تزايد المعارضة السياسية ضد الحكومة الوليدة في الصومال

taqriirلوحظ في الآونة الأخيرة موجة من المعارضة السياسية المتزايدة ضد الحكومة الوليدة في الصومال، والتي لم تستكمل عامها الأول، وقد برزت في الساحة ضجة غير مسبوقة، وإشاعات توحي بأن الحكم في الصومال بدأ ينحصر في يد مجموعة صغيرة محاطة بالرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، وأن الأمر جدُّ خطير ما لم يتم القيام بخطوات سريعة لإنقاذ الموقف، إلى جانب تصوير الواقع بأنه متأزم إلى أبعد الحدود من الناحية الأمنية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها من الأفكار السلبية التي يتم ترويجها  عبر وسائل الإعلام بمختلف أشكالها ومؤسساتها القديمة والحديثة.

عوامل مساعدة

 بغض النظر عن دوافع المعارضة والجهات الداعمة لها إلا أن هناك عوامل مساعدة لزيادة حدة الأجواء المشحونة، ومن ذلك أزمات تُعتبر أغلبها إرثا ثقيلا ورثت الحكومة الصومالية الجديدة من الحكومات الإنتقالية السابقة.

أحمد مدوبي

أحمد مدوبي

1. أزمة جوبالاند

ومن أبرز المبررات لإظهار  قصور أو ضعف الحكومة الصومالية في مجال المصالحة وشؤون الفيدرالية “أزمة جوبالاند” ويستخدمها معارضوها كورقة ضغط، ولاسيما بعد رفض الحكومة الصومالية الاعتراف بأحمد محمد إسلام (أحمد مدوبي) المدعوم من كينيا الذي انتخب رئيسا لولاية جوبالاند في مؤتمر مثير للجدل في شهر مايو الماضي، وذكر الرئيس الصومالي رفضه تشكيل إدارة من طرف واحد في مدينة كيسمايو، داعيا إلى مصالحة شاملة.

و تعقدت المشكلة بعد أن أعلن زعماء آخرون بأنهم رؤساء جدد لولاية جوبالاند، وبالتالي بدأ الصراع المسلح بين هؤلاء القادة المتنافسين على تولي مقاليد السلطة في المنطقة، وتكررت الاشتباكات عدة مرات في مدينة كيسمايو، وكان آخرها وأعنفها المعركة التي جرت بين مجموعتين من المليشيات إحداهما مؤيدة لزعيم معسكر رأس كمبوني أحمد مدوبي، وأخرى تابعة للعقيد بري هيرالي -وزير الدفاع الأسبق- في 26 من شهر يونيو الماضي، وقتل في تلك المواجهات عشرات الأشخاص من المدنيين، وانتهى الأمر باستيلاء أحمد مدوبي على كيسمايو بمساندة كينية، الأمر الذي خلق توترا في العلاقات الدوبلوماسية بين مقديشو ونيروبي.

و على هذا الأساس يعتبر المعارضون لسياسات الحكومة الصومالية بأنها فشلت في حل أزمة جوبالاند، وبالتالي تستدعي الضرورة الآن إلى تشكيل حكومة بديلة مع تغيير النظام القائم بأي شكل من الأشكال على حد زعمهم، وذلك من دون تفكير في تداعيات هذه الإجراءات على كافة الأصعدة.

رئيس إدارة بونت لاند: عبد الرحمن فرولي

رئيس إدارة بونت لاند: عبد الرحمن فرولي

2. إدارة إقليم بونتلاند

وفي بونتلاند كان عبد الرحمن شيخ محمود فرولي حاكم إقليم بونتلاند “شبه المستقل” ينظر إلى الحكومة المركزية في مقديشو بعين الريبة والشك، ولم يشارك في حفلة تنصيب الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، وقد بدأت الأزمة الحقيقية بين الطرفين بعد تعيين عبدي فارح شردون “ساعد” لرئاسة الحكومة الصومالية في السادس من أكتوبر عام 2012م؛ حيث أن بونتلاند لا تعتبر رئيس الحكومة المعيَّن ممثلا لها، على أساس أنه كان ينبغي تعيين رئيس وزراء ينتمي بشكل مباشر  إلى القبائل القاطنة في ولاية بونتلاند، كما كان الحال في الحكومات الانتقالية السابقة. بالإضافة إلى ذلك يرى البعض أن المفاوضات الجارية بين الحكومة الصومالية وإدارة صوماليلاند بشأن الوحدة بين الجنوب والشمال أزعج حاكم ولاية بونتلاند الذي يعتبر صوماليلاند أنها تحتل أراض تابعة لولايته، وبالتالي وجدت بونتلاند الفرصة سانحة في دعم أحمد مدوبي زعيم جوبالاند على حساب الحكومة الفيدرالية، وفي مؤتمر صحفي عقد في الـ 28 من شهر مايو الماضي اتهم عبد الرحمن فرولي الحكومة الصومالية بالتدخل فيما أسماه بالشؤون الداخلية لولاية جوبالاند، وقال فرولي في ذلك المؤتمر إنه يشعر بالقلق تجاه ما يجري في ولاية جوبالاند، وحذر من دخول الصومال في أتون حرب أهلية جديدة تدبِّرها الحكومة المركزية في مقديشو .

الشيخ حسن طاهر أويس

الشيخ حسن طاهر أويس

3. قضية الشيخ حسن طاهر أويس

وفي الـ 30 من شهر يونيو الماضي واجهت الحكومة الصومالية أزمة جديدة، وهي التعامل مع قضية الشيخ حسن طاهر أويس الذي هرب من قبضة أمير حركة الشباب أحمد غودني، وسلَّم نفسه إلى عشيرته في وسط الصومال، وأرسلت الحكومة الصومالية وفدا من نواب وشيوخ وعسكريين ينتمون إلى عشيرة حسن طاهر أويس لإقناع الشيخ أويس بالمفاوضة مع الحكومة مقابل ضمانات بشأن التعامل الحسن مع ملفه، ولكن بعد أن أقنع الوفد الشيخ بالذهاب إلى مقديشو حدث ما لم يكن في حسبانهم، لاسيما بعد وصولهم إلى مطار آدم عدي الدولي في مقديشو؛ حيث غيرت الحكومة موقفها وقررت حبس الشيخ والتحقيق معه، و من جهة ثانية تعرض الوفد المرافق للشيخ للضرب بعد أن رفض التخلي عنه، الأمر الذي فجر سخطا كبيرا بين أوساط العشيرة التي ينتمي إليها الشيخ، ونظمت مظاهرات ضد الحكومة في مقديشو، وبدت تصريحات غربية من شيوخ العشيرة وأعيانها بشأن إعادة النظر في تحالفهم مع الحكومة الصومالية.

5. تدني مستوى أمن العاصمة

وعلى الصعيد الميداني لا تزال حركة الشباب تنفذ منذ خمسة أشهر هجمات كبيرة في العاصمة، استهدفت مقرات حيوية، مثل مجمع محكمة محافظة بنادر، ومقر الأمم المتحدة، ومبنى البعثة التركية بالقرب من سفارة تركيا في مقديشو، وغيرها، وقد كثف الجهاديون عملياتهم في شهر رمضان المبارك، الأمر الذي أثار استياء متزايدا حول أداء وزارة الداخلية والأمن الوطني وتعاملها مع الملف الأمني، بالإضافة إلى إدارتها في الصراعات ذات الطابع القبلي حول الإدارات الإقليمية في المناطق التي استولت عليها الحكومة من حركة الشباب.

وفي هذا الصدد استدعى البرلمان الصومالي وزير الداخلية عبد الكريم حسين غوليد أكثر من مرة للاستجواب عن الوضع الأمني، وكان آخرها في الـ 28 من شهر يوليو الجاري لاستجوابه فيما يتعلق بالتطورات الأمنية في مقديشو، وكذا الصراع القبلي الذي تجدد مؤخرا في مناطق من محافظة شبيلي السفلى 

Amin-Cusub* نوعية المعارضة والجبهة المضادة لها.

وفي ظل هذا الجو المشحون برز إلى الساحة تحالف معارض للحكومة ومقره العاصمة الكينية نيروبي، هذا التحالف الجديد عبَّر عن استيائه تجاه سياسات الحكومة الفيدرالية وكيفية إدارتها للبلاد، وأبرز وجوه التحالف مرشَّحون خسروا الانتخابات الرئاسية في سبتمبر 2012م، ومنهم البروفيسور عبد الولي محمد علي غاس، والصحفي الشهير  يوسف غراد أحمد، والدكتور عبد الرحمن معلم باديو، والبروفيسور أحمد إسماعيل سمتر، والبروفيسور علي خليف غلير، وعمر عبد الرشيد شرمأركي، وعلي محمد غيدي، ورئيس البرلمان السابق شريف حسن شيخ آدم، ومحمد عبدي غاندي، وآخرون.

ويذكر أن أغلبهم قد اجتمعوا في لقاءات سرية في كل من كمبالا ونيروبي منذ شهور، كان آخرها اللقاء الذي عُقد في أحد فنادق نيروبي منتصف شهر يوليو الجاري، والهدف الوحيد الذي يجمعهم هو إسقاط النظام القائم مهما كلفهم ذلك. ويشكك الكثير من المراقبين فيما إذا كان لديهم مشروع موحد، وواضح المعالم، بعيدا عن المشاريع الهدامة المدعومة من قبل بعض دول الجوار المعروفة بسعيها إلى إعادة دولة الصومال إلى المربع الأول؛ كلما لاحت في الأفق بوادر أمل للخروج من النفق المظلم.

IMG_EF053C-70B563-3A066F-A9B37C-684385-404C70

إسماعيل هرى بوبا

 وفي المقابل هناك جبهة جديدة مؤيدة للحكومة الصومالية، وبحسب مصادر مطلعة فقد تشكلت مجموعة سمت نفسها بـاسم “مجلس الاتحاد ودعم الدولة الصومالية” برئاسة النائب البرلماني السابق إسماعيل هُرى “بُوبَا” و قد نصبوا أنفسهم كجبهة مناصرة للحكومة الصومالية الوليدة، ويعتبرون أن معارضة الحكومة بمثابة إنقلاب على الشرعية، وتدمير أو قطع الطريق أمام خارطة الطريق التى يجني ثمارها اليوم الشعب الصومالي.. على شكل إنجازات تحققت على يد الحكومة الصومالية الحالية على المستوى المحلي والخارجي.

 أما فيما يخص بالفريق العامل مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود؛ فيرى مؤيدوه بأنه من الطبيعي أن يكون فريقا منسجما مع سياسة الرئيس وحزبه، ولا داعي للقلق المبالغ فيه؛ فهناك هئيات دستورية تراقبهم، وتحاسبهم، ويعملون في إطار زمني محدد، وبالتالي فليس أمام المعارضين لهم سوى أن يمنحوهم الفترة الزمنية الدستورية المسموحة لهم؛ وذلك حفاظا على مكتسبات الأمة، وسعيا للخروج من دوامة الفوضى إلى بر الأمان أو بالأحرى إلى ما يحلم به كل صومالي من الممارسة النزيهة لحقوقه الشرعية في الانتخاب والترشح وفق المبادئ الديمقراطية بعيدا عن نظام المحاصصة القبلية الظالم الذي أوصلنا إلى الوضع المأساوي الذي نحن فيه اليوم.

ومهما كان الأمر سيأتي اليوم الذي نقيَّم فيه دولتنا وفق المعايير الدولية من حيث الأداء الاقتصادي، والكفاءة الحكومية، ومدى قدرتها على مواجهة الأزمات المحلية والإقليمية.

%d مدونون معجبون بهذه: