الصومال بين الإصلاح المنشود والتغيير المعهود(3)

في الجزءين السابقين طفنا في آفاق الإصلاح وسبل التغيير في مسارات عديدة، ومن المستحيل الإحاطة بكل الموضوع؛ ولكن أحببت أن ألفت النظر إلى الجوانب التي تمس الحاجة إلى إصلاحها حسب وجهة نظري المتواضعة، وسأختم هذه السلسلة بالحديث عن المؤسسات التعليمية والدينية وخاصة أن أهم مشاكل الصومال أضحت إستغلال الدين في أجندة سياسية وإحراز مكاسب فئوية.

 بروز التعليم الأهلي وغياب التعليم الحكومي

برز التعليم الأهلي في الصومال في العقدين الأخيرين وغطى غياب الدور الحكومي في العملية التعليمية؛ وذلك بمبادرة شخصيات عامة في المجتمع أو جماعات دعوية، وبالفعل نجحت في إخراج فئات كبيرة في المجتمع من براثن الجهل والتخلف وخلقت لهم فرص عمل ونافذة من الأمل غاب عنهم لفترة طويلة، ولكن من ناحية أخرى لا يخلو أي عمل من نواقص وسلبيات سأتناولها بقصد الإصلاح لا التجريح أو الإساءة، ومن هذه السلبيات:

  • ضعف الكفاءات ونقص الخبرات
  • اختلاف المناهج
  • مؤسسات ربحية

 ضعف الكفاءات ونقص الخبرات

تشمل الكادر التدريسي والمناهج والأجهزة، والأصل في الأمر غياب الدور الحكومي فمهما بلغت الجهود الأهلية فلا يمكن أن تسد حاجات القطاع التعليمي المتنامية، فالدول المتقدمة تخصص للتعليم ما يقارب ربع ميزانيتها، وأغلب العقول المفكرة والمثقفين غادرت البلاد بسبب الحرب الأهلية، ولم يتسنى إخراج كفاءات بديلة تسهم في تقوية التعليم، إضافة إلى نقص الأجهزة نتيجة لصعوبة التواصل مع الجامعات ومراكز البحوث الخارجية لتبادل الخبرات والاستفادة من الإحتكاك بهذه المؤسسات.

 اختلاف المناهج

نتيجة لغياب سياسة تعليمية حكومية فإن أي جهة أمكنها فتح جامعات ومعاهد مستفيدة من عدم وجود قيود عليها، واستوردت مناهج دراسية من دول عربية وغير عربية، وتاه الدارسون في الجامعات والمعاهد والثانويات من تعدد واختلاف المناهج وتناقضها أحيانا، فهذا درس التاريخ الفلاني على أنه تاريخ مظلم، وذاك درس أن التاريخ ذاته ناصع ومشرق، وأصبح الناشئون لا يعرفون تاريخهم وثقافتهم وهذا موضوع بالغ الأهمية، ففقدان طلبتنا لذاكرتهم التاريخية لا يبشر بخير، فمن لا يعرف ماضيه لا يمكن أن يصنع مستقبله.

 ربحية المؤسسات التعليمية

في العالم الذي نعيش فيه تحرص الدول على مجانية التعليم ووصوله إلى كل الفئات الاجتماعية باعتباره حقا من حقوق الإنسان الأساسية، وبما أن التعليم في بلادنا أصبح بأيدي أفراد وجماعات غير حكومية تسعى إلى الربح فقد فقَد التعليم رسالته السامية الإنسانية، وذلك بخروج شرائح كبيرة من المجتمع من دائرة المتعلمين ودخولهم في دائرة الجهل والفقر والجريمة وغيرها من الظواهر السلبية التي انتشرت في مجتمعنا، ولهذ كان لزاما معالجة هذا الوضع قبل فوات الأوان.

 المؤسسات الدينية

  • رسالة المسجد

المساجد بيوت الله يجب على كل مسلم تعظيمها وتبجيلها مبنا ومعنى امتثالا لقول الله عز وجل ((في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ) سورة النور الآية 36-37.

ولكن جرت العادة إلى استغلال رسالة المسجد لتحقيق أهداف خاصة بل وتحريفها إلى مراكز تجنيد للشباب المتدين حتى رأينا مساجد أصبحت محازن أسلحة ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومن ناحية أخرى أدى خوف الناس من استهدافهم إلى هجر المساجد.

والمطلوب من الدولة كونها السلطة المنتخبة من الشعب والتي تمثله أن تضع المساجد تحت سلطة علماء معروفين بالاستقامة والورع وعدم الانحراف الفكري أو العقدي لتكون المساجد لله حقا وحقيقة (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) سورة الجن الآية 18.

 مدارس تحفيظ القرءان الكريم

في الثقافة الصومالية لا يدخل الطفل المدرسة إلا بعد الدكسي وهي التسمية المحلية لمدراس تحفيظ القرءان الكريم، والشعب الصومالي من أكثر الشعوب الإسلامية حفظا للقرءان إن لم يكن أكثرها على الأطلاق.

وللأسف الشديد فالدكسي لا يؤدي دوره الذي طالما قام به على مدى زمن بعيد بإعداد النشء على قيم الدين الحنيف، فقد قال الشاعر :

وينشأ ناشئ الفتيان فينا ### على ما كان عوَّده أبوه

فمعلم الدكسي كان بمنزلة الوالد الحنون، والآن ما نحتاجة هو تطوير هذه المؤسسة لتقوم بدورها البناء والمفيد للمجتمع بحيث تشرف عليها الدولة وتكون من أولوياتها، ليعرف الواحد منا ماذا يتعلم ولده في الدكسي قبل المدرسة.

تعليق واحد

  1. عبدالله فارح مري

    أخي مثل هذا المقال الذي يحمل عنوانا نهضوي لا يليق به إطلاق بعض التهم فالتوجيه والإرشاد له وسائله العلمية المعروفة ولايكون جملا إنشائية تحمل في طياتها تهما جزافا أخي المحب وانت تذكر سلبيات التعليم الاهلي ذكرت ان من عيوبه المؤسسات الربحية مما سبب أن يفقد التعليم رسالته الإنسانية مما سبب حرمان بعض شرائح المجتمع من الإستفادة من خدماته وهذه تهمة من العيار الثقيل تحتاج إلي تفصيل علمي فما نعرفه عن التعليم الاهلي أن من أكثر عيوبه ضعف مصادر الدخل والتمويل وأن المؤسسات القائمة علي أمره تتكفأ من أجل توفير عجز مدارسها”فتثبتو أن تصيبو قوما بجهالة..” أخي المحب في تعليقك علي دور المساجد آخذ عليك تعميم الحالات السلبية مثل قولك ” جرت العامة” هذا الأسلوب لا يصلح في التوجيه والتخصيص وإعطاء الأمور حجمها الطبيعي أمر ملزم، أخي المحب دعوتك ومناشدتك للدولة ان تضع المساجد تحت سلطة علماء معروفين لديها هي دعوة للإستبداد ومصادرة الحرية…فالمساجد منابر حرة والمجتمع يثق بعلمائه ولايجوز التعميم لبعض الاخطاء
    أبتعدو عن التعميم يرحمكم الله.

%d مدونون معجبون بهذه: