الهوية الصومالية وهيمنة الجزئيات

أعاد تعرض الناشط المدني (أحمد إبراهن عوَّاله)، للاعتقال في مدينة (هرجيسا)، نتيجة للصخب الذي سببه كتابه (نسل رعاة البقر/Dirkii Sacmaallada)، إلى الساحة الفكرية الصومالية، جدلًا كان قائمًا لم يتوقف حول الهوية الصومالية، وإن خبى بين الفينة والأخرى، في ظل الأحداث السياسية والميدانية النشطة، على مساحة البلاد ومحيطها.

وعلى الرغم من خروج مؤلف الكتاب المثير للجدل، من الحبس المؤقت الذي تعرض له، نظرًا لدعاوي قدر رُفِعَت عليه من قبل وجهاء عدد كبير من القبائل، وأعضاء في مجلس شيوخ “أرض الصومال”، وإعلانه ـ أي المؤلف ـ، أنه إنما ادرج اقتباسات من مصادر معروفة، وأنه لم يقم بابتداع شيء جديد من عندياته، فإن ردة الفعل الهوجاء التي ووجه بها الكتاب، وتراجع الكاتب عن أجزاء كبيرة من كتابه، بتعهده للمجتمع بأنه سيقوم بحذف كل ما هو مثير لاستياء من ادّعوا عليه، فإن الجدل الفكري أصبح كقطار غادر المحطة، بل وكشف دون لبس عن وجهات ومناحي أخرى سيتخذها النقاش حول الهوية الصومالية كما يلي:

أولاً: محتوى الكتاب موضوع الأزمة:

1) لم يكن الكتاب بدعًا في سرده مما أصبح متوفرًا لدى الباحثين المتخصيين وغير المتخصصين، من معلومات منشورة إلكترونيًا وعبر النسخ المعروضة للكتب التي تم العثور عليها، والتي تحدثت عن أصول الصوماليين، إضافة لما خرج به اللغوييون وباحثو العلوم الجينية، الذين طرحوا نتائج لا تخلوا بحد ذاتها من علامات استفهام، حول منشأ القبائل والشعب الصوماليين، دون أن نصعد في تساؤلاتنا، إلى حد نضع فيها العينات موضوع الأبحاث الجينية، تحت مجهر التمحيص والشك المشروع، من حيث شموليتها لكل بقاع البلاد وقبائلها.

وقد كان واضحًا تسرع الكاتب في الخروج بمحصلات، لبيانات لازالت تحتاج للكثير من التمحيص، رغم أنها في مجملها تشير إلى أن الشعب الصومالي جملة، مكوّن بالأساس من العنصر البشري الإفريقي الأصيل، الذي استوطن هذه الأرض منذ البداية، وأن نسبة حاملي الدماء غير الإفريقية ليسوا سوى أقلية، بما يتواءم مع التاريخ الحقيقي للبلاد، والذي لازال يحتاج لمزيد من الجهد حتى يتم الكشف عنه بعلمية وتجرد، وقد يكون اعتراف المؤلف ذاته، بان كتابه عبارة عن جمع لـ”اقتباسات”، امرًا حقيقيًا وموقفًا صادقًا، أنجاه من سعير الملاحقة القضائية والاضطهاد الاجتماعي.

2) ومع أن ما أورده الكاتب حول “الأصل العام” للصوماليين، لم يكن مثار اللغط وحالة الهياج التي صاحبت تدشين الكتاب، فإن حديث الكاتب عن مشاهداتٍ شخصية، أونقله لروايات شفوية دارجة أو لأشخاص يعرفهم معرفة مباشرة، حول مسائل مثيرة للجدل بل والسخط، قد كانت السبب الرئيسي في الضجة التي صاحبت الكتاب، وأدت لحبس مؤلفه لعدة أيام وكان من أهمها:

a) توجه الكاتب دون أدنى مواربة، لإسقاط قناعته الشخصية، بـ(انتفاء النسب العربي لدى جل القبائل الصومالية)، ما قاد إلى استفزاز فئات شعبية كبيرة في “أرض الصومال” نظرًا لغلبة مدعي النسب العربي على سكانها ـ شأن كافة مناطق الصومال ـ ، مع أن ذلك الانتفاء أمر وارد بقوة، إلا أنه غير قابل للتعميم لأسباب علمية وموضوعية، لسنا في محل تفصيلها.

b) أثار الكاتب حفيظة معظم القراء، حتى من كانوا من ذوي التوجه “الإفريقاني”، حين أفرد جزءًا لا بأس به من الكتاب، لإثبات آثار يهودية في البلاد، في صفعة قوية للشعب الصومالي الذي يحمل مشاعر عميقة وملتهبة لفلسطين والمسجد الأقصى، مع شعور حقيقي بالتقصير تجاه تلك القضية المقدسة، نظرًا للظروف المؤلمة والمكبّلة لذلك الشعب، الذي يرجو ان يحقق كل ما يطمح إليه ـ وليس يطمح للقليل ـ ، من تقديم النصرة لأهل فلسطين، وفي محاولة غير موفقة من قبل كاتبنا، لإثبات الأثر اليهودي في اللغة الصومالية، عبر ما اعتمده من أمثلة كأسماء “مجن” و “كاهن” و”رابي”، إلاّ أنه وللوهلة الأولى يمكن إثبات عدم توفيقه في ما نحى إليه بالنسبة لاسمي “مجنّ” و”كاهن”، فالأولى عربية بمعنى “الدرع” كما يعترف بنفسه، والثانية آتيه من لفظة “كه” وتعني بالصومالية شروق الشمس، وتصبح صفة “كاهن” للمولود الذي أبصر النور في ذلك الوقت، وإن بحثنا بعض الشيء حول كلمة “رابي” التي نحى الكاتب اعتبارها في الأصل من كلمة “راباي” والتي تعني “عالم الدين” لدى اليهود، فقد يكون أصلها كذلك من لفظة “ربى” أي زاد بالعربية، فيكون “رابي” بمعنى “زايد او زيد”، والصوماليون معروفون بإطلاق أسماء للتفاؤل على أبنائهم كـ”جيلّه” و”هدن” و”ليبان” و”أيان” و “أيانله”.

ولم يتوقف الكاتب عن ذلك، ففي حديثه عن التأثير اليهودي، وعبر استعانته بمشاهدات “دون صور[1]”، حول ما يسوق أنه تم العثور عليه من نجمات سداسية “نجمة داوود”، في مناطق من أقصى شمال البلاد، وهو أمر لم يكن يستحق كل ذلك التهويل، والتراث المحكي الصومالي، يتحدث عن تدمير المملكة اليهودية قصيرة العمرمنذ اكثر من ثمانية قرون، وإن كان حتى موقعها مخالفًا للموضع التي يذكر الكاتب انه تم العثور على “نجوم داوو” فيها .

c) لقد بدى ان الكاتب لم يكتف في إثارة مشاعر فئات واسعة من الشعب الصومال، وخصوصًا أهل “أرض الصومال” حيث يعيش، بل وفي سعيه الحثيث لنفي صحة النسب العربي لقبائل صومالية عديدة، خطى خطوة اخرى إلى الأمام، بنفيه لصحة مسألة النسب لدى القبائل جملة وتفصيلًا، باذلًا جهدًا كبيرًا، في تفنيد صحة ما تدعيه معظم القبائل الصومالية، من انتساب أفراد كل منها لأب واحد، يحملون اسمه وينضوون تحت عصبيته، فسرد حالات كثيرة من “انتقال” سلاسل نسب من قبيلة إلى اخرى، وكشف عن وجود دخلاء في معظم القبائل الصومالية، يدعون النسب الدموي على خلاف واقع كونهم مجرد “حلفاء” من أصل صومالي، أو حتى “نصقاء” من شعوب أخرى، أو إضافة لاحقة تمت عن تراضٍ، ضمت فيها قبيلة ذات امتياز عشيرةً أضعف أو أقل مكانة.

لقد أثار ما أورده الكاتب في ذلك السياق، حالة من الذعر وعدم اليقين، لكثير من أبناء القبائل والعشائر، التي ورد اسمها صراحة في الكتاب، نظرًا للطعن العلني في النسب، الذي سطره الكاتب من مصادره، مما تسبب في زلزال حقيقي في المنظومة القبلية المستقرة، لعدد كبير من تلك القبائل[2]، التي كانت سيئة الحظ كفاية، ليرد ذكرها في الكتاب، وهو ما دفع وجهاء القبائل للتحرك سريعًا، لتفنيد ما ورد في الكتاب بل والمطالبة بحبسه ومقاضاته، واتهامه بالعمالة والإجارة.

ثانيًا: تجليات أزمة الهوية الصومالية.

إنه وعلى الرغم من القدر غير الهين من المشاعر السلبية، التي بدى أن مؤلف الكتاب قد تعمد إثارتها، فإن ما تم طرحه ضمن الكتاب، لم يكن بأي حال من الأحوال بعيدًا عن واقع معاش، وتراث شفوي تم تدوينه مؤخرًا، إضافة لما افتتح به الكتاب، من نقل لبحوث لغوية وجينية، وإشارات تاريخية من عصور سابقة، إلّا أن ردة الفعل القوية التي ووجه بها الكتاب، والصخب الذي رافقه، والذي هدد حريته وسلامته الشخصيتين، لم يكن بعيدًا أبدًا عن أزمة الهوية الصومالية المجزءة، والتي لم يستطع هذا الشعب ـ حتى الآن ـ، تحقيق فكرة واضحة حولها، شاملة لجميع عناصره وفئاته، وهو ذاته ما يجعل نظرة الصومالي لذاته، مسألة لازالت في ظل حالة “الفردانية”، التي لا يمكن أن تتعدى الشخص بذاته، بناءًا على ما حصل عليه من معرفة، او مر به من تجارب، وليس ذلك بالأمر السيء لذاته، بل خطورة الأمر تكمن في غياب “أنا” جمعية، تجعل اعتبارية “نحن” فوق الحالة المزاجية، أو القدرة الفردية اللحظية على تقديم شيء، لتعلو ـ كما يجب ـ خالية من ظلال الانطباعات السيئة، المحيطة بالعمل الاجتماعي والسياسي، التي تلازم الناشطين والفاعلين، وكل ما يضعهم تلقائيًا في خانة شديدة السلبية، نظرًا للانطباعات الجاهزة والأحكام المسبقة، والتي تحد من قدرة أي أحد أو فئة او جماعة أو فكرة، على توحيد هذا الشعب، خاصة وقد فشل الحراك الإسلامي في ذلك، بعد أن بدت عليه ذات أعراض الأنشطة السياسية والاجتماعية العلمانية والعرفية، وما اعتراها من تناحر وتصفيات رخيصة للحسابات، وتجاوز للمبادئ والقيم القبلية والوطنية والدينية والإنسانية، التي يتغنى بها تراثنا نحن الصوماليين، بما جعل تلك الأزمة متلازمة ـ بشكل مؤسف ـ مع الصفة “الصومالية” الغالية على قلوبنا.

وهو ما يستوجب دراسة، تخرج محصلاتها ونتائجها بعقلانية بتأنٍ، يجعلها غير قابلة للاستغلال من قبل مغامري السياسة، وهواة “الهدم للصعود”، إذ أن اعتبار أن الإنسان الصومالي ظهر من العدم هكذا ـ فجأة ـ، أم غير قابل للاقناع، كما ان اعتبار فئات عريضة من الشعب مجرد مهاجرين، يحملون “صفة” الطارئ، الذي يحاول إيجاد مكان له على الأرض بكل قوّته، أو يسلم نفسه للخارج مستتبعًا ـ أمر غير وارد أو ممكن أو مقبول، فنكون والحال كذلك ملزمين بأن نتوخى الحذر في “ما نسوقه”، وحريصين كل الحرص في “كيف نصوغه”، ونحن نحاول الغوص عميقًا في طبقات التاريخ الوطني لبلادنا، ومورث الإنسان الذي ننتمي إليه الذي سكن تلك البلاد وعمرها، وورثناها منه تراثًا حلالًا لا يداخلنا في ذلك أي شك أو شبهة،منزهين إنتمائنا لها، من كل ما استثمره المنتفعون من آلامنا، من تفرق للشمل وهيمنة للجزئيات.

3 تعليقات

  1. مواطن من جمهورية أرض الصومال

    إن ما قدمه الكاتب في كتابه ، من الطعن في نسب قبائل بأكملها في الصومال ، يعتبر قذفا شرعيا ، وكان يجب على حكومة صوماليلاند أن تقيم عليه الحد .!

    وحتى تعرف معنى ما قام به ، تخيل شخصا ينشر في المجتمع أنك لست إبن أبيك ، وأن أباك هو جاركم القديم ؟.!
    أنظر إلى كم المشاعر التي ستغلي فيك ، وقد تدفعك إلى إرتكاب جريمة .

    إن ما قام به هذا الكاتب هو قذف لأمة كاملة ، وليس لشخص واحد ، ولكنني أستغرب لماذا لا يحاكم بطريقة علنية ، ويطبق عليه الحد الشرعي ، وهو ثمانين جلدة لمن قذف بدون دليل .!

    أما الأعجب في الموضوع فهو أن كاتب المقال هذا نفسه يهين أمة بأكملها حين يسميهم “مدعي النسب العربي” !. فأصبح النسب إدعاء وليس إثبات .
    ومثل هذه النكزات المنثورة في مقالات كثيرة “الشاهد” تجعلني أتساءل: لم كل هذا الحقد على أخوة لك في الدم والأرض ؟. لماذا هذا “الدق” في الكلام ؟.

    لماذا لا نحترم بعضنا ، ولا نستخدم هذه الكلمات الجارحة معا ؟.

    • محمود محمد حسن

      بداية أحييك “ابن العم” على غيرتك على أنساب هذا الشعب، ولكن اسمح لي أن أعبر عن حيرتي في شأن ما أوردت ولأصغها على هيئة أسئلة:
      1- هل يتم تطبيق الشريعة في أرض الصومال أو أي بقعة من بلاد الصومال، حتى تطالب بإقامة حد ما على أحد ما؟
      يا أخي كلم العاقل بما يعقل.
      2- ما حاولنا طرحه هو حول كامل ملابسات القضية، من الكتاب لما أثاره من مشاعر، فهل لديك مشكلة في هذا الشأن؟
      أظن أن انفعالك سيقودك لأن ترتكب خطأ كبيرًا.
      3- نعود ونشير إلى أن “حد القذف” ليس واردًا في قانون “أرض الصومال” ولا في غيرها.
      4- حين نقول “مدعي النسب” تكون إشارة منا لعدم وجود ما يثبت النسب من الطرق المعتادة بما لا يعدوا اللجوء لـ”أن كل مؤتمن على نسبه”، ويمكن للعزيز القارئ بذل بعض الجهد في معرفة تلك الطرق المعتمدة لدى “العرب” في تحقيق الأنساب، حتى لا يبدي هذا القدر من الحساسية تجاه تلك العبارة، وأريد أن أطمئنه أنني لا أستهدف في الكلام فئة معينة من الصوماليين، فلا داعي لأن يلفت نظر الآخرين لشعور بعدم الأمان لديه، فيعتقد غير قومه أن قومه في حالة ذعر من كتاب أو مقالة.
      5- أما الأمر الأخير، فأستغرب من كلام أحبتنا وابناء عمومتنا وخؤولتنا من أرض الصومال فكلما لم يعجبهم أمر، قالوا أنها “شبكة الشاهد”، وكأنهم غير مدركون لأن الكاتب يعبر عن وجهة نظره الخاصة، ويستفيد من هامش الحرية الممنوحة له على صفحاتها، فأستميحهم عذرًا بأن لا يكونوا كمن يأكل من طعام “طواعية” ثم يعيبه، فلا هو مجبر على ما أكل ولا هو محمود على ما قال.
      وإني لعجب والله من أمر وهو استسهال طرح مسألة الاحترام “على مقاس” ما نراه، فهل ذُكِرت قبيلة ـ على التعيين ـ بسوء في مقالنا؟وهل انحزنا لطرف على حساب آخر في عرضنا؟ على ما نعلمه من اعتباطية انتقال الأنساب التي ينقلها تراثنا المحكي؟ فهل ما يقال في المجالس حلالٌ وحين يُكتب يصبح كبيرة من كبائر؟… أحيل الأخ العزيز المعلق لما يفعله أقوام في أوروبا من انتساب لأناس من شعبنا… أمضُّوا عيشنا وأبكونا “حزنًا وأسفًا” بظلمهم والإساءة إليهم وإهانتهم… ثم أصبحوا منهم نسبًا ولحمًا ودمًا فجأة بقدرة قادر لجني اللجوء والإعانة… فهل ذاك عنا ببعيد…. أرجو ان نبتعد عن النبرة العالية والعنتريات، فالحال كما قال أهل الشام ” حارتنا ضيقة وبنعرف بعض”.

  2. أحب أن أنوه إلى أن نقاشًا سيتم فتحه في صفحة "dhuuxa dalka soomaaliyeed" على الفيسبوك، حول الموضوع مساء اليوم ، ونرحب بالجميع للمشاركة.

%d مدونون معجبون بهذه: