قضية مارس (٢٠١٠): انتخابات السودان في أبريل ٢٠١٠م – التحديات والتوقعات

[issuu layout=http%3A%2F%2Fskin.issuu.com%2Fv%2Flight%2Flayout.xml showflipbtn=true autoflip=true autofliptime=6000 pagenumber=19 documentid=100314130136-a401c892c07f4ca89e115519ff33d694 docname=monthly_issue-march username=alshahid loadinginfotext=Monthly%20Issue-March%202010 width=500 height=350 unit=px]

للتنزيل: [download id=”5″]

مقدمة

من المتوقع أن يشهد السودان في شهر أبريل المقبل، أول عملية انتخابية تشهدها البلاد منذ أكثر من عقدين.

وتعتبر هذه الانتخابات التي تأجلت – مرتين – مفصلية وخطيرة في تشكيل مصير السودان ومستقبله السياسي، إذ لا تقل من حيث الأهمية عن انتخابات عام 1953م. وقد جاءت بعد اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان التي تم إبرامها في نيفاشا عام 2005م.

ومن مزايا الانتخابات المقبلة المنافسة الحقيقية المتوقعة بين المرشحين، والنظام المختلط الذي سيحل بدلاً من الدائرة الفردية والتمثيل النسبي، وإدخال قانون الأساليب الفاسدة لمحاربة الرشوة والتزوير والإرهاب في الانتخابات وإدخال التحالفات ووجود الرقابة الدولية للانتخابات.

ويحاول هذا التقرير استعراض التحديات التي تواجه العملية الانتخابية القادمة وما يمكن أن يتوقع منها وذلك من خلال تناول بعض الموضوعات والمسائل المحيطة بها.

معالم القانون الانتخابي:

أدخل القانون الانتخابي الجديد الذي أجيز في 2008م نظامين للتصويت: الأول بحسب الدوائر الجغرافية التي خصص لها 60% من المقاعد، والثاني عن طريق القوائم النسبية التي خصص لها 40% من المقاعد، على أن تكون 25% منها للنساء، ويعني ذلك أنهن سوف يحصلن على نحو 112 مقعداً من أصل 450 مقعداً. ويشترط لدخول المنافسة والمشاركة في البرلمان الحصول على 5% من الأصوات. ويطالب المرشحون لمنصب والي الولاية بالحصول على 5000 تزكية.

ولضمان نزاهة الانتخابات تضمن القانون الجديد ملامح لم تكن متضمنة في القوانين الماضية، ومنها على سبيل المثال:-

  • القبول بالمراقبة الدولية. (مؤسسات دولية، إقليمية، منظمات)
  • المراقبة المحلية (أحزاب، قضاة، ومنظمات مجتمع مدني)
  • فرز الأصوات في مكان الاقتراع فور الانتهاء من الاقتراع. ويرى البعض أن ذلك قد يؤدي إلى أن تقوم الأحزاب التي تشعر بأنها ستخسر في الانتخابات أن تقوم بعمليات تحريضية لنسف العملية الانتخابية قبل أن تنتهي إجراءات فرز الأصوات في كل الدوائر ومراكز الاقتراع.
  • الدمغة الشخصية لليد، إضافةً إلى الصناديق ذات المواصفات العالمية.

المفوضية القومية للانتخابات واتجاهات القوى السياسية نحوها

تمشياً مع استحقاقات اتفاقية نيفاشا 2005م، وعملية التحول الديمقراطي تم إنشاء المفوضية القومية للانتخابات، التي قامت فور إنشائها بتشكيل لجان عليا في كل ولايات السودان. وقد كوّنت المفوضية من تسعة أعضاء تم اختيارهم وتعيينهم من قبل رئيس الجمهورية بموافقة النائب الاول وفقًا لأحكام المادة 58 (2) (ج) من الدستور، وموافقة ثلثي أعضاء المجلس الوطني. وقد تمثلت مهامها في تأمين وضمان تمتع المواطنين كافة دون تمييز بمباشرة حقوقهم السياسية في الترشيح وإبداء الرأي الحر باقتراع سري في انتخابات دورية او إبداء الرأي في استفتاء يجري وفقاً لأحكام الدستور في العام 2011م، على أن تكون المفوضية هي الجهة الوحيدة التي تتولى المهام وتضطلع بالعديد من السلطات التي تتمثل في:-

  1. تنظيم انتخابات رئيس الجمهورية ورئيس حكومة جنوب السودان والولاية والمجالس التشريعية والإشراف على تلك الانتخابات.
  2. تنظيم أي استفتاء وفقاً لأحكام الدستور والاشراف عليه دون المساس بأحكام المادتين 183(3) و220 من الدستور.
  3. إعداد السجل الانتخابي وحفظه ومراجعته واعتماده.
  4. تحديد الدوائر الجغرافية وإجراء الانتخابات وفقاً لاحكام هذا القانون.
  5. وضع الضوابط العامة للانتخابات والاستفتاء واتخاذ التدابير التنفيذية اللازمة لذلك.
  6. وضع الإجراءات الخاصة بتنظيم الحملات الانتخابية للمرشحين وإعداد قوائم الرموز الانتخابية واعتماد الوكلاء والمراقبين.
  7. تحديد التدابير والنظم والجداول الزمنية ومراكز التسجيل والاقتراع وتحديد نظم الانضباط والحرية والعدالة والسرية في اجراء التسجيل والاقتراع والمراقبة الضامنة لذلك.
  8. ضبط إحصاء وفرز وعدّ أوراق الاقتراع ونظم ضبط النتائج النهائية للانتخابات والاستفتاء وإعلان نتيجة الانتخابات والاستفتاء.
  9. تأجيل أي إجراء للانتخابات أو الاستفتاء لأي ظرف قاهر وفقاً لأحكام هذا القانون وتحديد مواعيد جديدة لها.
  10. إلغاء نتيجة الانتخابات أو الاستفتاء على قرار من المحكمة إذا ثبت وقوع أي فساد في صحة الإجراءات في أي موقع أو دائرة جغرافية على أن تراجع الخلل وتعيد تنظيم الانتخابات أو الاستفتاء بناء على قرار من المحكمة إذا ثبت وقوع أي فساد في صحة الإجراءات في أي موقع أو دائرة جغرافية على أن تراجع الخلل وتعيد تنظيم الانتخابات أو الاستفتاء في تلك المواقع أو الدوائر في مدة أقصاها ستين يوماً وفقاً لأحكام هذا القانون.
  11. تعميم الاستبيانات والاستمارات والنماذج المستخدمة في عملية الانتخابات أو الاستفتاء وتجهيز المستندات اللازمة للانتخابات أو الاستفتاء وتحديد الإجراءات والجداول الزمنية لتزكية المرشحين وتقويمهم واعتمادهم وتحديد إجراءات سحب الترشيحات ونشر القائمة النهائية للمرشحين.
  12. اتخاذ الاجراءات اللازمة ضد أي شخص يرتكب أفعالا تعد من قبيل المخالفات الانتخابية أو الممارسات الفاسدة وكذلك اتخاذ الإجراءات المناسبة ضد أي موظف أو عامل في حالة مخالفته لأحكام هذا القانون أو اللوائح أو القواعد الصادرة بموجبه.

وقد ادعت أحزاب المعارضة عدم قدرة الحكومة على إدارة العملية الانتخابية بشفافية ونزاهة، وجددت دعوتها لتشكيل حكومة قومية انتقالية من الأحزاب الموجودة لإدارة العملية. ولوّحت تلك الأحزاب بمواجهة المفوضية القومية للانتخابات والأجهزة الأمنية بكل السبل حال إصرارهما على العمل بمنشور تنظيم الأنشطة الحزبية خلال الحملة الانتخابية. ويتهم بعض السياسيين المعارضين المفوضيات الموجودة الآن بأنها تمثل وجهاً آخر للمؤتمر الوطني و90% من كوادرها ينتمون له. وبالتالي لم تسلم المفوضية القومية للانتخابات من الاتهامات الموجهة لمؤسسات ومفوضيات أخرى بمحاباة المؤتمر الوطني وموالاته ضد كافة القوى السياسية في البلاد. وقد اتهمت المفوضية في فترة تسجيل الناخبين بالتقصير في الإعلان عن مواقع مراكز التسجيل وتأخير قبول مندوبي الأحزاب.

التحالفات السياسية المتوقعة

تأتي التحالفات دائماً بعد نتيجة الانتخابات، وبداية الإجراءات المتعلقة بتشكيل حكومة جديدة وذلك في حالات عدم توافر الأغلبية المطلوبة إلي أحد الاحزاب، أو إذا كانت الأغلبية لدى الحزب ضعيفة مما يهدد حكومته بسحب الثقة فى أي وقت، ومن ثم يسعى الحزب إلي توفير ضمانات الاستمرارية لحكومته ويتحالف مع حزب آخر يضمن له الأغلبية المطلقة أو المريحة لإجازة السياسات وتنفيذها. فالتحالفات تبنى دائماً على ثلاث مرتكزات هي التقارب الفكري والعدو المشترك والظرف السياسي المتحوّل.

وقد شهدت الساحة السياسية السودانية عبر تاريخها السياسي منذ استقلال البلاد العديد من التحالفات السياسية المختلفة سواء في فترات الديموقراطية أو الانظمة غير الديموقراطية. وفي كل مرحلة اتخذت التحالفات السياسية أشكالاً مختلفة. وقد تغيرت التحالفات في عهد النظام الحالي في السودان، حيث بدأت الحكومة السودانية منذ عام 1995م في تغيير سياستها لاستقطاب بعض القوى المنشقة عن الأحزاب الكبرى. وتشهد الساحة حالياً بروز مشاريع تحالفات أو انقسامات قديمة أخذت تمهِّد لتحالفات أخرى وإن كانت في مجملها تعتبر مجرد مناورات سياسية لا أكثر. وحتى الآن لم تتضح معالم التحالفات المتوقعة في الانتخابات المقبلة ويبدو أن قوى (تحالف جوبا) قد أجمعت بالنسبة للانتخابات الرئاسيَّة على الأقل، على الأخذ بفكرة د. حسن الترابي -الأمين العام للمؤتمر الشعبي- الرَّامية إلى أن يرشح كلُّ حزب بمفرده في الجولة الأولى لـ «تشتيت الأصوات» بعيداً عن مرشَّح المؤتمر الوطني، فلا يتمكن من إحراز النسبة المطلوبة في الجولة الأولى، فيضطر لخوض جولة أخرى مع أقوى مرشحي المعارضة، وعند ذاك تتحالف ضدَّه الأحزاب كلها، وتحتشد خلف المرشَّح المنافس بالضرورة! ولذلك تقدمت عدة أحزاب ومستقلين بترشيحاتهم لمنافسة مرشح المؤتمر الوطني للرئاسة عمر حسن أحمد البشير.

وليست قضية التحالفات القبلية فى الانتخابات بعيدة عن الشريك الأصغر فى السلطة «الحركة الشعبية» ولكن تحالفات الحركة ليست مثل غيرها من القوى السياسية إنما هى محكومة بتوازنات وحسابات دقيقة جداً تضمن التنفيذ الكامل لبنود اتفاقية السلام الشامل ولا تُخِل فى المستقبل بالمكاسب التى حصلت عليها وفقاً للاتفاقية وخاصة قضية الاستفتاء على مصير الجنوب فى عام 2011م وتسهيل إجراءات الانفصال اذا اختاره شعب الجنوب، ثم الاتفاق على الحدود ومناطق الرعي والمياه والبترول والديون الدولية وغيرها من مستحقات الانفصال وبالتالي لم تكن قضية التحالفات غائبة عن قيادة الحركة الشعبية.

وتواجه الحركة الشعبية إشكالية مع حلفائها فى الغرب والولايات المتحدة الأمريكية الذين يريدون من الانتخابات القادمة تقليص حجم سلطة المؤتمر الوطنى وهؤلاء يرغبون فى تحالف عريض بين القوى السياسية السودانية المعارضة حتى يستطيعوا كسب دوائر عديدة لتقليص سلطة المؤتمر الوطني فى المستقبل.

وقد دار جدل حول وضع تصور بين أحزاب المعارضة فيما يتعلق بقضية المرشحين لمنصب الوالي، بأن يكون هناك مرشح واحد باسمها في الانتخابات لمنصب ولاة الولايات، حيث يكون المرشح مرشح برنامج وليس مرشح حزب، على أن يكون البرنامج مراعيا لقضايا اللامركزية والحريات وحَيْدة مؤسسات الدولة إلى جانب القضايا المتعلقة بأصول العدالة في كل أجهزة الدولة. ويبدو أن قوى جوبا استوعبت جيداً الفرق بين الانتخابات لمنصب الوالي، ورئاسة الجمهورية، ففي الحالة الأولى فإن المرشح الذي يحقق أعلى الأصوات وإن كانت اقل من (50%) من الأصوات فإنه يفوز بحكم الولاية دون أن تكون هناك جولة أخرى، أما في رئاسة الجمهورية فإذا لم يحقق أي من المرشحين للرئاسة نسبة (50% + 1) من الأصوات فستتم إعادتها بين المرشحين اللذين يحققان أعلى نسبة من أصوات الناخبين بموجب قانون الانتخابات. والملاحَظ أن قوى المعارضة جميعها تتوقع جولة انتخابية أخرى لحسم مسألة الرئاسة، في وقت لا يبدو فيه هذا الاحتمال قائماً لدى كثير من المراقبين لحسم مسألة الولاة، وذلك نسبةً لتحكم حزب المؤتمر الوطني على مفاصل الحكم.

وقد تستفيد أحزاب المعارضة من الخلافات التي برزت بصورة واضحة داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم بسبب تعيينه لمرشحيه لمنصب الولاة وبعض مرشحيه للانتخابات البرلمانية في بعض الدوائر الجغرافية. ويستبعد بعض المراقبين أن يكون المؤتمر الوطني قد ناقش معايير الترشيح مع مرشحيه من «الكليات الشورية» المختلفة، ذلك أن المؤتمر الوطني لم يعلن ترتيب المرشحين وعدد الأصوات التي نالها كل منهم بل أدخل نفسه في حرج سياسي وتنظيمي وشعبي بتجاوزه لمن أحرزوا أكثر الأصوات في الكليات الشورية، مما دفع بعض المنتسبين للمؤتمر للترشح كمستقلين. ويعتبر هذا النهج ظاهرة جديدة قد تهدد حظوظ المؤتمر الوطني في الانتخابات إذا لم يسارع إلى تسوية الخلافات وترضية الدوائر والقيادات والمكونات المحلية التي يعتمد عليها في الانتخابات، باعتبار أن تقدم مرشحين مستقلين محسوبين على المؤتمر الوطني سيكون خصماً على المرشح الرسمي للحزب. ولكن من المتوقع أن تجرى تسويات وترتيب لبيت الحزب من الداخل قبيل الانتخابات أو ربما فصل المتفلتين منه.

وبصورة عامة فإن المشهد السياسي في المرحلة التي تسبق الانتخابات مقبل على تحالفات قد تتعدد أشكالها وقد تخرج عن نطاق التكهنات، فكل حزب يحاول أن يستقوي بآخر والمعارضة قد تتحالف في النهاية ضد مرشح المؤتمر الوطني، والمؤتمر أيضاً سيتحالف مع بعض القوى الموالية ولكن الإشكالية تكمن في الاستغلال السيء للنزعات الجهوية والقبلية والمصالح الذاتية التي علت على مصالح الأحزاب والوطن أيضاً. فقد بدت هذه الإشكالية واضحة بعد ترشيحات المؤتمر الوطني والأحزاب الأخرى للولاة والدوائر الجغرافية مما أدى إلى ترشُّح بعض القيادات كمستقلين بعد التحلل من الالتزامات الحزبية.

الرقابة المحلية والإقليمية والدولية

ترتبط بقضية إدارة العملية الانتخابية والإشراف عليها مسألة الرقابة الدولية على الانتخابات، حيث كان من ضرورات التحول الديموقراطي توفير الضمانات الأساسية التى تستلزمها العملية الانتخابية. وقد ساعد مناخ عدم الثقة بين سائر المكونات السياسية في البلاد فى دعم الاتجاه إلى ضرورة الاستعانة برقابة خارجية على العملية الانتخابية لضمان سلامتها وجديتها. وقد تراوحت هذه المطالب بين استلزام رقابة دولية من خلال منظمات الأمم المتحدة المتخصصة أو من خلال منظمات إقليمية أو حتى من خلال دول صديقة تتمتع بالثقة والمكانة التى تؤهلها لمراقبة العملية الانتخابية والإدلاء بشهادتها فى مدى الحيدة والنزاهة التى أحاطت بهذه العملية. وقد لوحظ تزايد قبول الدول الإفريقية لمبدأ الرقابة الدولية على الانتخابات منذ حقبة التسعينيات، وحيث توجهت دول إفريقية عديدة بطلبات للمساعدة فى إجراء العمليات الانتخابية فيها ضماناً للشفافية، وتجنباً للاتهام بعدم النزاهة من قبل القوى السياسية المنافسة.

وللرقابة الاقليمية الدولية تأثير مزدوج على تقبل الرأي العام لنتائج الانتخابات، ذلك أن بعض الدوائر الخارجية التي تشارك في المراقبة قد تروِّج لعدم نزاهة العملية الانتخابية، ومن ثم تتهيأ الظروف للأحزاب التي لم توفق في الحصول على المقاعد المرجوة لاستغلال ادعاءات عدم النزاهة والشفافية بصورة سالبة بغية الانحراف بالعملية الانتخابية ونتائجها إلى خلق حالة من الاحتجاجات والفوضى تزيد الأمور تعقيداً على النحو الذي حدث عقب الأحداث التي أعقبت الانتخابات الكينية في 2007م.

فقد أعرب مراقبون دوليون عن قلقهم تجاه ما وصفوه بعقبات يواجهونها في عملية تسجيل الناخبين السودانيين استعداداً للانتخابات. وأصدر مركز كارتر بياناً تحدث فيه عن تلك العقبات التي تضمنت تأخير منح تصاريح العمل للمراقبين المحليين والدوليين والتأخير في الاعداد للانتخابات و”معلومات عن مضايقات تتعرض لها الأحزاب السياسية”. فمثل هذه البيانات تخلق أجواءً غير مواتية وتهييء المناخ لإحداث حالة من الفوضى والانفلات. وحث بيان المركز لجنة الانتخابات الوطنية السودانية على التحرك لاعتماد المراقبين المحليين والدوليين وكذلك ممثلي الاحزاب السياسية ومنح المراقبين حرية الحركة. وقد اعتمد مركز كارتر في بيانه على الشكاوى التي رفعت إليه من قِبَل بعض الاحزاب.

إن التجارب الأفريقية فى قبول الرقابة الدولية على الانتخابات تشكك فى ذلك التلازم المفترض بين الرقابة وضمان حرية ونزاهة الانتخابات المؤدية إلى التحول الديموقراطي. ذلك أن الرقابة الدولية على الانتخابات تثير العديد من القضايا والإشكاليات المتمثلة في الارتباط بالابعاد الخارجية، ومساسها بالسيادة الوطنية والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، إضافةً إلى افتقادها للمصداقية في كثير من الحالات. ففقدان المصداقية يمكن أن يأتي من المراقبين أنفسهم. فالمنظمة المسئولة عن بعثات المراقبة قد يكون لها من الدوافع الخفية أو الأجندة السرية ما يثير الشكوك بشأن عملها ويقلل الثقة فى أدائها. كما تثور قضية المصداقية بشأن تقييم المنظمات والقوى الدولية لنتائج الانتخابات الخاضعة للرقابة الدولية. وقد تتم الانتخابات فى ظل رقابة محلية او دولية تقرر حريتها ونزاهتها، بيد أن القوى الدولية لا تبدى رضاها عن نتائج الانتخابات، الأمر الذى يثير مصداقية تلك القوى فى دفاعها عن الديموقراطية وحقوق الإنسان. هذا فضلاً عن عدم مراعاة المصطلحات والمعايير الانتخابية للواقع الأفريقي، والمشكلات الفنية.

الاعلام السوداني والحملات الانتخابية

شهد السودان كغيره من أقطار العالم تغييرات لا يستهان بها على صعيد الوسائط الاتصالية والدور الكبير الذي تلعبه ومن هذا المنطلق كان لابد من معرفة حسن استخدام تلك الوسائط حتى تقوم بدورها في عملية التطوير والتحديث عموماً ولعب دور إيجابي فاعل في الانتخابات القادمة على نحوٍ خاص، وقد افتتحت المفوضية القومية للإنتخابات المركز الصحفي للإنتخابات تأكيداً على ذلك ولما يمثله وسائل الإعلام من دور كبير في العملية الانتخابية، وهي تعد واحدة من أهم العمليات في الفعل السياسي، كما أن للأجهزة الإعلامية دور مهم في تسيير وتدبير الاختيارات الشعبية، ممثلة في دعم المرشحين وعرض برامجهم على القطاع محل التصويت، وكيفية الاقتراع خاصةً وأن الانتخابات القادمة تعتبر مختلفة عن الانتخابات التي سبقت، فهي معقدة بعض الشيء، كما أن هناك عدد كبير من الناخبين ليست لديهم خبرة تراكمية عن الانتخابات، ولذلك فالحاجة ماسة لكثير من التوعية والشرح والتوضيح. وقد قامت مفوضية الانتخابات بوضع استراتيجية إعلامية للانتخابات ذات شقين الأول يتعلق بالإعلام والأجهزة الإعلامية ودورها في المشاركة في تثقيف الناخبين وتحقيق أعلى مشاركة جماهيرية بُغية إنجاح الانتخابات وقبول نتائجها بجانب تدريب كافة الكوادر الإعلامية على مستوى القطر وتدريب الكوادر المشاركة في مراحل الانتخابات المختلفة. أما الشق الثاني فيتعلق بالأحزاب وضرورة إحاطتها وحصولها على كافة المعلومات حول العملية الانتخابية. وقد وضعت المفوضية قواعد وضوابط للسلوك المهني لأجهزة الإعلام والصحافة حتى تكون هناك فرص متساوية ومتكافئة للأحزاب ومرشحيها في الوصول لتلك الأجهزة، وهي قواعد مثالية من الناحية النظرية والأمل كبير في أن تتنزّل على أرض الواقع بصورة مرضية لدى الجميع.

وبالفعل فقد ساهمت وسائل الإعلام خاصةً المقروءة منها في إحاطة الناخبين بقدر كبير من المعلومات عن البرامج الانتخابية لمختلف الاحزاب المتنافسة، وفي المقابل أتاحت الوسائل القومية (إذاعة وتلفاز) مساحة لكل المرشحين لعرض برامجهم على الناخب السوداني ولكن كانت تلك الوسائل القومية محل اتهام من قبل القوى السياسية المعارضة بعدم الحيادية والعدالة في توزيع الفرص وأنها كانت تنحاز إلى جانب المؤتمر الوطني ومرشحيها. وبصورة عامة كانت الحملة الانتخابية لمعظم الأحزاب والمشرحين تفتقر الى ما يجذب الانتباه والالتفات، ذلك أنها ارتكزت أولاً على استرداد الماضي، أما في الوعود المستقبلية فقد كانت شبه متطابقة حتى أن الناخب السوداني لا يكاد يفرق بين البرنامج الانتخابي للأحزاب.

التحديات التي تواجه الانتخابات

هناك تحديات كثيرة ومتداخلة تواجه الانتخابات القادمة تتمثل في مشكلة دارفور وعدم الوصول إلى تسوية شاملة بشأنها، إضافةً إلى الاختلافات المستمرة بين الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) وتنامي النزاعات الجهوية والقبلية، داخل الاحزاب وخارجها فضلاً عن إشكالية تمويل الأحزاب، وإمكانية توعية الناخب السوداني، لأن الذين لم يشتركوا في انتخابات عام 1986م أصبحوا الآن مؤهلين للمشاركة في الانتخابات القادمة، إلاّ أنهم لم يشهدوا أية انتخابات ديمقراطية، وليس لهم إرث انتخابي تاريخي أو معرفة واسعة بثقافة انتخابات ديمقراطية تؤهلهم لأداء الدور الانتخابي المناط بهم حسب الصورة المرجوة. فلا جدال أن هذا الواقع يضع تحدياً حقيقياً أمام الأحزاب السياسية وتنظيمات المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية، لتقوم بتوعية هذه الأجيال التي تشكل الثقل الانتخابي في الانتخابات القادمة، وإليها يستند محور التغير السياسي في السودان. فضلاً عن ذلك فإن العملية الانتخابية ستكون أكثر تعقيداً، لأن الناخب في الشمال يجب أن يختار مرشحيه عبر ست بطاقات، بطاقة لرئيس الجمهورية، وأخرى لوالي الولاية، وثالثة لنائب الدائرة الجغرافية، ورابعة لقائمة الأحزاب، وخامسة لنائب البرلمان الولائي، وسادسة لدوائر المرأة. وسيدلي صنوه في الجنوب بسبع بطاقات، تمثل السابعة منها بطاقة رئيس حكومة الجنوب. وفوق هذه التحديات الإجرائية المرتبطة بتوعية الناخب، نلحظ أن الإرث الانتخابي السوداني بالرغم من تاريخه الطويل الذي يرجع إلى عام 1953م إلاّ أنه إرث تاريخي متقطع بفعل الانقلابات العسكرية، ولا يشكل منظومة تراكمية يمكن الاستفادة من مرجعيتها الفقهية والسياسية في حل المشكلات والنـزاعات السياسية التي تبرز إلى حيز الوجود أثناء العملية الانتخابية وبعدها. وهنا لابد أن تساهم سائر القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني في توعية الناخب السوداني في كل بقاع السودان بتفاصيل العملية الانتخابية، ولابد أن تلعب وسائل الإعلام المختلفة دوراً فاعلاً في ذلك.

من جانبٍ آخر قد شكّل الجنوبيون في تعداد 1953م ثلث سكان السودان ولكن نسبتهم في تعداد 2008م لم تتعدّ 21% وقد بلغ تعداد الجنوب حوالي 8.260 مليون نسمة من جملة 39.154 نسمة هم مجمل سكان السودان الكلي. وقد أعطت اتفاقية نيفاشا الجنوب 34% من السلطة القومية إلى حين ظهور نتائج التعداد السكاني الذى كان مقرراً إجراؤه فى عام 2007م، لتكون قسمة الثروة والسلطة وفقاً لنتائجه، أي أن نصيب الجنوب من السلطة والثروة يجب أن يصبح فى حدود 21% وفقاً لنتائج التعداد، ولهذا رفضت الحركة الشعبية الاعتراف بنتائج التعداد السكاني الأمر الذي حال دون تطبيق نتائج التعداد في مسألة قسمة الثروة والسلطة. وجاء توزيع الدوائر الجغرافية والنسبية في البرلمان القادم وفقاً لنتائج التعداد السكاني ، الأمر الذى أدى الى تخصيص نسبة 21.1% فقط من مقاعد البرلمان القادم الى جنوب السودان وهو أمر ينذر بتضاؤل نفوذ الحركة الشعبية فى مؤسسات الحكم القومية القادمة، ولن تستطيع الحركة الشعبية المحافظة على نسبتها الحالية 28% القائمة على إتفاقية نيفاشا الاّ اذا تمكنت من الفوز بمقاعد معتبرة فى الشمال، وهو أمر يكاد يكون مستبعدا وبالتالى ستتضاءل مقدرة الحركة الشعبية على التأثير في السلطة المنتخبة وفي البرلمان المنتخب، وهو الذى سيصدر القوانين المنظمة للاستفتاء في جنوب السودان وهو كذلك المنوط به الاعتراف بنتائج الاستفتاء.

ويرى كثير من المراقبين أن المشكلات التي تواجه الحركة الشعبية ستؤدي إلى وقوع كارثة خاصة فيما يتعلق بالوضع القبلي والأحزاب المنافسة والمستقلين الذين دفعت بهم قبائلهم للترشح معتبراً أن قيام الحركة الشعبية بفصل المستقلين لا يمثل حلاً للمشكلة، ومن العقبات التي تواجه الانتخابات المقبلة أن القوى الجنوبية حتى المعتدلة منها قررت في ملتقى كنانة أن الجنوب هو الثلث سكانياً بغض النظر عن نتيجة الإحصاء. وقد صرّح باقان أموم، وياسر عرمان برفض نتيجة الاستفتاء ولعل ذلك يمثل إنذاراً مبكراً بوجود أكثر من قيادة للحركة الشعبية، هذا إضافةً إلى أنه ليس للأحزاب الجنوبية عدا الحركة الشعبية، حرية الحركة في الجنوب أثناء الانتخابات، إضافةً إلى عقبات تمويل الأحزاب.

ومن التحديات أيضاً أن هناك مشكلة تتعلق بالتعامل مع المعلومات المتصلة بالعملية الانتخابية وتفصيلاتها، وبات واضحاً أن هناك فجوة معرفية تعرضت لها قطاعات واسعة في السودان حيال قضايا وموضوعات كثيرة. ولا شك في أن تلك التحديات ستفرز واقعاً يصعب التكهن به.

القول بتأجيل الانتخابات

برزت أصوات عديدة في الفترة الأخيرة تنادي بضرورة تأجيل الانتخابات ريثما تتهيأ الأجواء وتُحل القضايا التي استعصت على الحل مثل قضية دارفور باعتبار أن الانتخابات ستزيدها تعقيداً، وفي المقابل قطع المؤتمر الوطني بأنه لا تأجيل للانتخابات، وأن من يروجون لذلك لا جماهير لهم بعد غيابهم عن السجل الانتخابي. وفي الواقع فإن احتمالات تأجيل الانتخابات واردة بنسبة كبيرة لعدد من المبررات تتمثل في الفشل في الوصول إلى تسوية لمشكلة دارفور ذلك أن الانتخابات لو جرت على كل المستويات ستزيد الأمور تعقيداً. إضافةً إلى عدم تهيئة البيئة لإجراء انتخابات في ظل تنامي الاحتقانات السياسية والنزعات القبلية والجهوية.

التوقعات

إذا جرت الانتخابات في الظروف الحالية فإن حظوظ المؤتمر الوطني بالفوز برئاسة الجمهورية تعتبر كبيرة مقارنةً بباقي المرشحين، ذلك أن المنافسة تنحصر أساساً وبالترتيب بين المؤتمر الوطني وحزب الأمة والحركة الشعبية، والاتحادي الديموقراطي وحزب المؤتمر الشعبي والحزب الشيوعي، أما المرشحين المستقلين فلا حظوظ لهم في الحصول على أكثر من أصوات التزكية المطلوبة للترشح وفقاً لقانون الانتخابات. فالمؤتمر الوطني يتمتع بقدرة مالية وتنظيمية مقدرة نسبةً لإحكام قبضته على مفاصل الدولة المختلفة، والحركة الشعبية تتوافر لديها مقدرات مالية، أما حزب الأمة فيتمتع بقاعدة جماهيرية كبيرة، ولولا الإشكالات المالية التي أثرت بدورها على النواحي التنظيمية لكان الأوفر حظاً في كسب سباق الرئاسة.

وتشكل الانتخابات المقبلة لحظة تحول مفصلية فى التطور السياسي السوداني، ذلك أنها تجرى في ظل بروز العديد من المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية التي ترتبط بجملة التفاعلات تأثيراً وتأثراً. ويشكل إجمالى التفاعلات المتعلقة بالانتخابات من أطر قانونية وأساليب إجرائية إضافةً الى طبيعة التحالفات السياسية الممهدة لها والنتائج السياسية المترتبة عليها متغيراً مستقلاً فى إمكانية نجاح الانتخابات القادمة في ظل المتغيرات الأخرى المتداخلة.

ويرى بعض الخبراء أن نتائج الانتخابات السودانية في حالة قيامها في هذا العام وفي ظل الأزمات المعقدة والمتداخلة ستفرز واقعاً من الآتي:-

  • إما القدرة على التماسك والاستمرار في مسيرة التحول الديمقراطي إلى نهاياتها.
  • أو تصدع الجبهة الداخلية وانهيارها وفتح الطريق أمام التجزئة والفوضى. وهذا السيناريو ليس بالبعيد خاصةً في ظل الأوضاع الماثلة. فإحساس بعض القوى السياسية بالعجز في مقارعة المؤتمر الوطني أو الحركة الشعبية يجعلها تلجأ إلى أسلوب المكايدة وإثارة الأزمات بشتى الطرق لإجهاض التجربة. خاصةً أن هناك قضايا ستؤثر بدرجات متفاوتة على مجمل العملية الانتخابية تتمثل في:-
  • مشكلة دارفور
  • نتائج التعداد السكاني وقبولها.
  • ترسيم الحدود.
  • البت في مسألة أبيي.
  • والتجربة الديمقراطية في كينيا يمكن النظر إليها مليَّاً بغية الاستفادة منها فالتجربة الكينية في انتخابات 2007م شأنها شأن التجارب الإفريقية الأخرى التي تأثرت إلى حدٍ بعيد بالأبعاد الخارجية فضلاً عن المعضلات الداخلية التي تتمثل في النزعة القبلية المتأصلة وانقسام النخب السياسية، وعدم فاعلية الأحزاب السياسية إضافةً إلى العوامل الاجتماعية الأخرى المؤثرة والمتأثرة بالنظم السياسية.

    وهناك عوامل أخرى مرتبطة بتهيئة الأجواء لهذه الانتخابات منها التعداد السكاني وترسيم الحدود والعوامل المناخية المتزامنة مع موعد إجراء الانتخابات بالإضافة إلى القضية الأساسية التي فتحت الطريق واسعًا أمام التدخلات الخارجية في الشؤون السودانية الداخلية وهي قضية دارفور التي يتوقع مراقبون أنه في حالة إجراء انتخابات لا تشارك فيها ربما أدى إلى نسف هذه العملية أو على الأقل اعتبارها انتخابات ناقصة وغير معترف بنتائجها.

    صحيح أن الوفاء بالاستحقاق الانتخابي أمر محمود ومطلوب في حد ذاته، ولكن مع ذلك فإن العبرة ليس بإجرائها فحسب، ولكن بعواقبها والنتائج التي ستتمخض عنها، والأمر هنا ليس متعلقاً بمن يفوز أو يخسر من الأحزاب المتنافسة، ولكن هل سيؤدي ذلك إلى تقديم إجابة شافية على السؤال الملح والمهم بشأن انعكاسها إيجابياً على مستقبل البلاد ووجهتها؟ وهل سيقود الاستحقاق الانتخابي إلى فرز واقع سياسي جديد في البلاد يتجاوز حالة الاضطراب والاقتتال، ويؤدي إلى التأسيس لحالة جديدة في ممارسة السلطة والمعارضة، وتمكين الحرية المسؤولة وسيادة حكم القانون ودولة المواطنة، وتفتح آفاقاً جديدة تضع الوطن على أعتاب نهوض حقيقي في المجالات كافة؟. أم ستكون الانتخابات المنتظرة بآمال عريضة، مجرّد حدث شكلي، يدور في الحلقة المفرغة ذاتها ويعيد إنتاج أزمة البلاد السياسية المستعصية، وتتحوّل الفرصة من نعمة منتظرة تعيد الأمل للسودانيين في أنفسهم وفي بلادهم، تضع حداً لحالة الهوان التي يعيشها الوطن والمواطن في بلد ممزق بالصراعات والحروب الأهلية، إلى نقمة تزيد النار المشتعلة اشتعالاً، والشقاق شقاقاً ليتسع الفتق على الراتق، وتضيع بذلك آخر الآمال في حدوث تغيير إلى الأفضل. ولا نقصد من إثارة هذه التساؤلات رسم صورة سوداوية متشائمة، ولكنها أسئلة موضوعية وحاسمة وجادة حول مستقبل البلاد ومصيرها، فالسودان يواجه تحدياً مصيرياً هو الأخطر في تاريخه الحديث، ولم يعد يصلح التعامل مع قضية بهذه الخطورة البالغة بمجرد إبداء النيات الحسنة، أو التفاؤل في غير موضعه بغير عمل جاد، كما لم يعد مقبولاً التعامل بعقلية مناورة، واستغفال سياسي، تستخف بقضايا البلاد المصيرية، بل يجب أن تطرح بجدية وشفافية في الهواء الطلق.

    إن نموذج التحول الديمقراطي المتداول في الخطاب السياسي السوداني الراهن يرتكز على مفاهيم الديمقراطية الليبرالية وقيمها كما هي ممارسة في الديمقراطيات الغربية، ولا جدال أن في ذلك خلطاً شنيعاً في المفاهيم وإدعاءً بلا جذور يرتكز عليها ومخالفاً لواقع النظام السياسي السوداني، فالديمقراطية الليبرالية لا وجود لها، على الأقل حتى الآن، في المشهد السياسي بالبلاد، ولا تستند على قاعدة اجتماعية أو ثقافية أو ممارسة سياسية عميقة الجذور، وكل ما هناك مجرد دعوات منادية بشعارات الديمقراطية والدعوة للتحول باتجاهها دون أن تتوفر الشروط الموضوعية اللازمة لوجودها، ودون أن يكون هناك نظر عميق إن كان نموذج الديمقراطية الغربية مما يصلح للنمو في بلادنا في غياب التزام القوى الداعية لها بأسباب تحقيقها.

    وبموجب النظام الانتخابي الجديد سيدلي مواطن الجنوب بصوته 12 مرة وسيدلي مواطن الشمال بصوته 8 مرات، وقد أشارت بعض المراكز البحثية التي قامت بإجراء تجربة حول هذه المسألة إلي أن المستنير في الجنوب يحتاج لـ 28 دقيقة للإدلاء بصوته، والمستنير في الشمال يحتاج لـ 24 دقيقة للإدلاء بصوته، وقد شكل ذلك محور تساؤل لدى قطاعات واسعة، فالتجربة حديثة والتوعية لدى مختلف قطاعات الشعب السوداني شبه معدومة. ولذلك يشير البعض إلى ضرورة تجزئة الإنتخابات إن كانت هناك فرصة وإمكانية.

    ومن الجدير ذكره أن الصراعات والمواجهات العنيفة التي اندلعت في كثير من الدول الأفريقية التي أجريت فيها انتخابات تعود إلى صراعات واحتقانات كانت مكتومة منذ مدة، ومن ثم وجدت في الانتخابات ونتائجها فرصة للبروز إلى الواجهة، فضلاً عن الصراع السياسي. حيث تعمل القوى السياسية المعارضة أو التي لم توفق في الانتخابات على استثمار تلك الاحتقانات والنزعات القبلية والجهوية والإثنية إلى أبعد حدود في سياق التعامل مع الحكومة أو الحزب المنتصر. وكما هو معروف فإن البيئة السودانية تعج بتلك الاحتقانات التي ستستثمر من قبل بعض القوى الداخلية والدوائر الخارجية بهدف خلق حالة من الفوضى والانفلات وهو ما يجب التنبّه إليه جيداًَ من قبل الجهات المسؤولة.

    يتوقع أن تكون الدول الغربية حاضرة ومؤثرة في الانتخابات المقبلة في السودان، وستركز تلك الدول في تدخلها وتأثيرها على العملية الانتخابية عبر المنظمات غير الحكومية وبعض منظمات المجتمع المدني للتمويه بشيء من الموضوعية والحيادية على تدخلها. وستخصص تلك الدول ميزانيات مقدرة لتلك المنظمات. وقد ظلت الميزانيات التى ترصدها الأحزاب والقوى السياسية للانتخابات لاستقطاب الجماهير وإدارة الحملات الانتخابية موضع اهتمام للمراقبين، في ظل الفقر الذي تعانيه الأحزاب عموماً وضعف التمويل الجماهيري للانتخابات، ما يجعل الباب مفتوحاً أمام هذه الأحزاب لطرق أبواب الدعم المختلفة، والتى لن تكون بعيداً عنها الدعم الخارجي المقدم من قبل بعض الدوائر الخارجية والذي ينسجم بالضرورة مع أجندتها، والتي تؤثر حتماً على مخرجات العملية الانتخابية. وذلك على الرغم من أن قانون الانتخابات والأحزاب يحظر تلقي أى حزب لدعم مالي من مصدره أجنبي للحيلولة دون تأثير ذلك الدعم على الانتخابات ونتائجها. مع العلم بأن هناك صعوبة في عملية ضبط الإنفاق الحزبي على الانتخابات والسيطرة على تدفق المال من خارج الحدود من قبل مفوضية الانتخابات لأن ذلك لا يتم بصورة علنية ، كما أن للأحزاب علاقات مع دول أخرى تدعمها، ولكن يصعب اكتشاف ذلك الدعم.

    في حالة قيام الانتخابات، و بدأ البرلمان دورته الجديدة في مايو من هذا العام 2010 سيكون هناك واقع جديد غير الذي أفرزته اتفاقية السلام من حيث برلمان جديد وحكومة جديدة عمره دورتان برلمانيتان – أي أقل من سنة- لا يعرف درجة الرضا عنها في ظل مؤشرات اليوم في ظل موقف الحركة الشعبية الغامض المزدوج، وفي ظل التقاطعات الإقليمية والدولية المتعلقة بالسودان، والاستثمار الجاري للقضايا الماثلة التي لم تحسم بعد كقضية دارفور وقرار توقيف السيد رئيس الجمهورية على سبيل المثال لا الحصر.

    إن النهج التكتيكي في التعامل الحكومي مع العديد من القضايا أضرّ كثيراً وزاد من تعقيد تلك القضايا بدلاً من محاصرتها وحلحلتها، فتقسيم الأحزاب وإضعافها يقودان إلى إضعاف البنية السياسية في السودان على وجه العموم، الأمر الذي يقود إلى سهولة استثمار القضايا المحلية والوطنية من قبل الدوائر المتربصة بالبلاد سواء على الصعيد الإقليمي أو الدولي. والسودان يحتضن خمسة أعراق وثقافات متباينة، وكل الدوائر الطرفية متداخلة ومرتبطة بدول الجوار ودول أخرى لذلك فإن احتمالات التدخل الخارجي واردة بنسبة كبيرة الأمر الذي يستوجب الحيطة والحذر والاستعداد لكل الاحتمالات.

    وهناك تكتلات جهوية أخذت في الظهور خارج نطاق الأحزاب وهذا يتطلب وقفة ومراجعة ودراسة للأسباب المؤدية إلى ذلك المسلك وكيفية التعامل معه بالصورة التي لا تؤدي إلى إنتاج أزمات جديدة، فالمشكلات الكبيرة الماثلة بدأت بدايات صغيرة ولكن الإخفاق في التعامل معها على النحو المطلوب هو الذي أدى إلى تفاقمها وتعقيدها. فتنامي النزعة الجهوية سيكون خصماً على الانتخابات وعلى نتائجها ويمكن استثمار تلك النزعة لإحداث حالة من الانفلات والفوضى في البلاد.

    ختاماً فإن احتمال قيام الانتخابات في موعدها المحدد وارد كما أن احتمالات تأجيلها واردة لجملة من المبررات التي وردت في هذا التقرير. وقد يتم تجزئتها والاكتفاء بخوض الانتخابات القادمة على مستوى رئاسة الجمهورية وتمديد أجل المؤسسات الأخرى الموجودة إلى موعد يتم الاتفاق عليه مع القوى السياسية. أو الاكتفاء بخوض الانتخابات على مستوى رئاسة الجمهورية وحكومة الجنوب والولاة مع إعطاء ضمانات للحركة الشعبية في حالة خسارتها لمنصب رئاسة حكومة الجنوب بأن يتم التعامل معها بسلاسة حتى موعد الاستفتاء القادم والابقاء على حجم تمثيلها الحالي في مؤسسات الحكم القومية، مع إعطاء حركات دارفور تمثيلاً مقدراً في السلطة بدارفور وكذلك على المستوى القومي بدون الحاجة إلى إرغامهم على خوض انتخابات من المؤكد أنها لن تحوز فيها على نتيجة تتناسب والنفوذ الاعلامي الذي تتمتع به ولا مع ادعائها بأنها ممثلة لمواطني إقليم دارفور امام المجتمع الدولي، وتأجيل الانتخابات البرلمانية إلى ما بعد استفتاء جنوب السودان.

    %d مدونون معجبون بهذه: