إطلالة عامة على أوضاع الأيتام في مقديشو

taqriir2

بعد انهيار الحكومة المركزية الصومالية في يناير عام 1991م، سادت حالة من الاضطرابات والفوضى السياسية في معظم أنحاء الصومال كنتيجة طبيعية للمواجهات القبلية التي طال أمدها، وبطبيعة الحال نتج عن تلك الصراعات وفاة عشرات آلاف من البشر ونزوح الآلاف إلى المناطق المختلفة في البلاد.

ويقدر عدد الأيتام في العاصمة الصومالية مقديشو وحدها بقرابة مائة ألف يتيم بحسب تقارير الهيئات الدولية، ولا غرابة في هذا الرقم الكبير بالنظر إلى المواجهات الدامية التي مرت بها هذه المدينة خلال العقدين الماضيين؛حيث تيتَّم بسبب ذلك أعداد غفيرة من أبناء الشعب الصومالي الذين يفتقرون إلى من يساعدهم في حياتهم اليومية والتعليمية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة في الصومال. وتشير آخر الإحصاءات غير الرسمية إلى أن عدد الأيتام في الصومال يصل إلى 630 ألف يتيم.[1]

وتجدر الإشارة إلى أن هناك هيئات خيرية عالمية ومحلية قامت ببناء مراكز مخصصة لإيواء الأيتام وسدّ حاجاتهم الأساسية، ومنذ بداية الأزمة في الصومال، تم تأسيس مراكز معدودة للأيتام في العاصمة مقديشو؛ بهدف توفير جميع المستلزمات الضرورية لهم.
ورغم كل تلك الجهود المبذولة عالميا ومحليا، إلاّ أنّ معاناة الأيتام لا تزال متفاقمة في أوساط المجتمع الصومالي بسبب استمرار الحروب الأهلية وانتشار الأمراض التي تحصد أرواح أولياء أمور الأيتام في ظل غياب الخدمات الصحية اللازمة.

ومما لاشك فيه أن هناك أيتامًا بحاجة ماسَّة إلى مَن يساعدهم على الحياة، ممن لم يحصلوا على مراكز لإيوائهم لأسباب كثيرة منها:- قلة السعة الاستيعابية للمراكز، وانعدامها في بعض المناطق، وكذلك زيادة مصاريف تسجيل الأيتام الجُدد في بعض المراكز، الأمر الذي يثقل كاهل وليّ أمر اليتيم؛ بحيث تصل تلك التكاليف المالية أحيانا إلى 15 دولارا أمريكيا.

 وعن ذلك تقول حليمة أحمد متحدثةً لشبكة الشاهد الإخبارية ” أنا كأم ليتيمة لا أستطيع دفع القيمة النقدية لمستندات قبول الأيتام الجدد؛ لذلك تعيش ابنتي رملة معي في المنزل”.

وهذه الأسباب وغيرها أدت إلى زيادة أعداد الأيتام غير المكفولين في العاصمة الصومالية مقديشو، وأغلبهم في وضع إنساني متردٍّ للغاية.

وفي الفترة الأخيرة فُتح في مقديشو مركز كبير تدعمه الدولة التركية، وسنفرد له قريبا ملفا خاصا عنه ضمن تقارير الشاهد الأسبوعية، وكذا أوضاع الأيتام الذين يحصلون -من حين لآخر- على دعم رمزي من بعض الهيئات الخيرية العربية والإسلامية وغيرها وهم في منازلهم.

الوضع المعيشي والاجتماعي للأيتام:

من المعلوم أن نسبة الفقر مرتفعة في الصومال بسبب الظروف الاستثنائية في البلاد، إلاّ أن بعض أُسَر الأيتام تعاني من الفقر أكثر من غيرها لعدم حصولها على الرعاية اللازمة لسدّ حاجاتها الأساسية، ومما يقف عليه كل متتبع ليوميات الأيتام في العاصمة الصومالية مقديشو بأن هناك عائلات كبيرة تتكون من أم وسبعة أطفال يضطرون إلى التسول أو العيش في ظل حياة صعبة للغاية بسبب الفقر المدقع السائد في أوساط العامة.
و تزداد أوضاع الأيتام الاجتماعية تعقيدا في الأعياد لعدم قدرة أولياء أمورهم على شراء ملابس جديدة لهم كما هو الحال بالنسبة لغيرهم من الأطفال.
وكان ممن التقت بهم شبكة الشاهد اليتيم أحمد حسن (10 سنوات) – أحد الأيتام في حي هدن بمقديشو- وذكر أنه يضطر أحيانا أن يبقى في بيته إلى أن تنتهي أيام العيد؛ لأن معظم الأطفال يلبسون ملابس جديدة و يحصلون على نقود يشترون بها ما يشاؤون، وليس عنده كل ذلك، وبالتالي تجبره الظروف في الغالب  أن يختفي عن الأنظار بأي شكل من الأشكال، وهو ما يفرض عزلة اجتماعية على الأيتام.
وفي الجانب الصحي نتج عن تلك الأوضاع المعيشية المتردية لدى الأيتام أوضاع صحيَّة صعبة؛ فمعظم الأيتام في العاصمة يعانون من أمراض فتّاكة مثل: مرض السل، كما يعانون من الأمراض الجلدية وغيرها، وتزداد معاناتهم الصحية مع موسم الأمطار بحسب التقارير الطبية المحلية.
ويؤكد ذلك عثمان إيمان يعقوب – وهو ممرض في منظمة “ساعد” المحلية التي تعمل في مجال التغذية للأطفال دون سن الخامسة – قائلا : إن معظم الأطفال الذين يتلقون التغذية من المنظمة هم أيتام يعانون من أمراض كثيرة بسبب سوء التغذية.

agoonالوضع التعليمي للأيتام:

قامت مؤسسات تعليمية أهلية في العاصمة مقديشو منذ سقوط الحكومة المركزية في عام 1991م، وفتحت هذه المؤسسات الأهلية مدارس تابعة لها مقابل رسوم شهرية عالية. وعلى سبيل المثال الطلاب في المرحلة الثانوية يدفعون 15 دولارا كرسوم شهرية. وفي الحقيقة نسبة كبيرة من أولياء أمور الأيتام لا يستطيعون دفع هذه المبالع الباهظة؛ مما يجعل بعض الأيتام من الأسر الفقيرة يتوقفون عن التعليم عندما يعجز ذووهم عن دفع الرسوم الدراسية المطلوبة منهم شهريا.

تقول فردوسة ليبان – وهي أم لأربعة أولاد – : “بعد وفاة زوجي في عام 2009م، طُرد أولادي الثلاثة من المدرسة بسبب عدم تسديدهم الرسوم الشهرية للمدرسة” وأضافت إلى ذلك أنها غير قادرة على دفع الرسوم الشهرية لمدراس تحفيظ القرآن الكريم فضلا عن المدرس النظامية.

ويعتبر التعليم الحاجة الأكثر إلحاحا بالنسبة للأيتام؛ لأن التعليم مقترن بمستقبلهم البعيد، كما أن معظم الأيتام الذين وجدوا فرصة التعليم في مراكز الأيتام لايتجاوز مستواهم التعليمي المرحلة الأساسية، وهو أمر يشكل عقبة أمام تطلعاتهم.
ومع ذلك يمكن القول بأن مراكز الأيتام عموما قدَّمت خلال العقدين الماضيين خدمات جليلة للأيتام في مقديشو، ويشغل بعض خريجيها مناسب عالية في المؤسسات الحكومية والأهلية في الصومال.
ومن بين هؤلاء المحظوظين الأستاذ حسن علي فارح – المحاضر في جامعة بلازما في مقديشو- و هو ممن عاش في مركز كان تابعا لجمعية المشاريع الخيرية في مقديشو، يقول عن تجربته- : “إنا مسرور جدا بما قدَّمَت لي جمعية المشاريع الخيرية من رعاية جيدة؛ حيث وفرت الجمعية لي ولأصدقائي الذين كانوا معي فرصة للتعليم والتفكير بمستقل دراسي راق “، وذكر أنه مستعد أن يكفل يتيما إذا سنحت له الفرصة.

وعلى العموم فإن أغلب الأيتام الذين تخرجوا من مراكز الأيتام يعترفون بأنهم حصلوا على رعاية وتعليم في وقت كانوا بأمس الحاجة إلى ذلك.
ويقول الأستاذ محمد ديريه إبراهيم نائب مدير قسم التعليم والأيتام لجمعية المشاريع الخيرية: “إن مركزنا وفَّر للأيتام فُرصًا تعليمية ورعاية اجتماعية باستعانة محسنين من دولة الكويت الشقيقة” وأضاف إلى أن المعونات المقدمة تشمل أحيانا أولياء أمور الأيتام، مشيرا إلى وجود محسنين وهيئات خيرية عربية وإسلامية تساعدهم على ذلك.

تساؤلات

ويتساءل المهتمون بشأن الأيتام تساؤلات كثيرة من بينها ما يلي :

هل من الممكن أن يتم إعادة فتح بعض مراكز الأيتام -التي أغلقت خوفا من أن تكون رافدا من روافد حركة الشباب المجاهدين في الصومال- ولا سيما بعد انكماش نشاط تلك الحركة العلني في أغلب مناطق الجنوب؟.
وأين دور وزارة تنمية الخدمات الاجتماعية في رعاية الأيتام ؟ وهل يوجد ضمن خططها ما يمكن الاعتماد عليه في المستقبل القريب؟

وعلى صعيد آخر، هل آن الأوان لظهور شركات تجارية وهيئات خيرية محلية ومدعومة من قبل أثرياء الصومال والجاليات الصومالية في المهجر؛ لكي  يتسابقوا على كفالة الأيتام في جميع مناطق الصومال، أم أننا سنظل ننتظر معونات الدول العربية والإسلامية وغيرها التي لا تسمن ولا تغني من جوع؟.

وأخيراً، إلى متى نردد الانتقادات الموجهة إلى بعض المنظمات الإغاثية الأهلية حول تقصيرهم في تحسين مستوى الأسر الفقيرة وأسر الأيتام ؟ أليس من الأجدر أن نسعى إلى الاعتماد على النفس و الاكتفاء الذاتي في جميع المجالات حتى نكون مجتمعا متماسكا ومتكافلا تسوده المحبة والوئام ؟

---------------- هوامش -----------------------
  1. الجزيرة نت، عبدالفتاح نور أشكر http://www.aljazeera.net/news/pages/447fd757-6039-4166-92cd-e6183401e3a6 []
%d مدونون معجبون بهذه: