حوار خاص للشاهد مع الدكتور صادق محمد “أينو” حول التاريخ والذكريات

د.صادق محمد الكاتب والمؤرخ الصومالي

ملخص المقابلة:

  • مدرسة جمال عبد الناصر غرست في نفسي حب العربية ومنحتني حصانة فكرية.
  • انضمامي إلى الكلية العسكرية في مصر كان بناءً على رغبة “حركة الأهل”  للسيطرة على مفاصل الجيش الصومالي.
  • كنت أحب سلاح المدرعات لاعتقادي الوسيلة السهلة للسيطرة.. لكن الحكومة خيبت ظني عندما تم ابتعاثي لتعلم فنون الصاعقة في مصر.
  • في السبعينيات كنا في مرحلة مراهقة فكرية نسعى إلى التغيير السريع.. لكنّنا اصطدمنا بصخرة الواقع.
  • حسين معلم كان مسوؤل حركة الأهل في مقديشو، والشيخ محمود عيسى موجهنا الفكري.
  • الشيخ عبد القادر محمود فرّ إلى السعودية؛ خوفاً من بطش النظام، وأدار الحركة من الخارج.
  • اختلفت مع التكفير في بداية العمل الإسلامي.
  • الساحة الفكرية الصومالية كانت مهيأة لينتشر فيها الفكر ” التكفيري”، بسبب انعدام مناهل المعرفة الدينية.
  • تاريخ وحدة الشباب الصومالي تعتبر ملهمة، ونسعى إلى بناء جيل صومالي يحمل هموم دينه ووطنه.
  • غياب التأليف زاد من سريان الشائعات، وأحاط البعض بهالة من القدسية.
  • مؤلفاتي تدور حول التاريخ الصومالي كجزء من مشروع ” العودة إلى الجذور”.

 نبذة عن الدكتور صادق “أينو”

د.صادق محمد أحمد أكاديمي صومالي متعدد المواهب، جمع ما بين دراسة الطب ودراسة الأدب وتاريخ الصومال كناقد وباحث غاص في أعماقهما بأسلوب علمي فريد، ويركز بصورة خاصة على تاريخ وحدة الشباب الصومالي، وإبراز دورهم في نيل الاستقلال، وكثيراً ما يحاول خلال لقاءاته مع الأكادميين الصومالييين عرض الجوانب المخفية من تاريخ نضال الصومال ضد الاستعمار.

وُلد د.صادق محمد في مدينة مقديشو عام 1956، وبدأ مشواره التعليمي كغيره من أبناء الصومال في إحدى الخلاوي القرآن في العاصمة، وانضم في المدرسة الإبتدائية النموذجية ( مدرسة جمال عبد الناصر) ، وأكمل تعليمه الثانوي في المدرسة المذكورة.

وتُعتبر مدرسة جمال عبد الناصر هي التي غرست حب لغة الضاد في نفسه، ووفرت له حصانة فكرية مثلت له الحصن المنيع من تسلل الأفكار الهدّامة إلى وجدانه.

بدايات العمل الإسلامي

الشاهد: حدثنا عن بدايات انضمامك للفكر الإسلامي؟

د. صادق: بداية انضمامي للفكر الإسلامي كان مطلع عام 1974، وتفسير الشيخ محمد معلم – وهو أحد خريجي جامعة الأزهر الشريف- كان إحدى المحطات المهمة في مسيرة حياتي الفكرية، حيث كان الشيخ يفسر القرآن في أسلوب عصري جذّاب، مما كان له الأثر الإيجابي في تكوين شخصيتي.

 وهذه المرحلة كان الفكر الماركسي في أوج عنفوانه، والحكومة الصومالية بقيادة محمد سياد بري كانت تروج لهذا الفكر، وتستقطب القيادات الشابة للانضمام إلى الفكر الشيوعي، وكانت مجموعة من حملة الثقافة العربية هم وحدهم من يغردون خارج السرب.

وفي ظل أجواء التكتيم والقمع، ظهرت حركة الأهل التي كانت في بداياتها تنظيماً فكريا جامعاً للإسلاميين، ثم ما لبث أن افترق أعضاؤها إلى تنظيمات إخوانية وسلفية وتكفيرية فيما بعد.

  •  نشاطات

الشاهد: في ظل أجواء القمع والتكتيم كيف كانت نشاطاتكم؟

د. صادق: نشاطاتنا كانت محاطة بسرية تامة، كنا نلتقي سراً في أحد المنازل؛ لمدارسة الآيات القرآنية وبعض الأحاديث الشريفة، وكان الشيخ محمود عيسى الذي أصبح أميراً للجماعة الإسلامية يقرأ لنا درس التفسير، وكانت أعمارنا متقاربة، فالشيخ محمود كان زميلي في مدرسة جمال عبد الناصر، وبحكم كونه الأكبر سناً تولى درس التفسير، رغم البدايات العلمية المتواضعة التي كنا نعاني منها جميعاً.

أما تنظيمياً فكان الأخ حسين معلم بائع الألبسة والمنسوجات في السوق هو مسؤول الحركة ميدانياً في مقديشو، بعد فرار رئيس حركة الأهل عبد القادر الشيخ محمود إلى السعودية؛ خوفاً من بطش النظام.

  • العسكر

الشاهد: ما علاقتك بالعسكر، هل درست العلوم العسكرية؟

د. صادق: لا، لم أكمل دراسة الكلية العسكرية، التنظيم هو من اختار لي دراسة العلوم العسكرية أنا وغيري من الشباب الغيورين، ومنهم عبد الرحمن الشيخ عمر (إمام مسجد ابي بكر الصديق في منيسوتا الأمريكية) والعقيد فارح طيري (قُتل في غروي على يد حراس عبد الله يوسف أحمد)، وعلي موسى حرسي.

وكنا نتوقع أنه بإمكاننا السيطرة على مقاليد الأمور في الصومال عبر الدبابات؛ لأننا كنا تحت تأثير مخدر أفكار التنظيم الذي كان معظم أعضائه من الشباب، ومما زاد في تخبطنا هو ندرة الكتب الدينية والفكرية مما أدى ذلك إلى انسداد الآفاق والتفكير وفق الأهواء.

ومن غرائب الأمور، أذكر أنني تحدثت مع والدي –رحمة الله عليه-  عن رغبتي لتعلم فنون الطيران العسكري، وسألته هل سلاح الطيران هو أهم سلاح في الجيش؟ نظر إليَّ والدي وقال: إن سلاح المدرعات هو الأهم، فأي جيش في العالم يعتمد على سلاح المدرعات.

فتغيرت نظرتي تجاه سلاح الطيران وفقا للمعلومات العسكرية التي أدلى بها والدي، وبدأت أشجع أصدقائي على سلاح المدرعات.. لكن الحكومة خيبت ظني عندما ابتعثني إلى مصر ليتم إعدادي كجندي في صفوف قوات الصاعقة.

فترة السبعينيات كانت فترة عصيبة مليئة بالتجاذبات، ومما زاد في ضحالتنا الفكرية هي غياب مراجع فكرية ومكتبات تساعدنا على معرفة ما يجري حولنا، وبدأت أفكار التكفير والهجرة تتسرب إلى المجتمع الصومالي، مستغلةً الجهل وعدم المعرفة.

وأصبح الفكر التكفيري  بقيادة مسؤول الحركة سائداً، وانزلق الجميع إلى مستقنع التكفير والتنفير بصورة اعتباطية غير مدروسة العواقب، ويعتبر الجهل عن الشريعة هي إحدى أهم العوامل التي ساهمت بانتشار هذا الفكر.

الشاهد: هل انضممت إلى التكفير والهجرة؟

د. صادق: لا، لم انضم إلى التكفير والهجرة؛ لأنهم لم يقنعوني بأفكارهم رغم قلة معرفتي بالشريعة وقتذاك، سألتهم عن مصير والدي- الذي توفي في الحرب الصومالية الإيثوبية في1977- هل هو في النار أم في الجنة؟.

فقالوا لي لا تشك – أبداً- عن مصير والدك، فهو من أهل النار؛ لأنه مات في سبيل الدفاع عن القومية الصومالية وتحت راية العلم الصومالي ذو النجمة الخماسية، وكل من مات غير راية التوحيد فهو في النار.

موجة التكفير لا تستطيع كسب أرضية فكرية جديدة؛ لأنهم ينطلقون من دائرة مفرغة، ويعيشون في أوهام تاريخية، وحتى الآن يعاني التكفيريون من مشكلة  إقناع المجتمع.

وإذا أردنا تطويق التكفير فكرياً، لابد لنا من المعرفة الحقيقية والرسوخ الإيماني كأحد أكبر معاول هدم هذا الفكر، وعلينا فتح منافذ المعرفة للمجتمع؛ ليكون المجتمع على بينة من الأفكار المحيطة حوله.

استلهام تاريخي

الشاهد: كثيراً ما تهتم تاريخ وحدة الشباب الصومالي، ما سر هذا الاهتمام؟

د. صادق: إن تاريخ وحدة الشباب الصومالي تستحق منا التأمل، ووحدة الشباب الصومالي كانوا مجموعة من الطلبة لا يتجاوز أعدادهم 13 شاباً، ومع ذلك حققوا انتصاراً تاريخياً للشعب الصومالي برمته.

وضربوا أمثلة رائعة من الوطنية للصوماليين جميعاً، لتوحدهم في زمن يصعب التوحد، ودافعوا عن دينهم وعرضهم من مستعمر يملك كل وسائل القمع والقتل.

ووحدة الشباب الصومالي كان خليطاً يضم في داخله تيارين كل منهما يعمل على حدة، فكان هناك تيار انبرى للدفاع عن اللغة والثقافة الصومالية أمام هجمة العدو الشرسة على المكتسبات الثقافية للشعب.

وهذا التيار كان متعصباً شديد التعصب للغة الصومالية لدرجة أنه غير أسماء أعضائه، بعدما رأى ضرورة تغيير أسمائهم من العربية إلى الصومالية.

وإليكم أمثلة من تم تغيير أسمائهم:

الاسم بالعربي                :   ترجمة الاسم إلى الصومالية

1: عبد العزيز نور حرسي:  Bidde Waaq Kaah Qardhaas.

2: حسن على مري:                Suubane Sareeye Mire

3: حرسي مجن:                          Qardhaas Magan

وانتفض هذا التيار بعدما رأى أن المستعمر الإيطالي والبريطاني غيروا حتى أسماء المدن الصومالية، وتم تسمية بعض المدن الصومالية باللغة الإيطالية فمثلاً: مدينة جوهر كان يطلق عليها اسم (فيلا أبروزي) وقرية جمامي (فيلا مارغريت) ومدينة لوق كان يطلق عليها ( فيلو ناردي)، هذه التصرفات وغيرها هو ما حرّك ضمير وحدة الشباب الصومالي، وعزموا طرد المستعمر. وقد تحققت أمنيتهم بفضل الله ثم بالجهود الجبّارة التي بذلوها في سبيل تحرير الصومال.

وكان هناك أيضا تيار آخر أُطلق عليهم ( مجموعة غوسن) ومجموعة غوسن كانت تنفذ عمليات الاغتيال ضد المستعمر الإيطالي والبريطاني على حد سواء.

ونحن في هذا الزمن ما زلنا نعاني داء الجهل، والتطرف، والقبلية، وعلينا أن نثور في وجه مخلفات الاستعمار، مستلهمين من تاريخ الأمجاد، ولابد أن نشمّر سواعدنا من أجل بناء أجيال تفهم الإسلام بشموله دون إفراط أو تفريط.

الكتب والمؤلفات

الشاهد: هل لديك مؤلفات عن تاريخ الصومال؟

د. صادق: نعم، لدي مؤلفات كثيرة ككتاب تاريخ حرب “الأغادين” وهو كتاب ضخم يحوي معلومات قيمة عن مرحلة الحرب الإيثوبية الصومالية في سبعينيات القرن الماضي.

وقد بذلتُ جهداً مضاعفاً من أجل إصدار هذا الكتاب، وحاولت جمع كل ما يتحدث عن الحرب الإيثوبية الصومالية، فجمعتُ أعداد من  جريدة ” نجمة أكتوبر الصومالية” وأعداد كثيرة من جريدة برافدا ( الحقيقية) الروسية، وقد زرت إدارة أرشيف جريدة الأهرام المصرية، وحصلتُ جميع النسخ التي صدرت في الفترة ما بين 2 يوليو عام 1977 إلى 4 مارس من عام 1978 وهي مدة حرب الأغادين.

وهناك كتاب بعنوان ” اللغة والحرف الصومالي” وهو كتاب يتحدث عن الأدب الصومالي، وإرهاصات ميلاد الحرف الصومالي، ويعرج الكتاب لدراسة الصراع الفكري الذي جرى بين دعاة كتابة الحرف الصومالي بالعربي ودعاة كتابة الحرف الصومالي باللاتيني.

ولدي مؤلفات أخرى عن الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، وأنا حالياً بصدد إصدار كتاب عن العلم والعقيدة، وهو كتاب علمي ضمن كتب الإعجاز، سأحاول من خلال هذه الإصدارة ربط العلم بالعقيدة.

في الفترة الأخيرة انا مشغول في كتابة مؤلفات عن التاريخ الصومالي، وأحاضر أحياناً في المنتديات والمساجد سواء في الداخل أو الخارج، ومعظم محاضراتي تركز على إبراز محطات تاريخية منسية، وأقوم بعرض الوقائع بكل أمانة وشفافية. وغياب التأليف زاد من سريان الشائعات، وأضفى قدسية على شخصيات ورموز لم تساهم في عملية تحرير الصومال، وهناك تجاهل لرموز قدمت الغالي والنفيس من أجل تطهير الصومال من المستعمر، وهذا يتطلب منا وقفة جادة لرصد الأخطاء التاريخية، ومحاولة معالجتها في إطار دراسة محكمة بعيدة عن الميل العاطفي.

4 تعليقات

  1. كلما أقرأ مقالا لدكتور اينو أستفيد وأحس بانني أعيش مع شخص حضر الماضي وهو ما نفقده اليوم بصراحة

  2. د.أحمد صادق أينوا أنا أحبه لأنه شخصية مثالا وموسوعي كبير وهو مؤرخ وكاتب وله باع طويل في الصحة وأستاذ وهومحاضر ومن محاضراته (أهمية الصومال أرضاَ وجغرافيا
    و الإسلام والصّحة
    و كونو أمة إقرأ
    وآخرين وجزاه الله عنا خيراً خير الجزاء

  3. wareeysi macaan oo xog badan xammaarsan,fadlan Al.Shahid waxaan ka codsanaynaa wareeysiyadaas oo kale in aan ka helno.

%d مدونون معجبون بهذه: