دلالات توافد المغنّين والأدباء المغتربين على مقديشو

تزايد في الأشهر الأخيرة بشكل ملفت للنظر توافد الأدباء والمغنّين الصوماليين إلى العاصمة الصومالية مقديشو بعد غياب دام أكثر من عشرين عاما، فأصبح ذلك ظاهرةً فنية ألقت بظلالها على المجتمع الصومالي الذي لم يتعود طوال عقدين ونيف من الزمن مثل هذه الإطلالة الأدبية.

  وكان من أبرز المتوافدين الفنانة الشهيرة “سادة علي ورسمه” التي أصبحت نائبة في البرلمان الصومالي، وقبل شهر زارت مقديشو الفنانة الشهيرة هبة محمد هودون المعروفة بـ (هبه نورا)، وبعدها الفنان الملحن محمد أحمد قُومال، والفنان حسين شري عيارجعل، والأديب الكبير والكاتب المسرحي المشهور محمود عبد الله سَنْغُب الذي كان على رأس الفرقة الوطنية الجيبوتية التي زارت مؤخرا العاصمة الصومالية مقديشو.

  ومن الفرق الفنية التي سجَّلت حضورها في مقديشو في الآونة الأخيرة فرقة (قَيلُو طَان) وهي فرقة غنائية مشهورة تتخذ من أوروبا مقراً لها، وفرقة (وَايَهَا عُسُبْ) والتي هي الأخرى فرقة موسقية غنائية شبابية مشهورة تتخذ من العاصمة الكينية نيروبي مقرا لها.

  ومن المتوقَّع – حسب مصادر إعلامية – أن تستضيف مقديشو في الشهور القادمة مطربين آخرين مشهورين لم يأتوا إلى المدينة منذ بدء الحرب الأهلية عام 1991م، وكانت مقديشو مكان انطلاق إبداعاتهم الأدبية في أواخر ستينيات القرن الماضي إثر  افتتاح المسرح الوطني.

  وبالفعل شهدت مدينة مقديشو في الأسابيع القليلة الماضية تنظيم برامج وعروض فنية وأدبية لهؤلاء الفنانين بحضور مسؤولين كبار وتحت رعاية بلدية إقليم بنادر، بالإضافة إلى ذلك كانت هناك حفلات نظمتها زوجات بعض كبار المسؤوليين الصوماليين؛ لتوديع بعض المشاهير في مجال الفن الغنائي الذين قدموا إلى البلد لنفس الغرض.

 مكانةالفن

والفن الصومالي بمختلف أنواعه – منذ فترة – كان واحدا من الأركان الاجتماعية الأكثر  تدعيما للاستقرار والسلام والوئام في الصومال، وفي السبعينيات من القرن الماضي عوَّل النظام العسكري على دور الفنانين وعزز من توطيد نفوذهم في المجتمع الصومالي؛ حيث تم تأسيس فرقة وابري الغنائية التي أصبحت من أقوى فرق الغناء والأعمال المسرحية في الصومال، وأنفقت الحكومة العسكرية أموالا طائلة في تدعيم وتشكيل الفرق الفنية في كل المجالات، وذلك من أجل بسط نفوذ الدولة، واستخدام الفنّ كسلاح قوي لمواجهة التحديات والتوجهات الفكرية التي كانت مناوئة للشيوعية والإشتراكية وغير ذلك من المبادئ التي كانت سائدة آنذاك.

و يلاحظ أن الحكومة الصومالية الفيدرالية الحالية قد شعرت مؤخرا أهمية عودة الفنانين التاريخيين إلى الساحة الصومالية من جديد؛ حتى يساهموا في تعزيز التلاحم الوطني وتكريس لغة السلام وإعادة الاستقرار إلى الصومال الذي عانى من تشرذم وصراعات استمرت طيلة العقدين الماضيين.

 و من الجهود الحكومية في هذا الاتجاه ترميم المسرح الوطني الذي انهار  أثناء الحروب الأهلية، مع إقامة حفلات وسهرات ليلية جعلت الناس يتذكرون أيام العهد السابق، كما شجَّعت الحكومة بعض الفرق والمنظمات الشبابية مثل منظمة (SYL11) على مبادرتها في استضافة الفرق الموسيقية من الدول الأخرى.

 DSC09059الدلالات

هناك تباين في الرؤى حول دلالات و مغزى توافد المطربين والفنانين إلى العاصمة مقديشو في فترات متقاربة وبشكل ملفت للأنظار، ومن أبرز تفسيرات المراقبين في هذا الشأن ما يلي:

  • الإيحاء بتحسن الوضع الأمني: يرى بعض المحللين أن تزايد توافد الفنانين والمطربين على العاصمة الصومالية مقديشو ليس أمرا جاء هكذا اعتباطا من دون تخطيط مسبق؛ بل هو ضمن جهود حكومية تهدف إلى تحسين صورة الحكومة الصومالية، وذلك من خلال القيام بأنشطة تشعر الناس أن البلد بدأ يتعافى من الفوضى العارمة؛ حيث حلت أنغام الموسيقى والأفراح والسهرات الغنائية محل أزيز الرصاص والمدافع، مما يوحي بأن الوضع الأمني في العاصمة في تحسن مستمر.
  • حملة تغريبية مدعومة : التفسير الآخر الوارد في هذا الشأن هو أن منظمات أجنبية ذات أهداف مشبوهة وراء تدفق المغنين الصوماليين المشهورين على مقديشو بهدف تمييع الشباب حتى يبتعدوا عن الأفكار المتطرفة أو بالأحرى عن الالتزام الديني بأكمله؛ وهو أمر ينصب في إطار الحملات التغريبية المتزايدة على أكثر من صعيد في الصومال.
  • حسن النية وحب الوطن : ويعني هذا أن عودة أهل الفن والغناء إلى البلاد ليست لها أي معنى سوى كونها خطوة إيجابية نابعة من حبهم للوطن، كما أنها ترجمة عملية للمعاني الوطنية التي كانوا  يبثونها من الخارج، ويستدل أصحاب هذا الرأي المشاهد أو المقاطع المرئية المنتشرة على نطاق واسع، والتي تتضمن مشاهد مؤثرة لبعض المطربين والأدباء وهم يقبلون الأرض أو يسجدون لله فور نزولهم من الطائرة، إلى جانب مقتطفات مسجلة من الكلمات العاطفية التي يلقيها المشاهير المخضرمين قبل بداية الحفلات الغنائية في الفنادق الكبيرة في مقديشو.

ومهما كان الأمر فإن الرجوع إلى البلاد والمساهمة في توعية المجتمع الصومالي في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها البلد أمر في غاية الأهمية، ويأتي بنتائج إيجابية؛ إذا صحت النوايا، وكانت البرامج هادفة بناءة تخدم المصلحة القومية للوطن، وغير مخلة بالآداب العامة والدين الإسلامي.

%d مدونون معجبون بهذه: