كينيا وكِسمايو… نظرة من الداخل

مضى عام منذ دخول القوات الكينية على الأراضي الصومالية، وقد احتفلت القوات بهذه المناسية وبهذا النصر المبين الذي حققته فيما يرى البعض أن هذا التدخل أو الغزو هو انتهاك لسيادة وحرمة الصومال، ولا يخفى على أحد أن الصومال مستباح نتيجة غياب الرادع والسيادة.

 دخول كينيا -التي توصف بعدم امتلاكها خبرة قتالية؛ حيث لم تخض حربا مع أي دولة طوال عمرها البالغ لأكثر من أربعين عاما- إلى الأراضي الصومالية بأقل خسارة بشرية ومادية ممكنة حير المحللين والمراقبين في الشأن الصومالي، فقد تنبأ فقهاء السياسة والمحللون بهزيمة نكراء للقوات الكينية، ودحرها من الصومال وقتلها أو جرها في الشوارع كما حدث للقوات الامريكية في تسعينيات القرن الماضي، والاثيوبية قبل خمسة أعوام بناء على عوامل عدة منها:

1. عدم توفر الخبرة القتالية للقوات الكينية التي قلنا إنها لم تقاتل أو تخض حربا، ولعل هذه المرة أرادت أن تختبر صحة النظرية القائلة بأن بلوغ الأربعين يعني بلوغ الأشد واستواء العود أو أرادت ان تختبر قوتها أو ضعفها على الأضعف منها وهي الصومال الجريحة التي لم تر دولة لأكثر من عقدين.

2. قلة معرفتها بتضاريس وأرض الصومال، وقد بدا ذاك واضحا عندما شنت حربا في الخريف الممطر دون دراية بطبيعة أرض الصومال الوحلة؛ مما أدى إلى تمركزها في الحدود على مدى شهرين.

3. الخبرة والمهارة القتالية الفائقة للمليشيات القبلية والحركات الجهادية الصومالية حيث هزمت أكبر دولة في العالم، وهي أمريكا وأعتى/أقوى دولة في المنطقة وهي إثيوبيا رغم تواضع العتاد.

4. طبيعة القتال، حيث لا توجد أهدافا واضحة المعالم لدى حركة الشباب سواء كانت معدات عسكرية أم منشآت مدنية بخلاف كينيا التي زجت آليات عسكرية تسمع طنينها عن بعد علاوة على العمران البشري أن ارادت الحركة نقل قتالها داخل الأراضي الكينية.

رغم صحة هذه العوامل فقد تمكنت كينيا من دخول كسمايو التي تكهن المحللون استحالتها نتيجة العوامل السابقة بفعل الحيل التي اتبعتها والاستراتيجية التي اتخذتها مما أفضى إلى دخولها للمدينة وهزيمة الحركة.

الأعمال بالخواتيم، ولهذا لا نجزم غلبة كينيا على عدوها الذي توعد بالويل وأعلن استخدامه لأساليب ووسائل قتالية أخرى من قبيل حرب الشوارع والمتفجرات وغيرها، ولعل الأشهر القادمة ستثبت النصر أو العكس.

هل لكينيا أطماع في الصومال؟

هناك تباين في الرؤى والمواقف حيال دوافع وأطماع كينيا بين مبالغ بإثبات هذه الأطماع وعدها أمنية وسياسية واقتصادية، وآخر يبالغ في نفيها، وبين هذا وذاك موقف أو صوت معتدل يبدو منطقيا نظرا لحجتة التي تتلخص في الآتي:

1. اشتهرت كينيا بميلها وجنوحها للسلم سواء جنح الآخر للسلم أم لا وتوكلها على بارئها عند حدوث مكروه، وخاصة من دول الجوار، فقد احتلت أوغندا جزيرة كينية(مغينغو) بيد أن القوات الكينية قابلت هذا العدوان بتسليم الجزيرة ونصح رعاياها بالتعاون مع السلطات الجديدة، في حين كان الإعلام يقوم بالتحريض ويبرز تقاعس الحكومة عن الدفاع عن أراضيها ومواطنيها وتغطيته لهذا الحدث على مدى أسابيع، قابلت الحكومة هذا  العدوان بإيفاد وزير خارجيتها إلى أوغندا للتباحث حول المسألة وحلها بطرق سلمية، إثيوبيا هي الأخرى دأبت أن ترسل قواتها إلى داخل كينيا لتغتال أو تعتقل بعض معارضيها لكن الحكومة الكينية لم ترد ذات يوم هذا العدوان بالمثل، ولم تعتبر انتهاكا لسيادتها و خرقا للمعاهدات الدولية، بل تلزم الصمت وأحيانا ترسل وفدا لتقديم العزاء لإثيوبيا جراء المشقة وربما المصيبة التي لحقت بقواتها أثناء مهمتها داخل الأراضي الكينية.

2. تناول بعض الكتاب قضية تاريخية يبدو أنها أصبحت خبر كان، وهي النزاع بين البلدين في منطقة شمال الشرق أو ما عرف بـ انفدي سابقا، هذه القضية لم تعد تشكل هاجسا لدى كينيا لسبب بسيط، وهو أن سكان المنطقة حسموا أمر الجنسية والهوية، فهناك توافق وتواطئ بين مختلف الشرائح بأن سكان المنطقة كينيون لهم ما للكينيين وعليهم ما على الكينيين، صحيح أن المنطقة متخلفة من الناحية الاقتصادية والتنموية لأسباب معلومة؛ لكن هذا التخلف يشاطرها أقاليم أخرى قد توفرت فيها شروط لم تتوفر لدى سكان الأقليم من حيث العرق والديانة والولاء، أضف إلى ذلك عدم وجود جبهة تحريرية تتخذ من الصومال ولا من غيرها مركزا أو مقرا لها تنادي بالاستقلال أو تقرير المصير، لهذا لا توجد لدى كينيا مخاوف من هذا القبيل، قد يقول قائل بأن الصومال الآن ممزقة، واذا استعادت عافيتها واستوى عودها ستطالب أو تسعى لاستعادة أرضها لكن مسألة العودة أو الانقصال ليست مطروحة على الاقل في المستقبل القريب، ولا أظن أن صومال المستقبل سيسعى لزعزعة استقرار المنطقة بعد أن ذاق لباس الخوف والجوع  بسبب سكان لم يبدو رغبتهم في الانضمام إلى الصومال أو الانفصال من كينيا؛ إذ الانسان مخير والإرادة متروكة له، وتقوم الأمم بتقرير مصيرها بعد نضال إما بالتفاوض أو بالقوة أو بهما معا.

3. كينيا ليست منطقة مغلقة حتى تبحث عن منفذ مائي للتواصل مع العالم الخارجي أو تصدر وتستورد البضائع أو تحصل على موقع استرتيجي في المحيط ضمن سباق العالم نحو سيطرة مجاري المياه والفضاء بحثا عن نفوذ واسع، وقد رزقت بقسط وافر من المحيط الهندي وبحيرات أخر وتستضيف بعض دول شرق ووسط أفريقيا لتستفيد من مياهها لأغراض تجارية.

4. ليست لديها أطماعا اقتصادية في الصومال كما أفاد بعض الكتاب، فإن كان الغرض هو الاستفادة من خيرات المياه  السمكية أو الاستفادة من الأراضي الخصبة أو الثروة الحيوانية فلها من الخيرات ما لا ولن تستوعبه أو تستفيد من عشره، وإن تصور أو تخيل البعض بأنها تريد استنزاف خيرات الصومال أولا ثم العودة إلى خيراتها كما تفعلة بعض الدول الكبرى، فالمتابع في الشأن الكيني يشهد لك بأن الساسة وأصحاب القرار في كينيا ليست لهم رؤية اقتصادية أو سياسة خارجية بل ما استطاعو تقديم برنامج اقتصادي غير زيادة الجبايا والضرائب على المواطنين، ولهذا كيف يعقل أن تستهدف خيرات الصومال فيما لم تستطع إدارة خيراتها.

 إن كانت الحجة هي أن قطاع السياحة الذي يعتبر من أهم مصادر دخل الدولة قد تعرض للخطر وتراجع نتيجة خطف السياح وعليه اقتضى الأمر شن حرب، فالأضرار الاقتصادية والعبء على خزانة الدولة جراء الإنفاق الهائل على الحرب أكثر بكثير من دخل السياحة، وكان من المعقول إن كانت المسألة هي حماية قطاعها السياحي أن تؤمن حدودها البحري بأقل تكلفة من شن حرب على المستويين البشري والمادي.

بعد هذا العرض قد يتساءل القارئ ما الغرض من هذا الحرب، هل يعقل أن تغامر وتخاطر كينيا بجنودها واقتصادها المتواضع دون جلب منفعة أو هل ما انفق في الحرب يوازي ما أدخلت أو أضافت الرهينتان المخطوفتان فبل عام في اقتصاد كينيا؟.

يوحي المنطق المعتدل بأن لا طمع لكينيا في الصومال لكن غزوها قد يكون للأسباب منها:

 1. أنها خافت على نفسها وخاصة بعد أن أصبح شبابها يؤمون نحو التطرف، ووقع بعضهم فريسة في يد حركة الشباب كغيرهم من شباب العالم بعد أن يئسو من العيش الرغد وفقدو القدوة الحسنة.

 بدأت كينيا تحارب التطرف من الداخل لكن هذا الجهد لم يعد ذا جدوى، وبات الفكر الجهادي ينتشر، ووجد له رواج في أوساط الفقراء؛ ولهذا عزمت بتر منشأ الفكر واستئصاله، وخاصة أنه أصبح ظاهرة كونية تشكل خطرا على العالم.

 2. قد يكون سبب العدوان والتدخل يرجع لأسباب داخلية، انطلاقا من النظرية والفلسفة الأمنية القائلة بأن الدول قد تشن أو تخوض حربا عند تفكك الجبهة الداخلية أو حدوث تشدقات أو فساد أو فشل في الحكم ولهذا تخلق الدولة مشكلة خارجية لحشد المواطنين وصرف نظرهم عن المشكلة الداخلية.

وقد تخوض الدولة حربا اقتراضية عند رغبتها اتخاذ بعض التدابير الأمنية لتغطي أو تبرر لهذه التدابير، ولا يخفى على أحد أن كينيا مقبلة بمرحلة مصيرية وصعبة وهي الانتخابات التي أصبحت قاب قوسين أو أدني، والمشهد السياسي الكيني مفتوح لكل الاحتمالات بما فيها ما حدث في الانتخابات التي اجريت عام2007م.

3. قد يكون التدخل ضمن مساعي المجتمع الدولي لإحداث تغيير في الصومال بعد أن خاف على نفسه من انتشار النموذج الصومالي أو صوملة الوضع الذي قضى أكثر من عقدين دون حكومة مركزية؛ مما استعصى إيجاد تفسير لدى الفلاسفة والمؤرخين وأرباب نظريات الحكم.

مهما يكن من أمر فالتدخل في شأن الغير خرق للمعاهدات الدولية – إن كانت هناك معاهدات متبعة – واعتداء على سيادة البلد، لكن ينبغي أن نتساءل أي الفريقين أخطر من الثاني؟ أهي حركة الشباب التي سببت التدخل وجعلت الصومال مسرحا لقوى إقليمية ودولية أم كينيا التي لا تملك مقومات البقاء في الصوال؟

6 تعليقات

  1. الكلام على أن كينا ليست لها مصالح اقتصادية واستراتيجية في الصومال وخاصة منطقة جوبا السفلى التي تدخلت قواتها قريبا هو كلام في يكذبه الواقع

  2. يهديك العاقية استاد شراوي ….. تحليل رائع ومنطفي جدأ، أكيد يستحق الإشادة والتفدير ، وفعلا ما قلته لم يجاف الحقيقة ابداً…….. وشكراً

  3. كلام في غاية الأهمية عن تدخل قوات الكينية في الصومال ، و أظن أن كل من ينطلق الحيادية والشفافية يجد ما يشفي صدره من تحليل الدكتور لهذه العملية ، وفيما يتعلق حسم سكان المنطقة هويتهم وجنسيتهم بأنهم كينيون لهم ما للمواطنين وعليهم ما على المواطنين الكينين ، هذا أمر يخدم لمصلحة الدولة الصومالية ، بحيث ستستفيد وجود صومالين منفيذين لكلا الدولتين الجارين المسيحيتين ، كما يخدم الأمن الداخلي الصومالي ، لأن المسئول الصومالي في كينيا مهما كانت رتبته فأخيراً هو صومالي لا يريد للصومال إلا خيراً ، والشواهد تدل على ذلك … بالنسبة للمصلحة الكينية لهذا التدخل صحيح كينيا لها مصالح ولها أجندات ولكن المسئلة هي أيهما أخف الشباب أم كينيا؟

  4. Date: Sat, 20 Oct 2012 20:01:45 +0200

    يعطيك العافيه، كلآم رآئع وقوي جدا فضلا أنه يحمل مستندات وشواهد ملموسة. أكيد أنه فد يحرج ويثير قلق أصحاب ألحمية ألجاهلية وأصحاب قيل وقال ويقول ويقولون وتقول ويقال يقال انهم قالوا قول

  5. قلت ان سكان الاقليم شمال الشرقي حسمو أمر الجنسية والهوية اليس هذا استسلاما وتخاذلا واضمحلالا في شعوب بانتو , ليس لديكم اي وزن وايّ وجود في كينيا , لا تستطيعون استحدام لغتكم للدراسة – كما حصل سكان الصومال الغربي – فضلا عن اذاعات او قنوات تلفزيونية , كما انكم جبناء لا تستطيعون المطالبة بحقكم او رفع السلاح , صدق من سماكم
    صومالي سجو)

  6. العنوان جذاب يستوقف قارئه، لكن لا يجد في داخله ما يطابق العنوان او يقاربه.. والمؤسف أنه تجاهل حقائق واقعية، وبرر ما يعتبر تدخلا غاشما مع أنه يتنافى جميع القوانين والاعراف الدولية. متى كان مجرد الخوف على الامن القومي لهذا القطر او ذاك محللا لاجتياح واستحلال أرض الغير؟؟؟!! ثم من ماذ يفسر الزميل وهو يدعي وينفي أي طمع لكينيا في الصومال حتى الاقتصادي منها، ماذا يفسر بما قيل أنها مذكرة تفاهم بين الحكومة السابقة وكينيا تريد الأخيرة اقتطاع مساحة كبيرة من المياه الصومالية؟ ألا تر بصيرته خطط كينيا لتصدير بترول جنوب السودان من ميناء لامو، ضرورات تامين المنطقة علما ان لامو تبعد عن الصومال 100 كيلوفقط. ثم ماذا عن الشركات الأجنبية الأخرى الطامعة في تنقيب النفط في البحر الصومال المزمع ابتلاعه من قبل كينيا… هذه الامور من البديهيات، الظاهرة للجميع

    يتجاهل كل هذا ويصفق لغريب لم يغص في اعماق نواياه، لأنه، ربما يخالف هذا الصومالي او ذاك. ماذا كانت تحقق الاجندات الخارجية الطامعة لولا مثل هذه الأقلام المغردة والمهللة لكل قادم من وراء البحار والحدود. اكيد ان الأزمة ليست كلها بيد خارجية، ولا أؤمن بفكرة المؤامرة في تحليل كل شيئ.. لكن عار علينا أن نبرر اعتداءا تجرمه كل القوانين الدولية وأن نغتر بالمحللين.

%d مدونون معجبون بهذه: