قضية يونيو ٢٠١٢: مستقبل الصومال على ضوء مؤتمر اسطنبول 2 حول الصومال

اضغط على الصورة لتنزيل الملف

أجريت بعض التعديلات الطفيفة على التقرير فيرجى ممن أنزل نسخة قبل تاريخ ٢١ يونيو أن يعيد إنزال نسخة جديدة..وشكرا. (كاتب التقرير)

استضافت اسطنبول خلال الفترة من ٢٧مايو حتى ٢ يونيو ٢٠١٢م “مؤتمر اسطنبول الثاني حول الصومال” وكان عدة مؤتمرات في واحد لمستويات وشرائح مختلفة صوماليين وأجانب. ورأى الكثير أن هذا المؤتمر يعد علامة فارقة في مسار حل المعضلة الصومالية.

وتقدم هذه الورقة قراءة لهذا المؤتمر وتحليلا للدور التركي في الصومال وكيف يراه ويستقبله الصوماليون.

صراع مع القوى الإقليمية

بعد خوض الصوماليين صراعات داخلية وبروز حركات جهادية إسلامية في الساحة ،وكان آخرها حركة الشباب المجاهدين التي أعلنت انضمامها لتنظيم القاعدة الدولى، ازدادت وتيرة التدخلات الإقليمية والدولية، والآن تحتضن الصومال بعثة أميصوم الإفريقية التي يزيد عدد قواتها على عشرة آلاف جندي، وقد وصلت أول طلائعها إلى مقديشو في مارس 2007 وتنتمي تلك القوات إلى أوغندا وبروندي وكينيا وجيبوتي، وسيراليون وقد أدى الدفاع المستميت لتلك القوات استمرار وجود الحكومة الانتقالية المعترف بها دوليا رغم تواجدها في شريط ضيق من العاصمة يشمل فقط القصر الرئاسي والمطار الدولي والميناء المركزي أمام هجمات حركة الشباب التي سعت لإسقاط شرعيتها، وتكبدت قوات أميصوم خسائر فادحة خلال الخمس سنوات الماضية، ومنذ شهر أغسطس الماضي بدأ وجود حركة الشباب ينحسر تدريجيا من العاصمة حتى أعلنت انسحابها منها في 6 من أغسطس الماضي ويغدق الاتحاد الأوربي وأمريكا دعما سخيا لبعثة أميصوم تشمل التدريب والتمويل.

القوات الإثيوبية من جانبها تتدخل باستمرار عبر المناطق الحدودية من الصومال وتقاتل حركة الشباب في مدن رئيسية..

وواضح أن تركيا ليس من مصلحتها المصادمة مع تلك القوى ذات الشرعية الدولية والوجود الفعلي للبلاد .. كما أنه من الواضح أيضا أن طموحات تركيا السياسية والاقتصادية- رغم مجيئها في وقت متأخر – قد لا تتلاقى مع وجود تلك القوات الإفريقية والقوى الدولية ذات المصالح الحيوية في الصومال.

وقد تخوف الكثير من القوى الخارجية ذات المصالح من مؤتمر اسطنبول الثاني ولا سيما شقه الخاص بالمجتمع  المدني وشيوخ القبائل فاستخدموا جميع الوسائل لعرقلته.

وبخصوص الجهود التركية لحشد تأييد الصوماليين للمؤتمر وأهدافه، فليس من السهل إدراك حجم الصراع الخفي والمواقف الدبلوماسية المتبادلة بين تركيا ودول الجوار ذات المصالح الحيوية في الصومال، وأهمها إثيوبيا التي احتكرت الملف الصومالي طويلا بإقامة شبكة من العلاقات وجماعات ضغط ومداخل اتصال لتسهيل إحداث تغييرات في الوضع، وحضورها اكتسب أهمية كبيرة في ظل وجود مقاتلي الشباب وتهديدهم للحكومة الانتقالية، ويليها أوغندا التي ينتمي إليها أكثر من نصف أفراد البعثة الإفريقية “أميصوم”  وكينيا التي تسيطر قواتها أجزاء جنوبية من الصومال،وأخيرا انضمت إلى بعثة “أميصوم”،والاتحاد الأوربي وأمريكا. وبالفعل هناك مؤشرات عديدة أظهرت وجود امتعاض تلك الجهات من الدور التركي الذي قد يحدث إرباكا في الأوراق السياسية ويؤثر في مصالح محسومة سلفا، نظرا لمكانة تركيا وهي دولة عضو في الناتو وإحدى الاقتصاديات الناهضة في العالم .. وأولى تلك المؤشرات هو مدى الاستياء والمعارضة التي واجهت طلب تركيا لاستضافة شيوخ القبائل المجتمعين في مقديشو – لاختيار أعضاء مجلس مصادقة الدستور– وقد أعلن مرارا إلغاء السفر.

وأخيرا انتصر القرار التركي بعد تسويات لم تعلن في حينها. ثم معارضة إدارتي بونت لاند وجالمدوج لمؤتمر إسطنبول2 بحجة أن المؤتمر يضم عناصر إسلامية حسبما جاء في البيان الذي صدر من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في خطوة  فسرت في حينها كتعبير صريح عن الموقف الإثيوبي الرافض للمؤتمر( تفسير غير مؤكد يستند إلى سياق الحدث). يضاف إلى ذلك التمثيل الإثيوبي المنخفض في المؤتمر التي كان يمثلها مندوب إثيوبيا لدى الإيغاد، والذي هاجم الاقتراحات الجديدة التي لا تتفق مع خارطة الطريق واتفاق كامبالا. وكذلك التمثيل الأمريكي المنخفض حيث كان يمثلها مساعد وزيرة الخارجية للشئون الإفريقية جوني كارسون  Johnnie Carsonفي حين نجد هيلاري كلينتون ورئيس الوزراء الإثيوبي حضرا مؤتمر لندن في 23 فبراير الماضي.

لماذ يؤيد الصوماليون مؤتمر إسطنبول والدور التركي؟

قليل من الكتاب الصوماليين أبدوا معارضة للمشروع التركي في الصومال، معتبرين أن التدخل التركي الحالي تقوده مصالح خاصة وليست إنسانية بحتة، وبعض الكتاب أشار إلى مخاوف من نوع آخر وهو أن التدخل التركي سيقوي مركز الأحزاب الإسلامية على غرار حزب العدالة التركي الذي يمثله أردوغان، الدكتور سعيد عيسى محمود رئيس حزب الشعب -حزب مغمور لم يشتهر بين الصوماليين -ومرشح للرئاسة ناقش الفكرة في مقال له منشور بموقع هيران 13/06/2012 تحت عنوان: طموحات تركيا السياسية في الصومال غير مقبولة) قائلا: “حين حكمت تركيا مقاطعات في شمال الصومال وشرقها (خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر) لم تتجه لإقامة نظام سياسي للصوماليين بل كان همها فقط جمع الضرائب” . ويضيف: “للمفارفة، إن أسماع تركيا لم يلامسها بكاء الصوماليين الصارخ أثناء الحروب الأهلية وعصر الفوضى من 1990 إلى 2011، ولهذا فإن دوافع التدخل التركي اليوم مثير لعلامات استفهام !” ولكن الكتابات التي رحبت بالدور التركي عبر وسائل الإعلام الصومالية تعد هي الأغلبية الساحقة، فقد طالعتنا مواقع الصحف الإلكترونية سيلا من الكتابات تشيد بالدور التركي إلى حد أن وصف البعض التدخل التركي بأنه “منحة إلهية للشعب الصومالي” كما يقول الكاتب موسى يوسف في مقال له بموقع هيران أيضا: “إن تركيا دولة حيادية ونزيهة، ويخلو تدخلها من أية دوافع استعمارية أو انتقامية، وهو بلد تتلاقى فيه العلمانية والديمقراطية مع الإسلام ،وهي تجربة يحتاج إليها الصوماليون الذين اصطدمت وتنافرت لديهم مشاريع الحكم الإسلامي مع العلماني والاستقرار مع الحرب، وتساقطت المشاريع في النهاية كلها مما يجعلنا بحاجة إلى نموذج آخر ينزع نحو المواءمة والبناء والاستقرار، فتركيا هي منحة إلهية صُمِّمت لإنقاذ الصومال من نفسها”.

وعلَّق السفير السابق والكاتب محمد شريف محمود –نائب مدير المبادرة الصومالية للحوار والديمقراطية ومقرها في لندن- على رفض البعض للتدخل التركي بسبب وجود مصالح بقوله : “خطة العمل التي عرضها الوزير أحمد أوغلو مفتاح ازدهارنا واستعادة كرامة بلادنا. أقول للمتخوفين من تركيا من مصلحتنا في الظرف الحالي أن نكون حلفاء لدولة قوية، ومن حق تركيا أن تكون دولة إقليمية ذات وزن دولي ،ولا يوجد في عالم السياسة دولة تتحرك بدون مصالح، ولكن المهم ما إذا كانت مصلحتها تنسجم مع مصالحك”.

لم ينحصر الارتياح في الأوساط الشعبية والمثقفين بل إن السياسيين الصوماليين لم يخفوا هذا الإعجاب بالدور التركي ،رئيس الوزراء الصومالي السيد عبد الولي محمد علي قال بارتياح: “إن تركيا هي الراعي الذي كنا نبحث عنه طيلة عشرين عاما.. تركيا غيَّرت المشهد الصومالي بعمق” وهي ترجمة لمشاعر غالبية الشعب الصومالي (علسو، موقع هيران).

وأثناء سير أعمال مؤتمر المجتمع المدني في إسطنبول (27-31مايو 2012) كان أهم سؤال شغل كاتب هذه السطور هو البحث عن سر التأييد الجارف الذي يسود الصوماليين تجاه التدخل التركي الحديث في الصومال، وقد أجمعت الغالبية من المثقفين والعلماء وزعماء العشائر الذين استطلع الكاتب آراءهم على أهمية التدخل التركي، وكعينة لتلك الآراء نورد رأي الدكتور عبد الواحد شيخ عثمان قلينلي مدير مركز حقوق الإنسان والأستاذ بجامعة مينسوتا الأمريكية :”تركيا دولة قوية ذات اقتصاد سريع ونام… وإذا كان هناك جهة تستطيع أن تكون وسيطا حياديا بين الصوماليين فهي تركيا، ولا يوجد أحد بدون مصالح، وتركيا تريد أن تتحقق للشعب الصومالي مصالحه، ويتحقق لها مصالحها أيضا، ومصلحة تركيا لا تكسر عظامنا (أي ليست خطيرة تضرنا من الناحية الإستراتيجية) وهي ليست مجبرة على التعامل مع الصوماليين، بل لديها البدائل الكثيرة في عالم العلاقات.. وشيئا واحدا قد يقتل طموحها ويسلم مشروعها للإخفاق هو ألا نكون على مستوى المسئولية، وبالتالي نخسر شريكا قويا وتاريخيا”.

يضاف إلى ما سبق أن تركيا حققت خلال ثمانية أشهر ما لم يحققه المجتمع الدولي خلال 20 عاما لتبديد الاعتقاد بأن مقديشو منطقة خطرة لا يمكن التواجد فيها. وقال معماري تركي: “تحب حكومتنا أن تساعد أي أحد في أزمة وبالتالي جئنا إلى هنا دون أن نفكر في أي شيء” ( رويترز). وترفرف أعلام تركيا فوق المباني وتنتشر لافتات مشاريع إعادة الإعمار التركية في العاصمة التي تمتلئ شوارعها بالحفر والأنقاض وأكوام القمامة.

التعامل التركي أظهر احتراما كبيرا للإنسان الصومالي في منعطف حرج،  وهو يختلف عن التدخل الأمريكي في بداية التسعينيات من القرن الميلادي المنصرم الذي كان مشفعوعا بتدخل عسكري أثار مشاعر الصوماليين ضده بسبب الأعمال الاستفزازية والتعذيب (صورة لطفل صومالي يتمدد على النار الملتهبة على يد جنود دنماركيين في كسمايو على سبيل المثال) .

وفي 19 من اغسطس الماضي أصبح اردوغان أول زعيم من خارج افريقيا يزور مقديشو منذ نحو 20 عاما، وظهر على شاشات العالم وهو يحنو على طفلة صومالية ماسحا رأسها ومعه زوجته وخمسة وزراء من حكومته وجاب شوارع مقديشو على سيارة مفتوحة السقف، يتفقد أوضاع المتضررين بنفسه، واعتبر هذا التصرف في حينه رسالة إلى العالم مفادها بأن مقديشو ليست منطقة خطرة NO-GO ZONE كما يحلو للبعض.

وفي كل مكان، شاهد الشعب الصومالي كل خطوة من خطوات رئيس الوزراء التركي بالإعجاب والامتنان، في حين أن مافيا نيروبي- على حد تعتبير البرفسور عبدي إسماعيل سمتار- تراقب تحركاته بالفزع متسائلين ما إذا كان الرجل يريد إحياء “الإمبراطورية العثمانية”.

وقد أحرجت الخطوات التركية العالم العربي والإسلامي والغربي على حد سواء، وعلى إثر زيارته تقاطرت الوفود العالمية والإقليمية على مطار مقديشو على خطى أردوغان وكان من هؤلاء الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون. أما نائب رئيس الوزراء التركي بكر بوزداق فقد زار الصومال للمرة الخامسة كأعلى مسئول تعينه تركيا لمعالجة ملف المساعدات للصومال. وفي الأيام التي تلت زيارة أردوغان للصومال قدمت تركيا لوحدها 250 مليون دولار كمساعدات إنسانية للبلد (عينتي، الجزيرة،03 إبريل 2012).

وعبر مسؤولون بالأمم المتحدة في أحاديث خاصة عن اعجابهم بقدرة المؤسسات الخيرية التركية والموظفين الحكوميين على العمل في مناطق من العاصمة الصومالية يعتبرها غربيون شديدة الخطورة.(رويترز)

ولكن الحرص التركي على نجاح دبلوماسيتها في الصومال وعملها الدؤوب سياسيا وتنمويا في هذا الاتجاه لا يمكن أن يترجم فقط بالعاطفة والأخوة الإسلامية والعمل الإنساني المجرد بل هناك أبعاد اخرى استراتيجية لتركيا في هذا الملف. وكثيرون يتساءلون: لماذا تركيا الآن في الصومال وفي هذا التوقيت بالذات؟

تركيا :عين على الاقتصاد

محاولة الإجابة على السؤال السابق أرجع بعض المحللين أسباب التدخل التركي الحالي إلى ثلاثة عوامل رئيسة تفسر النهج المبدئي الذي تنتهجه تركيا تجاه الصومال. أولا: السلطة الأخلاقية التي تميز القيم الإسلامية الحكومة التركية الحالية. ثانيا: الفرص الاقتصادية التي تجعل تركيا منافسا اقتصاديا عالميا صاعدا. ثالثا: النظرة الجيوستراتيجية التي تشكل جزءا من طموحات تركيا العالمية من خلال تحقيق لعب أدوار غير مباشرة بوسائل مختلفة تشمل الأفكار، الثقافة، التجارة، الأشخاص وكذلك الابتكار.(عينتي،الجزيرة،03إبريل 2012) وبخصوص العاملين الأخيرين يقودنا التحليل إلى استجلاء التوجه التركي الحالي الذي يسعى للارتقاء لحجز مكانة محترمة بين دول العالم، وفك طوق العزلة الأوروبية المفروضة عليها سياسيا والمدخل في ذلك هو الاقتصاد وتجنب الصراعات.

وفي سباق دولي محموم نحو اختراق الأسواق الإفريقية بحثا عن ثروات طبيعية، وضمان مورد هام للخامات، فإن إفريقيا تبقى الأرض البكر ومخزن الثروات التي لم تستغل بعد.. ومنذ الألفية الجديدة بدأت السياسة التركية توجه بوصلتها نحو إفريقيا وتتنافس مع الصين والولايات المتحدة والهند وإيران والاتحاد الأوربي. نقرأ قليلا عن التوجه التركي نحو إفريقيا ما كتبه ثيودور بيرد، وهو زميل الدكتوراه في إدارة المجتمع والعولمة في جامعة روسكيلد في الدانمارك في موقع Open democracy.net في 1 ديسيمبر2011 “تركيا، على مدى العقود القليلة الماضية تطرح نفسها قوة إقليمية اقتصادية وسياسية، مع وضع مهيمن في الشؤون الاقتصادية والسياسية في حوض البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود والشرق الأوسط.

وهناك تاريخ طويل من العلاقات العثمانية مع أفريقيا، والذي يمتد قرونا، توقفت بعد تشكيل الجمهورية في عام 1923. وبعد اعتماد خطة العمل بشأن أفريقيا عام 1998، استؤنفت العلاقات السياسية والاقتصادية بين تركيا وأفريقيا بعد فترة من الركود. وفي الآونة الأخيرة، منذ عام 2003، ظهرت الدول الافريقية بشكل مكثف في السياسة الخارجية والاقتصادية التركية،  مع عام 2005 يبدو وكأنه “عام افريقيا”، واستضافت أول قمة التعاون بين تركيا وأفريقيا في عام 2008، كما استضافت مؤتمرا معنيا بأقل البلدان نموا في اسطنبول في ربيع عام 2011. في أكثر من عقد، في الفترة من 1996-2009، قفزت الصادرات الى الدول الافريقية من حوالي 1.2 بليون$ حتي 10.2 بليون دولار أي بزيادة قدرها 750٪، ويزيد قليلا عن 10٪ من إجمالي الصادرات التركية. في الآونة الأخيرة، واستهدفت الحكومة التركية المساعدة الاقتصادية والإنسانية في الدول الافريقية وردت على المجاعة في الصومال مع استئناف المساعدات في شكل من أشكال التعليم والتبرعات.
تركيا أعادت اكتشاف أفريقيا من جديد وفي المقام الأول دول جنوب الصحراء الكبرى، التي لها أثر كبير ليس فقط بالنسبة للتجارة والسياسة الخارجية، ولكن أيضا للهجرة واللجوء”.

وقارن بين الاقتباس السابق وبين ما كتبه Serkan Demirtaş وهو كاتب تركي 03يونيو2012م أي بعد يوم من انتهاء مؤتمر إسطنبول الثاني في صحيفة “الحرية ديلي نيوز” التركية تحت عنوان :”الصومال تنهض من جديد من تحت الرماد” :”الصومال في طريقها لتصبح محضنا للاستثمارات الخارجية وجاذبة للتجارة الدولية في خليج عدن وقناة السويس عبر إرساء سياسة تنموية صالحة لجذب الاقتصاد” ونقل الكاتب عن رئيس الهئية التركية للمعونات الدولية ” TIKA ” د.سردار جام Serdar Çam قوله:”نواصل عملنا في الصومال بتشجيع من حكومتنا، ولكن من المهم أن يتحرك الصوماليون من جانبهم بفعالية وديناميكية ويقيموا شراكات اقتصادية ومشاريع مشتركة”. ولم يغفل الكاتب أهمية فتح قنوات النقل لتسهيل التبادل التجاري بين الصومال وتركيا وتنشيط التبادل التجاري مع الدول المجاروة للصومال. وأضاف د.سردار :”أعتقد جازما أنه يمكن فتح العلاقات التجارية الفعالة نظرا لأهمية الصومال الاقتصادية وخصوصا في مجالات تربية المواشي، وصيد الأسماك،والزراعة والغابات إذا تم فتح قنوات النقل “. ويواصل الكاتب حديثه مؤكدا أن بإمكان الصومال أن تصبح قوة اقتصادية تجذب الاستثمارات الخارجية إذا تم تحسين المواصلات وتتنافس مع ميناء جيبوتي ودبي وتصبح همزة وصل بين قناة السويس والمحيط الهندي. وقال: “يمكن اعتبارها في المستقبل منطقة تجارية حرة” وتابع قائلا: “نعتقد أن الصومال في طريقها لتصبح قوة اقتصادية وبإمكانها أن تتعافى بقوة “( والكلام لرئيس الهيئة للمعونات الدولية).. والصومال تملك مساحة واسعة من الأراضي يعيش على ظهرها سكان لا يتجاوز 9 أو 10 ملايين.. الكثير من صوماليي المهجر يعبرون عن رغبتهم في المساعدة لبلادهم، وهو ما حدا تركيا بإنشاء خط جوي ببدإ الخطوط التركية رحلاتها المباشرة إلى الصومال ،وهذا يساعد الصوماليين في الولايات المتحدة وكندا وفي أي مكان من العالم للسفر بسهولة إلى مقديشو وإقامة استثمارات في بلادهم”.

والذي جعل الكاتب يعتقد بقوة أن الصومال مرشحة لتصبح قوة اقتصادية محتملة رغم كونها الدولة الأكثر فقرا هو “التاريخ والماضي الذي يدل على أن سكان هذه المنطقة كانوا من أشهر التجار”. وأضاف: “نتحدث عن الصومال البلد الذي يتمتع بتاريخ عريق، وكانت أجزاء من الصومال في القرن السادس عشر وحتى القرن التاسع عشرتحت العثماني. ونعرف أن الصوماليين نشطاء موهوبون في التجارة وواقعهم الحالي يعكس ذلك ويستطيعون إنتاج أشياء مفيدة بأدواتهم البسيطة”

وبالنسبة للعلاقات التجارية التركية مع القرن الإفريقي نجد أن إثيوبيا – حسب موقع وزارة الاقتصاد التركية – هي تاسع أكبر شريك تجاري لتركيا في افريقيا بحلول عام 2011. وقد تضاعف ثلاث مرات حجم التجارة الثنائية بين 2004-2011م ليصل 317$. كما أن إثيوبيا تمثل سوقا مهما للمقاولين الأتراك، وتحتجز الشركات التركية 19 مشروعا في اثيوبيا بقيمة إجمالية من 444،9$ حتى الآن. ومنذ عام 2003، تعمل 204 شركة تركية في اثيوبيا مع استثمار ما مجموعه 1،3 مليار دولار.

حركة الشباب وتركيا

ظهرت في الآونة الأخيرة تقارير تفيد بأن تركيا قد كونت بصفة سرية نوعا من خطوط التواصل بين حركة الشباب وبين الحكومة الاتحادية الانتقالية وهذا ما يؤكد القدرة التركية على لعب دور دبلوماسي أوسع في عملية الوساطة بين الطرفين. ومما لا شك فيه أن تركيا تتمتع بمزايا بارزة بإمكانها استخدامها، بما فيما علاقتها التاريخية بالصومال، إضافة للقيم الإسلامية المشتركة لحكومتها، وعدم امتلاكها وكلاء أو محفزات لتحريكها في الشأن السياسي الداخلي. إضافة لذلك فإن وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو أشار مؤخرا إلى المصلحة التركية في إيجاد وساطة بين الأطراف المتصارعة حيث أكد أنه “على الرغم من المصالح والعلاقات الخاصة التي تربطنا بالصوماليين من كل الأطراف فإن تركيا ستقوم بدور الوساطة بين مختلف الأطراف الصومالية المتصارعة”.

وهو أمر يعكس سياسة تركيا التي لا ترى شيطنة حركة الشباب، وإمكانية استيعابها..ومن جانبها ترى حركة الشباب بأن تركية واجهة غربية تخفي وراءها أمريكا، بل هي “دمية” غربية ،واتهمتها مرة بتوزيعها مواد غذائية منتهية الصلاحية،لكن الكثير من المراقبين لم يجدوا تفسيرا مقنعا لماذا لم يستهدف الشباب المواطنين الأتراك الذين يتحركون بحرية في شوارع مقديشو. وحسب عبد الرحمن محمد مدير معهد النهضة بمقديشو فإن موظفي تركيا يستشعرون ثقة أكثر من اللازم. وقال:” نراهم لا يستشعرون الهاجس الأمني الذي نحمله، ولا تؤثر الصعوبات في تحركاتهم.. إنهم يفتقدون صفة الحذر، رغم المؤامرات والطمع من فاقدي الضمير، نحن نخاف عليهم لعلمنا بالكثير من الخفايا والصعوبات”( حوار خاص مع الكاتب)..وحسب مصدر تركي يعمل في منظمة IHH التركية فإن الحكومة التركية لم تستجب طلب الحكومة، ولم تنصع لضغوطاتها بعدم توسيع نطاقتها إغاثتها نحو المناطق التي تقع تحت سيطرة الشباب، ولعل هذا هو السبب لإغماض الشباب الطرف عن تحركات الأتراك.

وحتى الآن مرت جهود الإغاثة التركية بسلام، وبنجاح منقطع النظير، حدث فقط أن قتل انتحاريٌ يقود شاحنة ملغومة في اكتوبر 72 شخصا منهم الكثير من الطلبة الذين كانوا يسعون للحصول على منح دراسية تركية. بعد ذلك بشهرين انفجرت سيارة ملغومة على بعد أمتار من السفارة التركية التي كان قد أعيد افتتاحها حديثا لكنها لم توقع خسائر بشرية بين الاتراك.

وبعد انتهاء مؤتمر إسطنبول2 بيوم أعلن المتحدث باسم حركة الشباب المجاهدين الشيخ علي راجي أن مؤتمر اسطنبول كان عبارة عن مؤامرات تحاك ضد الشعب الصومالي الجريح وتكملة لمؤتمر لندن.وهو مؤامرة جديدة لهدم الشريعة الاسلامية في الصومال, واستحلال اموالهم و دمائهم. وأضاف راجى” ما تقوم به الآن [ تركيا] داخل الصومال ليست رحمة بنا, بل ليشكر العالم جهودها في الصومال, كل ما تقوم به تركيا الآن داخل وطننا هو من أجل أن تكون عضوا في الإتحاد الأوروبي” وواصل راجي كلامه قائلا ” كل من يقترب من الاترك وحلفائهم فهو كافر يجب قتله”.( الصومال اليوم04/06/2012)

قراءة في نتائج المؤتمر

“مؤتمر اسطنبول كان نقطة تحول بالنسبة للصومال “
بان كي مون

تميز مؤتمر إسطنبول عن العديد من المؤتمرات السابقة وآخرها كان مؤتمر لندن في 23 فبراير الماضي أن المؤتمر جاء في توقيت مناسب تضافرت فيه العديد من العوامل للإنضاج الفكري للصوماليين،وارتقى مستوى الشعور بعمق الأزمة. وكان التوقيت لصالح تركيا لأنعقاده على أنغام ألحان الحب والإعجاب بتركيا حين كسبت قلوب الصوماليين بمشاريع إغثية وإنمائية وتعليمية متتالية منذ زيارة رئيس الوزراء أردغان لمقديشو أغسطس 2011م وتحرك أساطيل من المؤسسات الخيرية التركية أدهشت كل متابع، وقد عبر مسؤولون بالأمم المتحدة في أحاديث خاصة عن اعجابهم بقدرة المؤسسات الخيرية التركية والموظفين الحكوميين على العمل في مناطق من العاصمة الصومالية يعتبرها غربيون شديدة الخطورة ( رويترز، تقرير: تركيا تجرب القوة الناعمة في الصومال 05 يونيو2012).

في ختام مؤتمر إسطنبول الثاني تحت شعار :” التحضير لمستقبل الصومال: أهداف 2015 ” صدر البيان الختامي الذي عالج جوانب الأزمة الصومالية  حسبما ناقشها القسم التمهيدي للمؤتمر (مؤتمر شرائح المجتمع المدني 27-31 مايو 2012) .

عقد مؤتمر إسطنبول2 في يومي 31 مايو  و1 يونيو 2012م امتدادا لمؤتمر إسطنبول الأول المنعقد عام 2010، وقد حضر المؤتمر ممثلو  57 بلدا و11 من المنظمات الدولية والإقليمية، بالإضافة إلى قادة الحكومة الانتقالية الصومالية والإدارات الإقليمية وجماعة أهل السنة (الصوفية المقاتلة)، وممثلون لقطاعات المجتمع الصومالي تضم علماء، وشيوخ عشائر، ومجتمع الأعمال، وناشطو المهجر الصومالي والمرأة.

وقد تضمنت ديباجة البيان الختامي تأكيد المؤتمر لسيادة ووحدة أراضي،والاستقلال السياسي للصومال، كدلالة مهمة على تميز مؤتمر إسطنبول2 عن غيره من المؤتمرات كما حثَّ الصوماليين على انتهاج أسلوب الحوار والمصالحة والتعاون السياسي لضمان إنشاء حكومة شاملة ومسئولة.

كما رحب المؤتمر بمجمل خطوات العملية السياسية الحالية التي سميت بخارطة الطريق ” Road map” لإنهاء الفترة الانتقالية في 20 أغسطس المقبل تسبقها مصادقة الدستور عبر مجلس عام للمصادقة، ومصادقته أخيرا عبر الاستفتاء العام. وأكدت على أهمية الدستور والذي يأتي نتيجة حوار مجتمعي شامل. كما أشاد المؤتمر بتوسيع الاستشارة والسماح للمواطنين لطرح آرائهم وسماع أصواتهم في صنع العملية السياسية . وحث المؤتمر موقعي خارطة الطريق لبسط الأمن والاستقرار في الأراضي التي زالت عنها قبضة الشباب ” الأراضي المنتعشة”.

ولأهمية اختيار أعضاء البرلمان المقبل في توجيه العملية برمتها عبر المؤتمر عن توقعه بأن يتم اختيار أعضاء البرلمان ومسئولي المناصب القيادة في الصومال بشفافية وبدون عوائق. والمشاركون أشاروا أيضا تأكيدهم بعدم السماح للأفراد أو الجماعات التي تعرقل إنهاء مرحلة الانتقالية.. وأوصوا باقتراح إرسالة رسالة مشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والإيغاد، ومحاكمة المتهمين بعرقلة المسار السياسي.

واختص البيان الختامي مساحة واسعة لمجال إعادة الإعمار، والبنية التحية للصومال وهو ما يعكس الرؤية التركية لحل الأزمة الصومالية والتي ترفض بشدة اعتبار الانتصارات العسكرية وحدها مفتاحا للاستقرار،  وترى أنه بدون التركيز على إعادة الإعمار، فإن العمل في مجالات آخرى سيكون ناقصا. بل صرَّح رئيس الوزراء أردغان تلك الرؤية التركية قائلا:” إن الأمن والتنمية متلازمان ويمكن تحقيقهما جنبا إلى جنب” وأضاف:” بدون تنمية يصعب إنجاز أي تقدم في المضمار السياسي “..ووعد في خطوته بإعادة بناء البنية التحتية في العاصمة مقديشو ومناطق أخرى لبناء ثقة الصوماليين بمستقبلهم، وتشجيع جميع الشرائح نحو المصالحة.

وكخطوة تهدف لكبح الفساد الذي استشرى في أوصال الحكومة الانتقالية الحالية-حسب تقارير أممية- رحب المؤتمر بالمفاوضات الجارية لإقامة نظام المساءلة المتبادلة وإقامة المجلس المشترك للإدارة المالية (JFMB). وأشار إلى أن المجتمع الدولي لا يزال ملتزما بمساعدة الصومال بغية تحسين تنظيم شؤونها المالية والمساعدة الإنمائية. كما رحب المؤتمر بإنشاء صندوق استئماني متعدد الجهات المانحة لتمويل ما بعد الفترة الانتقالية.

أما القسم التمهيدي للمؤتمر (27-31 مايو2012) وهو اجتماع شرائح المجتمع المدني من علماء وشيوخ عشائر وقيادات الشتات الصومالي يتجاوز عددهم  350 شخصا لمناقشة مسائل حيوية تتعلق ببناء صومال جديد يسودها الأمن والاستقرار..

استعرض المؤتمرون أسباب الأزمة الصومالية وجذور المأساة الراهنة، كمقدمة للتشخيص والعلاج الصحيح. وقد اعترف الجميع بأن الأوضاع في الصومال وصلت إلى التدهور والانهيار واحتلَّ ذيل قائمة قرابة 200 دولة في العالم في معظم مؤشرات التنمية الإنسانية..حسب الإحصائيات التي يصدرها البرنامج الإنمائي الأممي UNDP وأظهر المؤتمر اقتناعه بأن السلام الحقيقي يأتي من الداخل وليس مفروضا من الخارج، وهو مرهون بمدى استعداد الصوماليين لتبني تفكير سليم يسمح بالبناء، ويتصالح مع الذات، فالجنون – حسب الدكتور عبد الله عثمان حيري أحد المشاركين من المهجر- هو أن تكرر ما فعلته سابقا ثم تنتظر نتيجة مغايرة.

وفي كلمته الافتتاحية ألقى وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو خطبة عميقة الدلالة لامست وجدان المؤتمر حاول فيها استجاشة روح الوطنية ونفخ العزة حين أكد أنه يتطلع إلى روح المجاهد أحمد جري في القرن السادس عشر الذي توحد الصوماليون تحت قيادته.. وقال:” حين زرنا مقديشو مع رئيس الوزراء اعتصرنا الألم للظروف البائسة التي كان بها المطار، حيث كان النزول صعبا، المدينة كانت تخلو من طرق نظيفة والقمامة تنتشر على جنبتي الطريق.. والأطفال الذين يترعرعون في ظل هذه الظروف في تلك الليلة لم نستطع النوم وفي الصباح رئيس الوزراء أعطانا أوامر قائلا : لابد أن تنظفوا هذه الشوارع، والآن نرمم الطريق المؤدي إلى المطار ومستشفى دجفير …”

وشرح خطة تركيا لمعالجة المعضلة الصومالية قائلا: ” تركيا تملك إستراتيجية محددة تشمل بناء الاقتصاد الصومالي الذي يملك ثروات طبيعية، وخلق مناخ آمن يسمح ببناء الاقتصاد، ودعم الصوماليين لاستعادة مؤسسات دولة فاعلة وبناء القوات القادرة على حفظ الأمن ” ( خطبة الافتتاح 27مايو)

وقد استمرت أعمال مؤتمر المجتمع المدني على مدى أربعة أيام ناقش فيها المشاركون قضايا متشعبة تتعلق بإنها المرحلة الانتقالية والدستور والتعليم والصحة والإغاثة تمهيدا لعرضها على مؤتمر الرؤساء والأمين العام للأمم المتحتدة، وقد تضمن البيان النهائي جملة من الاقتراحات كان من أهمها :

المطالبة برفع حظر السلاح من الصومال بعد بناء جيش صومالي شامل  inclusiveمدرب قادر على حماية البلاد تحت مفوضية مدنية تتولى شئون الدفاع، وإنشاء هيئات تنظر في الانتهاكات الحقوقية التي شهدتها الصومال.

تغيير بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال وتوسيعها لتشمل قوات أممية تضم قوات من الدول الإسلامية لتفنيد دعاية الشباب بأن الصومال أصبحت هدفا لقوات غير إسلامية.

إنشاء سياسة لإدارة المساعدات الخارجية للصومال، بأسلوب شفاف ومسئول، والتمهيد لطريقة تضمن الاعتماد على الذات وليس المعونات الخارجية.

تجاوز نظام المحاصصة العشائرية المسمى بأربعة ونصف ( أي أربع قبائل رئيسية وقبائل صغيرة تعتبر نصف قبيلة)إلى 5 قبائل متساوية.

وعلى الرغم من اقتناع الأغلبية بأن الفيدرالية نظام يفتقد سمة الواقعية والعملية فقد أخفق المؤتمر في التوصل إلى إجماع بسبب إصرار قبائل ديجل ومريفلي على التمسك بالنهج الفيدرالي،وتم إرجاء البند إلى مناقشة وطنية موسعة. كما رفض المؤتمر المصادقة المستعجلة للدستور يكتنفها ستار من الغموض وسحب من الشكوك،وفي أجواء تسودها الخلافات بين القوى السياسية في الصومال، وتم الاتفاق على أن الحوار بين الشمال والجنوب مهم للغاية لإنجاح ملف المصالحة،وصياغة دستور للصومال الجديد.

الشق الثاني من المؤتمر (يوم 31 مايو 2012) خصص لمناقشة المسائل التنموية وإعادة الإعمار في الصومال بحضور منظمات دوليَّة ومنتديات شراكة لبحث مسائل تتعلق بالمياه والطرق والطاقة كضمانة أساسية لإيجاد دولة مستقرة ذات مؤسسات فاعلة بعيدا عن المجاعات المتكررة.. والحكومة التركية وعدت من جانبها بالقيام بدور ريادي في عملية إعادة البنى التحية والطاقة واستغلال الموارد الطبيعية، وبرامج التخفيف عن حدة الفقر.

صوت الوحدة هو الطاغي في إسطنبول

في مؤتمر إسطنبول أصبح الصوت الطاغي هو صوت الوحدة الصومالية، وإعادة ترتيب البيت الصومالي من جديد وضمرت فيه المشروعات الانفصالية والفيدرالية، وهو ما يتناغم مع التوجه التركي في الصومال الذي يسعى لإعادة دور العاصمة. وقد فسر المحلل الصومالي موسى يوسف (مقال له في موقع هيران :بماذا يختلف مؤتمر إسطنبول II عن مؤتمر لندن، بالإنجليزية) بأن سبب غياب رئيس أرض الصومال التي أعلنت انفصالها عن الصومال منذ 1991 وهي محمية بريطانية سابقة- هو الشعور بسيادة التوجه الوحدوي على مؤتمر إسطنبول وضمور مشاريع التفتتت الذي تتزعمه دول الجوار، وهو يتناقض مع مؤتمر لندن 23 فبراير الماضي الذي أعطى أرض الصومال فرصة تاريخية-فسرت وكأنها اعتراف ضمني بارع- حيث أكد البند السادس من البيان الختامي لمؤتمر لندن بإجراء حوار بين الحكومة الصومالية الانتقالية وأرض الصومال وتم التوصية بتسهيل أجواء الحوار المناسبة وها هي لندن تحتضن كنتيجة للمؤتمر أول لقاء في 20 من شهر يونيو الحالي كما هو المقرر.

الصومال بعد انتهاء المرحلة الانتقالية 

يبدي المجتمع الدولي أو بالتعبير الدقيق محتكرو العملية السياسية في الصومال تصميما بإنهاء الفترة الانتقالية في الموعد المحدد في 20 أغسطس المقبل دون الحديث عن تفاصيل الخطة المقبلة، وما هو موقف دول الجوار والاتحاد الأوربي وأمريكا من مصير الترويكا الحالية( الرئيس ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان)؟.

ومن المؤكد أن تكون هناك إستراتيجية تركية للتعامل مع مجمل مسائل الملف السياسي الصومال، بما يتوافق مع برامجها الاقتصادية البعيدة المدى وطموحاتها السياسية، ولكنها مجبرة مؤقتا للعمل جنبا إلى جنب وفي انسجام مع المجتمع الدولي(الاتحاد الأوربي وأمريكا وعملائها من دول الجوار) .

ويتحدث بعض الكتاب عن وثائق حديثة أطلقتها تركيا تتضمن خطة لإجراء تعديل في المقاربات السياسية والأمنية الحالية.. وتولي الخطة أهمية كبرى للمزاوجة بين المجالين العسكري والسياسي وعيا بضرورة الحصول على شرعية سياسية من المجتمع المحلي ليؤتي البرنامج العسكري ثماره.وهو ما فشل المجتمع الدولي الاعتراف به حتى الآن، بعد تركيزه على الجانب العسكري في الحرب ضد الشباب واحتكار العملية السياسية الانتقالية، في ظل غياب سياسة وطنية واقتصادية شاملة وهو توجه يفتقد الفعالية علاوة على كونه باهظ التكاليف. والآن أدركت الحكومة التركية ما أدركه كثير من العقلاء الصوماليين منذ وقت بعيد. (عبدي إسماعيل سمتار،فرصة ذهبية في الصومال، موقع هيران، 27 مايو2012).

وفي الفترة ما بعد الانتقالية يبدي الكثيرون مخاوف من استغلال بعض أصحاب المآرب من أمراء الحرب .وفي خطبته في مؤتمر إسطنبول الثاني دعا الامين العام للامم المتحدة بان كي مون للحصول على مساعدات دولية عاجلة للصومال لدرء خطر أمراء الحرب من استغلال فراغ في السلطة بعد التغيير المقرر من السلطة في اغسطس.
وشدد بأن على المجتمع الدولي أن يساعد البلاد بناء أجهزتها الأمنية الخاصة بها، وترسيخ حكم القانون، والقضاء على ثقافة الإفلات من العقاب.

وأضاف: “يجب على المجتمع الدولي تقديم دعم طويل الأجل للصومال. “يجب أن الصومال لا تزال خارطة الطريق لانهاء الفترة الانتقالية.”

وقال بان كي مون إن الدستور الجديد في الصومال، والتي لم يتم بعد صياغة، سيكون تاريخيا. وقال انه يتعين أن يتشكل الدستور مساهمة من الآراء من جميع الأطراف،كما يعكس المعايير الدولية لحقوق الإنسان،ثم يقدم لجميع الصوماليين في استفتاء مفتوح”.

ومهما يكن فقد جاء في البيان الختامي للمؤتمر أن أغسطس ستكون بداية لمرحلة جديدة لبناء السلام في الصومال بمشاركة الصوماليين جميعا ولابد من إقامة نظام يستهدف إعادة بناء الدولة والمؤسسات المحلية والهياكل الإدارية بالتكامل مع برنامج خارطة الطريق الحالي

صومال جديد يسوده الاستقرار

في رأي الكثير من المراقبين –ومنهم الكاتب – تجتاح الصوماليين حاليا أنسام تغيير بدأ بشكل تدريجي نتيجة عوامل عديدة وصل إلى مرحلة النضج..يظهر ذلك بتأمل بسيط في المشهد الأمني والسياسي والاقتصادي في العاصمة مقديشو بفعل عوامل عديدة تضافرت للتمهيد لمرحلة جديدة بعد تجارب مريرة شهدتها الساحة الصومالية، وتعاقب مراحل بدأت بمرحلة الفوضى العارمة بداية التسعينيات من القرن الميلادي الماضي ومرورا بمرحلة سيطرة أمراء الحرب وتجزئة البلاد إلى مناطق نفوذ، ثم مرحلة الموجة العالمية لمحاربة الإرهاب عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م ثم عهد المحاكم الإسلامية الذي قدح ناره الغيرة الإسلامية ضد أمراء الحرب العصابات التابعة لأمريكا ثم مرحلة الانتفاضة التي اجتاحت جنوب الصومال لإخراج إثيوبيا من الأراضي الصومالية وخروجها في فبراير 2009م تليها مرحلة حركة الشباب المجاهدين التي مهدت لتدخل إقليمي في الصومال ذريعة محاربة حركة الشباب التي أعلنت انتماءها إلى تنظيم القاعدة وقد أخضعت ” الشباب” معظم مساحة الأقاليم الجنوبية في الصومال لقبضتها.. ثم المجاعة الأخيرة في الصومال في صيف 2011، والتي جلبت اهتماما دوليا إلى الشأن الصومالي.

شعار المؤتمر الذي كان :” التحضير لمستقبل الصومال: أهداف 2015″ كان اعترافا عالميا جاء في وقت متأخر بأن الأزمة الصومالية متعددة الأوجه، ولا تكمن فقط في محاربة ما يسمى بالإرهاب أو القرصنة…بل المنابع متعددة وتكمن في غياب التنمية والمؤسسات الحكومية،  ولأول مرة تتم مناقشة مسائل حيوية تتخطى المسائل السياسية البحتة، تتعلق بإعادة البنى التحية للبلاد وتوفير الطاقة والكهرباء وبناء الطرق كعلاج فعال لمنابع الفوضى. ومحاربة الفساد المالي الذي يقتل مفعول المساعدات الدولية للصومال، وهو فساد لا يقتصر فقط في أوساط المسئولين الصوماليين بل في المنظمات الدولية التي تستغل ضعف الحكومة وغياب المساءلة.

وأخيرا، لغة مؤتمر إسطنبول الثاني وصياغة البنود الختامية واتجاه الحديث العام وشعار المؤتمر،ونوعية المشاركين من شرائح الشعب الصومالي وأجواء الحرية لتوليد الأفكار،( مؤتمر المجتمع المدني بشكل خاص)كلها تشير إلى أن الصومال على مسافة قريبة من شاطئ الاستقرار..وبخلاف المؤتمرات السابقة تمحور الحديث حول التنمية والاستقرار السياسي، وإعادة البنى التحية، وإعداد الجيش الوطني (لأول مرة في تاريخ المؤتمرات الصومالية ترد لفظة الجيش وكان يتم الحديث فقط عن قوات أمن أو شرطة ) وحماية الحريات الأساسية وحقوق الإنسان، وإقامة القضاء العادل والنزيه ليعود الصومال من جديد إلى المجتمع الدولى وتنمحي عنه صفة ” الفشل ” التي لازمته طيلة عشرين عاما الماضية.

 المراجع:

  1. محمود علسو، رسالة مؤتمر اسطنبول2 إلى المواطن الصومالي” مقال بالإنجليزية منشور في موقع هيران.نت 07 يونيو 2012م.
  2. عبدي إسماعيل سمتار،فرصة ذهبية في الصومال، موقع هيران، 27 مايو2012.
  3. صحيفة الحرية ديلي نيور التركية، عدد 1 يونيو 2012.
  4. عبد الكريم آينتي، الدور التركي المتصاعد في الصومال: جهة مانحة ناشئة؟، الجزيرةنت،03 إبريل2012.
  5. رويترز ،تقرير: تركيا تجرب القوة الناعمة في الصومال 05 يونيو2012.
  6. حضور الكاتب لمؤتمر إسطنبول، ومراقبته للوقائع عن كثب.
  7. ومراجع أخرى مذكورة في ثنايا الموضوع.

7 تعليقات

  1. avatar
    مواطن من جمهورية الصومال الفدرالية
    افهم من كلامك انك ضد فكرة توحد الصومال؟

    • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

      مالذي تقصده بالتوحد هنا …؟؟؟

      في حال كأن قصدك بكلمة التوحد بالمركزية جوابي سيكون بالرفض التام وكلنا رأينا حينما تم تطبيق المركزية في بلد حديث النشأ و مالذي صاحبه من ظهور جنرالات يتقاتلون فيما بينهم وأنقلابات سوداء وقبائل صومالية تاخد مساحة من العاصمة وكأنها جزء من أرضها وليست عاصمة جمهوريتها وتمثل جميع أطياف الشعب الصومالي وبما هو معلوم في المركزية النفوذ والسيطرة يكون في مدينة واحدة

      أما الفدرالية تعمل توازن بين الولاية والعاصمة الفدرالية بحيث هناك أتفاقيات توزع بين لأثنين بحيث لا تعرقل ولا تحجب من الثانية منها الموارد الطبيعية و السياسية والتعليم والصحة وألخ

      • إسماعيل الصومالي

        أخي مواطن من جمهورية الصومال الفدرالية

        كيف تطبق الفدرالية في شعب تعداد سكانه لا يتجواز الـ 20 مليون نسمه أكثر شعبه من البدو الرحل و مساحته شاسعه ؟
        الفدرالية أسلوب حكم جميل و لكن السؤال هو التوافق و طبيعة الصومال أرضا و شعبا ؟ لا يوجد قومية مختلفه و لا دين مختلف و لا عادات مختلفة ، أنعم الله علينا بكل سبل الوحدة فما نحن عليه يتمناه الد أعدائنا ثم نكفر بهذه النعمة التي فضلنا الله علينا بكثير من خلقه و الله أنه لعجب العجاب !!

        أخي الفاضل طريقة الحكم مثل اية أداة يتوقف على طريقة و شروط استخدامها و لا داعي لسرد أمثله فهي كثيرة بدأ من طريقة استخدام جهازك النقال الى آلية تفسير بروتوكولات الأمم المتحدة و القانون الدولي.
        السؤال المهم هو ماذا يحتاج المواطن الصومالي؟ سوف تجد أن الكل يتفق على النقاط التالية:-
        1. مواطنة كامله (التساوي في الحقوق و الوجبات)
        2. دستور ينظم العمل السياسي داخل الوطن
        3. آلية تنظم العمل بين السلطات (الفصل الكامل بين السلطات)
        ما تبنى عليه النقاط السابقة هي حب الوطن و العلم و الثقافة، و ما يهدها النظرة الدونية و الجهل و نظرية نفسي نفسي
        أخي مواطن أعتقد أنا شخصيا بأن الشعب الصومالي بعد 21 سنه من إنهيار دولته تعلم الكثير من العبر
        1. شعبه مهاجر متسول
        2. أصبح الكثير منهم وليمة لوحوش البحر
        3. الحرائر من نسائه هتك عرضم
        4. التشرذم و التفرق هلاك
        5. ما كان يدعوا له القبليون و أمراء الحرب كان فتنة عظيمة
        6. فتن الكثير من أجيال المستقبل عن دينهم
        7. الدولة لا تبنى بالقبيله و لكن بتظافر شعبها
        8. الصومال هي المكان الوحيد الذي تشعر فيه بكرامتك (سبحان الله)
        اما تمسكك بالنقطة الثانية يعيني أن الشعب الصومالي جاهل (إنا و أنت منهم) و بالتالي القائمين و القابعين في بونتلاند جهلاء مما سوف يؤدي إلى إساءة استخدام الفدرالية
        في النهاية أخي الفضل نريد دولة نريد أن نتفاهم نريد التوحد نريد بناء ثقة نريد الكثير من الأولويات قبل التركيز على الفرعيات و باعتقادي الفدرالية في الصومال ضد ما سردته

        • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

          كلامك جميل وتتكلم من منطلق الوطنية الذي يحملها كل صومالي بقلبه لكن نحن نتكلم بلأرض الواقع وليس من منطلق عاطفية

          تم تطبيق المركزية بحذافيرها في الصومال منذ 1960 إلى 1991 مالذي حصل تعرف أجابة

          الفدرالية لم تطبق بعد في أغلب المناطق الصومالية لكن تم تطبيقها في ولايات عدة مثل بونت لاند صومالي لاند جالمودق وغيرها وأنظر اليوم من ناحية البنية التحتية – المدراس – الجامعات – الصحة وألخ

          أفضل بكثير منذ كنا تحت نطام مركزي تذهب جميع لأموال والسلطة إلى العاصمة وبخرابها طاحت الجمهورية

          هل أنا مستعد لتكرار هاذي المأساة لا عقلاً

          تقول الشعب تعقل طيب هل تضمن لي بالمستقبل أن لايظهر ديكاتوريين في حال طبقنا المركزية من جديد

          يجب أعطاء للفدرالية فرصة على أرض وبعد 10 سنوات يتم مراجعة من قبل برلمان الصومال للبحث والنظر هل بالفعل جابت الفائدة المرجو منها أو لا

          في حال فشلت حينها لن أمانع بالمركزية أو غيرها

  2. لا يوجد في عالم السياسة دولة تتحرك بدون مصالح، ولكن المهم ما إذا كانت مصلحتها تنسجم مع مصالحك”.
    تركيا دولة شقيقة قبل ان تكون صديقة والبعض يسئل لماذا لم تتدخل في الصومال من زمن والجواب ياتي من خلال سياسة تركيا الحالية تركيا سابقا كانت دولة منعزلة ودولة عدائية على جيرانها وغير منفتحة لكن وضع الاتراك تغيرر منذوا وصول اردوغان وحزبة الى السلطة ونحن كشعب صومالي نشكرهم من صميم القلب على ما قدموة لنا من انجازات ومشاريع
    ومن جهة اخرى اراى ان تدخل تركيا في الشأن الصومالي هو امر جيد فقد يكون منطلاقا لاخراج بعض القوى السلبية المتواجدة في الساحة الصومالية على غرار دول الجوار الصومالي وقد تستخدم تريكيا اوراق ضغظها على تلك الدول لكي تكف تلك الدول على تدخلاتها الغير مقبلولة اما بالنسبة للشئان الاقتصادي ودور تركيا المحتمل في الاقتصاد الصومالي من السابق لااوانة التحدث عن الاقتصاد والوضع الامني والسياسي للبلد لم يستفر…

  3. في رأي الكثير من المراقبين –ومنهم الكاتب – تجتاح الصوماليين حاليا أنسام تغيير بدأ بشكل تدريجي نتيجة عوامل عديدة وصل إلى مرحلة النضج..
    intaas kaliya waaye mudadan dabe oo dhan waxa igu dhaliyay tafaa,ulka
    تحيا بلادنا إنشاء الله , ونسأل الله أن يفك عنا لجام المحتكرين للملف الصومالي {المجتمع الدولي وعماله المتمثلين في كينيا والحبشة وإيغاد }

  4. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    هل أصبحت سياسية بونت لاند الخارجية بيد أثيوبيا …!!!

    وإذا صدق قولك سنقول أن أنتخاب رئيس بونت لاند يأتي من مكتب رئيس وزراء أثيوبيا ميلس زيناوي وليس من قبل برلمان بونت لاند وشعبه …!!!

    وعن الفدرالية للأسف هي الحل الوحيد بعد ماضقناه من تصرفات الحكومات السابقة بعدم أهتمام أقتصادياً وتعليم والصحة أو البنية التحتية

    وفوق كل هذا تريد من شعب بونت لاند أن يتخلى كل هذا التقدم الذي صنعناه منذ 1998 إلى يومنا حاضر من أجل مدينة واحدة

    لا وألف لا كفا ألي رأيناه

    إذا أراد بناء حمر فليكن لهم ذلك ونحن سنستمر في بناء ولايتنا وبعون الله لن يتغير هذا الشي

%d مدونون معجبون بهذه: