صفحاتٌ مِن حياة الدّاعية الصومالي محمد أحمد رُوْبْلِه (بُقُلْ صُوْمْ) [10]

محاولة بشير لتسخير الجن :

فلما أراد (بشير) أن ينسج على منوال والده، ويحضر الروحانيات والجن احتاج إلى كتب والده، وقد أخبرني أنه سيدخل في مغارة أياما ليتفق مع جن، وعند عودته بعد التواري عن الأنظار فترة طويلة، سألته عن خبر الجن، فذكر لي أنه أخفق وأنه سيرتحل إلى مدينة (ِعيلْ بُورْ) ليسترد أملاك والده من (الشيخ محمد فارح القادري)، وهذه الأملاك كانت عبارة عن كتب الطلاسم والسحر ككتاب الديربي الصغير والكبير،([1]) وشمس المعارف الكبرى،([2]) وغيرهم، وكذلك السلاسل والخرق للطريقة، استودعها والد بشير قبل وفاته عند الشيخ محمد.

فلما رجع عن رحلته إلى (عيل بور) التقيته فروى لي قصته مع (الشيخ محمد فارح) قائلا: لما وصلتُ إلى مقر (الشيخ) سألني حراسه عن مقدمي ومقصدي، فأخبرتهم بأني قصدت إلى (الشيخ) من شقة بعيدة لأبث إليه حاجة تعتمل في نفسي، فلما رفعوا أمري إلى الشيخ، أمرهم أن يسألوني عن اسمي ونسبي، فلما علم ذلك أمرهم أن يضيفوني – كعادتهم – بتقديم القرى إلى كل من يزور إلى الشيخ، وهو عبارة عن فضل وضوء الشيخ، وتهليلات يسحر به من يزوره، أو يطلب منه حاجته، وأنا أخذت احتياطي فتصوَّمتُ، ولما اعتذرتُ عن القرى بصيامي أمرهم الشيخ أن يؤجلوا زيارتي إلى حين إفطاري، ولكنني تفطنت لهذه الحيلة ونزلت إلى المدينة وأكلت منها ثم رجعت القهقرى، وبعد محاولات عدة أبوا أن يدخلوني على الشيخ إلا بعد شرب التهليل وقبول القرى، وأنا قابلت ذلك بالرفض لمعرفتي عاقبة احتساء السم. ولما يئستُ إلى وصول أملاك والدي نزلت إلى المدينة وبتّ فيها، فلما انجلى الليل وتنفس الصبح غدوت إلى مقر الشرطة كغدوة الغراب أو أسبق، لأقدم شكواي ضد الشيخ، لكن مقيد الشكوى فما أن سمع مني اسم الشيخ محمد فارح حتى خرج عاديا من بوابة المكتب، مسترجعا ومستعظما أن يتجرأ إنسان بالطعن على نزاهة الشيخ، أو النيل منه بالشكوى وغيرها.

ولما وجدت الأبواب قد أغلقت أمامي رجعت بخفي حنين.

أزمات واقتتال

تعكر الجو وتأزمت العلاقة بين (بشير) وبين الطريقة القادرية بصفة عامة، وخاصة بينه وبين كل من الشيخ عمر مدل، والشيخ محمد فارح، والسمترية، لذلك بدأ يتفاعل معهم، ويرد عليهم، وينشر مثالبهم، ويفضح حيلهم، ويحذر عن خزعبلاتهم. وأذكر وهو يقول: تنادون طيلة الليلة: يا الشيخ عبد القادر، مدد! ويا الشيخ عبد القادر، مدد! والله لا يصل إليه طلب إلا بواسطتي أو بتوقيعي ، أو بمرضاتي !. وكما يقال :مبدء الحرب الكلامُ، تطورت العداوة من الكلام إلى الأفعال، وبينما بشير جالس مع زملائه من الشباب في ساحة في وسط البلد؛ إذ مر عليه رتل من القادرية جائين ذاهبين، والعرق يتصبب منهم لما هم في شغل من تجهيز رحلة إلى قبر ( الشيخ أويس البراوي)، هناك قال لهم بشير: أبعدوا عنا عرقكم العفن! فسَلَّتَ المعلم عبد الله عرقا من جبينه ونثره على (بشير) قائلا: يُتبرك عرقنا وأنت تستنكف منه!.

هناك قفز (بشير) وعلا على (المعلم عبد الله) وصرعه على الأرض، ثم تجمع على (بشير) مريدو الطريقة من كل صوب وحدب يُعملون بأيديهم فيه، حتى مسكوا حزمة من شعر رأسه، فاقتلعوها من جذورها، ثم تدخلت الشرطة واعتقلت عددا منهم (بشير) إلا أن (المعلم محمود الشيخ حسن ) توسط ووعد للشرطة أنه يرأب الصدع، ويصلح الشأن فور عودتهم من ضريح (أويس) ، فوافقت الشرطة على إطلاق سراحهم بالشرط المذكور آنفا.

لكن المعلم محمود بعد عودته من بيولي ( ضريح الشيخ أويس) لم يُعر للقضيّة أي اهتمام، لأن غرضه كان قاصرا فقط على إنجاح الرحلة إلى القبر، وما كان يهتم بالإصلاح بين (بشير) ودراويش القادرية، هذا مما أغضب ( بشيرا)، وقد شافهني أنه تسلق على جدار البيت ( المعلم محمود) عدة ليال لمحاولة اغتياله لكنه لم يُوفق، إذ لم يجده في بيته. وكان مع (بشير) دائما سيف حاد غَمَده في غِمد كَرتُوني، ليوهم الناس على أنه يحمل عصاً كارتونية، وما دروا أن في داخله صمصامة جاثمة.

………………………

  • الهوامش :

 [1] – ويسمى أيضا بـ ( مجربات الديربي) كما يسمى (فتح الملك المجيد المؤلف لنفع العبيد وقمع كل جبار عنيد) ألفه:: حمد بن عمر الديربي ، المتوفى سنة 1151هـ

[2] – و يسمى أيضا بـ( شمس المعارف ولطائف العوارف) ألفه : أحمد على البوني، المتوفى سنة 622هـ.

وقد أفتى العلماء بتحريم اقتناء هذه الكتب والعمل بما فيها، وممن أفتى ذلك ابن بطة العكبري في “الشرح والإبانة” (ص/361) :” ومن البدع النظر في كتب العزائم والعمل بها.

%d مدونون معجبون بهذه: