من بضع سنوات. وتتسبب مجموعة من العوامل في جعل بعض المناطق أكثر عرضة من غيرها للمجاعة، مثل: الفقر، وسوء البنية التحتية، وضعف التكافل الاجتماعي، والنظم السياسية الاستبدادية، وضعف الحكومة وعدم قدرتها على معالجة الأزمات.[23]

ووفقا لتقديرات برنامج الغذاء العالمي فإن ما يربو على 9ر2 مليون صومالي -يشكلون ثلث الشعب الصومالي – يحتاجون حاليا إلى مساعدات غذائية و إنسانية عاجلة، وقد فاقم موسم الجفاف الذي بدأ مبكرا فى نوفمبر من العام الماضي من محنتهم التي لا تزال في تصاعد ، كما لم تغثهم السماء بأمطار مارس من كل عام فى 2014 مما جعله عاما ضنكا عليهم ، وبخاصة مناطق جنوب الصومال التي تشهد حالة عنف وعدم استقرار أمني و سياسي، و قدر دانيال مولا مدير برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة فى شرق إفريقيا عدد المحتاجين إلى إمدادات غذائية سريعة فى الصومال بما لا يقل عن أربعة ملايين صومالي بحلول نهاية العام الجاري، و إن من بين هذا العدد تقريبا نصف مليون طفل دون الخامسة.[24]

دور المنظمات الإغاثية

لا تزال الفرصة سانحة أمام المجتمع الدولي في مواجهة تحول الجفاف في الصومال إلى مجاعة حقيقة تفتك حياة البشر، و يدعو المتابعون للشـان الصومالي المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطورات فورية والتحرك في الوقت المناسب للحيلولة دون وقوع الكارثة كما يجب أن تنجز الدول المانحة وعودها تجاه الصومال قبل فوات الأوان. وتتراوح أساليب معالجة المجاعات بين وسائل إغاثة قصيرة الأمد، ووسائل معالجة طويلة الأمد. وتتمثل الأساليب القصيرة الأمد بمعالجة النقص في الفيتامينات والمعادن من خلال توفيرها وتوزيعها طبيا، وإعطاء المكملات الغذائية والتطعيم، وتحسين بنية الصحة العامة وتوزيع الحصص الغذائية وتوزيع المياه الصالحة للشرب.

وتهتم الإجراءات الطويلة الأمد في المقابل، بمعالجة الأسباب التي تؤدي إلى المجاعة وتمنع حدوثها، ومنها: الاستثمار في أساليب الزراعة الحديثة مثل: الأسمدة، وطرق الري التي ساعدت كثيرا على إنهاء الجوع في الدول المتقدمة، وتبني نظم للإنذار المبكر تتوقع حدوث مجاعة وتسعى إلى منعها أو معالجتها قبل استفحالها.[25]

 دور الدول العربية والإسلامية

على عاتق الدول الإسلامية والعربية واجب ديني، وهو إغاثة إخوانهم في الصومال وفي مناطق أخرى من العالم الإسلامي والعربي، ومن المهم أن يأتي الدور الإسلامي والعربي المطلوب بشكل منظم ومنسق، لتوحيد الجهود في محاولة لإتمام تنفيذ العمليات الإنسانية من جانبهم على أحسن وجه، ولئلا تذهب جهودهم أدراج الرياح إذا جاءت الدول الإسلامية والعربية فرادى إلى الصومال.

والجدير بالذكر أن الصوماليين لم ينسوا الدور الذي لعبت به تركيا خلال السنوات الماضية، وكانت زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى الصومال شهر أغسطس عام 2011 وصفت بأنها كسرت الحاجز الوهمي أمام الصومال، وسرعان ما توجهت أنظار العالم إلى الصومال من جديد بعد سنوات من الإهمال؛ حيث توافد وفود مختلفة ومسؤولون رفيعو المستوى من المجتمع الدولي إلى مقديشو، ولذلك يمكن إطلاق تركيا بأنها كانت مفتاحا لمعالجة الأزمة في تلك الحقبة إن صح التعبير، وكذلك لن ينسى الشعب الصومالي ما قامت به الدول الإسلامية الأخرى مثل إيران والدول العربية التي أخذت دورا لا يستهان به في معالجة تلك الأزمة. وبعد تتابع التحذيرات الجديدة من مواجهة الصومال كارثة إنسانية مرة أخرى بعثت الجامعة العربية دعوة إلى الدول الأعضاء لإغاثة الصومال.

وقال محمد إدريس مبعوث الجامعة العربية في الصومال إن ثلاث دول عربية استجابت دعوة الجامعة العربية فورا، وهي دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر، كما ورد في بيان صحفي صدر عن وزارة الخارجية الصومالي في الثالث عشر من شهر مايو الماضي. وذكر إدريس أن دولة الإمارات العربية تعهدت بتقديم مساعدات إنسانية بشكل مباشر إلى الصومال، بينما أعلنت كل من المملكة العربية السعودية ودولة قطر تقديم مساعدات إنسانية للصومال بواسطة الهيئات الإغاثية.[26] التعهدات الصادرة عن بعض الدول العربية ومن بينها دولة الإمارات التي تنفذ حاليا مشاريع إنسانية وتنموية بشكل مباشر في الصومال أمر يؤشر إلى عودة الدور العربي تجاه الصومال، وإن لم يكن حاليا على المستوى المطلوب.

ومما لا شك فيه أن الصوماليين ينظرون إلى الدول الإسلامية والعربية في أول وهلة عند بداية كل صدمة أو كارثة نظرا لأواصر الأخوة الإسلامية ورابط العروبة التي تربطهم بإخوانهم العرب والمسلمين بشكل عام، ، ثم يتجهون إلى المجتمع الدولي، وبالتالي على الدول الإسلامية العربية أن لا يخيبوا آمال إخوانهم الذين يبيتون جوعى بانتظار الإغاثة من أشقائهم العرب والمسلمين.

 دور الحكومة الصومالية

على عاتق الحكومة الصومالية مسؤولية عظمي تجاه إنقاذ ملايين من شعبها من شبح الموت من خلال وضع استراتيجية بهدف الحيلولة دون وقوع الأزمة واتخاذ الخطوات المناسبة قبل فوات الأوان، ويتمثل دور الحكومة الصومالية لمواجهة حدوث المجاعة في تسهيل العمليات الإغاثية من خلال خفض أو إعفاء الضرائب عن المواد الإغاثية، والعمل من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في مناطق توزيع المساعدات لمنع حدوث أعمال نهب، وكذلك وضع آليات لمكافحة الفساد واستفادة المواد الغذائية المخصصة للمنكوبين بطرق أخرى وتعرضها للبيع في الأسواق المحلية كما حدث سابقا.

جدير بالإشارة إلى أنه من أهم الإجراءات لوقف الكوارث هو حماية البيئة، وذلك من الضروري أن تقوم السلطات الصومالية بإعداد آليات لحماية البيئة، إذ يرجع المحللون أسباب التغيرات المناحية في الصومال إلى ظاهرة التصحر، الناجمة عن قطع الأشجار لإنتاج الفحم ضمن مشاريع تجارية غير مشروعة.

 الخاتمة

وفي ختام تقريرنا نشير إلى هناك مبالغة في بعض الأحيان عند عرض الهيئات الدولية حجم الكارثة الإنسانية في مسعي للحصول على أكبر قدر ممكن من الأموال من الدول المانحة، وهو مما يؤخر وصول المنح إلى المحتاجين في الوقت المطلوب، وبعيدا عن مساعي السماسرة من بعض مسؤولي الهيئات الدولية على المجتمع الدولي أن يسعى جاهدا للحيلولة دون وقوع مثل ما حدث عام 2011 مجددا في الصومال؛ لأن التحذيرات في وقت الراهن لا تختلف كثيرا عن التحذيرات في تلك الفترة، بسبب أوجه شبه في الظروف والأوضاع في الحالتين، علما أن تباطؤ المجتمع الدولي عن استجابة التحذيرات قبل الكارثة الإنسانية في الصومال عام 2011 هو ما أدى إلى وفاة 260 ألف شخص حسب تقرير صادر عن منظمة الغذاء التابعة للأمم المتحدة وشبكة أنظمة الإنذار المبكر للمجاعة.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد أيضا إلى متى يمد الشعب الصومالي يده إلى العالم، وقد منحه الله من الخيرات البرية والبحرية ما يكفي قارة بأكملها، ومهما كان الأمر فإن هناك في الوقت الراهن حاجة ملحة تتطلب استجابة عاجلة لمناشدات الهيئات الإغاثية قبل تحول موجة الجفاف التي ضربت مناطق في الصومال إلى مجاعة تفتك حياة كثيرين من المتضررين في القرى والأرياف وكذا المدن المحاصرة بسبب الحروب الدائرة فيها بين الحكومة وحركة الشباب المجاهدين، بالإضافة قلة الأمطار في الموسم الحالي.

 التوصيات :

للحيلولة دون وقوع كارثة ينبغي القيام بما يلي :

  • على المجتمع الدولي بشكل عام والدول العربية والإسلامية بشكل خاص استجابة نداءات الهيئات الإغاثية وتحذيراتها المتكررة من شبح المجاعة في الصومال بغض النظر عن المبالغات التي تحتوي تقاريرها في بعض الأحيان.
  • على الحكومة الصومالية أداء دورها تجاه تسهيل أو توفير طرق آمنة لتوصيل المساعدات إلى المتضررين بالجفاف في القرى والأرياف البعيدة.
  • على الحكومة والهيئات الأخرى المعنية مكافحة الفساد لمنع استغلال المساعدات الإنسانية من قبل غير مستحقيها من غير المتضررين بالأزمة القائمة.
  • ينبغي عقد ندوات ودورات وبرامج توعوية خاصة في مختلف المحافظات لتوعية المجتمع بتداعيات ظاهرة التصحر وأثرها على تدهور اﻹﻧﺘﺎج اﻟﺰراﻋﻲ وﺗﻨﺎﻗﺺ اﻟﻤﺴﺎﺣﺎت اﻟﺰراﻋﻴﺔ.
  • توفير مشاريع تنموية تنهض بمستوى الأسر والفئات الضعيفة وتضمن لها الصمود أمام الكوارث وموجات الجفاف في مختلف محافظات الصومال كإنشاء السدود وحفر الآبار الارتوازية.
  • تفعيل الجهود الرسمية والشعبية لحماية البيئة ومكافحة التصحر والجفاف من خلال منع قطع الأشجار وإحراق الغابات بغرض إنتاج الفحم.
  • خلق فرص عمل للأسر الفقيرة وتشجيع التكافل الاجتماعي الذي يتميز به الشعب الصومالي.
  • وأخيرا؛ ينبغي القيام بعمل جاد لتحسين الوضع الاقتصادي والسياسي العام للبلد من خلال اتباع استراتيجية أمنية لمواجهة الاختلالات الأمنية ومعوقات التنمية في الصومال.

………………………………………………..

 المراجع :

[1]http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%84 [2]http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%82%D8%AD%D8%B7 [3]http://www.lahaonline.com/articles/view/39380.htm [4]http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%AC%D8%A7%D8%B9%D8%A9 [5]http://www.lahaonline.com/articles/view/39380.htm [6]http://www.lahaonline.com/articles/view/39380.htm [7]http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2013/05/130502_somalia_famine.shtml [8]http://alhayat.com/Articles/2212678/%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AD%D8%B0%D8%B1-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%84 [9]http://alshahid.net/news/114045 [10]http://www.zira3a.net/articles/climate-change.html [11]http://www.lahaonline.com/articles/view/39380.htm [12]http://www.zira3a.net/articles/climate-change.html [13]http://www.zira3a.net/articles/climate-change.html [14]http://sabahionline.com/ar/articles/hoa/articles/features/2012/08/16/feature-01 [15]http://arabstates.undp.org/content/rbas/ar/home/presscenter/pressreleases/2013/04/17/breaking-the-cycle-of-charcoal-production-in-somalia/ [16]http://arabstates.undp.org/content/rbas/ar/home/presscenter/pressreleases/2013/04/17/breaking-the-cycle-of-charcoal-production-in-somalia/ [17]مقابلة مع الكاتب والمحلل محمد عبد الله طالي رئيس تحرير قسم اللغة الصومالية في شبكة الشاهد الإخبارية [18]http://www1.youm7.com/News.asp?NewsID=1692589#.U6WycED_jIU [19]http://alshahid.net/news/115653 تقرير منشور في شبكة للشاهد [20]http://www.albawabhnews.com/642723 [21]ra.reuters.com/article/topNews/idARAKBN0EM2GU20140611?sp=true [22]http://www.albawabhnews.com/642723 [23]http://www.lahaonline.com/articles/view/39380.htm [24]http://www.albawabhnews.com/642723 [25]http://www.lahaonline.com/articles/view/39380.htm [26]http://alshahid.net/news/114192

%d مدونون معجبون بهذه: