الصومال: آمال و أتراح

عانت الصومال من الويلات بسبب الأزمات المتلاحقة منذ انهيار الحكومة المركزية. وببروز المحاكم الاسلامية ودخول الرئيس عيد الله يوسف القصر الرئاسي في العاصمة مقديشو، مدعوما بقوات أجنبية، مع ما تلاه من قتل جماعي وتشريد لمئات الآلاف من الشعب، كان هذا بزوغ شمس جديد وأمل جديد لإعادة دولة الصومال.

المجتمع الدولي تداول الملف الصومالي ولأول مرة على محمل الجد، منذ التدخل الامريكي في الصومال في أوائل تسعينات القرن المنصرم، وبدأت الصومال تتحسن تدريجيا في جميع الأصعدة الأمنية، الصحية، الاجتماعية، والاقتصادية، علاوة على إعادة بعض هياكل الدولة التي اختفت معالمها.

والآن، ونحن على عتبة الذكرى التاسعة من دخول الرئيس عبد الله يوسف فيلا صوماليا، فلابد من وقفة لتقييم أداء الحكومات المتعاقبة منذ توليه السلطة بمدى إعادة القانون والنظام، وتحريك عجلة توسيع رقعة الدولة وبسط نفوذها في ربوع البلاد، وبناء مؤسسات الدولة المنهارة.

ولابد من التنويه هنا أنه كان من المستحيل على الصوماليين تحقيق أي تغيير على الوضع سلبا أو إيجابا بدون التدخلات الإقليمية والعالمية، وأن هذا التحسن جاء بأكمله نتيجة الجهود المضنية من المجتمع الدولي، لذا علينا إدراك هذه الحقيقة المدوية. ومن هذا المنطلق يجب على الوطنيين المخلصين عدم الانجرار إلى الآمال المعسولة؛ لأن التغير لم يطرأ بعقول صومالية وبجهود وطنية. ولذا يتحتم التفكير في سبيل توظيف خارطة طريق المجتمع الدولي والاستفاذة منها لتتجاوب مع المعطيات في الواقع المعاش، والعمل على القيام بجهود حيال مشروع صومالي لحما ودما بخطة واضحة وخطوات ثابتة وبمراحل واقعية:

  1. مرحلة السباحة جهة التيار، وهي مرحلة تطبيق خارطة المجتمع الدولي مع إبداء المقاومة بما يمس سيادة البلد من بر وبحر وخيرات على المدى الطويل، وهذا يحتاج إلى مرونة ودبلوماسية رفيعة بالمستوى المطلوب، مع التسلح بمعرفة أولويات المرحلة لتقليص حجم المشكلة.
  2. مرحلة تطبيق الخارطة مع المساهمة في إعدادها لتكون ملائمة لمتطلبات المرحلة وطموح الشعب، وهذا يتطلب توظيف نخب مؤهلة في السلم الحكومي بإمكانها استيعاب المرحلة والتفاهم مع أصحاب المصالح في الشأن الصومالي، وكذلك تهيئة الامة بأخذ زمام المبادرة لإدارة البلاد بأنفسهم في المرحلة القادمة.
  3. مرحلة الاضطلاع بأخذ زمام المبادرة لإدارة البلاد مع عرفان الجميل للمجتمع الدولي وإنهاء وجوده الميداني. وهكذا تعود الصومال كواحدة من بين دول العالم.

هذه مراحل ثلاثة ضرورية تتطلب الكوادر النافذة ذوي الكفاءات المناسبة لإعداد الخطة والخطوات وتنفيذها عمليا على الارض.

فالبلد اليوم يحتدم فيه الصراع بين فريقين: فريق يقوده بهلوان لا يعي حقائق التاريخ وسنن الواقع وهو في خندقه العتيق ويتشدق بالوطنية تارة ويتغني بالإسلام تارة أخري، ويدعي أنه لا يقبل المساومة والمرونة والتغاضي المقصود وغير المقصود عن مصالح الشعب، مقابل مقاولين يعرضون البلد للمزاد العلني وكأنه تحفة عراقية مسروقة تباع في السوق السوداء، وأنا كمواطن، أعتقد، أن بين هذا وذاك مساحة مفتوحة يمكن للوطني الواعي استعراض عضلاته بما يتفوق على هذين الفريقين من فهم ودراية بالواقع وانفتاح مع المجتمع الدولي.

إن فتح نقاشات وطنية هادفة حول خلق وبلورة مشروع وطني صومالي هو السبيل الوحيد للخروج من النفق ويخرج الصومال من محنتها ويرفع رأسها من بين الأمم التواقة إلى الحرية والحياة والتطور والتقدم والازدهار. وهذا المقال السريع ما هو إلا بداية حلم يراودني واستشراف لمستقبل أمة أصبحت ثقلا على الأمم الأخرى.

%d مدونون معجبون بهذه: