محافظة شبيلي السفلى … صراع قبلي من نوع آخر !!

taqriirكان من المعتاد سابقا أن يحدث صراع في محافظة شبيلي السفلى بين القبائل التي سيطرت عليها منذ انهيار الحكومة المركزية مطلع عام 1991م بين أظهر السكَّان المحليين الذين كانوا يرون أنفسهم بأنهم خاضعون لاستعمار من نوع آخر؛ حتى وصل بهم الأمر إلى أن يباع منهم مياه نهر شبيلى حسب بعض الروايات، فضلا عن نهب ممتلكاتهم والاستيلاء الكامل على بساتينهم ومزارعهم طبقا لما يتردد في أوساطهم، وغير ذلك من الاعتداءات التي يعرفها القاصي والداني.

والغريب حاليا ظهور صراع جديد على السلطة وملكية الأرض بين طرفين يدعي كل منهما بأن له الأحقية بالجلوس في المقعد الأمامي تحت ذرائع مختلفة.

 ويؤكد المراقبون بأنه لا غرابة في التصارع على هذه المنطقة الاستراتيجية لتميزها بمميزات كثيرة، من بينها:

  • إن محافظة شبيلي السفلى هي المنتهى الطبيعي لنهر شبيلي الذي يمتد من أعالى هضبة إثيوبيا وينتهي بالقرب من مدينة براوه الساحلية، ويصل طول النهر نحو 1200 كيلومتر، وهو أطول من نهر جوبا في جنوب الصومال. و تتمتع بموقع استراتيجي مهم يربط بين العاصمة مقديشو والأقاليم الجنوبية.
  • gggتعد شبيلي السفلى من أخصب الأراضي الصومالية لما تتمتع به من تربة فيضية طينية تلائم نمو كل أنواع المحاصيل، وهي المورد الرئيسي لجميع المحافظات الصومالية بمختلف أنواع المحاصيل الزراعية بما في ذلك الخضروات والفواكه والحبوب؛ بالإضافة إلى الألبان واللحوم، وهي أكثر المحافظات الصومالية كثافة بالسكان، وتقطن بها قبائل صومالية متعددة.
  • إن معظم سكان المحافظة من القبائل المزارعة المستقرة المسالمة التي لم تحمل السلاح، ولم تنخرط في الحرب الأهلية والصراع على السلطة في الصومال.

   صراعات سابقة:

وفي أواخر نوفمبر 2003م اندلع صراع دموي عنيف بين مليشيات مسلحة تابعة لفخذين من عشيرة “هَبَرْجدر” في كل من مدينة شلمبود وميناء مدينة مركا الساحلية للسيطرة على أهم المنابع الاقتصادية في المحافظة، وتمكن في نهاية المطاف يوسف محمد سياد المشهور باسم (يوسف إنطعدي) بحسم الصراع لصالحه؛ حيث استولى بقوة على محافظة شبيلي السفلى بأسرها (مركا، براوه، شلمبود، كرتن واري، جنالي، أفجوي، ونلوين، أوطيغلي..إلخ)، وأعلن نفسه رئيسا للمحافظة، وشكَّل نظاما إداريا متماسكا إلى حدٍّ ما، إلا أن سكان المحافظة كانوا ينظرون إليه بأنه حاكم متسلط وجائر في سلطته.

الجنرال يوسف محمد سياد

الجنرال يوسف محمد سياد

وعند بزوغ فجر المحاكم الإسلامية كان للإسلاميين المنتمين إلى عشيرة “هبرجدر” علاقة مع يوسف “أنطعدي” الذي قضى على معظم المليشيات غير التابعة له في المحافظة، ولكن عندما ثارت المحاكم الإسلامية ضد زعماء الحرب في مقديشو منتصف عام 2006م دعم “يوسف إنطعدي” اتحاد المحاكم الإسلامية بكامل قواته، وانخرط في صفوفها، وأصبح من أبرز قادتها المرموقين، الأمر الذي جعله بطلا وزعيما إسلاميا له وزنه في السياسة الصومالية.

 في نهاية ديسمبر 2006م انهار نظام المحاكم الإسلامية بشكل سريع، وتم إطاحته على أيدي القوات الإثيوبية، وبالتالي حاول أهالي شبيلي السفلى أن يتستغلوا الفرصة في النهوض من جديد، بعد ما تم طرد جميع القادة العسكريين المحسوبين على إدارة “إنطعدي” من الإقليم، إلا أن الإدارة الجديدة المعيَّنة من قبل الحكومة الانتقالية آنذاك لم تنجح في لملمة الوضع وتجميع القبائل القاطنة بالمحافظة قبل أن يجيء الدور عليها فتصير طريدة؛ حيث طردتها حركة الشباب من المحافظة عام 2009م، وأصبحت ضيفة في مقديشو لمدة ثلاث سنوات مضت. 

المواجهات الأخيرة:

كانت الاشتباكات العنيفة بين مليشيات محسوبة على “يوسف إنطعدي” و مجموعات معارضة له تتكرر منذ انسحاب حركة الشباب من مدينة مركا الساحلية حاضرة المحافظة في أغسطس 2012م، وقد تطورت الخلافات العلنية في شهر  يوليو الماضي؛ حيث أعلن أحد زعماء عشيرة هَبَرْجِدِرْ حربا على عشيرة “بِيَمَال” القاطنة في أجزاء رئيسية من المحافظة عبر  وسائل الإعلام المحلية، متهما إياها بإثارة الحرب وتصفية أفراد عشيرتة في المنطقة، وبعد أيام وقعت اشتباكات أدت إلى خسائر بشرية ومادية بين جنود حكوميين ينتمون إلى كلتا العشيرتين، وتحديدا في الـ 25 من شهر يوليو الماضي في مناطق بين مدينتي مركا وأفجوي.

جهود المصالحة:

  • منذ بروز الصراع الأخير بدأت جهود حثيثة لإيقاف الصراع المسلح من قبل أعيان ونواب وشيوخ عشائر من كلا الطرفين؛ حيث عقدت لقاءات في العاصمة مقديشو بين ممثلين من الأطراف المتصارعة، وتم التوصل إلى هدنة ووقف إطلاق للنار ، على أن يتم معالجة جذور الأزمة بعد عيد الفطر المبارك بحسب مصادر مطلعة.
  • وعلى المستوى الحكومي أعلنت الحكومة الفدرالية في نهاية شهر يوليو المنصرم أنها تبذل قصارى جهدها لوضع حد للمواجهات المسلحة بين الأجنحة المتنافسة في إطار مصالحة شاملة؛ حيث زار كل من وزير الداخلية، ووزير الدفاع، ووزير العدل، ونواب برلمانيين من كلا العشيرتين.

ssssوتعتقد شريحة واسعة من أعيان وشيوخ قبائل محافظة شبيلي السفلى أن دور الحكومة الصومالية الفدرالية في المصالحة بين العشائر المتصارعة سلبي، وأن وزير الداخلية والأمن الوطني عبد الكريم حسين جوليد متورط في الصراع؛ حيث يعطي الشرعية لجانب على حساب الآخر.

 وهذا ما يرفضه بشدة الطرف الآخر الذي يرى أن عهد الاستقواء بالسلاح والأنظمة الفاسدة قد ولَّى بدون رجعة، وأن الجميع أمام نظام فيدرالي يعطي كل ذي حق حقه، وما من قبيلة في الصومال إلا ولها مناطق تعرف بها؛ وبالتالي يرى المحللون أنه ينبغي تسليم السلطة في كل منطقة لمستحقيها وفق الدستور الفيدرالي الذي ينص على ذلك.

  وأخيرا، من الواضح أن هناك حلقة مفقودة في جهود المصالحة للوصول إلى الحل المنشود، وهي أن يتم تقديم اعتذار للطرف المعتدَى عليه من أهالي المنطقة طوال السنوات الماضية، والاعتراف الكامل بأن لهم حق الصدارة في أي نظام إداري يتم إنشاؤه في منطقتهم وفق القوانين الدستورية للحكومة الفيدرالية الجديدة، وبدون ذلك لن تزول أجواء الاحتقان والشعور بالابتزاز مما يؤثر  سلبا على أمن واستقرار المنطقة على المدى البعيد.

تعليق واحد

  1. شكرا لشبكة الشاهد وعيدكم مبارك

%d مدونون معجبون بهذه: