مشاهدات وانطباعات 3-3

وبما أن عقول الناس وإدراكهم مختلفة ومتفاوتة قد يستهجن ويستغرب البعض، ويرفع حاجب الدهشة من أجل هذه الكلمات، ولا غرابة فحق الرأي مكفول وحرية القول محفوظة للجميع، ولكن نحتاج إلى طرق جديدة وهادفة لحل القضية، وأمانة القلم تدفعنا في نشر ما يفيد من حقائق نراها نحن بعين ويراها الآخرون بعين أخري، لكل مصادره وآراؤه؛ لكنها في النهاية رؤية، وما كل رؤية تصيب المراد وما كل المراد يوافق الحقيقة، وما كل الحقيقة ترضي الجميع، واختلاف الرؤى خلق الإنسان وجبلت طبيعته، ونحن بشر نخطئ ونصيب، ونصيب ونخطئ، ومن البديهيّ أن يوجد تباين في وجهات النظر والأفكار؛ ولكن مشكلتنا العظيمة ومصيبتنا الجليلة تكمن أننا نتغاضى ونتعامى أهم مشكلاتنا الأساسية، ونحوم ونهدر طاقات جبارة بامور ثانوية لا تشكل أي أهمية في حياتنا؛ لأن معظمنا تفنن فن المبارزة والمحاججة والخلاف ونفتقد أخلاقياته، فكان أن سقطنا فريسة سهلة للتآكل الداخلي والتنازع والتناحر الذي أورثنا معيشة ضنكا وحياة فاشلة، وانتهي بنا الحال إلى الفشل الذريع في كل المجالات وذهاب الريح.

نحن بين خيارين إما أن تستمر الحروب وتستمر الحالة الانتحارية والمواقف السلبية فتعيش الأمة حالة الوهن الدائب والفوضي العارمة والتخلف الراهن، وإما أن نعالج ونبحث الحلول ويشتغل العقل وننتقل من عصر الكهوف والتمرد الحضاري إلى عصر الحديث وتكون المعافاة والنهوض وإيقاف آلة الحرب والطاقات التي نجعلها وقودا للصراعات والإختلافات، ووقف حمامات الدم والوضع المختنق الذي خيم شبحه الأسود على نفوس الناس، ولبدّ الجو بغيوم أحزان أمطرت وابلها على القلوب الحزينة المجدبة، يجب إتاحة الفرصة للشعب لكتابة أولي صفحات قصة جديدة لحياة مليئة بالمسرات مليئة بالأمل والأفراح.

كل رجل بدأ الحرب لم يكن يعرف من سوف ينهيها ولا متى؛ لأن الحروب في التاريخ مسيرة حمقى، وإذا كان بالأمس القريب كان شعارنا التحرر ومحاربة الأعداء طرأ في الشعار تغيرات لعل أشدها أن الحرب يشبه اليوم وبدرجة كبيرة الحروب الأهلية مما زاد الطين بلّة وزاد المعاناة والإمتعاض داخل الشعب، وبات ضروريا أن تقف لغة البندقية؛ لأن ضحاياها من أفلاذ كبد هذا الوطن المعطاء، وليس ــ في معظم الأحوال عسكريا من القوميات الأخرى سواء كانت حبشية أو تقراوية أو أرومية أو غيرهم- وفقدنا ركيزتنا الأساسية التي تتمثل اللحمة الداخلية وإصطفاف الشعب وراء الجبهات والمقاومة المسلحة؛ لأنها لم تراع قدسية الوحدة ومتانة العلاقة، ولم تتمسك بأواصر الأخوة ووحدة الهدف، ولم تسع يوماً لتقارب الأفكار بل كنا نكيد بعيون يملؤها الشك وعواطف تغمرها الكراهة، وقاد جهلنا وصلفنا أن تفرغنا للشر، والقمع والتضييق وشوّه تاريخنا الناصع، وحدث مالا يمكن نسيانه، واستقر في أعماق وجداننا السحيق وأورثنا كوابيس مظلمة من التخلف والتطاحن وسط خلافات لا مبرر لها بين أفراد شعبنا المنكوب.

الحرب لا يمكن أن يكون الحل الوحيد أو الأنجح والأمثل لحل المشاكل بل هو طريقة متأخرة، لأنه الكي والكي آخر الدواء، إذن ليس من الصواب أن نرتكب حماقات غير مضمونة العواقب بسبب المواقف والسياسات التي اتخذناها ساعة القصور الفكري وفورة الغضب التي ورطتنا بها الصدفة، بل لتطوير شعبنا وتغير حالها وإخراجها من الغيبوبة الحضارية، و يجب ألا نستخدم أسلوبا واحدا في حل المشاكل؛ لأن ذالك يجعل ننظر للأمور من زاوية واحدة، و لا بد من الإبداع في حل المشاكل ونظر الأمور من عدة زوايا، ووضع أكثر من حل وإذا لم ننجح في أحد الحلول نتجه اتجاها آخر حتي نصل غايتنا ويتحقق مطالبنا.

انقشعت الغمامة وذاب الثلج وبان ما تحته وبدأت الحقائق تتضح والخيوط تتشابك، وبات من الضروري الخروج من شرنقة الالتباس وضياع الرؤى والطموحات لتجديد الأهداف ووسائل بلوغ غاياتها؛ لأن الحروب تنهش جسد الوطن ويفتك جسد المواطن ويفترس جسد الثقافة والهوية ويلتهم جسد الحضارة والتاريخ والدنيا ملعب كبير وما زالت تجري عليه أحداث ملايين المباريات الفردية والجماعية في دوري الوجود، والأمة التي لا تخطط لمستقبلها ولا تعمل لحاضرها ولا تفكر في أجيالها القادمة ترسب في الدوري الوجود.

يبدو أن الجوّ مهيأ والظروف مواتية أكثر من أي وقت مضى لجلوس مائدة المفاوضات، والوصول إلى صيغة مشتركة ترضي الجميع وتنقذ الأمة من الهلاك المحقق، وتخفف المعاناة والبؤس والحرمان، ولا يتأتي ذلك ولا يمكن حدوثه إلا أن يجعل الجميع مصلحة الشعب والوطن نصب أعينهم وفوق كل مصلحة شخصية أو فئوية، ومهما يكن حجم الاختلاف بين الأطراف وعدم وجود نظرية مشتركة للحوار وفقدان روح التفاؤل ولغة الود، ومهما اتسعت رقعة الجفاء والقطيعة والهوّة إلا أنها حتما وبحكم والوطن والهموم والمصير المشترك يلتقي الفرقاء في نقطة ما، وأعتقد أن الحل غير بعيد، بل هو بمتناول اليد و منتهي السهولة؛ إذا صفت النية واستحضرت حالة الشعب ومكانة الأرض وأهميتها التاريخية، وفي ضوء ما سبق يمكن أن نقول إن تسوية الأوضاع وإيجاد حل جذري وشامل لماساة هذا الشعب المنسي وتوجيهه نحو المراسي الآمنة واجب إنساني وأخلاقي، سواء تحققت مطالبنا ذات السقف العالي -الحرية أو الانفصال- أو لم يتححق، ووجدنا بدلها عروض أخرى أقل درجة منها كحكم ذاتي موسّع أو إشراك حقيقي ومعتبر في الحكم أو تأجيل القضايا الحساسة والبنود الساخنة في هذه المرحلة  إلى إشعار آخر حتي تظهر النوايا الحسنة وجدية تطبيق القرارات التي توصلت إليه الأطراف.

لا أحد ينكر بدموية الأنظمة التي تعاقبت على العرش وعربدتهم وعنجهيتهم وغطرسة الأباطرة التي حكمت إثيوبيا، ولا أحد ينكر جسارة الموقف وهول وثقل الإرث وطول الصراعات التي كانت وما زال الوطن يضم بين دفتيه، بالإضافة إلى تباعد الأهداف والمطالب، ورغم ذلك يوجد حل بديل لكل الحلول التي جربناها من قبل وعلقنا عليها آمالا جساما وبحماسة يحسد عليها أكثر من خمسة قرون، فكانت رائحة البارود وشلّالات الدم والدمار والسلام التي ضاعت مع قصف المدافع والبنادق سيد الموقف وهاجسا يؤرق مضاجع الجميع.

جرت في الآونة الأخيرة مياه كثيرة تحت الجسور، وبدأ حراك سياسي كثيف شهدته بعض العواصم الإفريقية والعالمية، وتحركت المياه الراكدة وفهم معظمنا الحل الأمثل لقضيتنا وارتفعت معها حرارة الأمل ونبرة التفاؤل وسيطر الأجواء الإيجابية على قلوب المواطنيين وبعث الأمل في قلوب اليائسين بالتوازي مع التحركات الأخيرة  والهمسات التلاحقة والسياسات الرشيدة والاتفاقيات المبديئة والتفاهمات الإطارية التي إن حسنت النوايا وشعر جميع الجهات عظم المسئولية الملقاة على عاتقهم واتسموا ببعد النظر والرغبة الحقيقية لدفن المآسي والويلات التي تراكمت وترسبت في ذهن المواطن وتاريخ الوطن وحفرت في الذاكرة  سيكون الحل سهلا إن شاء الله.

 وحتي لا يحدث صدام بين الخطط في الظلام لا بد أن يكون كل شئي واضح وشفاف، بعيدا عن الغموض والصيغ المبهمة وخلق جوّ مناسب ومهيأ لكسب الثقة وتهدئة النفوس والخواطر والبعد عن دواعي الحدة في الجدال الهامشي المؤدي إلى التنافر وعدم الانسجام وانتقاء أطايب الكلم وتجنب الألفاظ الجارحة والتحلي بخصائص الحكمة والحنكة وأدب الاختلاف والحوار العقلاني الهادئ القائم على إثارة أنبل المشاعر وأفضلها لدي كل من الطرفين لتجاوز العقبات واحتواء الأزمة والخروج منها.

ونرجو من صميم قلوبنا أن تكلل جميع الجهود التي تصب لصالح الأمة بنجاح باهر ينسي البائسين والمواطنين الليالي المخيفة والحياة الصعبة والمسيرة الطويلة التي قطعها والتي أهدتهم خيبات متتالية.

وأخيرا يستحق أن يخرج هذا الشعب المعذّب بالتخلف والمثخن بالجراحات والممزق بالقهر والمثقل بالآلام والأزمات، هذا الشعب المنكوب الذي يمني النفس ويداعب أحلامه أشواق وردية وطاغية نحو اللحاق إلى الركب بعد قرون طويلة من الظلام والقهر، وعاش معه صراع طويل ترك جروحا نازفة تحتاج إلى جهود وأزمان طويلة لتندمل.

2 تعليقان

  1. حيّا ك الله أخي الكريم حسّن علي مقالك الرّائع الّذي هو الفريد من نّوعه. تذكّرني الأحلام يوم ان كنّا طلّابا في مدينة كسمايواْ في الثّانويّة والتّدهورات السّياسيّة الّتي كانت تعكّرنا الدّراسة. فالحمدلله الّذي أنقذنا كثيراً من المصائب الّتي حلّت بكثير من الشّباب في البلد. شكرا لّك أستاد حس

%d مدونون معجبون بهذه: