الخيار العسكري الحكومي … واقع قادم أم خيال هائم؟!!

يبدو أن مدينة مقديشو تدخل هده الأيام مرحلة مخاض جديد لحرب دموية، حيث تقترب من وقت لأخر تكهنات الحرب الوشيك اندلاعها، كما أن هناك مؤشرات أخرى تلوح فى الأفق توحي بوقوع حرب حاسمة بين الحكومة الصومالية التى تدعمها وحدات من القوات الافريقية والجماعات المتمردة فى مقديشو.

وعلى الرغم من كل التهديدات التى أطلقها المعارضون عبر وسائل الإعلام المحلية لالحاق هزيمة عسكرية ونكسة تاريخية – كما تدعي – بالحكومة الصومالية التى ينددون بها وبأنها تستنجد بالغرب والقوات الافريقية. وبمثل هذه اللهجة الشديدة تعبر الحكومة الصومالية بين الحين والآخر عبر الإذاعات المحلية منذرة بالويل والثبور للجماعات المتمردة عليها، وهي التى أدارت الحرب الكلامية عبر الإعلام المرئي والمسوع وعبرت عن نيتها لحسم المسألة الصومالية لصالحها واستئصال جذور الجماعات الاسلامية فى مقديشو، إلا أن عدداً من االمراقبين يطرحون تساؤلات عديدة حول مدى واقعية حتمية الخيار العسكري الحكومي ووقوعه أم أنه مجرد تهديد وتفاؤل حكومي تنوي تحقيقة فى المستقبل. القريب وما مدى صحة التصريحات التى تأتي من هنا وهناك والتى تشير بوقوع حرب فاصلة بين الجانبين، وهل الخيار العسكري الحكومي واقع أم خيار؟ … هذه التساؤلات وغيرها نجيب عنها فى الفقرات الآتية على ضوء آراء المحلليين السياسيين سعيا وراء استكشاف الواقع الموجود في مقديشو.

مجرد تفاؤل

يرى كثير من المحللين فى مقديشو أن التهديدات التى تعلنها الحكومة الصومالية عبر الإعلام ماهي سوى مجرد تفاؤل، وأن الحكومة لم تنوِ بعد شن حرب شاملة على الاسلاميين فى مقديشو لإنهاء تواجدهم من المدينة التى تكون بمثابة ( قلب الصراع الصومالي ).

يقول المحلل السياسي أحمد جاتمو أن “الحكومة الصومالية لاتستطيع تطبيق الأقوال التى ترددها فى الآونة الاخيرة عبر وسائل الإعلام المحلية، وإذا اختارت الخيار العسكري وهاجمت معاقل الاسلاميين فانها هي التى ستدفع ثمن هذه الحرب نظراً لأن قواتها تفتقر إلى الأجهزة العسكرية، أضف إلى ذلك أن قواتها لن تمكث طويلاً فى ميادين القتال ولم تبقى فى المراكز التى تسقط فى يدها لأنها تتراجع إلى الخلف وهذا ماشهدناه من قبل خلال الحملات العسكرية التى شنتها الحكومة الصومالية على معاقل الاسلاميين في شمال مقديشو”.

ويتابع : إن الحكومة الصومالية لن تحقق فى المعارك المقبلة سوى أن تجني حصاداً مراً ، مؤكداً أن حتيمة الخيار العسكري الحكومي لن يجدي شيئاً فى هذا التوقيت بالذات.

وذكر وزير الدولة لشئون الدفاع يوسف انطعدي خلال حديثه لوسائل الإعلام أن حكومة بلاده تنوي فى الوقت الراهن شن هجومٍ واسع النظاق على (الحزب الاسلامي وحركة الشباب) ، ونفى أن الحكومة لم تخطط جيدا بعد للهجوم على معاقل الاسلاميين فى مقديشو.

الحرب القادمة رصيد إضافي للحكومة

ومن الجانب الأخر فإن محللين أخرين ينظرون إلى الواقع الحالي من زاوية معاكسة، مؤكدين أن الحرب القادمة ستكون رصيداً اضافياً لصالح الحكومة الصومالية إذا ماحققت نواياها لحسم المعركة المقبلة وتمكنت من كسر شوكة الاسلاميين الذين يتدفقون من كل مكان فى مقديشو تحسباً لبدء فصل جديد من فصول الصراع.

يقول رئيس تحرير إذاعة دنن الصومالية أويس محمد أن”الحكومة الصومالية ستحقق فى المرحلة المقبلة نصراً تاريخياً، ويمكن أن تميل الكفة لصالحها فى حال استخدام القوة العسكرية الحديثه لتدمير المناوئين لها، وأن من الممكن أن ينجح خيارها العسكري الذي تعلنه بين حين وآخر”.

و هناك شروطاً عدة على الحكومة الصومالية تحقيقها قبل الحرب لكي تبسط نفوذها على الصومال حسبما يشير المحللون، ومن هذه الشروط مايلي : ــ

• اللجوء إلى استراتيجية جديدة تقضي بانهاء تواجد الإسلاميين فى مقديشو.
• عدم تمديد فترات الرواتب الشهرية لقواتها المسلحة حتى لاتقع أيديهم على ما عند الناس، ولكي لايبدأوا تعاطي الرشوة من قبل المعارضة، وينشقوا عن الحكومة الصومالية للانضمام إلى الاسلاميين بشكل مباشر أوغير مباشر .
• عدم استخدام القوة المفرطة عند بدء العملية العسكرية ضد المدنيين، وان تتصف قواتها باحترام المدنيين العزل، وتوخي بالحذر واليقطة لعدم الاعتداء على ممتلكات المدنيين، والاعتماد على رواتب الحكومة الصومالية والتخلي عن تفتيش جيوب المدنيين ونهب جوالاتهم وأمتعتهم التى يحملونها.
• الحد من انتشار الفوضي في المناطق التى تسيطر عليها، وترسيخ الأمن في هذه المناطق لكي تكسب ثقة المدنيين وعطفهم خلال الحرب التي توشك أن تشنها.
• احترام القوانين الدولية فى حالة الحرب والسلم وعدم الاعتداء على الأسرى وأن تتعامل معهم معاملة إنسانية ، بالاضافة إلى عدم استهداف سيارات الاسعاف التى تنقل المصابين سواءاً كانوا مدنيين أم مسلحين من الجماعات المعارضة لتصب المصحلة في كفتها وتكسب ثقة الشعب الصومالي من جديد، هذه الثقة التي كانت تتلاشى يوماً بعد آخر بسبب القصف العشوائى الذي تطلقه القوات الحكومية والأفريقية صوب المدنيين العزل بدون شفقة ولارحمة، ويستخدمون مدافع الهاون وصواريخ بــ BM والتى تقطع أجساد المدنيين إرباً إرباً .

حرب شاملة

ومن المحتمل أن تشمل الحرب القادمة أقاليم كثيرة من الصومال فليست الاستراتيجية الجديدة التى خطتها الحكومة الصومالية – كما يتردد -مقتصرة على مقديشو بل إنها تريد أن تخلص الصومال كله من الجماعات المتشددة؛ ويشهد بذلك وجود استعداداث كثيفة من قبل القوات الحكومية المتواجدة فى الأقاليم الجنوبية المطلة على الحدود بين الصومال وإثيوبيا، كما أن قوات حكومية أخرى أنهت تدريباتها العسكرية وهي مستعدة للانخراط في حرب مريرة مع الجماعات المعارضة التى تسيطر على مناطق واقعة فى الحدود بين كينيا والصومال التى غرقت في الفوضى لمدة زمن.

ويقول المحلل السياسي عبدالناصر عثمان أن الحملة العسكرية الحكومية ستشمل كلا من كسمايو وبيدوا بالاضافة إلى مقديشو، وأن الاستعدادات العسكرية تلاحظ فى مناطق كثيرة من الصومال.

ويشير إلى أن الحكومة الصومالية ليست مستعدة فى هذا التوقيت لبدء حربٍ شاملة على معاقل المعارضة فى الصومال خوفاً من أن يدب فى كيانها خلافات حادة والتى قد تؤدي إلى أن يطعن فريق ما بخنجر من الخلف في ظهر الحكومة الصومالية وهي غارقة فى معارك لاحد لها، كما أنها تريد أن تسد الثغرات التى من شأنها أن تسبب لها حرجا أثناء الحرب.

ويكشف عبدالناصر للشاهد، أن الخطة العسكرية الحكومية ستكون مفاجئة للشعب الصومالي، لأنها هي الخطة التى تنهي تواجد الجماعات المعارضة فى الصومال حسبما يعتقد.

سيناريوهات الحملة العسكرية

ليس من الممكن تصورأن تنتهي هذه الحملة العسكرية دون أن تتنج عنها خسائر مادية وبشرية فى صفوف الصوماليين مهما كانوا وأينما كانت أيديولوجيتهم، ولامناص من مضاعفات هذه الحرب التي ستظهر على الواقع الصومالي.

ويطرح المحللون السياسيون سيناريوهات عدة بعد انتهاء الحملة العسكرية وهي كما يلي : ــ

• أن تحقق الحكومة الصومالية نصراً جزئياً فى صفوف القتال خلال الأيام الأولى، وعلى العكس تماماً، فإن الجماعات المعارضة حشدت قواتها فى مقديشو معلنة أنها تبدأ من جهتها حملة عسكرية لتقويض نفوذ الحكومة الصومالية والقوات الأفريقية فى الصومال.
• تدمير ماتبقي من البنية التحتية التى كانت فى السابق شبه معدومة، لأن كلا من الأطراف الصومالية لاتبالي بممتلكات المدنيين ويتبادلون القصف المدفعي فى المدينة بشكل شبه يومي، مما يؤدي إلى إحداث خسائر مادية فى الممتلكات التجارية فى مقديشو.
• مضاعفة الخسائر البشرية فى صفوف المدنيين، ويخشى الجميع أن تكون هذه الحملة العسكرية خطراً محدقاً على حياة المدنيين الذين يعيشون بين مطرقة الحرب وسندان الظروف الاقتصادية .
• التهجير والتشريد، لان المئات من المدنيين الذين كانوا يلتمسون الحياة فى منازلهم سينضمون إلى إخوانهم الذين يفترشون أديم الأرض ويستظلون بالسماء فى مخيمات مقديشو، والذين يمتعضون من غلاء أسعار المواد الغدائية والمواد الأساسية للحياة، وغياب المستوصفات الصحية فى المخيمات إضافة إلى ندرة المياه النقية بعد أن سحبت الهيئات الدولية عمالها من مناطق التشرد بعد تصاعد العمليات التى تستهدف عمال الإغاثة من الهيئات الإنسانية ومراكزها فى مناطق متفرقة من الصومال.

وفى نهاية المطاف فإن الحملة العسكرية الحكومية مهما طال انتظارها فإنها ستظهر في الواقع العسكري فى مقديشو حسبما يرى الكثير من المحللين، وحسب آخرين فإنها ستضيف محنة إلى المحن الأخرى أو قد تقلب المحنة إلى منحة جديدة لكي يتنفس الصوماليون الصعداء من جديد ويستريحوا من معاناة الحياة وأزير المدافع الثقيلة وهدير الطلقات النارية لكي تعود كافة مقومات الحياة الأساسية للصوماليين.

تعليق واحد

  1. waaad kumahasantihiiin taqriirkan wanaagsan walaalayaal mahadsanidiin

%d مدونون معجبون بهذه: